زهرة البرسيم


فَاتِحَةُ الْقِصَّةِ
(۱) نَمُوذَجُ الْحُسْنِ
كَانَتْ أَبْرَعَ بَنَاتِ جِنْسِهَا جَمَالًا، وَأَبْدَعَهُنَّ قَوَامًا (أَحْسَنَهُنَّ قَامَةً وَتَكْوِينًا وَاعْتِدَالَ جِسْمٍ)، وَأَظْرَ فَهُنَّ مَنْظَرًا. كَانَتْ - لِوَسَامَتِهَا، وَتَأَلُّقِ عَيْنَيْهَا، وَدِقَّةِ أَنْفِهَا الصَّغِيرِ الْوَرْدِيِّ، وَرَشَاقَةِ أَقْدَامِهَا الْمُبَطَّنَةِ بِالشَّعْرِ - مِثَالًا لِلْحُسْنِ وَنَمُوذَجًا لِلْمَلَاحَةِ.
لَوْ رَأَيْتَهَا - وَهِيَ تَخْتَالُ وَتَتَبَخْتَرُ فِي جِلْبَابِهَا الْأَبْيَضِ الْأَنِيقِ – لَمَا تَمَالَكْتَ مِنْ فَرْطِ الْإِعْجَابِ بِهَا، وَالافْتِتَانِ بِمَنْظَرِهَا الرَّائِعِ الْأَخَّاذِ.
كَانَ أَشْهَى غِذَائِهَا الْبِرْسِيمُ.
كَانَتْ تُؤْثِرُ هَذَا الطَّعَامَ (تُفَضّلُهُ) عَلَى أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأُخْرَى.
لَا تَعْجَبْ إِذَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا صَوَاحِبُهَا وَرَفِيقَاتُهَا لَقَبَ «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ».
كَانَتْ - بَيْنَ الْأَرَانِبِ - فِي مِثْلِ جَمَالِ الزَّهْرَةِ الَّتِي يَزْدَانُ بِهَا نَبَاتُ الْبِرْسِيمِ، وَهُوَ – كَمَا حَدَّثْتُكَ – أَشْهَى طَعَamٍ تُحِبُّهُ الْأَرَانِبُ.
(۲) الْأُسْرَةُ السَّعِيدَةُ
كَانَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» - تِلْكَ الْأَرْنَبَةُ الصَّغِيرَةُ الظَّرِيفَةُ الشَّقْرَاءُ – تَعِيشُ مَعَ أَبَوَيْهَا، وَأُخْتَيْهَا، وَإِخْوَتِهَا الثَّلَاثَةِ، فِي جُحْرٍ عَمِيقٍ، حَفَرَهُ أَبُوهَا «الْخُزَزُ» فِي سَفْحٍ؛ أَعْنِي: مَكَانًا مُنْخَفِضًا - اخْتَارَهُ لِسُكْنَاهُ - يَكْتَنِفُهُ سِيَاجٌ (يُحِيطُ بِهِ سُورٌ) مِنَ الْأَعْشَابِ، بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْضِ التِّلَالِ الْمُشْمِسَةِ الرَّمْلِيَّةِ.
كَانَ «الْخُزَزُ» خَيْرَ مِثَالٍ لِرَبِّ الْأُسْرَةِ الْبَارِّ الشَّفِيقِ.
كَانَتْ زَوْجَتُهُ «عِكْرِشَةٌ» تُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا، لِإِخْلَاصِهِ وَدَمَاثَةِ خُلْقِهِ (سُهُولَتِهِ وَلِينِ طَبْعِهِ).
كَانَ «الْخُزَزُ» – فِي الْحَقِيقَةِ - جَدِيرًا بِكُلِّ إِعْجَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّخِرْ وُسْعًا فِي إِسْعَادِ أُسْرَتِهِ: كَانَ يَقْضِي وَقْتَهُ كُلَّهُ مَعَ أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ، فَلَا يُفَارِقُهُمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ قَاهِرَةٍ. لَا عَجَبَ إِذَا نَعِمَتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ بِسَعَادَةٍ نَادِرَةٍ قَلَّمَا يَظْفَرُ بِهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ.
(۳) مَرَضٌ «عِكْرِشَةَ»
لَمْ يَكُنْ يُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ سَعَادَتَهُمْ، وَيُكَدِّرُ صَفْوَهُمْ، إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ، هُوَ مَرَضُ «عِكْرِشَةَ»: أُمُّ الْأَرَانِبِ وَزَوْجَةِ «الْخُزَزِ».
كَانَتْ تَشْكُو السَّقَامَ وَلَا تَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ.
اضْطُرَّ زَوْجُهَا النَّبِيلُ إِلَى تَعَهُّدِ أَبْنَائِهِ، وَالسَّهَرِ عَلَى رَاحَتِهِمْ.
(٤) نَشْأَةُ «الْخُزَزِ»
كَانَ «الْخُزَزُ» قَدْ جَابَ الْبِلَادَ وَطَافَ بِهَا - فِي أَوَّلِ شَبَابِهِ – وَعَاشَرَ النَّاسَ، وَاكْتَسَبَ أَكْرَمَ مِيزَاتِهِمْ، وَجَمَعَ - إِلَى إِخْلَاصِهِ وَوَفَائِهِ - تَجْرِبَةً نَادِرَةً، وَثَقَافَةً وَاسِعَةً. عَرَفَ كَيْفَ يُنَشِّئُ بَنِيهِ أَحْسَنَ تَنْشِئَةٍ، وَيُبَصِّرُهُمْ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ مِنْ فُنُونِ الْمَعْرِفَةِ وَأَنْوَاعِهَا. نَشَأَ «الْخُزَزُ» - مُنْذُ حَدَاثَتِهِ - فِي بَيْتِ زَارِعٍ يَعِيشُ فِي إِحْدَى الْقُرَى النَّائِيَةِ الْبَعِيدَةِ.
كَانَتْ حَفِيدَةُ الزَّارِعِ تُحِبُّهُ أَشَدَّ الْحُبِّ: لَا تَكَادُ تُفَارِقُهُ لِشِدَّةِ الْأُلْفَةِ وَالْحُبِّ وَالْإِينَاسِ بَيْنَهُمَا.
هَرَبَ «الْخُزَزُ» مِنْ بَيْتِ الزَّارِعِ، حِينَ رَأَى رَبَّةَ الْبَيْتِ تَذْبَحُ أَحَدَ رِفَاقِهِ (أَصْحَابِهِ)، لِتُهَيِّئَ لِزَوْجِهَا غَدَاءَهُ. لَمْ يُطِقِ الْبَقَاءَ فِي الْبَيْتِ - مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ – وَهَجَرَهُ إِلَى حَيْثُ يَعِيشُ مَعَ أُسْرَتِهِ.
(٥) اللَّيْلَةُ الْقَمْرَاءُ
لَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ اجْتَمَعَتِ الْأُسْرَةُ فِي مَكْرِهَا (جُحْرِهَا) قَالَ «الْخُزَزُ» لِأَبْنَائِهِ: «هَلْ أَنْتُمْ مُعِدُّونَ؟ فَإِنَّا عَلَى الرَّحِيلِ عَازِمُونَ.»
أَسْرَعَ «أَبُو نَبِيهِ» - وَهُوَ أَكْبَرُ أَبْنَاءِ «الْخُزَزِ» - إِلَى أُمِّهِ «عِكْرِشَةَ» لِيُوَدِّعَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ. كَانَتْ مُمَدَّدَةً فِي رُكْنٍ مُنْزَوٍ مِنَ الْجُحْرِ، تُعَانِي آلَامَ الْمَرَضِ.
سَأَلَهَا مَحْزُونًا لِسَقَامِهَا: «كَيْفَ أَمْسَيْتِ، يَا أُمَّاهُ؟»
أَجَابَتْهُ: «لَا زِلْتُ أُعَانِي آلَامَ الْمَرَضِ. إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ أَهُمَّ بِالْقِيَامِ، فَتَكَادُ سَاقَايَ لَا تَحْمِلَانِي لِضَعْفِهِمَا!»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «كَلَّا. لَا تَقُولِي ذَلِكَ، يَا أُمَّاهُ!»
أَقْبَلَتْ عَلَى أُمِّهَا تُؤَسِّيهَا (تُصَبِّرُهَا)، وَتُمِرُّ لِسَانَهَا عَلَى أُذُنَيْهَا – فِي حُنُوٍّ وَرِفْقٍ – وَتُسَرِّي (تُذْهِبُ) عَنْهَا مَا تُكَابِدُهُ مِنْ أَلَمٍ، وَتُبَشِّرُهَا بِقُرْبِ شِفَائِهَا.
رَأَى «الْخُزَزُ» أَنَّ الْوَقْتَ يَمُرُّ سَرِيعًا، فَصَاحَ فِي أَبْنَائِهِ آمِرًا: «هَلُمُّوا أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ. لَقَدْ أَرْسَلَ الْقَمَرُ - فِيمَا أَعْتَقِدُ - أَشِعَّتَهُ الْفَاتِنَةَ عَلَى الدُّنْيَا. لَا بُدَّ أَنْ نَتَعَشَّى. لَا تُضِيعُوا وَقْتَكُمْ عَبَثًا. سَأُرِيكُمْ: أَيَّ حَقْلٍ مِنْ حُقُولِ الْبَرْسِيمِ قَدْ وُفِّقْتُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ؟ إِنَّهُ حَقْلٌ حَافِلٌ (مُحْتَشِدٌ مَمْلُوءٌ) بِذَلِكُمُ الطَّعَامِ الشَّهِيِّ، السَّائِغِ الْهَنِيِّ، الَّذِي يَتَحَلَّبُ رِيقُنَا (يَسِيلُ لُعَابُنَا) شَوْقًا إِلَيْهِ. لَا عَجَبَ فِي ذَلِكُمْ؛ فَهُوَ مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تَصْبُو (تَمِيلُ) إِلَيْهَا نُفُوسُنَا.»
صَاحَ الْأَبْنَاءُ يُوَدِّعُونَ أُمَّهُمْ - فِي جَزَعٍ وَأَسَفٍ - ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ جُحْرِهِمْ، وَرَفَعُوا آذَانَهُمْ وَأَذْنَابَهُمْ فِي الْهَوَاءِ، وَأَسْلَمُوا سُوقَهُمْ لِلرِّيحِ، سَاقًا بَعْدَ سَاقٍ، وَهُمْ يَقْفِزُونَ فِي رَشَاقَةٍ وَخِفَّةٍ عَجِيبَتَيْنِ.
وَقَفُوا عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ يَنْتَظِرُونَ مَقْدَمَ أَبِيهِمُ «الْخُزَزِ» لِيُرْشِدَهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْحَقْلِ.
كَانَ «الْخُزَزُ» - حِينَئِذٍ - يُؤَسِّي (يُعَزِّي) زَوْجَتَهُ «عِكْرِشَةَ» الْمَرِيضَةَ، وَيُوصِّيهَا بِالصَّبْرِ وَالتَّجَلُّدِ، وَيَتَمَنَّى لَهَا نَوْمًا هَادِئًا.
شَكَرَتْ لَهُ «عِكْرِشَةُ» ذَلِكَ الْعَطْفَ، وَتَمَنَّتْ لَهُ السَّلَامَةَ فِي رِحْلَتِهِ (سَفَرِهِ)، حَتَّى يَصِلَ إِلَى رِحْلَتِهِ (الْجِهَةِ الَّتِي يَقْصِدُهَا).
حَانَتْ مِنَ «الْخُزَزِ» الْتِفَاتَةٌ. رَأَى «زَهْرَةَ الْبِرْسِيمِ» لَا تَزَالُ بَاقِيَةً فِي الْجُحْرِ. قَالَ لَهَا: «مَا بَالُكِ لَمْ تَذْهَبِي مَعَ إِخْوَتِكِ؟ أَلَا تُحِبِّينَ أَنْ تُشْرِكِينَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْجَمِيلَةِ؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «كَلَّا، يَا أَبَتِ. لَنْ أَتْرُكَ أُمِّي الْمَرِيضَةَ وَحِيدَةً فِي هَذَا الْجُحْرِ!»
قَالَ لَهَا «الْخُزَزُ»: «بَارَكَ اللهُ فِيكِ، يَا عَزِيزَتِي. إِنِّي مُكَافِئُكِ – عِنْدَ عَوْدَتِي – بِمَا يَسُرُّكِ. فَوَدَاعًا.»
خَرَجَ «الْخُزَزُ». رَأَى أَبْنَاءَهُ يَنْتَظِرُونَ مَقْدَمَهُ عَلَى مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ مِنَ الْجُحْرِ. لَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا هَتَفُوا فَرِحِينَ. تَقَدَّمَ «الْخُزَزُ»، وَتَبِعَهُ بَنُوهُ. كَانُوا يَقْفِزُونَ فِي الْهَوَاءِ مَسْرُورِينَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(۱) عَلَى الْحَشَائِشِ
قَالَتْ «عِكْرِشَةُ» لِبِنْتِهَا «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ»: «مَا بَالُكِ لَمْ تَذْهَبِي مَعَ إِخْوَتِكِ وَأَبِيكِ إِلَى حَقْلِ الْبِرْسِيمِ؟»
أَجَابَتْهَا حَانِيَةً (عَاطِفَةً) مُتَوَدِّدَةً: «كَلَّا يَا أُمَّاهُ. مَا أَنَا بِجَائِعَةٍ. وَلَسْتُ أُوثِرُ (لَا أَخْتَارُ) شَيْئًا فِي الدُّنْيَا عَلَى الْبَقَاءِ إِلَى جَانِبِ أُمِّي الْحَبِيبِ. هَلُمِّي (أَقْبِلِي). نَامِي عَلَى هَذِهِ الْحَشَائِشِ اللَّيِّنَةِ الرَّقِيقَةِ؛ لَعَلَّهَا تُخَفِّفُ شَيْئًا مِنْ أَوْجَاعِكِ، وَتُزِيلُ آلَامَ سَاقَيْكِ.»
لَمْ تَتَرَدَّدْ «عِكْرِشَةُ» فِي ذَلِكَ.
أَعَانَتْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ». أَقَامَتْهَا حَتَّى أَجْلَسَتْهَا عَلَى الْحَشَائِشِ.
جَلَسَتْ إِلَى جَانِبِهَا صَامِتَةً (سَاكِتَةً).
(۲) حُبُّ الْقِصَصِ
سَأَلَتْهَا «عِكْرِشَةٌ»: «فِيمَ تُفَكِّرِينَ يَا عَزِيزَتِي؟»
أَجَابَتْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «أَنْتِ أَدْرَى بِمَا يَشْغَلُنِي، يَا أُمَّاهُ. لَكِنَّكِ مَرِيضَةٌ مُتْعَبَةٌ. لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ بِكِ أَنْ أَزِيدَكِ تَعَبًا.»
قَالَتْ لَهَا «عِكْرِشَةٌ»: «آهِ. لَقَدْ عَرَفْتُ مَا تَطْلُبِينَ! أَلَسْتِ تُرِيدِينَهَا قِصَّةً؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «لَمْ تَعْدِي (لَمْ تَتَجَاوَزِي) مَا فِي نَفْسِي، يَا أُمَّاهُ. لَيْسَ أَشْهَى إِلَيَّ مِنْ سَمَاعِ قِصَصِكِ الْمُعْجِبَةِ.»
قَالَتْ «عِكْرِشَةُ»: «اجْلِسِي أَمَامَ نَاظِرِي لِأُمَتَّعَ بِرُؤْيَتِكِ، وَيَبْهَجَ نَفْسِي جَمَالُ عَيْنَيْكِ الْبَرَّاقَتَيْنِ. إِنِّي قَاصَّةٌ عَلَيْكَ مَا وَقَعَ لِأَحَدٍ أَشِقَائِكِ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، لَا أَحْسَبُهُ يَقِلُّ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.»
(۳) الطِّفْلُ الصَّغِيرُ
أَنْصَتَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» (سَكَتَتْ مُسْتَمِعَةً) لِحَدِيثِهَا. أَرْهَفَتْ أُذُنَيْهَا لِسَمَاعِ الْقِصَّةِ. اسْتَأْنَفَتْ «عِكْرِشَةُ» قَائِلَةً: «فِي مَسَاءِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ خَرَجْتُ وَمَعِي وَلَدِي «أَبُو نَبْهَانَ». لَعَلَّهَا أَوَّلُ مَرَّةٍ أَخْرَجْتُهُ فِيهَا مِنَ الْجُحْرِ. ذَهَبْنَا إِلَى حَقْلٍ نَاءٍ (بَعِيدٍ) مِنْ حُقُولِ «السَّعْتَرِ». كَانَ «أَبُو نَبْهَانَ» - بِكْرُ أَوْلَادِي - مُدَلَّلًا (مَحْبُوبًا يُلَاطَفُ وَتُتْرَكُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). كَانَ - إِلَى ذَلِكَ – عَنِيدًا شَاذًّا. أَلَا تَفْهَمِينَ مَا أَعْنِيهِ؟ أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ وَفْقَ أَهْوَائِهِ، لَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يُرِيدُ. إِذَا عَنَّتْ (خَطَرَتْ) لَهُ فِكْرَةٌ خَاطِئَةٌ، لَمْ يَسْتَشِرْ أَحَدًا، وَلَمْ يَخْشَ كَائِنًا كَانَ، وَلَمْ يُبَالِ الْعَوَاقِبَ. إِذَا أَجْمَعَ إِخْوَانُهُ وَخُلَصَاؤُهُ (الْمُخْلِصُونَ لَهُ) عَلَى فَسَادِ خُطَّتِهِ، وَخَطَإِ طَرِيقَتِهِ، هَزَأَ بِهِمْ، وَسَخِرَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُصْغِ (لَمْ يَسْتَمِعْ) إِلَى نُصْحِهِمْ، وَأَصَرَّ عَلَى إِنْفَاذِ مَا يُرِيدُ، فِي لَجَاجَةٍ وَإِلْحَاحٍ وَعِنَادٍ. جَرَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْحَمَاقَةُ أَشَدَّ النَّكَبَاتِ ((....
(٤) فِي سَبِيلِ الطَّعَامِ
سَكَتَتْ «عِكْرِشَةُ». تَأَوَّهَتْ مِنْ أَوْجَاعِهَا. قَالَتْ: «آي! آي! سَاقِي الْيُمْنَى ... شَدَّ مَا تُؤْلِمُنِي سَاقِي الْيُمْنَى! ... أَلَا تُسَاعِدِينَنِي عَلَى الْحَرَكَةِ لِأَضْطَجِعَ عَلَى جَنْبِي الْأَيْسَرِ؟»
لَبَّتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» طَلَبَهَا. شَكَرَتْ لَهَا «عِكْرِشَةُ» صَنِيعَهَا، وَحَمِدَتْ مَعْرُوفَهَا.
قَالَتْ لَهَا: «لَسْتُ أَذْكُرُ أَيْنَ انْتَهَيْتُ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ؟ آه ... ذَكَرْتُ الْآنَ كُلَّ شَيْءٍ ... حَدَّثْتُكِ أَنَّ «أَبَا نَبْهَانَ» كَانَ غَرِيبَ الطَّبْعِ. لَمْ يَشَإِ الْبَقَاءَ مَعَنَا فِي حَقْلِ «السَّعْتَرِ»: يَقْضَمُ مِنْهُ (يَكْسِرُ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ) مَا يَشْتَهِي، وَيَأْكُلُ مِنْ طَيِّبَاتِهِ كَمَا نَأْكُلُ. أَبَى إِلَّا أَنْ يَتَسَلَّلَ (يَتَنَقَّلَ مُسْتَخْفِيًا) إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ. ابْتَعَدَ عَنَّا بَعْدَ قَلِيلٍ. لَعَلَّهُ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ آخَرَ.
(٥) صَرْخَةُ الْمُسْتَغِيثِ
إِنِّي لَأَقْضَمُ سَاقًا مُزْدَهِرَةً مِنْ النَّبَاتِ، إِذْ دَوَّتْ فِي أُذُنَيَّ صَرْخَةٌ مُزْعِجَةٌ. أَجَلْتُ بَصَرِي (دُرْتُ بِعَيْنَيَّ) فِي أَوْلَادِي لِأُحْصِيَهُمْ (لِأَعُدَّهُمْ). لَمْ أَجِدْ بَيْنَهُمْ «أَبَا نَبْهَانَ». قَفَزْتُ عَادِيَةً (جَارِيَةً) - يَمْنَةً وَيَسْرَةً - وَأَنَا أُنَادِيهِ بِأَعْلَى صَوْتِي: «يَا أَبَا نَبْهَانَ! إِلَيَّ يَا أَبَا نَبْهَانَ.»
سَمِعْتُهُ يُغَوِّثُ، طَالِبًا النَّجْدَةَ.
(٦) بَيْنَ مِخْلَبَيْنِ
أَعْزِزْ عَلَيَّ مَا لَقِيتَ مِنَ الْآلَامِ، يَا «أَبَا نَبْهَانَ»!
أَتَعْرِفِينَ مَا رَأَيْتُ – حِينَئِذٍ - يَا «زَهْرَةَ الْبِرْسِيمِ»؟
رَأَيْتُ مَا فَزَّعَنِي وَهَالَنِي وَكَادَ قَلْبِي يَنْفَطِرُ لَهُ (يَنْشَقُّ): أَبْصَرْتُ وَلَدِي الْعَزِيزَ بَيْنَ مِخْلَبَيْ سَبْعٍ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ (طَائِرٍ مِنْ آكِلَةِ اللُّحُومِ) ... لَكَ اللَّهُ، يَا وَلَدِي. حَاوَلْتَ – جُهْدَكَ - أَنْ تُفْلِتَ مِنْ مِخْلَبَيْهِ، لَمْ تَسْتَطِعْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
كُنْتَ تَسْتَصْرِخُ أُمَّكَ الْحَنُونَ الْمِسْكِينَةَ، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى إِنْقَاذِكَ مِنْ بَرَائِنِ الرَّدَى (أَصَابِعِ الْمَوْتِ)!
هَمَمْتُ - يَا «زَهْرَةَ الْبِرْسِيمِ» - أَنْ أُسْرِعَ لِنَجْدَتِهِ. لَكِنَّ سَاقَيَّ لَمْ تَقْوَيَا. لَمْ أَسْتَطِعِ السَّيْرَ. انْتَظَمَتْنِي الرِّعْدَةُ (شَمِلَتْنِي الرِّعْشَةُ) سَرَتْ فِي جِسْمِي. تَفَكَّكَتْ أَوْصَالِي. لَمْ أَخْطُ – مِنْ مَكَانِي - خُطْوَةً وَاحِدَةً. وَقَفْتُ - حَيْثُ كُنْتُ - وَقَلْبِي يَكَادُ يَتَمَزَّقُ مِنَ الْأَلَمِ. دَنَتِ السَّاعَةُ الْمَرْهُوبَةُ الْهَائِلَةُ ...
(۷) دَمْعَةُ الْحُزْنِ
لَمَّا وَصَلَتْ «عِكْرِشَةُ» إِلَى هَذَا الْحَدِّ الْمُؤَثِّرِ، هَاجَتْهَا الذِّكْرَى. وَقَفَتْ عَنِ الْكَلَامِ. كَفْكَفَتْ (مَسَحَتْ) بِيَدِهَا دَمْعَةً مُتَحَدِّرَةً عَلَى أَنْفِهَا.
أَقْبَلَتْ عَلَيْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» تُؤَسِّيهَا، وَتَقُولُ لَهَا: «كَفَى.. كَفَى، يَا أُمَّاهُ.. لَا تُتِمِّي هَذِهِ الْقِصَّةَ، مَا دَامَتْ تُثِيرُ أَشْجَانَكِ وَهُمُومَكِ.»
تَجَلَّدَتْ «عِكْرِشَةٌ». قَالَتْ لِبِنْتِهَا مُتَأَسِّيَةً (مُتَعَزِّيَةً مُتَصَبِّرَةً): «إِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ مَحْتُومٌ، لَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِهِ. إِنِّي مُتِمَّةٌ مَا بَدَأْتُهُ. أَنْصِتِي إِلَيَّ. اذْكُرِي هَذَا الْحَدِيثَ طُولَ عُمْرِكِ. إِنَّ فِيهِ دَرْسًا نَافِعًا لَكِ، وَعِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ يَعْتَبِرُ. السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ (عَرَفَ الْعَوَاقِبَ وَتَذَكَّرَهَا بِمَا يَحْدُثُ لِسِوَاهُ)، وَالشَّقِيُّ مَنْ وُعِظَ بِنَفْسِهِ (عَرَفَ الْعَوَاقِبَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ السُّوءِ وَالْأَذَى).»
(۸) مَصْرَعُ «أَبِي نَبْهَانَ»
سَكَتَتْ «عِكْرِشَةٌ» لَحْظَةً. اسْتَأْنَفَتْ قَائِلَةً: «رَأَيْتُ لِهَذَا السَّبُعِ الْفَاتِكِ مِنْقَارًا أَعْقَفَ (مُلْتَوِيًا) وَعَيْنَيْنِ وَاسِعَتَيْنِ مُسْتَدِيرَتَيْنِ. عَلِمْتُ أَنَّهُ عَدُوُّنَا اللَّدُودُ: «أُمُّ الْخَرَابِ»!
رَأَيْتُ «أُمَّ الْخَرَابِ» - أَعْنِي: تِلْكَ الْبُومَةَ الْفَرَّاسَةَ الْعَادِيَةَ (الظَّالِمَةَ) - تَرْتَفِعُ بِوَلَدِي فَجْأَةً. رَأَيْتُهَا تَضْرِبُهُ بِمِنْقَارِهَا الْحَادِّ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَتُخْمِدُ أَنْفَاسَهُ.
رَأَيْتُ «أَبَا نَبْهَانَ» يَكُفُّ عَنْ صُرَاخِهِ: مَالَ رَأْسُهُ. تَخَلَّجَ ذَنَبُهُ (اضْطَرَبَ وَتَحَرَّكَ)! فَاضَتْ رُوحُهُ. أَصْبَحَ جُثَّةً هَامِدَةً.
أَمْسَكَتْ بِهِ «أُمُّ الْخَرَابِ» بَيْنَ مِخْلَبَيْهَا. فَتَحَتْ مِنْقَارَهَا الْهَائِلَ. ابْتَلَعَتْهُ. غَاصَ فِي جَوْفِهَا.»
(۹) حُزْنُ الْعَشِيرَةِ
اسْتَأْنَفَتْ «عِكْرِشَةٌ»، قَائِلَةً: «ظَلِلْتُ أَبْكِي - بَيْنَ الْأَعْشَابِ – زَمَنًا طَوِيلًا، حَتَّى نَفِدَتْ دُمُوعِي (فَنِيَتْ). رَجَعْتُ إِلَى الْحَقْلِ مَحْزُونَةً كَاسِفَةَ الْبَالِ، تَغْشَانِي الْهُمُومُ. أَخْبَرْتُ عَشِيرَتِي بِذَلِكَ الْحَادِثِ الْجَلَلِ (الْعَظِيمِ). تَمَلَّكَ الْأَسَفُ قُلُوبَهُمْ. بَكَوْا لِمُصَابِي فِي عَزِيزِي الْحَبِيبِ: «أَبِي نَبْهَانَ».
دَنَا مِنِّي عَمُّكِ الشَّيْخُ «أَبُو نَابِهِ». ظَلَّ يُؤَسِّينِي. هُوَ - كَمَا تَعْلَمِينَ – شَيْخٌ مُجَرَّبٌ بَصِيرٌ.»
(۱۰) خُطْبَةُ «أَبِي نَابِهِ»
وَقَفَ عَلَى سَاقَيْهِ، أَشَارَ بِيَدَيْهِ يَخْطُبُ الْأَرَانِبَ فِي فَصَاحَةٍ وَطَلَاقَةٍ. كَانَ يَقُولُ:
عَزِيزَاتِي وَبَنَاتِي وَأَبْنَائِي:
إِنَّ قَلْبِي حَزِينٌ يَكَادُ يَنْفَطِرُ مِنَ الْأَسَى وَالْأَلَمْ. إِنَّ «أَبَا نَبْهَانَ» – وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْعَزِيزُ - كَانَ مِثَالَ الذَّكَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثَالَ الطَّاعَةِ. كَانَ – لَوْلَا عِنَادُهُ – وَاعِدًا (مَرْجُوَّ الْمُسْتَقْبَلِ). لَوْ عَاشَ لَأَصْبَحَ فَخَارَ أُسْرَتِنَا، وَمَنَاطَ رَجَائِنَا (مَعْقِدَ أَمَلِنَا الَّذِي نَتَعَلَّقُ بِهِ). لَكِنَّ الْقَضَاءَ عَاجَلَهُ. لَيْسَ لَنَا مِنْ حِيلَةٍ فِي رَدِّ عَادِيَةِ الرَّدَى وَدَفْعِ غَائِلَةِ الْمَوْتِ (هُجُومِهِ)؛ فَلْنَبْكِهِ مُتَرَحِّمِينَ عَلَيْهِ.
بَكَتْ أُسْرَةُ الْأَرَانِبِ مَصْرَعَ «أَبِي نَبْهَانَ» وَفَاجِعَتَهُ.
اسْتَأْنَفَ «أَبُو نَابِهِ» قَائِلًا:
وَأَنْتُمْ يَا أَبْنَاءَ أَخِي، وَيَا بَنَاتِ شَقِيقِيَ الْعَزِيزِ:
أَلَمْ تَعْتَبِرُوا بِهَذَا الْمَصْرَعِ الْمُؤْلِمِ؟ أَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الْعِنَادِ، وَالِانْفِرَادِ بِالرَّأْيِ، وَاحْتِقَارِ نَصِيحَةِ النَّاصِحِينَ؟ فَلْيَكُنْ لَكُمْ فِي هَذَا الْمُصَابِ دَرْسٌ وَعِظَةٌ، وَلْتُعَاهِدُونِي - جَمِيعًا - عَلَى أَنْ تَكُونُوا مِثَالَ الطَّاعَةِ، وَأَنْ تَعِيشُوا كَمَا يَعِيشُ الْعُقَلَاءُ الْمُتَبَصِّرُونَ؛ حَتَّى تَأْمَنُوا مِثْلَ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ الْمُفَزِّعَةِ.
(۱۱) نَصِيحَةُ الْمُجَرِّبِينَ
كَانَ الْأَرَانِبُ الصِّغَارُ يُصْغُونَ (يَسْتَمِعُونَ) إِلَى كَلَامِ «أَبِي نَابِهِ» وَيُنْصِتُونَ إِلَى نَصِيحَتِهِ، بِقُلُوبٍ وَاعِيَةٍ. أَرْهَفُوا آذَانَهُمْ، فَلَمْ تُفْلِتْ مِنْهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَقَلَّ حَرَكَةٍ.
قَالَ «أَبُو نَابِهِ» مُسْتَأْنِفًا:
مَتَى حَلَلْتُمْ حَقْلًا مِنْ حُقُولِ الْكُرُنْبِ، فَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ لَذَّةُ الطَّعَامِ عَنِ التَّبَصُّرِ وَالْيَقَظَةِ، وَلْتُرْهِفُوا أَسْمَاعَكُمْ حَتَّى لَا تَدْهَمَكُمْ «أُمُّ الصِّبْيَانِ»: تِلْكُمُ الْبُومَةُ الْفَاتِكَةُ الْعَادِيَةُ (الظَّالِمَةُ) الَّتِي قَتَلَتْ شَقِيقَكُمْ. إِنَّهَا تَتَحَيَّنُ الْفُرَصَ لِقَتْلِكُمْ، وَتَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ؛ وَهِيَ أَلَدُّ أَعْدَائِنَا.
إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَهَا الْكَرِيهَ وَهِيَ تَصِيحُ «وُو – وُو!» فَاخْتَبِئُوا – مِنْ فَوْرِكُمْ فَإِنَّهَا حَادَّةُ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ.
وَهِيَ تَرَى وَتَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَهْبِطُ عَلَيْنَا فَجْأَةً دُونَ أَنْ نَسْمَعَ لَهَا حَرَكَةً، وَتَقْتُلُنَا بِنَقْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مِنْقَارِهَا الْحَادِّ الْأَعْقَفِ (الْمُنْحَنِي)، وَتَبْتَلِعُنَا دَفْعَةً وَاحِدَةً: شَعْرًا وَلَحْمًا وَدَمًا وَعَظْمًا!
وَهِيَ تَقْتَنِصُنَا - مَعْشَرَ الْأَرَانِبِ - كَمَا تَقْتَنِصُ الْفِئرَانَ وَالْجِرْذَانَ وَبَنَاتِ عِرْسٍ، وَغَيْرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْحَيَوَانِ.
وَطَرِيقَتُهَا أَنْ تَبْتَلِعَ الْفَرِيسَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَخْزُنَهَا فِي جَوْفِهَا حَتَّى يَتِمَّ هَضْمُهَا، ثُمَّ تُلْقِي بِعِظَامِهَا وَفَرْوِهَا - أَوْ رِيشِهَا – فِي الْعُشِّ؛ لِتَتَّخِذَ هَذِهِ الْبُومَةُ مِنْهَا أَثَاثًا لِبَيْتِهَا، وَفِرَاشًا لَهَا وَلِبَنَاتِهَا.
(۱۲) عِقَابُ الشَّرَهِ
هُنَا بَدَا التَّعَبُ عَلَى أَسَارِيرِ خَطِيبِنَا (خُطُوطِ جَبِينِهِ). وَقَفَ عَنِ الْكَلَامِ لَحْظَةً. أَجَالَ بَصَرَهُ، وَأَدَارَ عَيْنَيْهِ فِينَا. كُنَّا نُحِيطُ بِهِ مُنْصِتِينَ إِلَى نُصْحِهِ الثَّمِينِ وَسْطَ الْحَقْلِ. لَمَعَتْ عَيْنَاهُ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ. بَدَا شَعْرُهُ الْأَبْيَضُ - حِينَئِذٍ - فَمَازَهُ (أَظْهَرَهُ) مِنَ الْأَرَانِبِ الرَّمَادِيَّةِ الْأُخْرَى. اسْتَأْنَفَ عَمُّكِ قَائِلًا:
لِلْبُومَةِ - كَمَا لِأَمْثَالِهَا مِنَ الْجَوَارِحِ، أَعْنِي: سِبَاعَ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ وَالْحِدَأَةِ – مِنْقَارٌ مَعْقُوفٌ (شَدِيدُ الِانْحِنَاءِ). وَهُوَ - عَلَى قِصَرِهِ - غَلِيظٌ مَتِينٌ.
مَخَالِبُهَا – كَمَا حَدَّثَنَا الثِّقَاتُ الْعَارِفُونَ - قَوِيَّةٌ قَابِضَةٌ مُنْحَنِيَةٌ، تُنْشِبُهَا (تُعَلِّقُهَا) فِي الْجُدْرَانِ وَغُصُونِ الشَّجَرِ.
مَتَى شَبِعَتِ الْبُومَةُ، نَامَتْ عَلَى غُصْنِهَا - حَيْثُ أَقَامَتْ عُشَّهَا – نَوْمًا عَمِيقًا.
لَكِنْ لَا تَنْسَوْا - يَا أَوْلَادِي - أَنَّ لِكُلِّ إِسَاءَةٍ عِقَابًا، وَأَنَّ جَزَاءَ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ وَشِدَّةِ النَّهَمِ (الشَّرَهِ فِي الْأَكْلِ)، لَا بُدَّ حَائِقٌ بِذَوِيهِ (مُحِيطٌ بِأَصْحَابِهِ)، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا.
إِنَّ «أُمَّ الْخَرَابِ» مَا إِنْ تَسْتَيْقِظُ مِنْ سُبَاتِهَا الْعَمِيقِ (نَوْمِهَا الْمُسْتَغْرِقِ)، حَتَّى تَنْتَابَهَا الْآلَامُ وَالْأَوْجَاعُ فِي رَأْسِهَا وَمَعِدَتِهَا، كَمَا تَنْتَابُنَا إِذَا أَفْرَطْنَا فِي أَكْلِ الْحَشَائِشِ الْمُبْتَلَّةِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
لَيْسَتْ تَخِفُّ آلَامُهَا حَتَّى تَلْفِظَ مِنْ جَوْفِهَا جِلْدَنَا وَعَظْمَنَا. فَإِذَا أَخْرَجَتْهُ اسْتَسْلَمَتْ لِلنَّوْمِ مَرَّةً أُخْرَى.
الفصل الثاني
(۱) خُطْبَةُ «الْخُزَيْرِ»
لَمَّا أَتَمَّ عَمُّكِ الشَّيْخُ «أَبُو نَابِهِ» هَذِهِ الْخُطْبَةَ النَّفِيسَةَ، نَهَضَ فِي إِثْرِهِ خَالُكِ الْحَكِيمُ الشَّيْخُ: «الْخُزَيْزُ»؛ فَشَكَرَ لِذَلِكِ الْخَطِيبِ الْمُبْدِعِ نَصَائِحَهُ الثَّمِينَةَ. ثُمَّ قَالَ، بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى خِطَابِهِ الرَّائِعِ:
أَيُّهَا الْأَهْلُ الْكِرَامُ:
إِنَّ مَصْرَعَ ابْنِ أُخْتِي الْعَزِيزِ: «أَبِي نَبْهَانَ» قَدْ عَزَّ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُنَا مِنْهُ حُزْنًا وَأَسَفًا. لَكِنَّ الْحُزْنَ وَالْأَسَفَ - كَمَا تَعْلَمُونَ – لَا يَنْفَعَانِ أَحَدًا. فَلْنَتَّخِذْ مِنْ مَصْرَعِهِ عِبْرَةً لَنَا وَمَوْعِظَةً؛ فَلَا نُعَرِّضَنَّ أَنْفُسَنَا - مَرَّةً أُخْرَى – لِخَطَرِ هَذِهِ الْعَدُوِّ اللَّدُودِ الَّتِي فَتَكَتْ بِفَقِيدِنَا الْعَزِيزِ «أَبِي نَبْهَانَ»، وَلَا نَسْتَهِينَنَّ بِخَطَرِهَا وَقُوَّتِهَا، وَإِلَّا أَصَابَنَا مِثْلُ مَا أَصَابَ الْفَتَى الطَّائِشَ: أَبَا دِرْصَانَ.
(۲) الْعَجُوزُ الْقَاسِيَةُ
صَاحَ الْحَاضِرُونَ يَسْأَلُونَهُ: «وَمَا هِيَ قِصَّةُ أَبِي دِرْصَانَ؟»
قَالَ «الْخُزَيْزُ»:
أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ!
عَلَى سَطْحِ جُرْنٍ عَالٍ، فِي حَقْلٍ مُنْبَسِطٍ فَسِيحٍ، عَاشَتِ الْعَجُوزُ الْقَاسِيَةُ، بَعْدَ أَنِ اتَّخَذَتْ فِي ذِرْوَةِ الْجُرْنِ (أَعْلَاهُ) بَيْتًا تَأْوِي إِلَيْهِ مَعَ صِبْيَانِهَا الصِّغَارِ. أَتَعْرِفُونَ مَنِ الْعَجُوزُ الْقَاسِيَةُ الَّتِي كَانَتْ تَأْوِي إِلَى بَيْتِهَا الْعَالِي فِي سَقْفِ الْجُرْنِ الَّذِي يَخْزُنُ فِيهِ الزَّارِعُونَ مَا يَجْمَعُونَ مِنْ غَلَّاتِ حُقُولِهِمْ؟
إِنَّهَا عَدُوَّتُكُمُ اللَّدُودُ «أُمُّ الصِّبْيَانِ»: تِلْكُمُ الْبُومَةُ الَّتِي حَدَّثَكُمْ عَنْهَا عَمُّكُمْ الشَّيْخُ الْمُجَرِّبُ: «أَبُو نَابِهِ». تِلْكُمُ الْعَجُوزُ الْفَرَّاسَةُ الْفَتَّاكَةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةُ إِلَى قَلْبِهَا سَبِيلًا.
(۳) طُرْطُورُ الْعَجُوزِ
هِيَ فِي حَجْمِ الْغُرَابِ. لَكِنَّهَا أَوْفَرُ دَمَامَةً (أَكْثَرُ قُبْحًا) وَأَعْنَفُ طَبْعًا، وَجِسْمُهَا مُنَقَّطٌ بِالْبَيَاضِ.
اجْتَمَعَ الرِّيشُ فِي رَأْسِهَا. أَحَاطَ بِهِ. خُيِّلَ إِلَى رَائִيهَا أَنَّ طُرْطُورًا يَبْدُو عَلَى جَبِينِهَا.
أَطَلَّتْ مِنْ خِلَالِ هَذَا الطُّرْطُورِ عَيْنَانِ صَفْرَاوَانِ. اسْتَدَارَتَا كَمَا تَسْتَدِيرُ الْحَلْقَتَانِ الْوَاسِعَتَانِ، وَالْتَهَبَتَا كَمَا يَلْتَهِبُ الْمِصْبَاحَانِ الْمُضِيئَانِ.
(٤) ضَوْءُ الْبَدْرِ
كَانَ الْبَدْرُ يَمْلَأُ الدُّنْيَا نُورًا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. كَانَ يُرْسِلُ ضَوْءَهُ الْوَهَّاجَ عَلَى الْحُقُولِ فَيُنِيرُهَا، وَعَلَى الْأَشْجَارِ فَيَجُوسُ (يَتَخَلَّلُ) أَغْصَانَهَا الْعَارِيَةَ، ثُمَّ يَنْفُذُ إِلَى الْأَرْضِ، فَيُبَدِّدُ الظَّلَامَ الْحَالِكَ.
(٥) «أَبُو دِرْصَانَ»
سَيِّدِي الْعَمَّ، سَيِّدَاتِي وَسَادَتِي: بَنَاتِ نَبْهَانَ وَالْخُزَزِ:
رَوَيْتُ عَنْ أُمِّي، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدِّهَا: أَنَّ جُرَذًا (فَأْرًا) اسْمُهُ: «أَبُو دِرْصَانَ»، كَانَ يَعِيشُ مَعَ وَالِدَتِهِ: «أُمِّ رَاشِدٍ» فِي جُحْرٍ صَغِيرٍ اتَّخَذَاهُ مَسْكَنًا لَهُمَا فِي أَسْفَلِ حَائِطِ هَذَا الْجُرْنِ الْكَبِيرِ الَّذِي حَدَّثْتُكُمْ بِهِ.
(٦) عُمْرُ الْبَدْرِ
كَانَتِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ - فِيمَا أَظُنُّ - أَعْنِي أَنَّ عُمْرَ الْقَمَرِ حِينَئِذٍ كَانَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. أَوْ لَعَلَّهَا كَانَتْ لَيْلَةَ السَّوَاءِ. أَعْنِي أَنَّ عُمْرَ الْقَمَرِ كَانَ فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
(۷) الْغِنَاءُ الْمُزْعِجُ
نَعَبَتِ الْبُومَةُ (صَوَّتَتْ) - عَلَى عَادَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ - بِصَوْتِهَا الْقَبِيحِ؛ فَانْزَعَجَ – لِسَمَاعِ نَعِيبِهَا – كُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ. كَانَتْ تُسَمِّي صُرَاخَهَا الْقَبِيحَ: غِنَاءً، وَهِيَ تُصَوِّتُ نَاعِبَةً:
تُو - وتْ - تُو - وُو
تُو - وتْ – تُو - تُو
تُو - وتْ – تُو - وُو
عَا – شُوا – عَا – تُوا
لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يَطْرَبُ لِصَوْتِهَا الْقَبِيحِ غَيْرُهَا.
(۸) غَيْظُ «أَبِي دِرْصَانَ»
بَيْنَا هِيَ مُسْتَرْسِلَةٌ فِي نَعِيبِهَا، إِذْ أَطَلَّ «أَبُو دِرْصَانَ» مِنْ جُحْرِهِ الضَّيِّقِ. هُوَ فَتًى مِنْ فِتْيَانِ الْجِرْذَانِ (الْفِئرَانِ). كَانَ سَلِيطًا (طَوِيلَ اللِّسَانِ سَيِّئَ الْكَلَامِ).
قَالَ لِلْبُومَةِ (الْبُومَةِ) «أُمِّ الصِّبْيَانِ»: «أَيُّ صَوْتٍ مُزْعِجٍ تُرْسِلِينَ؟ أَمَرِيضَةٌ أَنْتِ؟ لِمَاذَا تَنْعَبِينَ؟»
تَغَاضَتْ عَنْهُ «أُمُّ الصِّبْيَانِ» (أَعْرَضَتْ وَلَمْ تُبَالِ). تَرَفَّعَتْ عَنْ مُنَاقَشَتِهِ. أَغْمَضَتْ عَيْنَهَا عَنْهُ. كَانَتْ أَحْزَمَ وَأَكْيَسَ مِنْ أَنْ تُنَاقِشَ «أَبَا دِرْصَانَ»: ذَلِكُمُ الطَّفْلُ الطَّائِشُ السَّلِيطُ اللِّسَانِ.
تَأَلَّقَ ضَوْءُ الْقَمَرِ؛ فَأَنَارَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. ابْتَسَمَ لِلْكَوْنِ ابْتِسَامَتَهُ الْمَحْبُوبَةَ. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ - فِيمَا أَعْلَمُ - يَأْبَهُ لَهُمَا (يَهْتَمُّ بِهِمَا)، أَوْ يُعْنَى بِأَمْرِهِمَا.
(۹) جَزَعُ «أُمِّ رَاشِدٍ»
قَفَزَ «أَبُو دِرْصَانَ» عَائِدًا إِلَى جُحْرِهِ. تَلَقَّتْهُ «أُمُّ رَاشِدٍ» مَذْعُورَةً. قَالَتْ لَهُ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ (مُضْطَرِبٍ) يَكَادُ يَتَمَيَّزُ (يَتَقَطَّعُ) مِنَ الْغَيْظِ: «أَيُّ كَلَامٍ هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُوَجِّهُهُ الْآنَ، إِلَى الْبُومَةِ «أُمِّ الصِّبْيَانِ»؟ أَلَمْ أُحَذِّرْكَ مِنْهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّهَا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ، وَإِنَّهَا فَرَّاسَةٌ، قَاسِيَةُ الْقَلْبِ، صَعْبَةُ الْمِرَاسِ (عَنِيفَةٌ فِي طَبْعِهَا وَمُعَامَلَتِهَا)، وَإِنَّ فَتَكَاتِهَا بِنَا - مَعْشَرَ الْجِرْذَانِ (الْفِئرَانِ) - قَاتِلَةٌ مُهْلِكَةٌ. أَلَمْ أُوصِكَ بِالابْتِعَادِ عَنْهَا، وَالْفِرَارِ مِنْهَا، وَالْهَرَبِ مِنْ لِقَائِهَا، مَا وَجَدْتَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا؟ كَيْفَ نَسِيتَ نَصِيحَتِي، وَتَعَمَّدْتَ الْخُرُوجَ لِهَذَا الطَّائِرِ الْفَتَّاكِ؟»
(۱۰) جَوَابٌ طَائِشٌ
قَالَ «أَبُو دِرْصَانَ»: «لَا تَتَمَادَيْ (لَا تَدُومِي وَلَا تَسْتَرْسِلِي) فِي غَضَبِكِ، يَا أُمَّاهُ. مَا أَظُنُّنِي قَدْ فَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ كُلَّ هَذَا اللَّوْمِ وَالتَّعْذِيرِ (الْمُؤَاخَذَةِ وَالتَّوْبِيخِ).»
ارْتَفَعَ صَوْتُهُ عَالِيًا، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَعْبَثَ (أَمْزَحَ وَأَلْهُوَ) بِهَا وَأُعَاكِسَهَا. لِمَ لَا؟ صَوْتُهَا - كَمَا تَسْمَعِينَ - مِنْ أَنْكَرِ الْأَصْوَاتِ وَأَقْبَحِهَا. أَيُّ حَرَجٍ عَلَيَّ إِذَا سَخِرْتُ مِنْهَا قَلِيلًا؟ وَدِدْتُ لَوْ سَمِعْتِهَا وَهِيَ تَنْعَبُ يَا أُمَّاهُ! إِذَنْ لَمَا تَمَالَكْتِ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِهَا. إِنَّ نَعِيبَهَا الْقَبِيحَ يُضْحِكُ الْقِطَّ!»
(۱۱) رِعْشَةُ الْخَوْفِ
صَرَخَتْ أُمُّهُ مُغْتَاظَةً: تَمَلَّكَهَا الْفَزَعُ وَالرُّعْبُ: «يُضْحِكُ الْقِطَّ؟ يَا لَكَ مِنْ غَبِيٍّ جَرِيءٍ! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ فَمِكَ، أَيُّهَا الْأَبْلَهُ! أَيُّ حَادِثٍ دَهَاكَ فَأَفْقَدَكَ رَشَادَكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ أَيُّ خَبَالٍ اعْتَرَاكَ، فَانْدَفَعْتَ تَهْرِفُ (تَتَكَلَّمُ عَلَى غَيْرِ هُدًى) بِهَذَا الْهَذَيَانِ؟ طَالَمَا نَهَيْتُكَ عَنِ التَّمَادِي فِي أَمْثَالِ هَذَا الْهُرَاءِ (الْقَوْلِ الْبَاطِلِ)!
يُضْحِكُ الْقِطَّ؟ كَيْفَ جَرُؤْتَ عَلَى أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الِاسْمَ الْكَرِيهَ الْمُفَزِّعَ؟ كَيْفَ سَاعَفَكَ لِسَانُكَ عَلَى النُّطْقِ بِهَذَا اللَّفْظِ الرَّاعِبِ؟
إِنَّ سَمَاعَ اسْمِ الْقِطَّ - وَحْدَهُ - لَيَكْفِي لِإِيذَائِي وَإِلْحَاقِ الْمَرَضِ بِي. وَيْحَكَ! لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِهَذَا السَّبُعِ الْفَرَّاسِ. مَلَأْتَ قَلْبِي فَزَعًا وَرُعْبًا.»
مَا أَتَمَّتْ قَوْلَهَا حَتَّى ارْتَعَدَ جِسْمُهَا مِنَ الْفَزَعِ. سَرَتِ الرِّعْشَةُ فِيهِ كُلِّهِ، فَانْتَظَمَتْهُ (شَمِلَتْهُ) مِنْ أَعْلَى رَأْسِهِ إِلَى طَرَفِ ذَيْلِهِ الطَّوِيلِ.
(۱۲) أَرَاءٌ خَاطِئَةٌ
دَهِشَ «أَبُو دِرْصَانَ» مُتَضَجِّرًا. قَالَ فِي نَفْسِهِ: «يَا لَهَا مِنْ جَبَانَةٍ رِعْدِيدَةٍ (شَدِيدَةِ الْخَوْفِ)!»
ثُمَّ لَفَّ جِسْمَهُ وَكَوَّرَهُ - قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهُ سِنَةٌ (غَفْوَةٌ) مِنَ النَّوْمِ – وَهُوَ يَقُولُ: «لَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّ «أُمَّ الصِّبْيَانِ» دَمِيمَةٌ (قَبِيحَةُ الصُّورَةِ). إِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُلْحِقَ بِي شَيْئًا مِنَ الْأَذَى.
إِنَّهَا بَلْهَاءُ نَؤُومٌ (كَثِيرَةُ النَّوْمِ). لَيْسَ لَهَا مِنْ عَمَلٍ تُؤَدِّيهِ – طُولَ وَقْتِهَا – سِوَى الْجُلُوسِ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْجَوْفَاءِ (الْفَارِغَةِ)، مُحْدِقَةً فِيهَا بِعَيْنَيْنِ لَا تَزَالَانِ تَطْرِفَانِ، وَلَا يَكُفُّ عَنِ الرِّعْشَةِ هُدْبَاهُمَا (الشَّعْرُ الَّذِي يَنْبُتُ فِي أَطْرَافِ الْجَفْنَيْنِ).
لَسْتُ أَرْتَابُ (أَشُكُّ) فِي أَنَّنِي أَسْرَعُ مِنْهَا عَدْوًا (جَرْيًا) وَأَوْفَرُ (أَكْثَرُ) نَشَاطًا. هَلْ فِي قُدْرَةِ هَذِهِ الْعَجُوزِ الْمِكْسَالِ (الشَّدِيدَةِ الْكَسَلِ) أَنْ تَسْبِقَنِي؟ كَلَّا، مَا أَظُنُّ ذَاكَ.
مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْهَرِمَةَ (الْكَبِيرَةَ السِّنِّ) إِلَّا عَاجِزَةً عَنِ الْحَرَكَةِ، بَلْهَ الْعَدْوَ (فَضْلًا عَنِ السَّيْرِ السَّرِيعِ وَالْجَرْيِ)!»
(۱۳) فِي عَالَمِ الْأَحْلَامِ
أَسْلَمَ عَيْنَيْهِ لِلْكَرَى (لِلنَّوْمِ). رَأَى - فِي مَنَامِهِ – حُلْمًا بَهِيجًا، لَمْ يَرَ أَجْمَلَ مِنْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ: وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَخْزَنٍ حَافِلٍ بِأَشْهَى أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ. رَأَى أَمَامَهُ أَكْدَاسًا مِنَ الشَّمَعِ وَالْجُبْنِ، وَهُوَ يَتَأَنَّى فِي الْمَضْغِ، وَيَتَذَوَّقُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ مَا لَذَّ وَطَابَ.
كَانَ بَابُ الْحُجْرَةِ مُغْلَقًا.
لَمْ تَسْتَطِعْ «أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَنْ تَنْفُذَ إِلَى «أَبِي دِرْصَانَ».
لَمْ تَقْدِرْ عَلَى تَنْغِيصِ زَادِهِ الشَّهِيِّ، وَمَأْكَلِهِ الْهَنِيِّ.
رَأَى – فِيمَا رَأَى - أَنَّ «أُمَّ الصِّبْيَانِ» وَقَفَتْ خَارِجَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي دَخَلَ مِنْهَا.
حَاوَلَتِ الدُّخُولَ فَلَمْ تَسْتَطِعْ لِضَخَامَةِ جِسْمِهَا: وَقَفَتْ مُتَأَلِّمَةً حَسْرَى (مُتَوَجِّعَةً مُتَحَسِّرَةً)، تُحَاوِلُ أَنْ تَشْرَكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ زَادِهِ، دُونَ أَنْ تَظْفَرَ مِنْهُ بِطَائِلٍ (بِفَائِدَةٍ).
(١٤) حُلْمُ الْجَائِعِ
رَآهَا تَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ ضَارِعَةً أَنْ يُخْرِجَ لَهَا - مِنَ النَّافِذَةِ - وَلَوْ قِطْعَةً صَغِيرَةً مِنَ الْجُبْنِ. لَكِنَّ الْجُرَذَ لَمْ يُجِبْ لَهَا شَفَاعَةً وَلَا رَجَاءً. أَصَرَّ عَلَى رَفْضِ مَا تَطْلُبُهُ فِي عِنَادٍ وَشَمَاتَةٍ.
مَا زَالَ الْجُرَذُ يُواصِلُ الْأَكْلَ مُتَأَنِّيًا (بَطِيئًا)، وَلَا يَكُفُّ عَنِ الطَّعَامِ إِلَّا لَحَظَاتٍ يَسِيرَةً، يَتَفَكَّهُ فِي خِلَالِهَا بِمُدَاعَبَةِ «أُمِّ الصِّبْيَانِ» وَالسُّخْرِيَةِ مِنْهَا.
كَانَ يَرَاهَا – فِي مَنَامِهِ - وَهِيَ تُلِخُّ فِي الدُّخُولِ مِنَ النَّافِذَةِ الضَّيِّقَةِ فَلَا تَسْتَطِيعُ؛ فَتَتَمَثَّلُ لَهُ غَبَاوَتُهَا، وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهَا بَلْهَاءُ، حَقٌّ بَلْهَاءَ.
(١٥) فِي عَالَمِ الْيَقَظَةِ
اسْتَغْرَبَ (زَادَ فِي الضَّحِكِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ). تَمَادَى فِي فَرَحِهِ وَابْتِهَاجِهِ بِمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ، حَتَّى أَفَاقَ مِنْ نَوْمِهِ.
انْقَضَى حُلْمُهُ، وَاسْتَخْفَى - عَنْ نَاظِرِهِ - الْمَخْزَنُ الْحَافِلُ بِمَا يَحْوِيهِ مِنْ جُبْنٍ شَهِيٍّ وَعَسَلٍ سَائِغٍ وَشَمَعٍ لَذِيدٍ!
وَاحَسْرَتَا عَلَيْهِ! كَانَ مَا رَآهُ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ (أَخْلَاطَهَا).
تَأَوَّهَ مَحْزُونًا وَقَالَ: «يَا لَهُ حُلْمًا رَائِعًا بَهِيجًا!»
أَطْبَقَ عَيْنَيْهِ ثَانِيَةً. حَاوَلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ الْحُلْمَ الْجَمِيلَ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنْ كَيْفَ يَتَسَنَّى لِلْحَالِمِ أَنْ يَسْتَعِيدَ - بَعْدَ الْيَقَظَةِ - مَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ جَمِيلِ الْأَحْلَامِ؟
(١٦) غُرُورُ الْحَمَاقَةِ
مَا لَبِثَ «أَبُو دِرْصَانَ» أَنِ اسْتَسْلَمَ لِلضَّحِكِ مَرَّةً أُخْرَى.
تَمَلَّكَتْهُ الْبَهْجَةُ مِمَّا ظَفِرَ بِهِ فِي نَوْمِهِ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِأُمِّ الصِّبْيَانِ، وَالضَّحِكِ مِنْ بَلَاهَتِهَا!
إِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ السَّارَّةِ، إِذْ دَوَّتْ (ارْتَفَعَتْ) – فِي الْفَضَاءِ - صَيْحَاتُ «أُمِّ الصِّبْيَانِ» وَهِيَ تَنْعَبُ (تَنْعِقُ) بِأَعْلَى صَوْتِهَا الْقَبِيحِ. مَا إِنْ سَمِعَ نَعِيبَهَا (نَعِيقَهَا) حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الضَّحِكُ مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ فَرْحَانَ مَسْرُورًا: «لَيْتَ شِعْرِي (لَيْتَنِي أَشْعُرُ وَأَعْلَمُ)! هَلْ تَعْرِفُ هَذِهِ الْعَجُوزُ الْبَلْهَاءُ: أَيُّ صَوْتٍ مُنْكَرٍ سَخِيفٍ يَنْبَعِثُ مِن فِيهَا (فَمِهَا)؟
أَلَا لَيْتَهَا تَعْلَمُ كَمْ يُسَلِّينِي هَذَا السُّخْفُ مِنْهَا وَالْهُرَاءُ! لَعَلَّ مِنَ الْبِرِّ بِهَا، وَالْعَطْفِ عَلَيْهَا، أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْهَا (أُخْبِرَهَا) بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ الْغَالِيَةِ، وَأَنْ أُبَيِّنَ لَهَا حَقِيقَةً أَمْرِهَا؛ حَتَّى يَتَأَكَّدَ لَهَا أَنَّ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا تُجْمِعُ عَلَى اسْتِهْجَانِهَا (كَرَاهِيَتِهَا) وَاسْتِنْكَارِ صَوْتِهَا.
يَا صِدْقَ مَنْ سَمَّاهَا: غُرَابَ اللَّيْلِ!»
(۱۷) فِي خَارِجِ الْجُحْرِ
أَطَلَّ «أَبُو دِرْصَانَ» مِنْ جُحْرِهِ. أَبْصَرَ الْبَدْرَ لَا يَزَالُ يَتَأَلَّقُ (يُضِيءُ) فِي السَّمَاءِ، وَيَنْفُذُ نُورُهُ مِنْ خِلَالِ السُّحُبِ الْمُتَرَاكِمَةِ (الْمُتَجَمِّعَةِ) وَهِيَ تُسْرِعُ فِي جَرْيِهَا، فَلَا تَكَادُ تَسْتَقِرُّ فِي الْفَضَاءِ. لَمْ يَرَ الْجُرَذُ أَثَرًا لِأُمِّ الصِّبْيَانِ. ابْتَعَدَ عَنْ جُحْرِهِ قَلِيلًا. حَدَّقَ بِبَصَرِهِ فِي الْجَوِّ. لَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا يَخْشَاهُ.
كَانَتْ أُمُّهُ قَدْ خَرَجَتْ - فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِ – لِبَعْضِ شَأْنِهَا.
لَمْ يَجِدْ مَنْ يَرْدَعُهُ وَيَكُفُّهُ (يَزْجُرُهُ وَيَمْنَعُهُ) عَنِ الْمُخَاطَرَةِ.
فَرِحَ «أَبُو دِرْصَانَ» بِمَا ظَفِرَ بِهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَتْ أُمُّهُ مِنَ الْجُحْرِ وَابْتَهَجَ. إِنَّهُ سَيُحَقِّقُ مَا يَهْوَاهُ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهَا مَا يَكْرَهُهُ - مِنَ اللَّوْمِ – وَيَخْشَاهُ.
(۱۸) مُغَامَرَةٌ حَمْقَاءُ
اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الزَّهْوُ، وَتَمَادَى بِهِ الْغُرُورُ، حَتَّى أَنْسَيَاهُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ، وَخَيَّلَا إِلَيْهِ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى بَيْتِ «أُمِّ الصِّبْيَانِ»، لِيَنَامَ فِيهِ، وَيُعْلِنَ لَهَا سُخْرِيَتَهُ بِهَا وَجْهًا لِوَجْهِ.
أَصَرَّ عَلَى تَنْفِيذِ مُخَاطَرَتِهِ. تَلَفَّتَ حَوْلَهُ. لَمْ يَجِدْ لِلْبُومَةِ الْعَجُوزِ أَثَرًا. قَالَ مُتَوَعِّدًا، وَهُوَ يَكَادُ يَتَمَيَّزُ (يَتَقَطَّعُ) مِنَ الْغَيْظِ: «أَيْنَ أَنْتِ، يَا «غُرَابَ اللَّيْلِ»؟ أَيْنَ أَنْتِ، يَا «أُمَّ الصِّبْيَانِ»؟ أَلَا لَيْتَهَا تَجِيءُ إِلَيَّ! أَمَا لَوْ جَاءَتْ وَوَقَعَتْ عَلَيْهَا عَيْنَايَ لَقُلْتُ لَهَا: أَيَّتُهَا الْهَرِمَةُ الْعَجُوزُ ...»
(۱۹) عَاقِبَةُ الطَّيْشِ
لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مَاذَا كَانَ يُرِيدُ «أَبُو دِرْصَانَ» أَنْ يَقُولَهُ لِلْبُومَةِ: «أُمِّ الصِّبْيَانِ»؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وَلَمْ يُتِمَّ جُمْلَتَهُ إِلَى الْآنَ.
أَتَعْرِفُونَ لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مَا حَذَرَتْهُ أُمُّهُ إِيَّاهُ قَدْ وَقَعَ: انْقَضَّ (سَقَطَ) عَلَيْهِ فَجْأَةً جَنَاحَانِ هَائِلَانِ، خُيِّلَا إِلَيْهِ أَنَّ جَبَلَيْنِ هَوَيَا عَلَى جِسْمِهِ الضَّعِيفِ.
أَحَسَّ كَأَنَّ عَاصِفَةً جَارِفَةً اكْتَسَحَتْهُ فِي طَرِيقِهَا، وَسَهْمًا مَارِقًا (نَافِذًا) شَكَّهُ فَانْتَظَمَهُ (شَمِلَهُ) فِي مِثْلِ لَمْحَةِ الْبَرْقِ الْخَاطِفَةِ.
أَنْشَبَتِ الْعَجُوزُ الْقَاسِيَةُ مَخَالِبَهَا الصُّلْبَةَ فِي جِسْمِهِ الْغَضِّ؛ فَلَقِيَ مَصْرَعَهُ. كَانَتْ «أُمُّ رَاشِدٍ» بَعِيدَةً عَنْ وَلَدِهَا، فَلَمْ تَسْمَعْ صَرَخَاتِهِ الْحَزِينَةَ.
لَمْ يَكُنْ يَدُورُ بِخَلَدِهَا (لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهَا) هَذِهِ الْخَاتِمَةُ الرَّاعِبَةُ الَّتِي انْتَهَتْ بِهَا حَيَاةُ وَلَدِهَا الطَّائِشِ الْمَغْرُورِ.
(۲۰) هَلْ عَلِمَ الْبَدْرُ؟
عَادَتْ «أُمُّ الصِّبْيَانِ» بِفَرِيسَتِهَا إِلَى عُشِّهَا، حَيْثُ يَأْوِي صِبْيَتُهَا الثَّلَاثَةُ. ظَلَّ الْبَدْرُ يُرْسِلُ إِلَى الْكَوْنِ أَشِعَّتَهُ الْمُتَأَلِّقَةَ، وَيُشِيعُ ابْتِسَامَتَهُ الْعَذْبَةَ مِنْ خِلَالِ غُصُونِ الشَّجَرِ.
لَسْتُ أَدْرِي: هَلْ عَلِمَ الْبَدْرُ الْمُنِيرُ شَيْئًا مِنْ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ؟ هَلْ شَهِدَ مَصْرَعَ «أَبِي دِرْصَانَ»؟ هَلْ أَصْغَى إِلَى أَنَّاتِهِ الْحَزِينَةِ وَهُوَ يُحْتَضَرُ؟ مَا أَظُنُّ هَذَا، أَيُّهَا الْأَهْلُ الْكِرَامُ!
إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ صَاحِبَنَا الْبَدْرَ الْمُنِيرَ، لَوْ عَلِمَ بِمَصْرَعِ «أَبِي دِرْصَانَ»، دُونَ أَنْ يَحْزَنَ لَهُ وَيَكُفَّ عَنِ ابْتِسَامَتِهِ الَّتِي لَا تُفَارِقُ صَفْحَتَهُ، لَكَانَ قَاسِيَ الْقَلْبِ.
لَكِنَّ الْقَمَرَ - كَمَا تَعْلَمُونَ - بَعِيدٌ عَنْ عَالَمِنَا الْأَرْضِيِّ.
لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ يَتَسَنَّى لَهُ - وَهُوَ بَعِيدٌ عَنَّا – أَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ؟ تُرَى هَلْ يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْكُمْ غَيْرَ هَذَا؟
(۲۱) خُطْبَةُ «الْخِرْنِقِ»
قَامَ أَرْنَبٌ ذَكِيٌّ فَتِيٌّ (صَغِيرٌ قَوِيٌّ) اسْمُهُ «الْخِرْنِقُ».
خَطَبَ الْحَاضِرِينَ قَائِلًا: «لَعَلَّ الْبَدْرَ كَانَ مَشْغُولًا - كَمَا عَهِدْنَاهُ دَائِمًا – بِإِنَارَةِ الطَّرِيقِ لِلسَّارِينَ (الَّذِينَ يَمْشُونَ بِاللَّيْلِ)؛ لِيَهْدِيَهُمْ سَوَاءَ السَّبِيلِ، لِلْوُصُولِ إِلَى غَايَاتِهِمُ الَّتِي يَرْجُونَهَا.
مَا أَظُنُّ الْبَدْرَ يَلْتَفِتُ إِلَى مَنْ يَعْصِي كَلَامَ أُمِّهِ، وَيَسْتَهِينُ بِنَصَائِحِهَا الْغَالِيَةِ. كَلَّا، مَا أَحْسَبُهُ يُعْنَى بِمَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجَارِبِ غَيْرِهِ مِنْ كِرَامِ النَّاصِحِينَ.
(۲۲) ثَمَنُ الْعِنَادِ
لَوْ عَرَفَ «أَبُو دِرْصَانَ» كَيْفَ يَسْتَفِيدُ مِنَ النُّورِ، لَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الْهَاوِيَةِ، وَنَجَا مِنَ التَّعَرُّضِ لِلتَّهْلُكَةِ.
مَا كَانَ لِلْبَدْرِ أَنْ يُضِيعَ وَقْتَهُ الثَّمِينَ فِي الْبُكَاءِ عَلَى مِثْلِ «أَبِي دِرْصَانَ» الَّذِي لَمْ يَرْحَمْ نَفْسَهُ، وَأَبَى إِلَّا أَنْ يُضِيعَ حَيَاتَهُ بِغُرُورِهِ وَجَهْلِهِ، وَتَمَادِيهِ فِي عِنَادِهِ، وَاسْتِهَانَتِهِ بِخَطَرِ عَدُوِّهِ الْبَاطِشِ الْغَلَّابِ.»
الْفَصْلُ الثَّالِثِ
(۱) رَائِدُ الْحَقْلِ
لَمَّا أَتَمَّ «الْخِرْنِقُ» كَلِمَتَهُ، وَقَفَ عَمُّكِ الذَّكِيُّ «رَائِدُ الْحَقْلِ» الَّذِي طَالَمَا كَشَفَ لَنَا لَذَائِذَ مِنْ ثِمَارِ الْحُقُولِ الْقَاصِيَةِ وَالدَّانِيَةِ.
رَوَى لَنَا قِصَّةً مُعْجِبَةً فَيَّاضَةً بِالْمَوْعِظَةِ وَالْحِكْمَةِ.
مَا أَذْكُرُ أَنَّنِي سَمِعْتُ - فِي حَيَاتِي - قِصَّةً أَجْمَلَ مِنْهَا.
لَوْ سَمِعَهَا وَلَدِي «أَبُو نَبْهَانَ» لَكَفَّ عَنْ عِنَادِهِ وَلَجَاجَتِهِ، وَلَمْ يَتَمَادَ فِي ضَلَالِهِ وَغَوَايَتِهِ.
لَكِنَّ أَمْرَ اللَّهِ نَافِذٌ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ.
(۲) الطَّائِعُ وَالطَّامِعُ
قَالَ «رَائِدُ الْحَقْلِ»:
أَيُّهَا الْأَهْلُ الْكِرَامُ:
عَاشَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، أَرْنَبَانِ فَتَيَّانِ (صَغِيرَانِ قَوِيَّانِ)، اسْمُ أَحَدِهِمَا: «الْقَانِعُ»، وَلَقَبُهُ: «الطَّائِعُ» (اللَّقَبُ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يُنَادِيهِ بِهَا عَارِفُوهُ، لِأَنَّهَا تَصِفُهُ). وَاسْمُ الْآخَرِ: «الْمَانِعُ»، وَلَقَبُهُ: «الطَّامِعُ».
كَانَ الْأَوَّلُ يُطِيعُ أُمَّهُ وَيَسْتَمِعُ إِلَى نُصْحِهَا وَلَا يُخَالِفُ لَهَا قَوْلًا.
كَانَ يَقْنَعُ مِنَ الزَّادِ (الطَّعَامِ) بِالْقَلِيلِ. لَمْ يَكُنْ جَمِيلَ الشَّكْلِ؛ لَكِنَّهُ طَيِّبُ الْقَلْبِ. أَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ - عَلَى الْعَكْسِ مِنْ أَخِيهِ – لَا يُطِيعُ لِأُمِّهِ نُصْحًا، وَلَا يَقْبَلُ لَهَا رَأْيًا، كَمَا كَانَ شَدِيدَ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ، لَا يَقْنَعُ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
(۳) نَصِيحَةُ الْأُمِّ
وَذَا صَبَاحٍ فَرَغَ الزَّادُ مِنْ جُحْرِ أُمِّهِمَا، فَقَالَتْ لِوَلَدَيْهَا: «إِنِّي ذَاهِبَةٌ لِإِحْضَارِ الطَّعَامِ لَكُمَا. لَنْ أَغِيبَ عَنْكُمَا إِلَّا قَلِيلًا. نَظَمْتُ لَكُمَا - بَعْدَ عَوْدَتِي - نُزْهَةً جَمِيلَةً. لَا تَبْتَعِدَا كَثِيرًا عَنْ جُحْرِكُمَا حَتَّى لَا يُصِيبَكُمَا ضَرَرٌ.»
فِي أَثْنَاءِ غِيَابِهَا لَعِبَا بِالْقُرْبِ مِنْ مَكْرِهِمَا (دَارِهِمَا) وَقْتًا قَصِيرًا.
لَكِنَّ «الطَّامِعَ» أَصَرَّ عَلَى الِابْتِعَادِ عَنِ الدَّارِ.
حَاوَلَ «الطَّائِعُ» أَنْ يُذَكِّرَهُ نَصِيحَةَ أُمِّهِ، وَيُحَذِّرَهُ الْانْفِرَادَ بِرَأْيِهِ. قَالَ لَهُ «الطَّامِعُ»: «لَنْ نَذْهَبَ بَعِيدًا. تَعَالَ مَعِي. لَنْ نُخَالِفَ نُصْحَ أُمِّنَا أَبَدًا!»
(٤) مِشَنَّةُ الْخَسِّ
ظَلَّ يُحَادِثُ أَخَاهُ وَيَقُصُّ عَلَيْهِ أَجْمَلَ الْقَصَصِ - وَهُمَا سَائِرَانِ – حَتَّى ابْتَعَدَا عَنْ مَكْرِهِمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرَانِ.
تَنَبَّهَ «الطَّائِعُ» إِلَى مُخَاطَرَةِ أَخِيهِ. قَالَ لَهُ خَائِفًا مُفَزَّعًا: «بَعُدْنَا عَنِ الْمَكْرِ (الْبَيْتِ)؛ فَلْنُسْرِعْ بِالْعَوْدَةِ حَتَّى لَا تَفْزَعَ أُمِّي، إِذَا عَادَتْ إِلَى مَكْرِنَا (دَارِنَا) فَلَمْ تَجِدْنَا.»
قَالَ «الطَّامِعُ»: «كَلَّا، لَا تَخَفْ. سَنَبْلُغُ الْمَكْرَ قَبْلَ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ أُمُّنَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. أَلَا تَرَى مَكْرَنَا (جُحْرَنَا) غَيْرَ بَعِيدٍ مِنَّا؟ لِمَاذَا تَجْزَعُ (تَخَافُ)؟ أَمَامَنَا زَمَنٌ طَوِيلٌ نَقْضِيهِ فِي اللَّعِبِ وَالسُّرُورِ. انْظُرْ إِلَى ذَلِكَ الْخَسِّ. مَا أَجْمَلَهُ وَأَشْهَاهُ! إِنِّي لَأَذُوبُ شَوْقًا إِلَى تَذَوُّقِهِ وَأَكْلِهِ.»
كَانَ الْخَسُّ فِي مِشَنَّةٍ تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَيْثَمَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْهُ لِطَبَّاخِ بَيْتٍ قَرِيبٍ.
أَسْرَعَ «الطَّامِعُ». أَقْبَلَ عَلَى أَكْلِ الْخَسِّ فِي شَرَهٍ عَجِيبٍ.
(٥) جَزَاءٌ عَادِلٌ
صَرَخَ فِيهِ «الْقَانِعُ»: «مَاذَا تَفْعَلُ؟ لَوْ رَأَتْكَ أُمُّكَ لَقَالَتْ عَنْكَ: سَارِقٌ!»
الْتَفَتَ إِلَيْهِ «الطَّامِعُ». كَانَ قَدْ أَتَى عَلَى الْخَسَّةِ الْأُولَى (أَتَمَّ أَكْلَهَا)، وَأَقْبَلَ عَلَى الْتِهَامِ الْخَسَّةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ: «أُمِّي لَمْ تُحْضِرْ لَنَا خَسًّا شَهِيًّا كَهَذَا مِنْ قَبْلُ؟»
مَا إِنْ أَتَمَّ «الطَّامِعُ» قَوْلَتَهُ (جُمْلَتَهُ)، حَتَّى طَوَّحَتْ بِجِسْمِهِ رَفْسَةٌ عَنِيفَةٌ، دَحْرَجَتْهُ كَالْكُرَةِ.
دَوَّتْ فِي أُذُنِهِ صَيْحَةُ غَضَبٍ، تَقُولُ مُتَوَعِّدَةً (مُنْذِرَةً مُخَوِّفَةً): «أَيُّهَا الْأَرْنَبُ اللِّصُّ، مَا أَجْدَرَكَ بِأَنْ تُذْبَحَ، وَتُسْلَخَ، وَيُطْبَخَ لَحْمُكَ!»
(٦) هَرَبُ الْأَخَوَيْنِ
لَعَلَّكُمْ عَرَفْتُمْ مَاذَا حَدَثَ؟
نَعَمْ! خَرَجَ صَاحِبُ الْخَسِّ مِنَ الْبَيْتِ.
أَبْصَرَ هَذَا الشَّرِهَ (الْحَرِيصَ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنَ الْأَكْلِ) وَهُوَ يَسْرِقُ خَسَّهُ. غَضِبَ وَأَسْرَعَ يَهُمُّ بِمُعَاقَبَتِهِ.
هَرَبَ الْأَرْنَبَانِ. ظَلَّا يَعْدُوَانِ (يَجْرِيَانِ) وَلَا يَكُفَّانِ عَنِ الْوَثْبِ وَالْقَفْزِ، مَا وَسِعَهُمَا جُهْدَاهُمَا.
لَمْ يُصَبِ «الطَّامِعُ» بِضَرَرٍ كَبِيرٍ. لَكِنَّ الْخَوْفَ كَادَ يَقْتُلُهُ.
سَمِعَ الْأَرْنَبَانِ، وَهُمَا يَهْرُبَانِ، صَاحِبَ الْخَسِّ يَتَوَعَّدُ السَّارِقَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، قَائِلًا: «أَيُّهَا اللِّصُّ، مَا أَجْدَرَكَ بِالذَّبْحِ وَالسَّلْخِ وَالطَّبْخِ!»
(۷) نَبَاتٌ غَرِيبٌ
مَا زَالَ الْأَرْنَبَانِ يَقْفِزَانِ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى حَقْلٍ مُخْضَرِّ النَّبَاتِ. كَانَ الْوَثْبُ قَدْ جَهَدَهُمَا (أَتْعَبَهُمَا) حَتَّى ضَاقَتْ أَنْفَاسُهُمَا، فَكَادَا يَخْتَنِقَانِ.
قَالَ «الطَّائِعُ» وَهُوَ يَرْتَعِدُ خَوْفًا: «تُرَى أَيْنَ بَيْتُنَا الْآنَ؟»
أَجَابَهُ «الطَّامِعُ»: «لَعَلَّهُ قَرِيبٌ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ. سَنَبْلُغُهُ تَوًّا (فِي الْحَالِ). لَا تَنْزَعِجْ. لِنَسْتَرِحْ هُنَا قَلِيلًا حَتَّى يَخِفَّ أَلَمُ الرَّفْسَةِ، وَيَذْهَبَ أَثَرُهَا. انْظُرْ، مَا أَبْهَجَ هَذَا الْحَقْلَ!»
قَالَ «الطَّائِعُ»: «صَدَقْتَ. مَا أَغْرَبَ نَبَاتَهُ. مَا أَذْكُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُ نَبَاتًا مِثْلُهُ طُولَ حَيَاتِي!»
قَالَ «الطَّامِعُ»: «أَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ. أَمَّا أَنَا فَخَبِيرٌ بِهِ. إِنَّهُ نَبَاتُ الْبَقْدُونَسِ. أَمَا لَوْ ذُقْتَ هَذَا النَّبَاتَ اللَّذِيدَ لَشَكَرْتَ لِي أَنْ هَدَيْتُكَ إِلَيْهِ. تَعَالَ فَكُلْ مِنْهُ. أَنَا لَمْ أَرَ – فِيمَا رَأَيْتُ – مِثْلَهُ فِي الْازْدِهَارِ وَالنُّضْجِ وَالنَّمَاءِ. تَعَالَ مَعِي نَتَذَوَّقْ مِنْهُ شَيْئًا.»
قَالَ «الطَّائِعُ»: «كَلَّا، لَسْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ. لَسْتُ وَاثِقًا – يَا أَخِي – أَنَّهُ نَبَاتُ الْبَقْدُونَسِ الَّذِي تَظُنُّ. مِنَ الْخَطَإِ أَنْ نَأْكُلَ طَعَامًا لَمْ تَأْذَنْ لَنَا أُمُّنَا فِي أَكْلِهِ.»
ثُمَّ هَزَّ أُذُنَيْهِ الطَّوِيلَتَيْنِ مَحْزُونًا، وَقَالَ: «خَيْرٌ لَنَا أَنْ نَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ.»
قَالَ «الطَّامِعُ»: «الْحَقُّ مَا تَقُولُ. لَكِنْ يُؤْسِفُنِي أَنْ يَفُوتَكَ هَذَا الطَّعَامُ السَّائِغُ الشَّهِيُّ (الطَّيِّبُ الْهَنِيُّ). آهِ لَوْ تَذَوَّقْتَهُ مَعِي!»
(۸) مَرَضُ «الطَّامِعِ»
بَلَغَا الدَّارَ. رَأَيَا أُمَّهُمَا قَادِمَةً عَلَيْهِمَا.
قَالَ «الطَّائِعُ»: «أَقْبَلَتْ أُمُّنَا. هَلُمَّ (أَقْبِلْ) لِتَحِيَّتِهَا.»
أَجَابَهُ «الطَّامِعُ» بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «اذْهَبْ أَنْتَ. إِنِّي مُتْعَبٌ قَلِيلًا. مَا أَحْوَجَنِي إِلَى الرَّاحَةِ.»
قَالَ «الطَّائِعُ»: «إِنَّ الْمَرَضَ لَيَبْدُو وَاضِحًا عَلَى سِيمَاكَ (مَنْظَرِكَ)، هَلْ تَشْعُرُ بِهِ؟»
قَالَ لَهُ أَخُوهُ مُنْزَعِجًا: «كَلَّا، لَسْتُ مَرِيضًا. إِنَّ الْأَرْنَبَ قَدْ يَتْعَبُ، دُونَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا! أَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، يَا أَخِي؟ لَا تَقُلْ لِأُمِّي: إِنَّنِي مَرِيضٌ!»
لَمْ يُجِبْهُ «الطَّائِعُ» بِشَيْءٍ، بَلْ ذَهَبَ إِلَى لِقَاءِ أُمِّهِ. بَقِيَ أَخُوهُ يَتَلَوَّى مُتَدَحْرِجًا مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْجُحْرِ.
تَعَاوَنَ «الطَّائِعُ» مَعَ أُمِّهِ فِي حَمْلِ حُزْمَةٍ مِنْ لَذِيذِ الطَّعَامِ أَحْضَرَتْهَا الْأُمُّ لِيَنْعَمَ بِأَكْلِهَا وَلَدَاهَا الْعَزِيزَانِ.
أَقْبَلَ «الطَّائِعُ» عَلَى هَذَا الطَّعَامِ الَّذِي يُحِبُّه حُبًّا جَمًّا (كَثِيرًا).
أَكَلَ مِنْهُ نَصِيبَهُ شَاكِرًا مَسْرُورًا.
حَاوَلَ «الطَّامِعُ» أَنْ يَأْكُلَ. لَمْ يَسْتَطِعْ. أَحَسَّ الْمَرَضَ: سَخَنَ حَتَّى كَادَ رَأْسُهُ يَحْتَرِقُ. انْتَظَمَ الْأَلَمُ جِسْمَهُ (شَمِلَهُ) كُلَّهُ. فَاضَ بِهِ الْأَلَمُ. لَمْ يُطِقِ احْتِمَالَهُ بَعْدَ هَذَا.
ارْتَمَى عَلَى الْأَرْضِ مُتَقَلِّبًا صَارِخًا مِنْ قَسْوَةِ الْمَرَضِ.
(۹) النَّبَاتُ السَّامُّ
قَالَتْ أُمُّهُ مَحْزُونَةً مَشْدُوهَةً (مَدْهُوشَةً): «أَيُّ حَادِثٍ أَصَابَكَ، يَا وَلَدِي؟»
أَجَابَهَا: «إِنِّي أَشْعُرُ بِأَلَمٍ هُنَا - يَا أُمَّاهُ - وَهُنَا!.. إِنِّي أُحِسُّ كَأَنَّ وَحْشًا ضَارِيًا (مُفْتَرِسًا) يَعَضُّنِي وَيُمَزِّقُ أَحْشَائِي! آهِ. آهِ. آهِ!»
قَالَتْ لَهُ: «مَاذَا صَنَعْتَ فِي أَثْنَاءِ غِيَابِي؟ هَلْ أَكَلْتَ شَيْئًا؟ خَبِّرْنِي بِجَلِيَّةِ أَمْرِكَ (بِحَقِيقَتِهِ).»
اصْفَرَّ وَجْهُ «الطَّائِعِ». قَالَ: «ذَهَبْنَا إِلَى حَقْلِ الْبَقْدُونَسِ.»
صَاحَ «الطَّامِعُ»: «إِنَّ «الطَّائِعَ» لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، يَا أُمَّاهُ! كَلَّا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَطُّ. أَمَّا أَنَا فَأَكَلْتُ كَثِيرًا! آهِ! أَيُّ أَلَمٍ أُحِسُّ! الْغَوْثَ يَا أُمَّاهُ. أَغِيثِينِي! الْعَوْنَ يَا أُمَّاهُ، أَعِينِينِي!»
قَالَتْ أُمُّهُ: «نَبَاتُ الْبَقْدُونَسِ! أَوَاثِقٌ أَنْتَ مِنْ أَنَّهُ نَبَاتُ الْبَقْدُونَسِ؟»
قَالَ «الطَّائِعُ»: «مَا أَظُنُّ ذَلِكِ، يَا أُمِّي. كَانَ قَرِيبَ الشَّبَهِ مِنْهُ. قُلْتُ لِأَخِي: إِنَّهُ نَبَاتٌ آخَرُ. شَمِمْتُ لَهُ رَائِحَةً غَيْرَ رَائِحَةِ الْبَقْدُونَسِ!»
صَرَخَتِ الْأُمُّ مَذْعُورَةً: «يَا لَتَعَاسَةِ هَذَا الْفَتَى الصَّغِيرِ! أَكَلَ نَبَاتَ الشَّوْكَرَانِ، وَهُوَ يَحْسَبُهُ نَبَاتَ الْبَقْدُونَسِ! يَا لِشَقَاوَتِهِ! إِنَّهُ سَمٌّ قَاتِلٌ! رَبَّاهُ! كَيْفَ أَصْنَعُ؟ وَارَحْمَتَاهُ لَكَ، يَا وَلَدَاهُ! أَسْرِعْ - يَا «طَائِعُ». اسْتَدْعِ لَهُ الطَّبِيبَ!»
(۱۰) آخِرَةُ «الطَّامِعِ»
كَادَ «الطَّامِعُ» يَغِيبُ عَنِ الْوُجُودِ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ.
ارْتَمَى بِلَا حِرَاكٍ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْجُحْرِ.
كَانَتْ تَنْبَعِثُ مِنْهُ – بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ - أَنَّةٌ خَافِتَةٌ، أَوْ حَرَكَةُ رِجْلٍ، أَوْ خَلْجَةُ أُذُنٍ خَفِيفَةٌ.
ظَلَّتْ أُمُّهُ الْمَحْزُونَةُ وَاقِفَةً بِالْقُرْبِ مِنْهُ، تُحَاوِلُ أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ أَلَمِهِ دُونَ جَدْوَى (بِلَا فَائِدَةٍ)، وَتَتَرَقَّبُ حُضُورَ الطَّبِيبِ بِفَارِغِ الصَّبْرِ.
لَمْ يَسْتَطِعِ «الطَّامِعُ» أَنْ يَنْطِقَ - بَعْدَ هَذَا - إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مُتَأَوِّهًا، وَهُوَ يُحْتَضَرُ (حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ): «أَيُّ أَلَمٍ أُحِسُّهُ؟ الْغَوْثَ يَا أُمَّاهُ!»
ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ مَنِيَّتُهُ (مَوْتُهُ)؛ فَهَمَدَتْ جُثَّتُهُ (أَصْبَحَتْ بِلَا حَرَاكٍ)، وَسَكَنَتْ نَأْمَتُهُ (سَكَتَ صَوْتُهُ).
صَاحَتْ أُمُّهُ مُتَفَجِّعَةً: «وَاحَرَّ قَلْبَاهُ! مَاتَ الطَّامِعُ!»
الفصل الرابع
(۱) أَلَمُ الْجُوعِ
قَالَتْ «عِكْرِشَةُ» لِبِنْتِهَا «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ»: «هَذِهِ - يَا عَزِيزَتِي – هِيَ الْخُطَبُ النَّفِيسَةُ الَّتِي أَبْدَعَهَا خُطَبَاءُ الْحَفْلِ. فِيهَا – كَمَا تَرَيْنَ - نَصَائِحُ غَالِيَةٌ، يَجْدُرُ بِكُلِّ أَرْنَبٍ مُتَبَصِّرٍ أَنْ يَتَدَبَّرَهَا وَيَتَوَخَّاهَا، وَيَعْمَلَ بِهَا وَلَا يَنْسَاهَا.»
أَطْرَقَتْ «عِكْرِشَةُ» لَحْظَةً. بَدَتْ عَلَى وَجْهِهَا أَمَارَاتُ الْكَآبَةِ (الْحُزْنِ) وَالْقَلَقِ.
سَأَلَتْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «فِيمَ تُفَكِّرِينَ يَا أُمَّاهُ؟»
قَالَتْ: «أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ لِأَبِيكِ وَإِخْوَتِكِ حَادِثٌ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ. الرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ تَلْبَثِي (تَمْكُثِي) فِي مَكَانِكِ سَاعَةً حَتَّى أَخْرُجَ وَأَعُودَ. طَالَتْ غَيْبَتُهُمْ. سَأَرَى: فِي أَيِّ الْأَوْقَاتِ نَحْنُ الْآنَ؟ لَعَلَّ نُهُوضِي يُخَفِّفُ قَلِيلًا مِنْ أَوْجَاعِ سَاقَيَّ.»
قَفَزَتْ «عِكْرِشَةُ» فِي جُهْدٍ وَعَنَاءٍ. وَصَلَتْ إِلَى حَافَةِ الْجُحْرِ. أَخْرَجَتْ أَنْفَهَا تَتَنَسَّمُ الْهَوَاءَ.
عَادَتْ إِلَى «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ» قَائِلَةً: «إِنَّ النَّهَارَ وَشِيكُ الطُّلُوعِ (قَرِيبُ الظُّهُورِ). مَرَّ بِنَا الْوَقْتُ سَرِيعًا. نَحْنُ لَاهِيَانِ بِقَصِّ الْحِكَايَاتِ. اشْتَدَّ بِيَ الْجُوعُ. أَصْبَحْتُ لَا أُطِيقُ الْبَقَاءَ بِلَا طَعَامٍ. هَلْ تُحِسِّينَ مِثْلَ مَا أُحِسُّ مِنْ آلَامِ الْجُوعِ؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «إِنَّ بِي مِثْلَ مَا بِكِ. لَكِنَّنِي لَمْ أَشَأْ أَنْ أَسْبِقَ أُمِّي بِالْقَوْلِ فِي هَذَا.»
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ» وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَظْفَرَ بِنَبَاتٍ تَقْضَمُهُ (تَكْسِرُهُ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهَا وَتَأْكُلُهُ): «إِذَنْ فَلْنَقْضَمْ أَيَّ شَيْءٍ نَلْقَاهُ؛ لِيَظَلَّ فِي فَمِنَا، وَتَظَلَّ أَسْنَانُنَا تَلُوكُهُ زَمَنًا طَوِيلًا لِنَنْسَى آلَامَ الْجُوعِ، وَلِنَلْفِظُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. لَعَلَّنَا نَظْفَرُ - بَعْدُ - بِمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ.»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «رَأَيْتُ - أَمْسِ - بَعْضَ الْحَشَائِشِ الْجَمِيلَةِ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى عَشْرِ قَفَزَاتٍ مِنْ جُحْرِنَا. هَلْ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَقْفِزِي مَعِي حَتَّى نَصِلَ إِلَيْهَا؟»
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ»: «سَأُحَاوِلُ إِمْكَانِي، يَا عَزِيزَتِي. هَلُمِّي بِنَا.»
(۲) فِي الْغَابَةِ
نَهَضَتْ «عِكْرِشَةٌ» مُتَثَاقِلَةٌ. وَصَلَتْ إِلَى فُوَّهَةِ الْجُحْرِ (فَمِهِ). وَقَفَتْ لَحْظَةً مُفَكِّرَةً مُنْصِتَةً، شَأْنُ الْأَرَانِبِ الرَّشِيدَةِ الْمُتَبَصِّرَةِ. أَخْرَجَتْ فَاهَا (فَمَهَا) قَلِيلًا، ثُمَّ أَعَادَتْهُ مِنْ فَوْرِهَا.
صَبَرَتْ قَلِيلًا. أَخْرَجَتْ فَاهَا ثَانِيَةً - بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ قَلْبُهَا – وَأَدَارَتْهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَهِيَ تُجِيلُ بَصَرَهَا (تُدِيرُ نَظَرَهَا) فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ.
وَثِقَتْ مِنَ السَّلَامَةِ. خَرَجَتْ مِنْ جُحْرِهَا.
سَارَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» فِي أَثَرِهَا.
قَفَزَتْ «عِكْرِشَةٌ» قَفَزَاتٍ قَلِيلَةً. خَارَتْ قُوَاهَا (ضَعُفَتْ). عَجَزَتْ عَنْ مُتَابَعَةِ السَّيْرِ. وَقَفَتْ مُتَأَلِّمَةً. قَالَتْ مَحْزُونَةً لِبِنْتِهَا «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ»: «جَهَدَنِي الْمَرَضُ. اشْتَدَّ بِي النِّقْرِسُ (وَجَعُ الْمَفَاصِلِ). أَعْجَزَنِي عَنِ الْمَشْيِ. لَا بُدَّ لِي مِنَ الرَّاحَةِ – زَمَنًا قَلِيلًا – حَتَّى أَسْتَعِيدَ نَشَاطِي، وَأَسْتَرِدَّ قُوَّتِي عَلَى السَّيْرِ. اذْهَبِي أَنْتِ. إِنِّي لَاحِقَةٌ بِكِ بَعْدَ قَلِيلٍ.»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «كَلَّا، يَا أُمِّي. لَيْسَ ثَمَّةَ مَا يُعْجِلُنَا. اسْتَرِيحِي كَمَا تَشَائِينَ. ثُمَّ سِيرِي الْهُوَيْنَى (امْشِي عَلَى مَهَلٍ) وَلَا تَتَعَجَّلِي.»
شَكَرَتْ «عِكْرِشَةٌ» لِبِنْتِهَا حُبَّهَا وَأَدَبَهَا.
اسْتَأْنَفَتَا السَّيْرَ (بَدَأَتَا الْمَشْيَ بَعْدَ الْوُقُوفِ). وَصَلَتَا إِلَى الْغَابَةِ.
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ» وَهِيَ تَقْضَمُ الْحَشَائِشَ الْيَابِسَةَ (تَكْسِرُهَا بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهَا، وَتَأْكُلُهَا): «مَا أَلَذَّ هَذَا الْبَقْلَ وَأَشْهَاهُ!»
سَأَلَتْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» وَقَدِ اسْتَسَاغَتْهُ (اسْتَعْذَبَتْهُ وَاسْتَحْلَتْ أَكْلَهُ)، وَأَقْبَلَتْ تَقْضُمُهُ فِي ابْتِهَاجٍ وَفَرَحٍ: «مَا اسْمُ هَذَا الْبَقْلِ الشَّهِيِّ، يَا أُمَّاهُ؟»
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ»: «اسْمُهُ: الْهِنْدِبَاءُ. هُوَ - فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ جَدِّي - خَيْرُ دَوَاءٍ يَشْفِي الْمَعِدَةَ مِنْ أَمْرَاضِهَا وَآلَامِهَا. صَدَقَ جَدِّي! إِنِّي كُلَّمَا أَكَلْتُ هِنْدِبَاةً وَاحِدَةً مِنْ هَذَا الْهِنْدِبَاءِ الْكَثِيرِ، شَعَرْتُ بِنَشَاطٍ عَجِيبٍ. يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّنِي رَجَعْتُ إِلَى شَبَابِي الْآنَ.»
ابْتَهَجَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ». اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْفَرَحُ. قَفَزَتْ حَوْلَ أُمِّهَا مِنْ فَرْطِ السُّرُورِ وَهِيَ تَقُولُ: «يَا لَسَعَادَتِي وَهَنَائِي! كُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّكِ عَلَى وَشْكِ الشَّفَاءِ (أَنَّ الْبُرْءَ قَرِيبٌ مِنْكِ، سَرِيعٌ إِلَيْكِ)، مَا دُمْتِ تَشْعُرِينَ بِلَذَّةِ الطَّعَامِ، وَتُقْبِلِينَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهِيَّةِ الْعَجِيبَةِ.»
(۳) «ابْنُ وَازِعٍ»
لَكِنَّ فَرَحَهَا لَمْ يَطُلْ. حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ.
كَفَّتْ «عِكْرِشَةُ» عَنِ الطَّعَامِ. وَقَفَتْ عَلَى قَدَمَيْهَا. رَفَعَتْ أُذُنَيْهَا الطَّوِيلَتَيْنِ. ضَرَبَتِ الْأَرْضَ بِرِجْلَيْهَا بَغْتَةً.
اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الرُّعْبُ. صَاحَتْ مَذْعُورَةً: «انْجِي بِنَفْسِكِ، يَا صَغِيرَتِي. آهِ ... أَسْرِعِي بِالْفِرَارِ ... إِنَّهُ «ابْنُ وَازِعٍ» بِعَيْنِهِ.. رَبَّاهُ ... هَلَكْنَا جَمِيعًا!»
لَمْ تَكُنْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» قَدْ رَأَتْ - فِي حَيَاتِهَا - كَلْبًا قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ. أَيْقَنَتْ أَنَّ ذَلِكَ – بِلَا شَكٍّ - عَدُوٌّ خَطِرٌ شِرِّيرٌ. لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا فَزِعَتْ أُمُّهَا لِرُؤْيَتِهِ.
صَاحَتْ «عِكْرِشَةٌ» مَرَّةً أُخْرَى: «إِلَى الْجُحْرِ ... إِلَى الْجُحْرِ، يَا عَزِيزَتِي. لَا تُعْنَيْ بِأَمْرِي ... أَسْرِعِي، يَا صَغِيرَتِي. إِنِّي أَسْمَعُ نُبَاحَ «ابْنِ وَازِعِ» الْخَبِيثِ ... أَظُنُّهُ يَقْتَرِبُ ... أَسْرِعِي! ... أَسْرِعِي!»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «كَلَّا، لَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِكِ وَحِيدَةً. هَلُمِّي مَعِي، يَا أُمِّي الْعَزِيزَةَ. اعْتَمِدِي عَلَيَّ هَكَذَا ... تَشَجَّعِي، يَا أُمَّاهُ. إِنَّ الْجُحْرَ مِنَّا قَرِيبٌ.»
جَاءَ الْكَلْبُ نَابِحًا عَادِيًا (مُسْرِعًا فِي الْجَرْيِ) فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الرِّيحِ.
أَسْرَعَتْ «عِكْرِشَةُ» فِي سَيْرِهَا، عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا. لَكِنَّ «زَهْرَةَ الْبِرْسِيمِ» تَوَسَّلَتْ إِلَيْهَا أَنْ تُضَاعِفَ مِنْ سُرْعَتِهَا.
قَالَتْ لَهَا وَهِيَ تُشَجِّعُهَا: «هَلُمِّي ... أَسْرِعِي، يَا أُمَّاهُ. لَمْ يَبْقَ عَلَيْنَا إِلَّا قَفْزَتَانِ ... وَصَلْنَا. شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نَجَاتِنَا مِنْ ذَلِكِ الْخَطَرِ الدَّاهِمِ.»
(٤) بَعْدَ الْعَوْدَةِ
كَانَ الْجَهْدُ وَالْإِعْيَاءُ (التَّعَبُ وَالْكَلَالُ) قَدْ أَضْنَيَا «عِكْرِشَةَ» (جَهَدَاهَا وَهَزَلَا جِسْمَهَا). ارْتَمَتْ فِي جُحْرِهَا خَائِرَةَ الْقُوَى. بَقِيَتْ سَاكِنَةً لَا حِرَاكَ بِهَا. جَزِعَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ». اشْتَدَّ خَوْفُهَا عَلَى أُمِّهَا. حَسِبَتْهَا مَاتَتْ. صَاحَتْ مَذْعُورَةً: «أُمِّي! ... أُمِّي!»
فَتَحَتْ «عِكْرِشَةُ» الْمَرِيضَةُ عَيْنَيْهَا. اطْمَأَنَّتْ عَلَيْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ». أَسْرَعَتْ إِلَيْهَا تَلْحَسُ جِسْمَهَا مُتَوَدِّدَةً مُتَلَطِّفَةً.
لَمْ تَلْبَثْ «عِكْرِشَةُ» أَنِ اسْتَعَادَتْ قُوَّتَهَا، وَرَجَعَتْ نَشَاطَهَا.
(٥) مُطَارَدَةُ الْكِلَابِ
سَأَلَتْهَا «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «أَيُّ عَدَاءٍ وَخُصُومَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكِلَابِ؟ مَا بَالُهَا تُطَارِدُنَا عَلَى غَيْرِ جَرِيرَةٍ (دُونَ ذَنْبٍ، وَبِلَا جَرِيمَةٍ) أَسْلَفْنَاهَا، وَلَا إِسَاءَةٍ قَدَّمْنَاهَا؟»
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ»: «إِنِّي قَاصَّةٌ عَلَيْكِ - يَا عَزِيزَتِي - سَبَبَ مُطَارَدَةِ الْكِلَابِ إِيَّانَا. أَلَا تَعْرِفِينَ النَّاسَ؟
لَقَدْ أَرَيْتُكِ وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ السَّالِفَةِ.
مَا أَحْسَبُكِ نَسِيتِ ذَلِكَ الْعِمْلَاقَ (الطَّوِيلَ جِدًّا) الَّذِي يَمْشِي مُسْتَوِيًا عَلَى سَاقَيْنِ، كَمَا يَمْشِي الْأَرْنَبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَظَرَّفَ فِي مِشْيَتِهِ.
حَدَّثَنِي أَبُوكِ أَحَادِيثَ طَرِيفَةً عَنِ الرِّجَالِ وَالْكِلَابِ. لَقَدْ عَاشَ مَعَهُمْ وَمَكَثَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ - كَمَا أَخْبَرْتُكِ - رَدْحًا مِنَ الزَّمَنِ (وَقْتًا طَوِيلًا).
(٦) لَحْمُ الْأَرْنَبِ
عَلِمْتُ مِنْهُ مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ. هَلْ تَعْرِفِينَ مَاذَا يَطْعَمُ النَّاسُ؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «لَعَلَّهُمْ يَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ، وَالسَّعْتَرَ، وَالْبِرْسِيمَ، وَمَا إِلَيْهَا مِنْ حَشَائِشِ الْأَرْضِ!»
قَالَتْ «عِكْرِشَةُ»: «كَلَّا، يَا عَزِيزَتِي! النَّاسُ لَا يَأْكُلُونَ الْحَشَائِشَ الَّتِي نَأْكُلُهَا. لَكِنَّهُمْ يَطْعَمُونَ لُحُومَ الْحَيَوَانِ.
تَأَكَّدَ لِي – مِمَّا قَالَهُ أَبُوكِ «الْخُزَزُ» - أَنَّ لَحْمَ الْأَرَانِبِ هُوَ أَفْخَرُ طَعَامٍ عِنْدَهُمْ. أَلَمْ أُحَدِّثْكِ أَنَّ أَبَاكِ «الْخُزَزَ» هَرَبَ مِنْ بَيْتِ زَارِعٍ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَرْنَبًا مَذْبُوحًا؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «ذَكَرْتُ الْآنَ ذَلِكِ الْحَدِيثَ الْغَرِيبَ.»
(۷) كَلْبُ الصَّيْدِ
اسْتَأْنَفَتْ «عِكْرِشَةٌ» قَائِلَةً: «لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعَمَالِقَةِ (الطِّوَالِ جِدًّا) سَاقَانِ طَوِيلَتَانِ. لَكِنَّهُمْ - عَلَى سُوقِهِمُ الطَّوِيلَةِ - لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَرْيَ فِي مِثْلِ خِفَّتِنَا.
لَوِ اقْتَصَرَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكِ، لَعِشْنَا وَادِعِينَ آمِنِينَ، فِي الْخَلَاءِ مُسْتَرِيحِينَ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَمَالِقَةَ يَسْتَعْدُونَ عَلَيْنَا (يُثِيرُونَ وَيُهَيِّجُونَ) خَدَمَهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ الْأُخْرَى الَّتِي تَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ.
هَؤُلَاءِ الْخَدَمُ يَرْتَادُونَ (يَقْصِدُونَ) الْأَرَاضِيَ الْمُؤَرْنَبَةَ (الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْأَرَانِبُ): يَشَمُّونَ رَائِحَتَنَا مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ.
يُسْرِعُونَ إِلَيْنَا - عَدْوًا (جَرْيًا) - حَتَّى يَظْفَرُوا بِنَا، فَيُقَدِّمُونَا إِلَى سَادَتِهِمُ الْأَنَاسِيِّ لُقَمًا سَائِغَةً.
«ابْنُ وَازِعٍ» - ذَلِكِ الْكَلْبُ الَّذِي رَأَيْتِهِ بِعَيْنَيْكِ - هُوَ خَادِمٌ مِنْ خَدَمِ أُولَئِكِ الْعَمَالِقَةِ.
إِنَّمَا اخْتَارُوهُ لِصَيْدِنَا وَالْفَتْكِ بِنَا، لِمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنْ قُدْرَةٍ عَجِيبَةٍ عَلَى السِّبَاقِ وَالْعَدْوِ. أَعَرَفْتِ السِّرَّ فِيمَا حَدَثَ لَنَا مَعَهُ الْيَوْمَ؟»
قَالَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ»: «أُوه! فَهِمْتُ كُلَّ شَيْءٍ، يَا أُمِّي. لَسْتُ أَكْتُمُ مَا بَعَثَهُ «ابْنُ وَازِعٍ» مِنَ الرُّعْبِ فِي قَلْبِي، حِينَ دَوَّى (عَلَا وَاشْتَدَّ) نُبَاحُهُ الْمُفْزِعُ فِي أُذُنَيَّ.»
(۸) جِلْدُ الْأَرْنَبِ
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ» وَهِيَ تَلْحَسُ شَعْرَ ابْنَتِهَا الْأَبْيَضَ الْجَمِيلَ: «حَدَّثْتُكِ أَنَّ النَّاسَ يَطْعَمُونَ لَحْمَنَا. هَلْ عَرَفْتِ، يَا «زَهْرَةَ الْبِرْسِيمِ»، مَاذَا يَصْنَعُونَ بِجِلْدِنَا - مَعْشَرَ الْأَرَانِبِ – بَعْدَ أَنْ يَأْكُلُوا لَحْمَنَا الشَّهِيَّ؟ إِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ مِنْ جِلْدِنَا – كَمَا يَتَّخِذُونَ مِنْ جِلْدِ ابْنِ عَمِّنَا «الْأَرْنَبِ الْبَرِّيِّ» - قَلَانِسَ (أَغْطِيَةً لِرُءُوسِهِمْ) فِي الشِّتَاءِ، فَيَتَّقُونَ بِهَا بَرْدَهُ الْقَارِسَ (الْقَوِيَّ الْعَنِيفَ).»
غَضِبَتْ «زَهْرَةُ الْبِرْسِيمِ» قَائِلَةً: «يَا لَهُ نَبَأً هَائِلًا، يَا أُمَّاهُ! فَلْنَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى أَنْ مَنَحَكِ أُذُنَيْنِ سَمِيعَتَيْنِ لَوْلَا يَقَظَتُكِ وَانْتِبَاهُكِ، لَأَصْبَحْنَا فِي قَبْضَةِ أُولَئِكِ الْعَمَالِقَةِ.»
قَالَتْ «عِكْرِشَةٌ»: «إِنَّهُمْ - لِفَرْطِ إِعْجَابِهِمْ بِجَمَالِ فَرْوِنَا – يُطْلِقُونَ عَلَى بَعْضِ ثِيَابِهِمْ اسْمَ: الثِّيَابِ الْمُرَنَّبَانِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ غَزْلَهَا بِشَعْرِنَا.»
(۹) هَدِيَّةُ «الْخُزَزِ»
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، سَمِعَتَا ضَجَّةً كَبِيرَةً بِالْقُرْبِ مِنْ مَكْرِهِمَا (الْجُحْرِ الَّذِي تَسْكُنُهُ الْأُسْرَةُ الْأَرْنَبِيَّةُ)؛ فَعَلِمَتَا أَنَّ الْأُسْرَةَ قَادِمَةٌ إِلَيْهِمَا مِنْ رِحْلَتِهَا ... وَقَدِ اسْتَقْبَلَتَاهَا – حِينَئِذٍ – فَرَأَتَا أَمَارَاتِ الْفَرَحِ بَادِيَةً عَلَى وَجْهِ «الْخُزَزِ» وَأَوْلَادِهِ.
قَرَّ قَرَارُهُمْ. قَالَ «الْخُزَزُ»: «مَا كَانَ أَسْعَدَهَا لَيْلَةً، وَأَلَذَّهُ طَعَامًا! لَقَدْ جِئْتُكُمَا بِشَيْءٍ مِنَ الْبِرْسِيمِ، لِتُشْرِكَانَا فِي هَذَا الطَّعَامِ السَّائِغِ الْهَنِيءِ.»
خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
حَدَّقَ «الْخُزَزُ» فِيهِمَا بُرْهَةً (زَمَنًا طَوِيلًا)، ثُمَّ قَالَ مَذْعُورًا: «يَلُوحُ (يَظْهَرُ) لِي أَنَّ حَادِثًا أَلَمَّ بِكُمَا؛ فَإِنِّي أَرَى أَمَارَاتِ الْحُزْنِ مُرْتَسِمَةً عَلَى وَجْهَيْكُمَا!»
قَصَّتْ «عِكْرِشَةُ» عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَادِثَ الرَّاعِبَ الْمَرْهُوبَ الَّذِي عَرَضَ لَهُمَا.
كَانَتِ الْأَرَانِبُ الصِّغَارُ جَالِسَةً تُنْصِتُ إِلَى حَدِيثِ «عِكْرِشَةَ» – فِي صَمْتٍ وَدَهْشَةٍ - وَآذَانُهَا مُنْتَصِبَةٌ مُمْتَدَّةٌ إِلَى الْأَمَامِ، وَأَذْنَابُهَا مُرْتَفِعَةٌ.
لَمَّا انْتَهَى حَدِيثُ «عِكْرِشَةَ»، أَقْبَلَ عَلَيْهَا بَنُوهَا وَبِنْتَاهَا يَلْحَسُونَ أَعْيُنَ أُمِّهِمُ الْعَجُوزِ الرَّءُومِ، وَأُخْتِهِمُ الصَّغِيرَةِ الْجَمِيلَةِ «زَهْرَةِ الْبِرْسِيمِ».
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.