حكاية·HIKOYA

أسرة السناجيب

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy5 bob27 daqiqa
أسرة السناجيب
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.
  3. 3.
  4. 4.
  5. 5.

الفصل الأول

(۱) العاصفة

أَقْبَلَ الشَّتَاءُ بِأَمْطَارِهِ وَزَمْهَرِيرِهِ (شِدَّةِ بَرْدِه) وَهَبَّتْ عَاصِفَةٌ قَوِيَّةٌ هَوْجَاءُ، فَانْحَنَتْ أَمَامَها أَشْجارُ الغابة، حَتَّى تَنْجُوَ مِنها سَالِمَةً.

وَظَلَّتِ الرِّيحُ تُصَفِّرُ مُزَمْجِرَةً (شَديدةَ الصِّياحِ) مُنْذِرةً بِالْوَيْلِ (مُتَوَطَّدَةً بوقُوعِ الشَّرِّ وحلول العذاب) والدمار (الْهَلَاكِ).

وَصَرَخَتْ صغارُ السَّناجِيبِ — وهِيَ فِي عُشِّها الَّذي اتَّخَذْتُهُ فِي أَعْلَى شَجَرَةِ النُّوحِ (وَهِيَ شَجَرَةٌ أَغْصانُها عَلَى هَيْئَةٍ مَخْرُوطَةٍ) — وَتَعَالَتْ أَصْوَاتُها شَاكِيَةً رَاهِبَةً (خائِفَةً): «أَدْرِكْنا — يا أبانا — فَقَدْ قَارَبْنَا الْهَلاكَ، وَأَشْرَفْنا عَلَى التَّلَفِ، وَأَوْشَكَتِ الشَّجَرَةُ أَنْ تَهْوِيَ (تَسْقُطَ) بنا إلى الأرضِ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَينَ الْمَوْتِ إِلَّا لَحَظاتٌ يَسِيرَةٌ (زَمَنْ قليلٌ).»

(۲) فَزَعُ السَّناجِيبِ

فقال أَبو السَّناجِيبِ لِأَوْلادِهِ الثَّلاثَةِ: «هَدِّئُوا مِنْ رَوْعِكُمْ (خَفِّفُوا مِنْ فَزَعكُمْ)، فَإِنَّ هَذِهِ الْعاصِفَةَ الْهَوْجَاءَ (الرِّيحَ الْقَوِيَّةَ الَّتي تَهُبُّ هُنا وهُنالِكَ، فَتَقْتَلِعُ مَا أَمامَها) لَنْ تَلْبَثَ — عَلَى شِدَّتِها — إِلَّا وَقْتًا يَسِيرًا، ثُمَّ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرُ.»

وكان «اللَّامِعُ» و«الساطع» و«الْبَرَّاقُ» يَكادُون يَهْلِكُونَ مِنْ فَرْطِ الْفَزَعِ، (مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْجَزَعِ) وَيَلْتَصِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، لِيَتَوارَوْا (لْيَسْتَتِرُوا) خَلْفَ أَبيهم وهُمْ حَسَنُو الْهَيْئَةِ، شُقْرٌ (أَلْوَانُهُمْ بَيْنَ الْحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ).

أَمَّا أَبُوهُمُ الشَّيْخُ «قُنْزُعَةُ»؛ فَهُوَ سِنْجابٌ جَمِيلُ الطَّلْعَةِ، أَدْكَنُ (يَمِيْلُ لَوْنُهُ إِلى السَّواد)، كَثِيفُ القُصَّةِ (كَثِيرُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمَةِ رَأْسِه). وقد بَذَلَ الشَّيْخُ جُهْدَهُ فِي تَسْكِينِ رُوعِهِمْ (تَثْبِيتِ قَلْبِهِمْ)، وَتَهْدِئَةِ ثَائِرَتِهِم (ضَجَّتِهِمْ وَهِياجِهِمْ)، وَتَأْمِينِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ. وَقَالَ لُهُمْ، فيما قال: «لا عَلَيْكُمْ (لَنْ يُصِيبَكُمْ أَذًى)، يا بَنِيَّ الأَعِزَّاءَ، فإِنَّ العَاصِفَة – عَلَى شِدَّتِها – لا تَلْبَثُ وَقْتًا طويلًا. وَلَيْسَ لكُم إِلَّا الصَّبْرُ الْجَمِيلُ!»

ولَمْ يَكَدْ «قُنْزُعَةٌ»: أبو السَّناجِيبِ، يُتِمُّ قَوْلَهُ، حَتَّى هَبَّتْ (ثَارَتْ وهَاجَتْ) عَلَى الشَّجَرَةِ ريحٌ صَرْصَرٌ عاتِيةٌ (قَوِيَّةٌ عَنِيفَةٌ)، أَوْشَكتْ أَنْ تَقْتَلِعَها مِنْ جُذُورِها؛ (كَادَتْ تَنْتَزِعُها مِنْ أُصُولِها) فانْقَلَبَ السَّناجِيبُ الأَرْبَعةُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَخَذُوا يَصْرُخُونَ فِي عُشْهِمْ مَذْعُورِين (خائفين).

(۳) هُدُوءُ الْعَاصِفَةِ

ثُمَّ خَفَّتِ العَاصِفَةُ (قَلَّتْ شِدَّتُها) شَيْئًا فَشَيْئًا، وَسَكَنتِ الرِّيحُ الْعَاتِيَةُ (الشَّديدةُ العَصْفِ، التي جاوزَتْ حَدَّ هبوبها).

فَرَفَعَتْ شجرَةُ الشُّوحِ العجُوزُ رَأْسَها الَّذي زَعْزَعَتْهُ الصَّدَماتُ العَنِيفَةُ وتَطلَّعتْ إلى بنات جنسها — مِن شُجيراتِ الشُّوحِ؛ فَهالَها ما رَأَتْهُ، وَحَزَنهَا مَصارِعُ الشَّجيراتِ الَّتِي اقْتَلَعْتها العاصِفَةُ الهَوْجَاءُ، وَقدْفَتْ بها (رَمَتْها) عَلَى الأَعْشَابِ!

وقال «قُنْزُعَةُ» أَبُو السَّناجِيبِ لأبنائه: «يا لها من عاصفة مُفَزِّعَةٍ، هائلةٍ مُروّعَةٍ! لقد عِشتُ عُمُرًا طويلًا — يا أَوْلادِي — وأَصْبحتُ شيخًا طاعنًا في السِّنِّ، وَرَأَيْتُ فُصُولَ الشَّتاءِ متعاقبةً (متتالية) في هذهِ الغابة، فلم أرَ — لِهذِهِ الْعاصِفَةِ الهوجاء – مثيلًا. ولقد كانَ مِنْ حُسْنِ حَظًّنا أنَّ هذهِ الشجرة التي نأْوِي إِلَيْهَا (نَسْكُنها) مَتِينَةٌ قَوِيَّةٌ.»

(٤) طعامُ السَّناجِيبِ

فقالَ لَهُ وَلَدُهُ «اللَّامِعُ»، وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ أَلَمُ الجُوعِ: أَيْنَ زادُنا (طَعامُنا)، يا أَبَتاهُ؟ فما أَظُنُّهُ إِلَّا تَفَرَّقَ، وَقَذَفَتْ بِهِ الرِّيحُ إِلَى حَيْثُ لا نَعْلَمُ!»

فأَجَابَهُ «قُنْزُعَةُ»: «لا عَلَيْكَ — يا وَلَدِي — (لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَلَا تَهْتَمَّ)، وَلَا تَخْشَ عَلَى زادنا الضَّياعَ؛ فَإِنَّ أَباكَ شَيْخٌ مُتَبَصِّرٌ (عَلِيمٌ عارفٌ) بَعِيدُ النَّظَرِ، يُقَدِّرُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ (يَحْسَبُ لها حِسَابَها). وَقَدْ أَعْدَدْتُ عُدَّتِي — فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ – لِأَمْثَالِ هَذِهِ الْمُفَاجَأَةِ، فَخَبَأْتُ زادَنا — مِنَ الْجَوْزِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ – تَحْتَ سِيَاجِ الْأَعْشَابِ (تَحْتَ سُورِها الْمُحِيطِ)، حَتَّى لا تُبَدِّدَهُ (لا تُفَرِّقَهُ) الْعَواصِفُ، وَلا تَذْرُوهُ (لَا تُطَيِّرَهُ) الرِّيَاحُ.»

فاطْمَأَنَّتِ السَّناجِيبُ عَلى زادِها، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُعْنَى (تَهْتَمُّ) بِتَنْسِيقٍ هِنْدامِها، وَتَنْظِيمِ فِرَائِها وَأَذْنَابِها الَّتِي تَشَعَّتْتْ (انْتَفَشَ شَعرُها). وَلَمْ تَلْبَثْ — بَعْدَ لَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ – أَنْ أَعْمَلَتْ أَلْسِنَتَها اللَّطِيفَةَ الصَّغِيرَةَ فِي شَعْرِها، حَتَّى نَسَّقَتْهُ (نَظَّمَتْهُ)، وَأَصْلَحَتْ مَا تَشَعَّثَ (ما تَفَرَّقَ) مِنْهُ.

(٥) باب العش

وَصاحَ «الْبَرَّاقُ» مَذْعُورًا (خائِفًا)، وَهُوَ مُنْزَوِ (مُخْتَفٍ) فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعُشْ، وَقَدِ انْتَظَمَتْهُ الرَّجْفَةُ (شَمِلَهُ الرُّعاشَ)، مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ. قالَ: «ما أَشَدَّهُ بَرْدًا، وَمَا أَقْسَاهُ زَمْهَرِيرًا!»

فَقالَ أَبُو السَّناجِيبِ «قُنْزُعَةُ»: «صَدَقْتَ يا «بَرَّاقُ»، فَقَدِ اشْتَدَّ البَرْدُ، وَلَا بُدَّ (لَا مَفَرَّ) لَنا مِنْ إِغْلاقِ بَابِ العُشْ (إِقْفَالِهِ) عَلَيْنَا، حَتَّى نُصِيبَ (نَنالَ) ما نَرْجُو مِنَ الدِّفْءِ (السُّخُونَةِ) والْحَرارَةِ.»

وَجَمَعَ «قُنْزُعَةُ» قَبْضَةً مِنَ الْحَشائِشِ الْيَابِسَةِ، بِيَدَيْهِ الْأَمامِيَّتَيْنِ، فَمَلَأَ بها فاهُ، ثُمَّ لَفَظَهَا (رَمَى بِها وَطَرَحَها) نَافِخًا بِقُوَّةٍ، فَسَدَّ مَنْفَذَ العُشّ. ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وَقَيْتُكُمْ غائلَةَ الْبَرْدِ (شِدَّتَهُ الْمُهْلِكَةَ)؛ فَالْبَثُوا — أَيُّها الصَّغَارُ الْأَعِزَّاءُ — وادِعِينَ (أَقِيمُوا مُرْتَاحِينَ)، وناموا آمِنِينَ.»

(٦) نَشِيدُ النَّوْمِ

واقْتَرَبَ «قُنْزُعَةُ» مِنْ بَنِيه، والْتَفَّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مُتَحَوِّيًا (مُسْتَدِيرًا عَلَى نَفْسِهِ مُتَجَمِّعًا) كالْكُرَةِ، وَأَصْبَحَ فُوهُ (فَمُهُ) عِنْدَ بَطْنِهِ، شَأْنُ السَّناجِيبِ حِينَ تَتَأَهَّبُ لِلنَّوْمِ.

ثُمَّ سادَ الْعُشَّ سُكُونٌ عَمِيقٌ.

فَهَلْ تَحْسَبُونَهُمْ (تَظُنُّونَهُمْ) — أَيُّها القُرَّاءُ الْأَعِزَّاءُ — قَدِ اسْتَسْلَمُوا لِلْنَّوْمِ؟ كَلَّا. فَإِنَّ عَيْنَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ كَانَتا تَبْرُقانِ في الظَّلامِ، وَذَنَبًا يَرْتَجِفُ أَنَّا بَعْدَ آخَرَ (ذَيْلًا يَرْتَعِشُ حِينَا بَعْدَ حِينٍ).

وَمِنْ عادَةِ السَّناجِيبِ أَنْ تَثِبَ بَيْنَ الْغُصُونِ، قافِزَةً مِنْ فَرْعٍ إِلَى آخَرَ، وَهِي تُحِبُّ الْوَثْبَ وَالقَفْزَ حُبًّا جَمَّا (كَثِيرًا). لِهذَا بَرَقَتْ (لَمَعَتْ) عَيْنا ذلِكَ السنجاب الصَّغِيرِ: «البراق». وَلَكِنَّهُ — هُوَ وَأَخَوَاهُ — قَدْ آثَرُوا (اخْتارُوا) الصَّمْتَ، وَأَخْلَدُوا (ارْتَكَنُوا) إِلَى السُّكُونِ، تَلْبِيَةً لأمر أبيهِمْ.

وَمَرَّتْ لَحَظَاتٌ قَصِيرَةٌ، ثُمَّ عَجَزَ «البَرَّاقُ» عَنْ مُغَالَبَةِ شَوْقِهِ إِلَى الْوَثْبِ (الْقَفْز)؛ فَانْخَرَطَ (أَسْرَعَ) فِي الْبُكَاءِ، وقالَ لِأَبِيهِ فَجْأَةً: «لَقَدْ أَعْجَزَنِي أَنْ أَظْفَرَ بِالنَّوْمِ، فَلَيْسَ لِي مِنْ سَبِيلِ إِلَيْهِ، يَا أَبَتاهُ.»

فَرثَى «قُنْزُعَةٌ» (رَقَّ) لِحالِ وَلَدِهِ «الْبَرَّاقِ»، وَقالَ لَهُ حانِيًا (عاطفًا)، مُشْفِقًا (خائِفًا): «ادْنُ (اقْتَرِبْ) مِنِّي — يا وَلِدِي الْعَزِيزَ — والْتَصِقْ بِي، فَإِنِّي مُغَنِّيكَ أُنشُودَةً (أُغْنِيَّةٌ) جَمِيلَةً، لَعَلَّكَ تَنَامُ.»

ثُمَّ أَنْشَأَ يُغَنِّيهِ نَشِيدَ النَّوْمِ الَّذِي تَحْفَظُهُ أُمَّاتُ السَّناجِيبِ جَمِيعًا، وَتُلَقِّنُهُ أَوْلَادَهُنَّ (تُفَهِّمُهُنَّ إِيَّاه، وتقولُهُ لَهُنَّ مُشافَهَةً)، لِيُنْشِدْنَهُ، اسْتِجلابًا للنَّوْمِ والرَّاحِةِ، فَقالَ، فِي صَوْتٍ عَذْبٍ، يَفِيضُ رِقَةً وَحَنَانًا:

«نَمْ آمِنًا یا «لامِعُ» نَمْ آمِنًا يَا «سَاطِعُ» يا أَيُّهَا «الْبَرَّاقُ»، نَمْ وُقِيتُمُ كُلَّ أَلَمْ! وَأَشْرَقَتْ أَيَّامُكُمْ وَسُعِدَتْ أَحْلامُكُمْ وَساعَفَتْكُمُ المُنَى بِكُلِّ أَسْبَابِ الْهَنا «نَمْ آمِنًا یا «لامِعُ» نَمْ آمِنًا یا «ساطِعُ» يا أَيُّهَا «الْبَرَّاقُ»، نَمْ وُقِيتُمُ كُلَّ أَلَمْ غَلَبْتُمْ أَعْداءَكُمْ وَنَلْتُمُ رَجَاءَكُمْ وَحَقَّقَ الدَّهْرُ بِكُمْ آمالنا بِقُرْبِكُمْ «نَمْ آمِنًا یا «لامِعُ» نَمْ آمِنًا یا «ساطِعُ» يا أَيُّهَا «الْبَرَّاقُ»، نَمْ وُقِيتُمُ كُلَّ أَلَمْ فَأَغْمِضُوا أَجْفَانكُمْ وَفَارِقُوا أَحْزَانَكُمْ سَلِمْتُمُ مِن الرَّدَى وَمِنَ مَكَايِدِ الْعِدا «نَمْ آمِنًا یا «لامِعُ» نَمْ آمِنًا یا «ساطِعُ» يا أَيُّهَا «الْبَرَّاقُ»، نَمْ وُقِيتُمُ كُلَّ أَلَمْ نامُوا جَمِيعًا وانْعَمُوا بِالنَّوْمِ فَهْوَ مَغْنَمُ في صِحَّةٍ وَعَافِيَهْ وَمُتْعَةٍ مُوافِيَهْ «نَمْ آمِنًا یا «لامِعُ» نَمْ آمِنًا يَا «سَاطِعُ» يا أَيُّهَا «الْبَرَّاقُ»، نَمْ وُقِيتُمُ كُلَّ أَلَمْ سَلِمْتُمُ — فَأَنْتُمُ رَجَاؤُنَا — وَدُمْتُمْ

وظَلَّ «قُنْزُعَة» يُرَجِّعُ (يُرَدِّدُ) هذهِ الأَنْشُودَةَ الجَمِيلَةَ، وصَوْتُهُ يَخْفُتُ (يَسْكُنُ أَوْ: يَسْكُتُ) شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى أَسْلَمَ أَوْلادُهُ أَجْفَانَهُمْ لِلنَّوْمِ، وراحَ مَعَهُمْ فِي سُبَاتٍ (نَوْمٍ) عَمِيقٍ.

الفصل الثاني

(۱) صَيْحَةُ البَرَّاقِ

وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَنامُوا طَوِيلًا، فَقَدِ اسْتَيْقَظَ «البَرَّاقُ» فَزِعًا مَرْعُوبًا، وَصاح (صَرَخَ) — مِنْ فَرْطِ الخَوْفِ — قَائِلًا: «لَقَدْ سَمِعْتُ حَرَكَةً خَارِجَ العُشْ.»

فَاسْتَيْقَظَتْ أُسْرَةُ السَّناجِيبِ، وَوَقَفتْ تَتَسَمَّعُ ذلِكَ الصَّوْتَ، وَحَدَّقتْ (شَدَّدَتِ النَّظَرَ) إِلَيْهِ، وَأَرْهَفَتْ آذَانَها.

ثُمَّ قَالَ «اللامِعُ» مُجَمْجِمًا (غَيْرَ رَافِعٍ صَوْتَه، ولا مُبِينٍ كَلامَه) وقَدْ أَسْنَدَ رَأْسَهُ إلى فَرْعِ الشَّجَرَةِ: «لَقَدْ صَدقَ «البَرَّاقُ» — يا أَبَتاهُ — فَإِنِّي أَسْمَعُ صَوتَ أَقْدَامٍ تَتَسَلَّقُ جِذْعَ الشَّجَرَةِ.»

فَذُعِرَ «البَرَّاقُ» (خافَ) — وَهُوَ أَجْبَنُ أَبْناءِ أَبِيه — وَأَخْفَى رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ مُنْزَعِجًا: «آه ... يا لَهَا كَارِثَةً (نَكْبَةً) مُفَزِّعَةٌ!»

(۲) نصِيحَةُ السِّنْجَابِ

فقالَ أَبُو السَّناجِيبِ «قُنْزُعَةُ»: «ما بالُ الْخَوْفِ قَدِ اسْتَولَى عَلَى نُفُوسِكُمْ، أَيُّهَا الصِّغَارُ الأَعِزَّاءُ! إِنَّ الصَّوتَ — فيما يَبْدُو لِي — قَدِ ابْتَعَدَ. فافتَحُوا بابَ العُشْ، لِنَسْتَجِلِيَ الأَمْرَ (لِنَعْرِفَهُ بِوُضُوحٍ)، وَنَرَى مَنِ الطَّارِقُ (مَنِ الزَّائرُ لَيْلًا). فَإِذا لاحَ لِي أَيُّ خَطَرٍ، أَشَرْتُ إِلَيْكُمْ بِالخُرُوجِ مِنْ فَورِكُم (تَوًّا)، لِتَقْفِرُوا إِلى الشَّجَرَةِ المُجاوِرَةِ الأُخْرى. وَلَكِنْ لا تَنْسَوْا

— إذا قَفَزْتُمْ مِنْ شَجَرَةٍ إِلى شَجَرَةٍ — أَنْ تَبْسُطُوا أَذْنابَكُمْ — كما علَّمْتُكُمْ — حتَّى لا تَهْوُوا (لا تَسْقُطوا) إلى الأَرْضِ.»

فَقالوا لَهُ: «كلاَّ، كلاّ. لا تخْرُجْ — يا أبَتاه — فَلَسْنا آمِنِينَ منَ الأخطارِ، إذا خَرَجت! وليس لنا ملاذٌ (ملجأٌ) سواك، فالبثْ مَعَنا، فإننَّا نَسْتَوحِشُ (نشعُرُ بالوحشة والْخَوْفِ) لِغيبَتِكَ!»

فقال «قُنْزُعةُ»: «الْزَمُوا الصَّمْتَ أيُّها الأَعِزَّاءُ، ولا تُفْسِدُوا عَلَيَّ تَدْبِيرِي، فإنِّي أَبْعَدُ مِنْكم نَظَرًا، وأَسَدُّ (أَصْوَبُ) رأيًا، وأوفَرُ (أَكْثَرُ) تَجْرِبَةً!»

(٣) زائِرٌ مُفاجِئٌ

وَخَرَجَ «قُنْزُعةُ» فَجَزِعَ (فَزِعَ) أبناؤه، وانْتَظمتْهُمُ الرَّجْفَةُ (سَرَى في أجسادِهِمُ الرُّعاشُ). وبعد قليلٍ سَمِعُوا حَرَكةً تَدْنُو (تَقْتَرِبُ) منَ العُشِّ، فاشْتَدَّ فَزَعُهم. ثم رأَوْا شيْئًا يَدْنُو منَ البابِ، فكادَتْ تَخْمُدُ أنفاسُهم من فَرْطِ الذُّعْرِ (كادوا يَمُوتونَ من شِدَّةِ الخوْفِ)، وتحيَّرُوا في أَمْرِهِمْ، فلم يعرفُوا: كيْفَ يَصْنَعون؟ وليس مَعَهُمْ أبوهم، فيدفَع عنْهُمْ غَائِلَةَ الْمُغِيرِينَ (فَتْكَ الهاجِمِينَ)، وكيْدَ المعتَدِينَ. ثم أَطَلَّ عليهم رأْسُ حيوان، فَعَقَدَ الذُّعْرُ أَلْسِنَتَهُمْ (ربَطَها الخوْفُ وقيَّدها، فلم تَسْتَطِعِ الكلامَ). وأَسْرَعَ السناجِيبُ مُنْزَوِينَ (مُخْتَبِئِينَ) في رُكْنٍ من أركانِ العُشِّ. ولم يَكَدْ يَسْتَقِرَّ بِهِمُ الْمُقامُ بِهذا الزائِرِ الْمَخُوفِ الرَّاعِبِ (الْمُفْزِعِ)، حتَّى قال مُتَعَجِّبًا: «أَتُرَى هذا العُشُّ خاليًا من ساكنيه؟!»

فَخُيِّلَ إِلى صِغارِ السناجِيبِ أَنَّ آخِرَتَهُمْ قد قَرُبَتْ (ظنُّوا أَنَّ أَعْمارَهُمْ دَنَتْ وأَشْرَفَتْ على نهايَتِها)، وأَطْبقوا أَجْفانَهم (أَغْمَضُوا عيُونَهُمْ) مذعورِينَ، واسْتَسْلَمُوا لليأْسِ مَغْلُوبِينَ.

(٤) أُمُّ راشِدٍ

وفي هِذِهِ اللَّحْظَةِ، دخَلَ «قُنْزُعةُ» عُشَّه، بعد أن أَتَمَّ — في الخارج — جَوْلَتَهُ (طَوْفَتَهُ) باحثًا عن ذلك الطارِقِ. ثم قال لبَنِيهِ: «لَمْ أَرَ أَحَدًا خارِجَ العُشِّ أيُّها الأَعِزَّاءُ؛ فَطِيبُوا نَفْسًا، ولا يداخلَنَّكُمْ (لا يُصِيبَنَّكُمُ) الرَّوْعُ (الفَزَعُ) و...»

فَقاطَعَهُ صوتُ ذلك الزائِرِ قائلا: «سَعِدَ يَوْمُك، يابْنَ عَمّ!»

فَدُهِشَ «قُنْزُعةُ» وتَلَفَّتَ حولَه، لِيَرَى: من يُحَيِّيه.

فَأَبْصَرَ — بِالْقُرْبِ مِنَ البابِ — جِسْمًا صغيرًا، فِي لَوْنِهِ دُكْنَةٌ (سَوادٌ).

فصاح مسرورًا: «مَرْحَبًا بِكِ يابْنَةَ العَمِّ. كيفَ أَنتِ يا «أُمَّ رَاشِدٍ»؟

أَتَدْرِينَ كَيْفَ أَزْعَجْتِ أبنائي — أَيُّتُها الْفَارَةُ الْعَزِيزةُ — بِهَذِهِ الزَّوْرَةِ الْمَفاجِئَةِ؟»

(٥) اعتذار الفَأْرَةِ

فَأَجَابَتْهُ «أُمُّ رَاشِدٍ»: «عُذْرًا وَصَفْحًا، يا ابْنَ عَمَّ، شَدَّ ما يُحْزِنُنِي أَنَّنِي سَبَّبْتُ لَكُم هذا الانزعاج! فهل أنتَ غافِرٌ لي هذه الهَفْوَةَ؟ وهل أنتَ مُتَفَضّل عَلَى بِنتِ عَمِّكَ، فَمُضِيفُها — في عُشَّكَ — زَمَنًا قَصِيرًا؛ لعَلِّي أُصِيبُ شَيْئًا مِنَ الدِّفء، فقد كادَ البَرْدُ يُهْلِكني؟!...

هأنا ذِي أَرَى أَبْناءَكَ الصِّغارَ، فما أَجْمَلَ شَكَلَهُمْ وَأَبْهِجَ مَرْآهُم!

ادْنُوا (اقْتربوا) مِنِّي، أَيُّهَا الأَعِزَّاءُ.

أَلا تَعْرِفون «أُمَّ رَاشِدِ» — بنتَ عَمِّكُم — الْمُخْلِصَةَ الوَفِيَّةَ؟»

(٦) دَهْشَةُ السَّناجِيبِ

فَنَظَرَ إليها «اللَّامِعُ» و«الساطع» و«البَرَّاقُ»، وقدْ سُرِّيَ عَنْهُم، وَذَهَبَ بعضُ ما في نُفُوسِهِمْ من الرَّهْبَةِ والخَوْفِ. وحلَّتِ الدَّهْشَةُ مَكانَ الفَزَعِ، إِذْ عَجِبُوا (دَهِشوا) مِنْ تلك الفتاة الصَّغيرةِ ذاتِ الرِّداءِ (صَاحِبَةِ الثَّوْبِ) الرَّمادِي، التي تُحَدِّثُهم – في طَلَاقَةٍ وَسُرْعَةٍ – وهي تَغْمِزُ بِعَيْنَيْها، وَتُقَطِّب (تُجَمِّع) أَنْفَها الْمُحْدَوْدِبَ (الخَارِجِ وَسَطُهُ)!

(۷) بيت السنجاب

ثُمَّ اسْتَأْنَفَتْ «أُمُّ رَاشِدٍ» قائلة: «تَقَبَّل تهنئاتي — يابْنَ عَمَّ – بِهَذَا الْمَسْكَنِ الْبَدِيعِ الَّذِي تَقْطُنُهُ (تَسْكُنُهُ).»

فقال «قُنْزُعَةٌ»: «صَدقْتِ — يا أُخْتَ يَرْبُوعَ — «فقد بَذَلْتُ جُهْدًا عَظِيمًا فِي تَنْسِيقِ هذا العُشْ (تَنْظِيمِه)، وَوَضْعِ هَذِهِ الأَغْصَانِ الصَّغِيرَةِ كُلِّهَا، وَتَرْتِيبِها فِيهِ.»

فَرَفَعت «أُمُّ رَاشِدٍ» رَأْسَها قائِلَةً: «ما أَجْمَلَ هذا الْبَيْتَ الَّذِي بَنَيْتَهُ، وَرَفَعْت سَمْكَهُ (سَقْفَهُ) وَأَقَمْتَهُ! وَمَا كَانَ أَجْدَرَ الْفَأَرَ أَنْ تَهْتَدِيَ بِكَ، وتَحتَذِيَكَ (تَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِكَ) في هنْدَسَةِ بَيْتِها! وَما أَعْجَبَ مَا وُفِّقْتَ إِلَيْهِ مِنْ فُنونِ الهَنْدَسَةِ، إِذْ تَفْتَحُ بِابَ مَسْكَنِكَ فِي الشَّرْقِ، لِتَنْفُذَ إِلَيْكَ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ، فِي اللَّحْظَةِ الَّتي تَطْلُعُ فيها عَلَى الْكَوْنِ! آهِ، لقد ثَرْثَرْتُ (أَطَلْتُ التَّكَلَّمَ) — يابْنَ عَمَّ – بِلا طائلٍ (بِغَيْرِ فائدَةٍ)، وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَكَ – بادِئَ الأَمْرِ — كَيْفَ أَنْتَ؟ وَلَعَلَّ عُذْرِي فِي هَذِهِ الثَّرْثَرَةِ أَنَّني لم أُقابِلْ أَحَدًا مِنْ أَصْدِقائي مُنذُ زَمَنٍ طويل. وقَدْ طَالَ شَوْقِي إِلَى الْحَدِيثِ وَالسَّمَرِ، وَكَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّي أَنْ لَقِيتُكَ مُفَاجَأَةً، فَقَدْ كُنْتَ أَعْتَسِفُ الطَّرِيقَ (أمشي فيهِ بِلا دِرايةٍ)، سائرةً عَلَى غَيْرِ هُدى. وَعَنَّ (خَطَرَ) لِي أنْ أَتَسَلَّقَ هذه الشَّجَرَةَ، وَأَنا لا أدْرِي، إلى أيّ مكانٍ أَقْصِدُ؟ وَلَمْ أَعْرِفْ أَنَّ حَظِّيَ السَّعِيدَ سَيَهْدِينِي إِلَيْكَ!»

(۸) عُشُ الفأرة

فقال «قُنْزُعَةُ»: «وَكَيْفَ اسْتَطَعْتِ أَنْ تَخْرُجِي وَحْدَكِ مِنْ عُشْكِ، في هذا الوقت، يا أُخْتَ يَرْبُوع»؟ وَكَيْفَ أَقْدَمْتِ عَلَى احْتِمَالِ آلامِ الْبَرْدِ الْقَارِسِ (الشَّديد)، عَلَى غَيْرِ عَادَتِكِ، يَابْنَةَ عَمَّ؟»

فَطأطأتْ «أُمُّ رَاشِدِ» رَأْسَها، ومَسَحتْ بِيَدَيْها فاها (فَمَها) الصَّغِيرَ، ثُم قالتْ مَحْزُونَةً: «آه، يابْنَ عَمَّ، بِرَبِّكَ لا تُذَكَّرْنِي بِعُشّي، وَلا تُحَدِّثْني عنهُ أَيَّ حَدِيثٍ؛ فَإِنِّي لَا أَذْكُرُ العُشَّ إِلَّا ذَكَرْتُ مَعَهُ مِقْدارَ شَقائي وَتَعاسَتي، وَسُوءِ حَظِّي. لَقَدْ كان عُشْي – عَلَى عِلاتِهِ (عَلَى أَيِّ حالٍ فِيهِ) — خَيْرَ نَمُونَجٍ لِمَساكِنِ الْفأر. وكانتْ فَأْرُ الغَابَةِ جَمِيعًا تُزْهَى (تَعْجَبُ) بِهِ، وَتُثْنِي عَلَيْهِ. وَقَدْ كُنْتُ بَنَيْتُهُ – يابنَ عَمَّ – في آخر جِذْعِ بَلُّوطَةٍ ناشِئَةٍ. وَحَفَرْتُ — بِالْقُرْبِ مِنْهُ – مُسْتَوْدَعَ زادي، وَمَخْزَنَ مَؤُونَتي. وملأتُهُ بكلِّ ما أَشْتَهيه من أطايب المآكل، ولذائذ الأطعمة.»

(۹) مَأْسَاةٌ «أُمِّ رَاشِدٍ»

وكانَ السَّناجِيبُ الأربعةُ يُرْهِفُونَ آذَانَهُمْ، مُنْصِتينَ إلى حديث «أُمِّ رَاشِدٍ». وقد حَزِنُوا لشكواها، وَتَأَلَّمُوا لِبَثُها أشدَّ الْآلَمِ (تَوَجَّعُوا لِحُزْنِها أَشَدَّ الْوَجَعِ).

فقاطعها «اللامع» قائلا: «شَدَّ ما أَحْزَنْتِنَا شَكَواكِ، يا «أُمَّ رَاشِدِ؟»

فقالتْ «أُمُّ رَاشِدٍ» مُسْتَأْنِفَةً حديثها: «اصْغُوا إِلى بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّهَا لَّا تَنْتَهِ (لم تَنْتَهِ بَعْدُ)، يا أبناء عَمَّ. وَهيَ مَأساةٌ (حادثةٌ) مُفَزِّعَةٌ. ولستُ أَشُكٍّ فِي أَنَّكُم سَتَدْهَشُونَ إذا قرَّرتُ لكم أنَّني – مُنْذُ زَمَنِ قليل — كنتُ وادعة آمنةً فِي عُشِّي، وَبَيْنَا أَنا مُصْغِيَةٌ (مُسْتَمِعَةٌ) إلى غناءِ الرِّيحِ، وقد تَهَيَّأْتُ لِلكَرَى (اسْتَعْدَدْتُ لِلنَّوْمِ)، وَكِدْتُ أُغْمِضُ عَيْنَيَّ؛ إِذْ سَمِعْتُ جَلْجَلَةً (فَرْقَعةً)، وقَعْقَعَةً هائلةً تَصُمُّ الآذانَ، فَأَسْرَعْتُ – هاربةً – لَعَلِّي أَنجُو بِنَفْسِي. وَلَمْ أَكَدْ أَفْعَلُ حَتَّى أَبْصَرْتُ شَجرةَ البَلُّوطِ تَهْوِي ساقطةً على الأَرْضِ، فَسَمِعْتُ لِدَوِيّها ضَجَّةً، كأَنَّها قَصْفُ الرُّعُودِ (صَوْتُها الشَّدِيدُ)! وَلو أنَّني تَأَخَّرْتُ لَحْظَةً واحدةً عَنِ الْهَرَب، لَهَلَكْتُ من فَوْرِي. آه... يا لَها ساعة مُفَزِّعَةً، لا زِلْتُ أَرْجُفُ (أَرْتَعِشُ) كُلَّما ذَكَرْتُها!»

(۱۰) فُقْدَانُ الزَّادِ

فقال «قُنْزُعَةٌ» أبو السَّناجِيبِ: «لقد دُمِّرَ (خَرِبَ) عُشْكِ — إذن – يابنَةَ عَمَّ!» فقالت «أُمُّ رَاشِدِ»: «صَدَقْت! فقد دُمِّرَ عُشِّي، وَتَبَدَّدَ زادِي (تَفرَّق طَعامي)، وَحَمَلَتْهُ الرِّياحُ الْهُوجُ (التي لا تسير في طريق واحدٍ)، إلى أقاصي الأرضِ النَّائية (البعيدة)، وَلم يَبْقَ لَدَيَّ جَوْزَةٌ واحدة، أقْتاتُ بها. والْفَصْلُ — كما تعلَمُ — شتاء، وليس في الأشجارِ من شَيْءٍ يَصْلُحُ لي زادًا. فما حِيلَتي يابْنَ عَمَّ؟»

ثُمَّ صَمَتَتْ (سَكَتَتْ) «أُمُّ رَاشِدٍ» الْمِسْكِينَةُ، وَغَصَّت عيناها (امتلأتا) بالدموع، وَطَفِقَتْ تَبْكِي حَظَّها الناعِسَ مُتَأَلِّمَةً!

الفصل الثالث

(۱) تَفَرُّقُ الأُسْرَةِ

فقال «قُنْزُعَةُ»: «أَلَيْسَ لَكِ — يابْنَةَ عَمَّ — أَخٌ، أو أُخْتٌ، أو أُسْرَةٌ تُعاوِنك (تُساعِدِك)، في هذا الْوَقْتِ الْعَصِيبِ (الشَّدِيدِ)؟ فَقَدْ طالما سَمِعْتُ أَنَّ الْفَأَرَ مُتَعاوِنَةٌ، يُساعِدُ بَعْضُها بعضًا، ولا يَخْذُلُ قَرِيبٌ قَرِيبَه!»

فقالتْ «أُمُّ راشِدٍ»: «لَيْسَ في هذا شَكٌّ، يابْنَ عَمَّ، ولكِنِّي لا أعْرِفُ أيْنَ تَسْكُنُ أُسْرَتِي وأَهْلِي؟ وَمَبْلَغُ عِلْمي أَنَّهُمْ أَسْرَعُوا إِلى بُيُوتِ النَّاسِ ليَقْطُنُوها؛ وَهَجَرُوا الْغابَةَ في آخِرِ فَصْلِ الْخَرِيفِ، عِنْدَما اصْفارَّتْ أَوْراقُ الأَشْجارِ.

(۲) في بُيُوتِ النَّاسِ

وَقَدِ اعْتَزَمُوا أن يَقْضُوا فَصْلَ الشِّتاءِ في تلْكَ الْمَساكِنِ الآهِلَةِ (الْمَسْكُونَةِ) بالنَّاسِ، كما هِيَ عادتُنا، مَعْشَرَ الْفَأْرِ. ولَقَدْ حاوَلَ أبي وأُمِّي أن يَصْطَحِبانِي في تلْكَ الْهِجْرَةِ، ولكِنَّ خالَتِي زَهَّدَتْنِي في الطيِّباتِ واللَّذائذِ، الَّتِي تأكلُها الفَأرُ في تلْكَ الْبُيُوتِ؛ لما قَصَّتْهُ عَلَيَّ مِنْ مكايِدِ النَّاسِ، وحِيَلِهِمُ الْعَجِيبَةِ الَّتي يَتَحَوَّلُونَها لاصْطِيادِنا، مَعْشَرَ الْفَأْرِ.»

فَصاحَ «اللامِعُ»: «مَنْ هَذِهِ المَخْلُوقاتُ الَّتِي تَعْنِينَ (تَقْصِدِينَ)؟»

فقالَتْ «أُمُّ راشِدٍ»: «أَلا تَعْرِفُ النَّاسَ، يا عَزِيزِي «اللامِع»؟

إِنَّهُمْ فِئَةٌ مِنَ العمالقة (الطُّوالِ) يَسِيرُونَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَما تَمْشِي الطُّيُورُ، لا عَلَى أَرْبَعٍ كما نَمْشِي، مَعْشَرَ الْفَارِ. وَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ يَرْتَدِي (يَلْبَسُ) ثَوْبًا أَشْبَهَ شَيْءٍ بِغِرَارَةٍ (زَكِيبَةٍ)، أَوْ كِيس.»

فَضَحِكَ «اللَّامِعُ» وَإِخْوَتُهُ مِنْ هذا التَّشْبِيهِ الطَّرِيفِ. وقال «اللَّامِعُ»: «لَعَلَّني أَذْكَرُ أَنَّني رَأَيْتُ واحِدًا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هذهِ الصِّفاتُ، وَقَدْ أَدْهَشَنِي مَنْظَرُهُ. فَظَلِلْتُ أَرْقُبُهُ — مِنْ خلالِ الأَغْصَانِ – حَتَّى اسْتَخْفَى عَنْ نَاظِرَيَّ (غابَ عَنْ عَيْنَيَّ)، فَقَضَيْتُ الْعَجَبَ مِمَّا رأيتُ.»

(۳) «أبو غَزْوانَ»

فقالَتْ «أُمُّ رَاشِدِ»: «لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ فِي بُيُوتِ هؤلاءِ الأَناسِيّ (النَّاسِ) حيوانًا شِرِّيرًا، اسْمُهُ القِطُّ، وكُنْيَتُهُ «أبو غَزْوانَ». وهُوَ يَأكلُ الفَأرَ فَلا تَنْجُو مِن مِخْلَبَيْهِ فَأَرَةٌ يَراها، بالِغَةً ما بَلَغَتْ مِنَ المَهارَةِ والقُوَّة.

وَلَقَدْ حَدَّثُونِي عَنْهُ – فيما حَدَّثُونِي — أَنَّ لَهُ شَارِبَيْنِ طَوِيلَيْنِ، يُذْعِرانِ (يُخَوِّفَانِ) مَنْ يَراهُما، ويَمْلَانِ قَلْبَهُ رَهْبَةً وهَلَعًا (خَوْفًا وَفَزَعًا).

ولَقَدْ رَفَضْتُ أَن أَصْحَبَ أَبَوِيَّ فِي هِجْرَتِهما، خَشْيَةَ هذَا الحَيَوانِ الضَّارِي (الفتاك) الْجَرِيءِ البَاطِشِ الْمُفْتَرِسِ.»

(٤) الحَياةُ الحُرَّةُ

فقال «قُنْزُعَةُ»: «لَقَدْ عَرَفْتُ مَنْزِعَكِ (طَبِيعَةَ نَفْسِكِ) يا «أُمَّ رَاشِدِ»؛ فَأَنْتَ تُؤْثِرِينَ (تَخْتَارِينَ) — مِثْلَنا — سُكْنَى الغابات، حَيْثُ الحَياةُ حُرَّةٌ والْهَوَاءُ طَلْقٌ. وَلَقَدْ طَالَما قالتْ لي جَدَّتِي: إِنَّ الكَفافَ (العَيْشَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ) مَعَ الحُرِّيَّةِ خَيْرٌ مِنَ الرَّغَدِ (السَّعَةِ والتَّنَعُّمِ) مَعَ الْعُبُودِيَّةِ!

وَخَيْرٌ لَنا أَن نَعِيشَ فِي بُيُوتِنا فُقَرَاءَ، فذلِكَ أَشْرَفُ من أَنْ نَعِيشَ فِي بُيُوتِ غَيْرنا أغْنِيَاءَ. فَلْيَقْتَرِبْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أَيُّها الأَبْناء البَرَرَةُ (الطَّيِّبُونَ) لِتُخْلُوا مَكَانًا لِصَدِيقَتِنَا «أُمِّ رَاشِدٍ»!»

(٥) أُسْرَة الْقَرَّاضِين

فقالَتْ «أُمُّ رَاشِدِ»: «طِبتَ نَفْسًا، وشَرُفْتَ أَصْلًا، يابْنَ عَمَّ. فَخَبِرْنِي أَيُّهَا الْكَرِيمُ: كَيْفَ أَشْكُرُ نِعْمَتَكَ عَلَيَّ؟»

فقال «أبو السناجيبِ»: «شَدَّ ما تُضْحِكِينَني يَابْنَةَ عَمَّ! لِماذا تَشْكُرِينَ؟

أُقْسِمُ — بِقُصَّتي — إنَّني لا أُراني (أظُنُّني) فَعَلْتُ إِلَّا بَعْضِ مَا يَجِبُّ عَلَيَّ نَحْوَكِ! لَقَدْ نَزَلَتْ بكِ الْأَحْداثُ (مَصائبُ الدَّهْرِ)، ولَيْسَ من الْمُروءَةِ أَنْ أَتَخلَّى عَنْكِ فِي مِحْنَتِكِ. أنسيت – يا عزيزتي – أنَّنا مِنْ أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ؟!»

فَأَجَابَتْه «أُمُّ رَاشِدٍ»: «كَيْفَ أَنْسَى ذلِكَ، يا «أبا السناجيب»؟

أَلَسْنَا مِنْ أَبْنَاءِ تِلْكَ الْأُسْرَةِ الْعَظِيمَةِ الْمَاجِدَةِ: أُسْرَةِ الْقَرَّاضِينَ (الْقَطَّاعِينَ)، التي تَقْطُنُ جَمِيعَ أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ (تَسْكُنُ كُلَّ أَنْحاءِ الدُّنْيا)، وَتَحْتَلُّ الْأَرْضَ مِن أَقْصاهَا إِلَى أَقْصَاهَا؟

(٦) بَناتُ العَمِّ

فَوَقَفَ «اللَّامعُ» أمامَ أنْفِ «أُمِّ رَاشِدٍ»، وظَلَّ يُنْعِمُ النظَرَ فِيها مَلِيًّا (وَقتًا طَوِيلًا)، ثُمَّ قال لـ «قُنْزُعَهُ» مَدْهُوشًا: «كَيْفَ تُقِرُّ «أُمَّ رَاشِدٍ» عَلَى أَنَّنا مِنْ أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُكَ تُداعِبُها (ظَنَنْتُكَ تُمازِحُها)، حينَ تَدْعُوها بِابْنَةِ عَمِّكَ، وَلَكنِّي أَلْمحُ (أَرَى) الْجِدَّ في حَدِيثِكُما، ولا أرى — فيما تقُولان — شَيْئًا من الدُّعابة (الفُكَاهَةِ وَالْهَزْلِ). ومَا أَدْرِي: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ المَخْلُوقَةُ الصَّغِيرَةُ الْجِرْمِ (الْحَجْمِ)، الضَّئِيلَةُ الجِسْمِ، مِنْ بَنَاتِ عَمِّنَا؟ هذا ما لا أَفْهَمُهُ!»

(۷) أَسْنانُ الدَّوابِّ

فَصاحَ «قُنْزُعَةٌ»: «أَلا تَكُفُّ عَنْ هَذَرِكَ (عَبَثِكَ ومُزَاحِكَ) أَيُّها الغَبِيُّ؟ ما بالُكَ تُغْلِظُ الْقَوْلَ لِهَذِهِ الضَّيْفِ الْعَزِيزة؟ ألا تَدْرِي: بأَيِّ مِيزَةٍ تَتَعَرَّفُ فَصائلَ الْحَيَوانِ (أَنْوَاعَهُ)؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكُمْ هذا مِن قَبْلُ؟»

فَقَالَ «السَّاطِعُ»: «صَدَقْتَ — يا أبتي — فَقَدْ حَدَّثْتَنا: أَنَّ الدَّوَابَّ تُعْرَفُ بِأَسْنانِها.»

فَقَالَ «قُنْزُعَةٌ»: «مَرْحَى، مَرْحَى (أَحْسَنْتَ ... أَحْسَنْتَ) أَيُّهَا الذَّكِيُّ الصَّغِيرُ! تَعَالَ إِلَى جانبي، وافتح فَاكَ، عَلَى مَدَى اتساعِهِ.

وتعال، يا «لامعُ»، فانْظُرْ: كَمْ سِنًّا أماميَّةً فِي فَمِ أَخِيكَ الصَّغير؟»

فَحَدَّقَ «اللَّامِعُ» بَصَرَهُ — كما أَمَرَهُ أَبُوهُ — ثمَّ قَالَ لَهُ: «أَرَى ثِنْتَيْنِ فِي الْفَكِّ الأَعْلَى من الْحَنَكِ، وثِنْتَيْنِ فِي الْفَكِّ الأَسْفَلِ، وَمَجْمُوعُهُما أَرْبَعُ أَسْنَانٍ.»

(۸) القواطع

فَقالَ «قُنْزُعَةُ»: «صَدَقْتَ يا «لامِعُ». فَهَلْ تَعْرِفُ اسْمَ هَذِهِ الْأَسْنَانِ الْمُسْتَعْرِضَةِ؟ إِنَّهَا تُسَمَّى: القواطع. أَفَهِمتَ يا «لامعُ»؟»

فقالَ لَهُ «لامِعٌ»، وَقَدْ تَطَلَّقَ مُحَيَّاهُ (انْبَسَطَ وَجْهُهُ) بِشْرًا وَحُبُورًا: «نَعَمْ — يا أبتاه — فَهِيَ تُسَمَّى: الْقَواطع.»

فاستأنف «قُنْزُعَةُ» قائلا: «واعلموا أنَّ لكلِّ فَرْدٍ من أفراد هَذِهِ الْأَسْرَةِ القَرَّاضَةِ الْمُتَسَلِّقَةِ التي تَشْتَمِلُ علينا، مَعْشَرَ السَّناجِيبِ — وَعَلَى بَناتِ أعمامنا الجرذان والفيران — أَرْبَعَ أَسْنان قاطعة، نَسْتَعملها للقَرْض (القطع).»

ثم التفت إلى «أُمِّ رَاشِدِ»، قائلا: «أتأذنين — متفضّلةً – يابنة عم – أن تفتحي فاكِ، ليرى هذا الطَّائِشُ مصداق (بُرْهَانَ) ما أقولُ؟»

فقالت له «أُمُّ رَاشِدٍ»: «ليس أحبَّ إلى نفسي من تلبية أمرك، يابنَ عَمَّ.»

(۹) أَسْنانُ «أَمِّ رَاشِدٍ»

ثم انتصبتْ واقفةً على رِجْلَيْها الْخَلْفِيتين. وفتحت فاها — على مدى اتساعه — فكان شكلها غايةً في البشاعة (الفظاعة). ولم يَتَمَالَكِ «اللامعُ» أن يَضْحَكَ من رُؤْيتها. وأراد «الساطع» و«البراق» أن يُتابعا أخاهُما في ضَحِكهِ، وَيَحْذُوا حَذْوَهُ، ولكنَّ «قُنْزُعَةَ» — وهو يُبْغِضُ الْمِزاحَ في مواطن الجِدِّ — قَطَّبَ حاجِبَيْهِ (جمع لَحْمَهما كما يفعل الإنسان، إذا عَبَسَ وغَضِبَ)، فلم يستطعْ أَحَدٌ منهم أن يُواصل ضَحِكَهُ.

وأنشأ «الساطع» يَعُدُّ أسنان «أُمِّ رَاشِدٍ»، بِصَوْتٍ مرتفع: «واحدة ... ثنتان ... ثلاث ... أربع ...»

وثَمَّةَ (وهُناكَ) أَدْرَكَ «السَّاطع» خطأَهُ وَجهْلَهُ؛ فَطأطأ رَأْسَهُ مُجَمْجِمًا (مُتَكَلِّمًا بِكلامٍ غَيْرِ وَاضِحٍ): «إِنَّ لها أَرْبَعَ أَسْنَانٍ قاطعةً أَيْضًا!»

(۱۰) اعْتِذَارُ النَّادِمِ

فقال «قُنْزُعَةُ»: «فهلْ أَيْقَنْتَ (تَثَبَّتَ) الآنَ — يا «ساطع» — أَنَّ الْفَأَرَ والسَّنَاجِيبَ مِنْ أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَصْلٍ واحدٍ؟

وَهَلْ أَدْرِكْتَ — أَيُّهَا الْمَغْرُورُ — أَنَّكَ أَمْعَنْتَ في الإساءَةِ (بالَغْتَ فِيها) إلى هَذِهِ الضَّيْفِ الْعَزِيزِةِ؟

فَهَلُمَّ أَقْبِلْ — يا «ساطِعُ» — فَاعْتَذِرْ لابْنَةِ عَمِّكَ مِمَّا أَسْلَمْتَ مِنْ إِسَاءَةٍ وَعُقُوقٍ..»

فَتَوَجَّهَ «ساطِعُ» إِلَى بِنْتِ عَمِّهِ «أُمِّ رَاشِدٍ» مُعْتَذِرًا نَادِمًا.

وما كَانَ أَسْرَعَ صَفْحَهَا وغُفْرَانَها (سُرْعانَ ما سامَحَتْهُ وتَجاوزَت عَنْ ذَنْبِهِ وغَفَرَتْ لَهُ إِساءتَهُ)! فَلَقَدْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ «أُمُّ رَاشِدٍ» تُدَاعِبُهُ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ (تُمازِحُهُ وَتَتَحَبَّبُ إِلَيْهِ)، وتَلْحَسُهُ بِلِسَانِهَا اللَّطِيفِ.

الفصل الرابع

(۱) آلامُ الْجُوعِ

ثُمَّ سادَ الصَّمْتُ زَمَنًا يَسِيرًا (وقْتًا قَلِيلًا)، وظَلَّتِ السَّناجِيبُ تَصْقُلُ (تُلَمِّعُ) بِأَلْسِنَتِها جُلودَها، وَتَلْحَسُها. وبَدَا الارْتِباكُ والْقَلَقُ عَلَى وَجْهِ «أُمِّ رَاشِدٍ». فَسَأَلَها «أَبو السَّناجِيبِ» عَنْ مَصْدَر هَمِّها وانزعاجها، فَقَالَتْ مُجَمْجِمَةً: «لَقَدْ نَفِدَ صَبْرِي — يا بَناتِ عَمِّي — وَاشْتَدَّتْ بِي آلامُ الْجُوْعِ، حَتَّى ضِقْتُ بِها ذَرْعًا (ضَعُفَت طاقتِي، وقَلَّ احتمالي، وَلَمْ أَجِدْ للمَكْرُوهِ فيها مَخْلَصًا). فَقَدْ لَبِثْتُ (بَقِيتُ) — مُنْذُ مَساءِ الأَمْسِ إِلَى الْيَوْمِ – دُونِ طَعَامٍ. فَهَلْ أَجِدُ فِي بَيْتِكُمْ شَيْئًا مِنَ الزَّادِ؟»

فَقَالَ «قُنْزُعَةٌ»: «ما أَشَدَّ بَلاهَتي (ما أَعْظَمَ غَفْلَتِي وغَباوَتِي)، وما أقَلَّ ذَوْقي وَفِطْنَتِي! فَقَدْ أُنْسِيتُ هذا الْواجِبَ — يابْنَةَ عَمَّ — وَلَيْسَ عِنْدِي — لِسُوءِ الحَظِّ – شَيْءٌ تَقْرِضِينَهُ (تَقْطَعِينَهُ) الآن. فَتَرَيَّثي (انْتَظري) لَحَظاتٍ يَسِيرَةً (زَمَنًا قَلِيلًا)، حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّادِ.»

(۲) في زمهرير الشتاء

ثُمَّ تَحَفَّزَ (تَأَهَّبَ) «قُنْزُعَةُ» لِلْخُرُوج منَ العُشْ، ولكنَّهُ ما كَادَ يُطِلُّ بِأَنْفِهِ، حَتَّى عادَ أدْراجَهُ (رَجَعَ مِنْ حَيْثُ أَتَى)، وهُو يَصِيحُ فَرحًا: «يا لَهُ مِنْ بَرْدٍ قَارِسٍ (شَدِيدٍ)، لَقَدْ تَحَدَّرَ الجَليدُ (تَساقَطَ الثَّلْجُ) فَمَلأَ الدُّنْيَا، فَهَلُمُّوا (أقْبِلُوا) — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ — لِتَرَوْا ذَلِكُمُ المَنْظَرَ البَدِيعَ».

فَخَرَجُوا جَمِيعًا، وَظَلُّوا يَثِبُونَ (يَقْفِزُونَ) بَيْنَ الْأَغْصَانِ، وَظَلَّ الجَلِيدِ يَتَحَدَّرُ (يَتَساقَطُ) عَلَى فِرَائِهِمْ، فَيَزِيدُهُمْ فَرَحًا وإيناسًا..

وَلَكِنَّ السَّناجِيبَ الصَّغِيرَةَ لَمْ تُطِقِ البَقاءَ طَوِيلًا فِي الزَّمْهَرِيرِ (اشْتِدادِ البَرْدِ)؛ فَقَدْ عَجَزَتْ أَرْجُلُها العارِيةُ عَنِ احْتِمَالِ البَرْدِ القَارِسِ (الشَّدِيدِ).

فَقَالَ «ساطِعٌ»: «عُودُوا (ارْجِعُوا) بِنا إِلَى العُشَّ. فَقَدْ كَادَ جِسْمِي يَجْمُدُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ!»

فَتَرَكَهُمْ أَبُوهُمْ، لِيُحْضِرَ الطَّعَامَ لِضَيْفِهِ العَزِيزَةِ.

(۳) ذِكْرَياتُ «أُمِّ رَاشِدٍ»

فَعادُوا جَمِيعًا إلى الْعُشِّ، وَلَمْ يَكَدْ يَسْتَقِرُّ بِهِمُ الْمُقامُ حَتَّى قالت «أُمُّ رَاشِدٍ»: «لَقَدْ أَزْعَجَتْكُم — أيُّها الصِّغَارُ الأعِزَّاءُ — هَذِهِ الْعَاصِفَةُ (الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ) الْبَارِدَةُ الْمُفَزِّعَةُ.»

فقالوا لها: «صدقتِ، يَابْنَةَ عَمَّ.»

فَقالتْ «أُمُّ رَاشِدِ»: «آه، لو أَنَّ أُمَّكُنَّ هُنا! إِذَنْ لَهَدَّأَتْ مِن رُوعِكُنَّ (سَكَنَتْ مِنْ قَلْبِكُنَّ). فَإِنِّي أَعْرِفُها سِنْجابةً طَيِّبَةَ النَّفْسِ، جَريئَةَ الْقَلْبِ، لا يدانيها مِنْ بَناتِ السَّناجِيبِ أَحَدٌ فِي خلالها (خِصَالِها) الْجَمِيلَةِ، ومزاياها الْحَميدة.

وَلَعَلَّكُنَّ لَا تَعْرِفْنَ: ماذا صَنَعتْ أُمُّكُنَّ الْعَزيزَةُ فِي سَبِيلِ إِنقاذكنَّ، حينَ كنتُنَّ – في أَوَّلِ نَشَأَتِكُنَّ — أَطْفَالًا صِغَارًا؟»

فقالوا لها: «كَلَّا، لَمْ نَعْرِفْ شَيْئًا مَنْ ذَلِكِ.»

(٤) مُوْلِدُ السَّناجِيبِ

فقالتْ «أُمُّ رَاشِدِ»: «أَلَمْ يُحَدِّثْكُنَّ أبوكُنَّ هذا الْحَدِيثَ الطَّرِيفَ؟ أَصْغُوا إِليَّ، فَإِنِّي قَاصَّتُهُ عليكن، أيُّها الأعزاء: لَمَّا وُلِدْتُمْ — أَيُّها الصِّغَارُ الأَعِزَّاءُ الْمَحْبُوبُونَ — ابْتَهَجَ بِكُمْ أَبَوَاكُمْ، وسُرَّا سُرُورًا عَظِيمًا. وَأَقْبَلَ عَلَيْهِما الْأَصْدِقاءُ يُهَنِّئُونَهُما بِوِلادَتِكم. وامْتَلأَ قَلْبُ أُمِّكم الْحَنُونِ (الرَّحِيمَةِ) فَرَحًا وَغِبْطَةً بِهَذِهِ العرائس الصَّغِيرَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي وَلَدَتْها. وعاشَتْ — إلى جانبِكُمْ — أَسْعَدَ عَيْشِ، وَلَمْ يُكَدِّرْ صَفْوَها أَيُّ مُكدِّرٍ.

(٥) عَدُوُّ السَّناجِيبِ

وفي ذات يوم أبصَرَتْ (رأت) — وهي خارجة — حيوانًا أسْوَدَ، يَدُورُ حَولَ شَجَرَتِكُمْ، مُتَحَفِّزًا لِلْفَتْكِ (مُتَوَثِّبًا متَأهّبًا للبطش والافتراس) اسمه: «الدَّلَقُ». وهو حيوانٌ شَرِس، شديدُ الخَطَر، في مثل حجمِ القِطَّ وَهيئته، ولكنَّهُ أحمرُ الجسمِ، أَبيضُ الْحَلْقِ والصَّدْرِ، وهو من ألد أعداءِ شَعْبِ السَّناجِيبِ النَّبِيلِ. فَاحْذَرُوا منهُ — أَيُّها الأَعِزَّاءُ – ولا تُخْطِئُوا شكْلَهُ؛ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ حيوان شَبَهًا بالقط.

آه لكم، أيُّها الصّغارُ! وَواه من تلكم الوُحُوشِ الْمُفترسة التي تُزْعِج الآمنين الوادعينَ! فلولاها لأَصْبَحَتِ الدُّنيا جنَّةً، وعَاشَ فيها أهْلُوها في غبطة وسعادة دائمتين.

(٦) فَزَعُ الْوَالِدِ

ولم تكد أمُّكُم الْحَنُونُ تَرَى هذا «الدَّلَقَ» حتَّى امتلأ قلبها رُعْبًا، فَأَسْرَعَتْ إِلَى الْعُشْ مَذْعُورَةً (خائفةً)، ولم تَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ منه. وكان أبوكم العزيز غائبًا في ذلكمُ اليَوْمِ، فَقَدْ ذَهَبَ — فيما حدَّثني — لزيارة أحَدِ أعْمامِكم، في الغابة المجاورةِ. وَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ (أَظْلَمَ)، عاد — في طريقه إلى عُشْهِ – مُطْمَئِنَّا، وفي فَمِهِ جَوْزَةٌ لذيذةُ الطَّعْمِ، وَقَلْبُهُ مُنْشَرِحٌ مَسْرُورٌ بِقُرْبِ لِقائكم. ولكنّ سُرُورَهُ تَبدَّلَ غَمَّا وهما وانزعاجًا، حين رأى «الدَّلَقَ» خارجا من عُشْكم. فامْتَلأَ قَلْبُهُ ذُعرًا، وَخَرَجَ هائمًا (مُتَحَيِّرًا) في الغابة. وظَلَّ يَقِفُ — في أثناء طَريقِهِ — مَنْهولًا مُضْطَرِبًا، وهُوَ يُنادي بأَعْلَى صَوْتِهِ: «وا ساطعاه! وا لامعاه! وا بَرَّاقاهُ! وا زوجاهِ! أَيْنَ مِنْ عَيْنَيَّ: السّاطعُ واللَّامعُ والبَرَّاقُ، و«غَدِيرَةُ»: أُمُّ السَّناجِيبِ!»

فلا يُجِيبُهُ أَحَدٌ. وثَمَّةَ أيقنَ أَبُوكم أن «الدَّلَقَ» الخَبِيثَ قَدْ فَتَكَ بِكُمْ (افْتَرَسكم) جَمِيعًا.

(۷) فَرْحَةُ اللِّقاءِ

وَلَما أَصْبَحَ وقَفَ عند جذعِ شَجَرَةٍ، وقد جَهَدَهُ (أَرْهَقَهُ وَأَضْناهُ) التَّعبُ والسَّهْرُ وَالْحُزْنُ، فماذا رأى؟ لقد رأى أمَّكُم الْعَزيزة جادَّةً فِي البَحْثِ عَنْهُ. فَلَمَّا رَأَتْهُ «غَدِيرَةُ» بَكَتْ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، وقالت له: «أَلْفُ شُكرِ لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكَ!»

فبادرها قائلًا: «كَمْ أنا سعيدٌ بِلْقِياكِ (بِلِقَائِكِ)! فَحَدِّثيني – بِرَبِّكِ – أَيْنَ الأولاد؟»

فقالَتْ «غَدِيرةٌ»: «لَقَدْ نَجَوْنا — بِحَمْدِ اللَّهِ – منَ الهلاكِ!»

ثُمَّ سَارَتْ مَعَهُ إِلى عُشٍّ قَدِيمٍ، هَجَرَهُ غُرابٌ، فَلَمَّا صعدا إلى شَجَرَةِ القَسْطَلِ، وَجَداكم: وادِعِينَ مَسْرُورِينَ.

(۸) النجَاةُ مِنَ الدَّلَقِ

فابتهج أبوكم بسلامتِكُمْ. واسْتَوْلى عَلَيْهِ الْفَرَحُ، وَظَلَّ يُقَبِّلُكُم، وَيَرْقُصُ — مِنْ فَرْطِ سُرُورِهِ – حَوْل عُشْكُم، وَيَسْتَمِعُ إِلى حَدِيثِ أُمِّكُم، وهِيَ تَقُولُ: «عِنْدَما رأيت «الدَّلَقَ» يَدْنُو مِنَ الشَّجَرَةِ، كان اللَّيْلُ قَدْ أَرْخَى عَلَى الْغابِةِ سُدُولهُ (سُتُورَه)، فَحَمَلْت أَوْلادِي بَيْنَ أسناني، وَوَضَعْتُهُمْ عَلَى عُنُقي، واحدًا بَعْدَ الآخَرِ، إلى هذا العُشُ الْمَهْجُورِ الَّذِي تَرَكَهُ صاحبه «الْغُراب».»

(۹) شُكْرُ السَّناجِيبِ

وكانت «السَّناجِيبُ» جَالِسَةً عَلَى أَقْدامِها الْخَلْفِيَّةِ؛ رافعةً أذنابها، مُصْغِيَةً إِلى حَديثِ «أُمّ رَاشِدٍ»، وقَدِ اشْتَدَّ عَجَبُهُمْ مِمَّا سَمِعُوا.

فَلَمَّا انْتَهَتْ مِنْ كلامها، هَزُّوا رُءُوسَهُمْ ونَواصِيَهُم (وَهِيَ: الشَّعْرُ الْمُقَدَّمُ فِي رَءُوسِهِمْ) مَدْهُوشِينَ، وقالوا لها بلسان واحِدٍ: «شُكْرًا لَكِ. شَكْرًا لَكِ — يَابْنَةَ عَمَّ – عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ العجيبِ الشَّائِقِ.»

(۱۰) مَخْزَنُ الجَوْزِ

وكانَ «قُنْزُعَةُ» — في أَثْناء هذا الوَقْتِ — يَبْذُلُ جُهْدَهُ في رَفْعِ الثلج بِأَيْدِيهِ، بِجِوارِ عَرِيشَةِ الجَوْزِ، وقد كان يُخَبِّئُ عِنْدَها مَؤونة الخريف الماضي. وقد تعذر عليه الاهتداء إلى مكان الطَّعَامِ – حِينَئِذٍ — بعد أن غُطِّيَتِ الأَرْضُ بالجَلِيدِ، فَظَلَّ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ قائلًا: «ما أَظُنُّني مخدوعًا في تَعَرُّفِ المكان، على أي حالٍ إِنَّهُ — فيما أعْلَمُ — أَمَامَ شَجَرَةِ البَلُّوطِ الْجَوْفاءِ التي كان يعيش فيها صديقي «أبو سنْجَب». ثم ظَلَّ يَحْفِرُ الجَلِيدَ بيديه الْماهِرَتَين، حتى عَثَرَ على ضالَّتِهِ (حاجته). فصاح مزهُوًّا فَرَحًا: «مَرْحَى مَرحَى! لقد عثَرتُ عَلَى مَكْمَنِ الزَّادِ (مَخْبَأُ الطَّعام). آهِ! ما بال المؤونة في نقص كبير! وما بالُ الْمَخابِئ الأخرى خاوية (خالية)؟ ليس لي من حِيلَةٍ إِلَّا الصَّبر على قضاء الله، الذي لا يَنْسَى أَحَدًا مِن مَخْلُوقاتِهِ!»

ثم أمسك في فَمِهِ بِجَوزَةٍ جَمِيلَةٍ، ثقيلَة الْوَزْنِ، وغطَّى مُستودع الزَّادِ بالجليد، كما كان، وعاد مسرعًا إلى عشه الأمين.

(۱۱) الجوزة الشهية

ولما عاد إلى عُشِّه سَمِع «أُمَّ رَاشِدٍ» تُحَدِّثُ أولادَهُ أحَادِيثَها الجَمِيلَة، فقال في نفسه مُتَعجبًا: «يا لها من ثَرْثارَةٍ عجيبة، فقد شغلها الْحَدِيثُ عن الجُوعِ وَالْإمِهِ!»

وَلَما رَآهُ أَولادُهُ فَرِحُوا بِعَوْدَتِهِ، وَحَيَّوْهُ مَسْرُورِينَ، فَأَعْطَى ضَيْفَهُ تلك الجَوْزَةَ الشَّهِيَّةَ التي أَحْضَرَها، وهي تَبْرُقُ مِنَ الرُّطوبة، وقال لها: «هاكِ ما طَلَبْتِ. ولعلَّ هذه الجَوْزةَ تُلائِمُ ذَوْقَكِ، أَيَّتُهَا الْعَزِيزَةُ!»

فشكرت له هَدِيَّتَهُ، وأمسكتْ بِها بين يَدَيْها الأماميتين. وَبَرَقَتْ (لَمَعَتْ) عيناها من الْفَرَحِ، وَتَحَرَّكَ ذَنَبِها طَرَبًا، ولم تُضِعْ وقتها عَبَثًا (بِلا فائدة)، فَظَلَّتْ تَقْضُمُها (تَعَضُّها بأطرافِ أَسْنانِها)، فَيُسْمَعُ لِقَضْمِها مثلُ صَرِيرِ المِنْشارِ. وما زالتْ تَغْرِسُ أسْنانَها الحادة، وهيَ جادَّةٌ في قَضْم الجوزة، حتَّى ثَقَبتها ثُقْبًا يَكْفِي لإِدْخالِ فمها الصَّغير المُدَبَّبِ. فصاحَتْ قائلةً: «يا لَها من رائِحَةٍ ذكِيَّةٍ، يابْنَ عَمَّ! ما أشهاها (ما ألذَّها) جَوْزَة!»

(۱۲) فائدةُ الْقَضْمِ

وكان صِغَارُ السَّناجِيبِ يَنْظُرُون إِلَيْها – في دَهَشَ وَعَجَبٍ — فقال لهم أبوهم: «إِنَّ السنجاب العاقل الرَّشيد يَقْسِم الجوزَةَ نصفين، قبل أن يهم بأكلها.»

ولمَّا فَرَغَتْ «أُمُّ رَاشِدٍ» من طعامها مَسَحتْ فاها بيديها، وفاضَ الفَرَحُ عَلى وجهها، فقالت: «لقد ارتاح بالي، ونَجَوْتُ من آلام الجُوع. فأنتَ تَعْلَمُ — يابن عَمَّ – أن أسْنانَنا تَنْمُو دائِمًا وتَطُولُ، ولا يُقَصِّرُها إِلا مُوالاةُ القَصْمِ والقَرْضِ، ولولا ذلك لهلكنا من فرط الألم، فهل تأذن لي في أن أَعُودَ من حيث أَتَيتُ، فَإِنِّي قد ضايقتُكُم كثيرًا.»

(۱۳) القَرْقَدَانُ والقَرْقَذُونُ

فقال «قُنْزُعَةُ»: «كلا، لا تُفَكِّري في شَيْءٍ من ذلك يا عزيزتي؛ فإنَّكِ لم تُزعجينا، بل أدخلتِ السُّرُورَ والْفَرَحَ على قُلوبِنا. وليس في قُدْرَتِكِ أن تَجُولي (تطوفي) في الغابة الآن، بعد أن غُطِّيَتْ أرضُها بالجليد.»

فقالت «أُمُّ رَاشِدِ»: «شُكْرًا لَكَ — يابن عَمَّ — على كَرَمِكَ وسماحتِك — (جُودِك)؛ فقد خَشِيتُ أَن أُزْعِجَكم وأُضايقكم.»

فصاح صغار السناجيب: «كلا، كلَّا، فقد مَلأْتِ قُلوبَنا بِشْرًا وسرورًا بأحاديثك الطريفة. فالْبَثي (امْكُثِي) مَعنا، لِتُحَدِّثِينَا بِأَسْمَارِكِ الْمُعْجِبَةِ.»

فقال «أبو السناجيب»: «هَلْ قَصَصْتِ عَلَيْهِمْ قِصَّةَ «القَرْقَدَانِ والقَرْقَذُونِ»؟»

فَقَالَتْ «أُمُّ رَاشِدٍ»: «كَلَّا، لَمْ أُحَدِثُهُمْ بِقِصَّةِ هَذَيْنِ السِّنْجَابَيْنِ العَجِيبَةِ، وَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بها — يابْنَ عَمَّ — بعدَ أَنْ أَوْشكتُ (كِدْتُ أَنْ أَنْساهَا.»

فَصاحَ السَّناجِيبُ: «ما هِيَ تِلْكَ القِصَّةُ، يَابْنَةَ عَمَّ؟ بِرَبِّكَ حَدِّثِينَا بِهَا، أَيَّتُهَا الضَّيْفُ الكَرِيمَةُ!»

الفصل الخامس

(۱) قصَّةُ السِّنْجَابَيْنِ

فقالت «أَمُّ رَاشِدٍ»: «إِني مُحَدِّثَتُكم بقصة هذين السنجابين، فَإِنَّ فِيهَا لَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ (مَوْعِظَةً لَمَن يَتَّعِظُ). ثم أنشأت تقول:

(۲) نُزهة القَرْقَدَانِ

«كان — يا ما كانَ — في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، سنجابان شقيقان: اسم أحدهما: «القرقَذُونُ»، واسم أخيه الآخر: «القرقذان».

وكانا – حينئذ — طفلين صغيرين، يَقْطُنانِ (يَسْكُنان) شجرةً عَجُوزًا، في غابة مظلمة، تكتنفها (تُحيط بها) الأشجار الكثيفة (الكثيرة، المتراكب بعضها على بعض). وفي ذات يومٍ عَنَّ (عرَضَ) لهما أن يَهْبِطا إلى الأرْضِ، ويلعبا بين النباتات والأعشاب والشجيرات الصغيرة.

وكان «الْقَرْقذان» أشجع من أخيهِ «الْقَرْقَذُونِ»، فلم يتردد في تحقيق أُمْنِيَّتِه، وَخَرَجَ منفردًا إلى الغابةِ. وَظَلَّ يَجُوسُ أثناءَها (يمشي خِلالَها) طُولَ يَوْمِهِ، حَتَّى جَنَّ اللَّيلُ (أَظْلَمَ)؛ فَعاد إلى عُشَّه لينام.

(٣) شَجَرَةُ الجَوْزِ

وَلَمَّا رَآهُ شَقِيقُهُ «الْقَرْقَذُونُ» سَأَلَهُ مُتَعَجِّبًا: «أيْنَ قَضَيْتَ يَوْمَكَ، يا أخي «الْقَرْقَذان»؟»

فَحَدَّثَهُ «الْقَرْقَذانُ» بِكُلِّ ما رَآهُ في تَجْوالِهِ (في سَيْرِهِ) مِنْ غرائِبَ وَمُدْهِشاتٍ، وَوَصَفَ لَهُ سُرُورَهُ وابتهاجَهُ بِتلكَ الرِّحلةِ القَصِيرَةِ، الَّتي قضاها في النَّهارِ، وقال لُه، فيما قال: «إِنَّ في الغابة — يا أخي — أشجارا لا يُحْصيها العَدُّ، وهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الشجرة التي نَقْطُنُها وأضخمُ. وفيها من جَوْزِ البَلُّوطِ، وثَمَرِهِ اليانِعِ (الَّذِي حانَ قِطافُهُ) ما لا يُحْصَى.

وقد رأيْتُ جَمْهَرَةً (طائِفةً وجُمْلَةً) كَبِيرَةً مِنْ شَجَرِ الْجَوْزِ الشَّهِيِّ (اللذيذِ الطَّعْمِ)، وليس في قُدْرَتِي أن أصِفَ لك مِقدارَ ما امْتَلأَتْ بِهِ نفسي مِنَ الْغِبْطَةِ (الْفَرَحِ) والسُّرُورِ بهذهِ النُّزْهَةِ الجميلة.

ألا تُحِبُّ أن تَصْحَبَنِي — في الغَدِ — لِنَجُولَ مَعًا في أرجاءِ الْغابِةِ (لِنَمْشِيَ في جوانبها)؟»

فقال له «الْقَرْقَذُونُ»، وهُو يَبْتَسِمُ: «لقَدْ أَعْجَبَتْنِي هذِهِ الْفِكْرةُ الْبَدِيعةُ، ولا بُدَّ لِي مِنْ مُصاحِبَتكَ غدًا، لِنَرْتادَ (لِنَكْشِفَ) تلْكَ الأصقاعَ (الجِهاتِ والنَّواحِي) الْمَجْهُولَةَ، ونَطْعَمَ تِلْكَ الثِّمارَ الشَّهِيَّةَ. ولَيْسَ أحَبَّ إِلى نَفْسِي من تَحْقيقِ هذِهِ الأُمْنِيَّةِ، الَّتي طالَما تَرَدَّدْتُ في تحقيقها، مِنْ قَبل. وإِنِّي لأَترقَّبُ (أنتَظِرُ) الصَّباحَ الْباكِرَ بِفارِغِ الصَّبْرِ.»

(٤) أحْلامٌ سَعِيدَةٌ

فصاحت أُمُّهُما قائلةً: «فِيمَ تَتَحَدَّثانِ أيُّها الْخَبِيثان؟ إِنِّي أَسْمَعُ ثَرْثَرَةً (كلامًا كثِيرًا مُرَدَّدًا مُعادًا مُخَلَّطًا). فَما تَقُولان؟

ألا تَكُفَّانِ عَنْ هذا العبَثِ (الْهَزْلِ)؟ ألا تنامان، أيُّها الثَّرْثاران؟»

فصَدَعَ السِّنْجابانِ بما أُمِرَا، وناما إلى الصَّباحِ، واشْتَدَّ شَوْقُهما إلى تَحْقِيقِ هذِهِ الأُمْنِيَّةِ، فَظَلَّا يَحْلُمانِ — طولَ لَيْلِهِما — أحلامًا سارَّةً مُبْهِجَةً سَعِيدَةً.

(٥) عَلَى صِيَاحِ الْغِرْبان

ثمَّ استيقظا على صياحِ الْغِرْبان الَّتي تَقْطُنُ أعالي الأشجار في الغابة، بجوارهما. فَقَفَزا مَسْرُورَيْنِ، وَقَدِ اسْتَعادا نَشَاطَهُما، وَظَلَّا يُنَظّفانِ فِراءَهُما وَوَجْهَيْهِما وَمَخالِبَهُما. ثُمَّ تَحَفَّزا (تَهَيَّنَّا ونَهَضَا) لِلخُرُوجِ.

فَصاحَتْ بِهِما أمُّهُما تُنادِيهِما: أنِ اصْبِرًا قَلِيلًا، حَتَّى تُفْطِرًا مَعي.

فقالا لها: «كلا. لا حاجَةَ بِنا الآن إِلى جَوْزِ الزَّانِ، فَقَدْ مَلِلْنَاهُ (ضَجِرْنَا بِهِ وَسَئِمْناهُ)، يا أُمَّاهُ. واعْتَزَمْنَا أَن نَطْعَمَ (نَأْكُلَ) شَيْئًا خَيْرًا مِنْهُ وَأَشْهَى.»

(٦) فِي مُنْتَصفِ النَّهار

ثُمَّ خَرَجَ «الْقَرْقَدَانُ» و«الْقَرْقَذُونُ» وَظَلَّا يَجُوسانِ خِلالَ الغابةِ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ. وَقَدْ أُعْجِبَ «الْقَرْقَذُونُ» بِتِلْكَ النُّزْهَةِ الْبَدِيعَةِ إِعْجَابًا شَدِيدًا، وَشَكَرَ لِأَخِيهِ اقْتِراحهُ الطَّرِيفَ.

وَكَانَ «الْقَرْقَدَانُ» شُجَاعَ الْقَلْبِ – كما قُلْنا – لا يَخْشَى شَيْئًا، وَقَدْ كَادَتْ شَجَاعَتُهُ تُهْلِكَهُ فِي ذلك الْيَوْم، وَلكِنَّ الله سلَّمهُ وأَنْقَذَهُ (نَجَّاهُ وَخَلَّصَهُ)، بَعْدَ أَنْ تَعَرَّضَ لِلْهَلاكِ الْمُحَقَّقِ.»

(۷) فِي جُحْرِ «الْقَاقُمِ»

ثمَّ صَمَتَتْ (سَكَتَتْ) «أُمُّ رَاشِدٍ» قَلِيلًا، واسْتَأْنَفَتْ حَديثها قائِلَةً: «لَقَدْ رَأَى «الْقَرْقَدَانُ» حَيَوانًا شِرِّيرًا، اسْمُهُ: «الْقاقُمُ»، وَهُوَ يَدْخُل جُحْرَهُ. وَلَمْ يَكنِ «الْقَرْقَدَانُ» يَعْلَمُ أَنَّ «الْقاقُمَ» عَدُوٌّ خَطِرٌ مَرْهُوبُ البَأْسِ (مَخُوفُ الشِّدَّةِ، مَخْشِيُّ الْعُنْفِ)؛ فَاسْتَخَفَّ (اسْتَهَانَ) بِهِ «الْقَرْقَدَانُ» وَنَهَاهُ أَخُوهُ «الْقَرْقَذُونُ» عَنِ الْمَكابَرَة، وحَذَّرهُ عَاقِبَةَ التَّغْرِيرِ وَالْمُجَازَفَةِ (خَوَّفَهُ نتيجةَ الْمُخاطَرَةِ)، فلم يَسْتَمِعُ إِلى نَصْحِهِ.

(۸) السِّنْجَابانِ والْقَاقُمُ»

وذهب «الْقَرْقَدَانُ» إلى جُحْرِ «الْقاقُمِ»، وضَرَبهُ بِذيْلِهِ؛ فَخَرَج «الْقَاقُمُ» من جُحْرِه، وأَنشبَ أَنْيابَهُ (أَدْخَلَ أَسْنَانَهُ الْحَادَّةَ) فِي جِسمِ «الْقَرْقَذانِ». فلما رَأَى «الْقَرْقَدَانُ» أَنَّ خَصْمَهُ قَوِيٌّ الْبَأْسِ أَيْقَنَ بالهلاكِ. ولكنه قوَّى من عَزْمِهِ، وضاعف من بَأْسِهِ (قُوَّتِهِ) وَأَنشَبَ أنيابَهُ فِي رَقَبَةِ عَدُوِّه.

فاشتدَّ غَيْظُ «الْقَاقُمِ» منهُ، وحَمِيَ الْعِراكُ (اشتد النزاع) بينَهُما وَرَأَى «الْقَرْقَذُونُ» أَنَّ أخاهُ سَيُفارِقُ الْحَياةَ، بعد لَحَظاتٍ يَسِيرَةٍ، فأسرع إلى نَجْدَتِهِ، وَأَنشَبَ فِي جسم «الْقَاقُمِ» مَخالِبَهُ.

(۹) خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ

نباح «ابن وازع»

وتحفَّزَ «الْقَاقُمُ» (اسْتَوْفَزَ وَتَهَيَّأَ لِلْوُثُوبِ) واسْتَعَدَّ لِلفَتْكِ بِالسِّنجابَيْنِ، وَكَادَ يَتِمُّ له ما أراد، لو لم تتداركهما عِنايَةُ الله ولُطْفُهُ؛ فقد سَمِعَ «الْقاقُمُ» نُبَاحَ كلب، فارْتاعَ (خافَ)، وأسلم سُوقَهُ لِلْفِرارِ (أطلق أرجُلَهُ لِلْهَرَب). ونَجا السنجابانِ مِن الْخَطَرِ الدَّاهم (الْوَاقِعِ)، وأسرعا — من فَورِهِما — عائِدَيْنِ إلى الشجرةِ. وَلَمْ يَنْسَيا ذلك الْيَوْمَ طُولَ حَياتِهما. وقد ندما على مخالفة أمهما، واعْتَزَما أَلَّا يَعْصِيا لها أمرًا بعد ذلك.»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH