حكاية·HIKOYA

تاجر بغداد

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy6 bob29 daqiqa
تاجر بغداد
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.أَسْفَارُ عَلِيّ كُوجْيا
  3. 3.جَرَّةُ الزَّيْتُونِ
  4. 4.بَيْنَ يَدَيِ الْقَضَاءِ
  5. 5.قَاضِي الْأَطْفَالِ
  6. 6.عَاقِبَةُ الْخِيَانَةِ

تمهيد

كانَ فِي «بَغْدَادَ» - فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ» - تاجِرُ اسْمُهُ «عَلِيَّ كُوجْيا».

لَمْ يَكُنِ التَّاجِرُ: «عَلِيَّ كُوجْيا» غَنِيًّا جِدًّا، وَلَا فَقِيرًا جِدًّا.

وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّاجِرِ: «عَلِيَّ كُوجْيا» زَوْجٌ وَلَا وَلَدٌ.

وكَانَ التَّاجِرُ: «عَلِيَّ كُوجْيا» يَسْكُنُ بَيْتًا وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ.

وكانَ التَّاجِرُ: «عَلِيَّ كُوجْيا» - مَعَ ذَلِكَ - يَعِيشُ عِيشَةً رَاضِيَةً، ويَدَّخِرُ – مِمَّا يَكْسِبُهُ مِنْ تِجَارَتِهِ - ما يَزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِ مِنَ الْمَالِ.

وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي رَأَى التَّاجِرُ «عَلِيّ كُوجْيا» حُلْمًا عَجِيبًا. رَأَى فِي الْمَنامِ شَيْخًا مَهِيبَ الطَّلْعَةِ (ذا وَجْهِ يُعَظَّمُ وَيُحْتَرَمُ)، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّيْخَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ غَاضِبًا، وَيَقُولُ لَهُ، وَهُوَ عابِسُ الْوَجْهِ: «ارْحَل يا «عَلِيّ كُوجْيا» مِنْ هَذَا الْبَلَدِ. ارْحَلْ - أَيُّها الرَّجُلُ - في الحال، وَسَافِرْ إلى «مكَّةَ» مَعَ الْحُجَّاجِ. وَاحْذَرْ - يَا «عَلِيّ كُوجْيا» أن تُخالِفَ أَمْرِي.»

وَرَأَى فِي اللَّيْلَةَ التَّالِيَةِ هَذَا الْحُلْمَ نَفْسَهُ. ثُمَّ جاءتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، وَعادَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ نَفْسُهُ، وَكَرَّرَ عَلَيْهِ ما قَالَهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمَاضِيتَيْنِ.

فَلَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ خافَ «عَلِيٌّ كُوجْيا»، وشَعَرَ بِقَلَقٍ وَحَيْرَةٍ مِمَّا رَآهُ فِي نَوْمِهِ. وَكَانَ «عَلِيّ كُوجْيا» مُسْلِمًا صَالِحًا، يَعْرِفُ أَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ واجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَأَنَّ دِينَهُ يَأْمُرُهُ بِالْحَجِّ ما دامَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحُجَّ.

وَكَانَ «عَلِيَّ كُوجْيا» مُكْتَفِيًا بِأَداءِ الزَّكَاةِ والتَّصَدُّقِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِيلُ إِلى تَرْكِ بَلَدِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْحُلْمَ يَتَكَرَّرُ - ثَلاثَ لَيالٍ - لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَ الشَّيْخِ الَّذِي جَاءَهُ فِي الْمَنامِ.

وخافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ مَعَ الْحُجَّاجِ إلى بلادِ الْحِجَانِ، وبَاعَ دُكَّانَهُ؛ بَعْدَ أن باعَ كلَّ ما يَسْتَغْني عَنْهُ فِي سَفَرِهِ مِنَ الْبَضائع، وأَبْقَى مِنْهَا مَا عَرَفَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بَيْعَهُ فِي «مَكَّةَ» بِثَمَنٍ كَثِيرٍ.

أَمَّا بَيْتُهُ؛ فَقَدْ وَجَدَ مَنْ يَسْكُنُهُ بِأَجْرٍ يُرْضِيهِ.

أَعَدَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» كُلَّ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ فَضَلَ مَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ فَوْقَ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ من الْمَالِ فِي سَفَرِهِ زَمَنَ الْحَجِّ.

وتَحَيَّرَ «عَلِيَّ كُوجْيا»؛ فَلَمْ يَعْرِفْ أَيْنَ يَضَعُها حَتَّى لا يَسْرِقَها أَحَدٌ مِنَ اللُّصُوصِ. ثُمَّ افْتَكَرَ فِكْرَةً جَمِيلَةً، وهِيَ أَنْ يَضَعَها أمانَةً عِنْدَ صَديقٍ لَهُ مِنَ النُّجَّارِ اسْمُهُ التَّاجِرُ: «حَسَنُ».

فَأَحْضَرَ «عَلِيّ كُوجْيا» جَرَّةً كَبِيرَةً (والْجَرَّةُ: الوعاء مِنَ الْفَخَّارِ)، ثُمَّ وَضَعَ فِيهَا ذَلِكَ الْمَالَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وَضْعِهِ فِيهَا، كَمَّلَها بِالزَّيْتُونِ، ثُمَّ سَدَّ الجَرَّةَ، وَحَمَلَها إِلى صَاحِبِهِ التَّاجِرِ «حَسَنِ»، وقالَ لَهُ: «أَنْتَ صَدِيقِي، وأنا أعْرِفُ فِيكَ الأَمانَةَ والْوَفاءَ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنِي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى السَّفَرِ إِلى «مَكَّةَ» بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِأَداءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ. وَقَدْ أَحْضَرْتُ مَعِي جَرَّةَ زَيْتُونِ؛ لِتَحْفَظَهَا لِي عِنْدَكَ حَتَّى أَعُودَ مِنَ الْحَجِّ فَتَرُدَّهَا إِليَّ.»

فَقالَ لَهُ صَاحِبُهُ التَّاجِرُ «حَسَنُ» مُبْتَسِمًا: «سَأَحْفَظُ لَكَ عِنْدِي هَذِهِ الْجَرَّةَ حَتَّى تَعُودَ مِنْ سَفَرِكَ؛ فَأَرُدَّهَا إِلَيْكَ. وَأَنَا مَسْرُورُ مِنْ وُتُوقِكَ بِي.»

ثُمَّ أَعْطَاهُ مِفْتَاحَ مَخْزَنِهِ، وقالَ لَهُ: «ها هُوَ ذَا الْمِفْتَاحُ، فَاذْهَبْ إِلى مَخْزَنِي، وَضَعِ الْجَرَّةَ فِي أَيِّ مَكَانٍ يُعْجِبُكَ. وَلَنْ يَمَسَّها أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى تَعُودَ مِنْ سَفَرِكَ، وتأْخُذَها مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي وَضَعْتَهَا فِيهِ.»

فَشَكَرَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا» عَلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ مَخْزَنِهِ، ووضَعَ جَرَّتَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَعادَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ وانْصَرَفَ.

الفصل الأولأَسْفَارُ عَلِيّ كُوجْيا

وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ السَّفَرِ، وَدَّعَ «عَلِيّ كُوجْيا» صاحِبَهُ التَّاجِرَ «حَسَنًا»، وَسَافَرَ مَعَ الْقَافِلَةِ – مِنْ «بَغْدَادَ» - بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مَعَهُ الْبَضائِعَ الَّتِي أَبْقاها مَعَهُ لِيَبِيعَها فِي «مَكَّةَ».

وَسارَتِ الْقَافِلَةُ – الَّتِي رَكِبَ فِيها «عَلِيَّ كُوجْيا» – حَتَّى وَصَلَتْ إِلى «مَكَّةَ».

وَهُناكَ أَدَّى «عَلَي كُوجْيا» - وَمَنْ سافَرَ مَعَهُ – فَرِيضَةَ الْحَجِّ.

وَلَمَّا انْتَهَى مِنْ ذَلِكَ، أَخَذَ يَبِيعُ بَضائِعَهُ - الَّتي أَحْضَرَها مَعَهُ مِنْ «بَغْدَادَ» - وَيَشْتَرِي غَيْرَهَا مِنْ «مَكَّةَ».

وَمَرَّ عَلَيْهِ تاجِرانِ، فَوَقَفَا يَتَأَمَّلَانِ فِي بَضائِعِهِ، وَيُعْجَبانِ بِحُسْنِها وَجَوْدَتِها. ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُما لِلْآخَرِ: «لَوْ أَنَّ هَذَا التَّاجِرَ ذَهَبَ بِهَذِهِ الْبَصَائِعِ النَّفِيسَةِ (النَّادِرَةِ) إلى «الْقَاهِرَةِ»، لَبَاعَها فِيهَا بِأَغْلَى ثَمَنٍ.»

وَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُما هَذَا الْكَلامَ، عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ إلى «الْقَاهِرَةِ»، لِيَبِيعَ بَضَائِعَهُ فِيهَا بِأَغْلَى ثَمَنٍ.

وكان «عَلِيَّ كُوجْيا» يَسْمَعُ - وَهُو فِي بَلَدِهِ - كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ بِجَمَالِ «الْقاهِرَةِ»، ويُعْجَبُونَ بِما فِيهَا مِنَ الآثارِ الْقَدِيمَةِ. كـ «أَهْرامِ الْجِيزَةِ» وَ «أَبِي الْهَوْلِ» وغيرها.

وَأَرَادَ «عَلِيَّ كُوجْيا» أَنْ يَنْتَهِزَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ لِيَبِيعَ بَضائعهُ فِي «الْقَاهِرَةِ»، وَيُمَتِّعَ نَفْسَهُ بِرُؤْيَةِ ما فِيهَا مِنَ الْآثَارِ الْجَمِيلَةِ.

وَلَمَّا عَزَمَتِ الْقَوَافِلُ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلى بِلادِها لَمْ يَرْكَبْ «عَلِيَّ كوجيا» فِي الْقَافِلَةِ الْمُسافِرَةِ إلى «بَغْدَادَ»، بَلْ ذَهَبَ مَعَ الْقَافِلَةِ الْمُسَافِرَةِ إِلَى «الْقَاهِرَةِ».

وَلَمَّا وَصَلَ «عَلِيَّ كُوجْيا» إلى «الْقاهِرَةِ» أُعْجِبَ بِها إعجابًا شَدِيدًا. وَلَمْ تَمْضِ عَلَيْهِ أَيَّامُ قَلِيلةٌ حَتَّى باعَ كلَّ بَضائِعِهِ فِيهَا بِأَغْلَى ثَمَنٍ؛ فَظَهَرَ لَهُ صِدْقُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ مَرَّا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي «مَكَّةَ».

وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ إِلى الشَّامِ التِّجارَةِ فِيها؛ فَاشْتَرَى مِنَ «الْقاهِرَةِ» بَضَائِعَ كَثِيرَةً لَيَبِيعَها في «دِمَشْقَ». وسَأَلَ عَنْ مَوْعِدِ سَفَرِ الْقَافِلَةِ الَّتِي تُسافِرُ مِنَ «الْقَاهِرَةِ» إلى «دِمَشْقَ»، فَعَلِمَ أنها لا تُسافِرُ إِلَّا بَعْدَ عَشَرَةِ أَسابيع.

فَلَمْ يَشَأْ أَن يُضِيعَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَعَزَمَ عَلَى رُؤْيَةِ الآثارِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي كَانَ يَسْمَعُ بها مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَهُوَ فِي «بغداد».

فَكَانَ يَذْهَبُ – كُلَّ يَوْمٍ - إلى بَعْضِ الآثارِ الشَّهِيرَةِ، وَيُمَتِّعُ نَفْسَهُ بِرُؤْيتِها. وَكَانَ - في بَعْضِ الْأَيَّام - يَرْكَبُ زَوْرَقًا (سَفِينَةً صَغِيرَةً) في النِّيلِ لِيَزُورَ الْبِلادَ الْقَرِيبَةَ مِنَ «الْقَاهِرَةِ»، وَيَرَى ما فِيهَا مِنَ الآثارِ الْجَمِيلَةِ.

وذهب - ذاتَ يَوْمٍ - إلى أَهْرَامِ الْجِيزَةِ، فَأُعْجِبَ بِهَا إِعْجَابًا شَدِيدًا.

و قَدْ سُرَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» مِنْ سَفَرِهِ إِلى «الْقَاهِرَةِ»، لِأَنَّهُ أَكْتَسَبَ فَوَائِدَ كَثِيرَةً، لَمْ يَكُنْ يَنالُها لَوْلا سَفَرُهُ.

وَلَمَّا جَاءَ مَوْعِدُ سَفَرِ الْقَافِلَةِ الذَّاهِبَةِ إِلى «دِمَشْقَ»، رَكِبَ فِيها.

وما زالَتِ الْقَافِلَةِ سائِرةً حتَّى وَصَلَتْ إِلَى «بَيْتِ الْقَدِسِ».

فانْتَهَزَ «عَلِيَّ كُوجْيا» هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَزارَ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ الْعَظِيمَ؛ كَمَا زَارَ «مَكَّةَ» مِنْ قَبْلُ.

ثُمَّ سَارَ مَعَ الْقَافِلَةِ إلى «دِمَشْقَ». فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْها رَآها مَدِينَةً جَمِيلَةً، كَثِيرَةَ الْمِيَاهِ وَالْحَدَائِقِ، طَيَّبَةَ الْفَوَاكِهِ.

فَسُرَّ بِذَلِكَ سُرُورًا عَظِيمًا، وَبَاعَ فِيها واشْتَرَى، وَرَبِحَ أَمْوالًا كَثِيرَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى غَيْرِها مِنَ الْبِلادِ. وكانَ يَتَنَقَّلُ مِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ – لِلتِّجَارَةِ والتَّنَزُّهِ مَعًا - حَتَّى وَصَلَ إِلَى بِلادِ الْفُرْسَ.

الفصل الثانيجَرَّةُ الزَّيْتُونِ

وَذَاتَ لَيْلَةٍ كَانَ التَّاجِرُ – الَّذِي تَرَكَ عِنْدَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا» جَرَّةَ الزَّيْتُونِ – يَتَعَشَّى مَعَ امْرَأَتِهِ.

فَقَالَتْ لَهُ: «إِنَّ نَفْسِي تَشْتَهِي الزَّيْتُونَ، وَقَدْ نَفِدَ (فَرَغَ) مِنَ الْبَيْتِ مُنْذُ زَمَنِ طَوِيلٍ.»

فَقالَ لها زَوْجُها: «لَقَدْ ذَكَرَنِي كَلامُكِ الآنَ بِصَدِيقِي «عَلِيَّ كُوجْيا» الَّذِي تَرَكَ عِنْدِي جَرَّةَ زَيْتُونِ قَبْلَ أَنْ يُسافِرَ إِلى «مكَّةَ».»

وَلَقَدْ مَضَى عَلَى سَفَرِهِ الآنَ سَبْعُ سَنَواتٍ دُونَ أنْ يَرْجِعَ. وَلَسْتُ أَدْرِي لِمَ غَابَ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ ولَمْ يَعُدْ إلى الْبَلَدِ؟ لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَحَدُ التَّجَّارِ – الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ – أَنَّهُ ذَهَبَ إِلى «مِصْرَ». ولَكِنَّهُ غَابَ ولَمْ يَعُدْ إلى الآنَ. فَماذا حَدَثَ لَهُ يَا تُرَى؟ إِنِّي أَظُنُّهُ قَدْ مات.

وَلِهَذا سَأُحْضِرُ لَكِ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ - الَّتِي تَركَها عِنْدِى أَمانَةً – لِنَأْكُل مَا فِيهَا مِنَ الزَّيْتُونِ، إِذا كانَ لا يَزالُ صَالِحًا لِلأَكْلِ.»

ثُمَّ طَلَبَ مِنِ امْرَأَتِهِ أَنْ تُحْضِرَ إِلَيْهِ مِصْباحًا، وطَبَقًا يَمْلَؤُهُ زَيْتُونَا مِنْ جَرَّةِ «عَلِيّ كوجيا»، الَّتِي وَضَعَها فِي مَخْزَنِه.

فَقالَتِ امْرَأَتُهُ: «أَمَّا زَيْتُونُ «عَلِيّ كُوجْيا» فلا أُريدُ أَنْ أَكُلَ مِنْهُ شَيْئًا. وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ أَنْ تَمَسَّ زَيْتُونَهُ الَّذِي تَرَكَهُ أمانةً عِنْدَكَ. فَإِنَّكَ - إذا أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا – كُنْتَ خَائِنًا. ولَسْتُ أَرْضَى لَكَ ذَلِكَ أَبَدًا.

وإذا كانَ «عَلِيّ كُوجْيا» قدْ غابَ عَنْ بَلَدِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.

لَقَدْ أَخْبَرَكَ الْحُجَّاجِ أَنَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» سافَرَ إِلى «مِصْرَ»، ثُمَّ لَمْ يُخْبِرْكَ أَحَدٌ – بَعْدَ ذَلِكَ – بِمَا فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ وَصلَ إلى «مِصْرَ». فَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّهُ سَافَرَ مِنْهَا إِلى جِهَةٍ أُخْرَى لِيُتاجِرَ فِيها؟

إِنَّكَ لا تَعْلَمُ شَيْئًا عَنْهُ، وَلَمْ تَسْمَعْ - مِنْ أَحَدٍ - خَبَرَ مَوْتِهِ فَلَا تَمَسَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي ائتَمَنكَ عَلَيْهَا، وَعَلَيْكَ أَنْ تَحْفَظَهَا لَهُ حَتَّى يَعُود.

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ؟

فَماذا تَقُولُ لَهُ إِذا فَرَّطْتَ فِي الْوَدِيعَةِ (ضَيَّعْتَ الأَمانَةَ) الَّتي تركها عِندكَ؟ وماذا يَقُولُ عَنْكَ النَّاسُ إِذا عَلِمُوا أَنَّكَ قد خُنْتَ صَدِيقَكَ؟ وَأَيُّ عارٍ يَلْحَقُكَ – حِينَئِذٍ – وَيَلْحَقُ أهْلَكَ؟

إِنَّكَ إِنْ بَدَّدْتَ الأَمَانَةَ، أَغْضَبْتَ الله، وَفَضَحْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ النَّاسِ وَسَوَّأْتَ سُمْعَتَكَ. فَلا تُقْدِمْ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ الْمَمْقُوتِ أَبَدًا.

وَأَنا أَقُولُ لَكَ: إِنَّنِي لَنْ آكلَ مِنْ زَيْتُونِ «عَلِيّ كُوجْيا» إذا أَحْضَرْتَهُ، فَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في إحضاره.

ولا بُدَّ أَنَّهُ أَصْبَحَ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْأَكْلِ، بَعْد أَنْ مَضَى عَلَيْهِ هَذَا الزَّمَنُ الطَّوِيلُ.

ولَقَدْ جَرَّنِي الْحَدِيثُ إِلَى ذِكْرِ الزَّيْتُونِ، وَلَسْتُ أَشْتَهِيهِ الآنَ.

واعْلَمْ - يا زَوْجِي - أَنَّ الزَّيْتُونَ قَدْ أَصابَهُ الْعَطَبُ (الْفَسَادُ) بِلا شَكٍّ.

وإِنِّي أُقْسِمُ - يا زَوْجِي - أَنْ تُبْعِدَ عَنْ نَفْسِكَ هَذِهِ الْفِكْرَةَ الْخَبِيثَةَ، وَأُحَذِّرُكَ عاقبتها السَّيِّئَةَ.»

لمْ يَرْضَ التَّاجِرُ أَنْ يَعْمَلَ بِنَصِيحَةِ امْرَأَتِهِ، وَعَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلى مَخْزَنِهِ لِيَفْتَحَ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ.

وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَخْزَنِهِ أَمْسَكَ بِيَدَيْهِ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ، وَرَفَعَ عَنْهَا غِطَاءَها، ثُمَّ نَظَرَ ما فيها مِنَ الزَّيْتُونِ، فَرَآهُ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْأَكلِ – لِفَسادِهِ - بَعْدَ أَنْ مَرَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الزَّمَنُ الطويل.

فَأَرادَ التَّاجِرُ أَنْ يَعْرِفَ: هَلْ أَصابَ الْعَطَبُ كلَّ ما فِي الْجَرَّةِ مِنَ الزَّيْتُونِ، أَوْ سَلِمَ مِنْهُ شَيْءٍ؟ وقالَ فِي نَفْسِهِ: «تُرَى، هَلْ تَلِفَ ما في أَسْفَلِها كما تَلِفَ ما في أَعْلاها؟»

ثمَّ أَمالَ الْجَرَّةَ لِيَتَحَقَّقَ ذَلِكَ؛ فَسَقَطَ الزَّيْتُونُ فِي الطَّبَقَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وسَقَطَ مَعَهُ بِضْعَةٌ ذَنَانِيرَ؛ فَأَحْدَثَ سُقُوطُها رَنِينًا فِي الطَّبَقِ.

وَمَا رَأَى التَّاجِرُ الدَّنانيرَ وَسَمِعَ رَنِينَها - فِي الطَّبَقِ – حَتَّى عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا شَدِيدًا. وَنَظَرَ إلى داخِلِ الْجَرَّةِ، فَرَأَى بَقِيَّةَ الدَّنانيرِ الَّتي وَضَعَهَا فِيهَا «عَلِيَّ كُوجْيا». وهُناكَ عَلِمَ أَنَ صَاحِبَهُ «عَلِيّ كُوجْيا» قَدْ وَضَعَ فِي أَعْلَى جَرَّتِهِ قَلِيلًا مِنَ الزَّيْتُونِ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَ فِي أَسْفَلِها دَنانيرَهُ.

فَأَعادَ التَّاجِرُ الزَّيْتُونَ والدَّنانير في الْجَرَّةِ، ثُمَّ غَطَّاها، وَرَجَعَ إِلى بَيْتِهِ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: «الْحَقُّ مَعَكَ - يا امْرَأَتِي - فَقَدْ وَجَدْتُ الزَّيْتُونَ فَاسِدًا.

وَقَدْ سَدَدْتُ الْجَرَّةَ كما كانَتْ، حَتَّى إِذا عادَ «عَلِيّ كُوجْيا» – وَلَا أَظُنُّهُ يَعُودُ – لا يَعْلَمُ أَنَّنِي فَتَحْتُ جَرَّتَهُ، أَوْ رَأَيْتُ مَا فِيها.»

فقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «لَيْتِكَ صَدَّقْتَ كَلامِي، ولَيْتَكَ لَمْ تَفْتَحِ الْجَرَّةِ، فَقَدْ أَخْطَأْتَ فِي ذَلِكَ. وَإِنِّي أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لكَ هَذِهِ الْخَطِيئَةَ الَّتِي أَتَيْتَها بِلا رَوِيَّةٍ (بِلا تَمَهَّل).»

لَمْ يُبالِ التَّاجِرُ كَلامَ امْرَأَتِهِ؛ فَقَدْ كانَ مَشْغُولاً بالدَّنانيرِ الَّتِي وَجَدَها فِي جَرَّةِ «عَلِيَّ كُوجْيا». وَأَنْساهُ فَرَحُهُ بها شَناعَةَ الْجُرْمِ (قُبْحَ الذَّنْبِ) الَّذِي عَزَمَ عَلَى ارْتِكَابِه.

وَباتَ التَّاجِرُ وَهُوَ يُفَكِّرُ طُولَ اللَّيْلِ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتي يَسْلُكُها لِيَحْصُلَ بِها عَلَى الدَّنانِيرِ دُونَ أَنْ يَفْطُنَ «عَلِيَّ كُوجْيا» - إذا حَضَرَ - إلى فَتْحِ جَرَّتَهِ حِينَ يَأْخُذُها مِنْهُ.

وَلَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ خَرَجَ التَّاجِرُ مِنْ بَيْتِهِ مُسْرِعًا إلى السُّوقِ، وَاشْتَرَى زَيْتُونَا لِيَمْلَا بِهِ جَرَّةَ «عَلِيَّ كُوجْيا».

ثُمَّ ذَهَبَ إِلى مَخْزَنِهِ، وَفَتَحَ الْجَرَّةَ، وَأَخَذَ ما فِيها مِنَ الدَّنانِيرِ وَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ أَمِين. وأَلْقَى مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الزَّيْتُونِ، ثُمَّ مَلَأَها بالزَّيْتُونِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنَ السُّوقِ.

وَلَمَّا انْتَهَى مِنْ ذَلِكَ سَدَّ الْجَرَّةَ كما كانَتْ، وَوَضَعَها فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ «عَلِيَّ كُوجْيا» مِنْ قَبْلُ.

وَلَمْ يُفَكِّرِ التَّاجِرُ في عاقِبَةِ هَذِهِ الْخِيانَةِ الْمَمْقُوتَةِ (الْمَكْرُوهَةِ)، وَلَمْ يَخَفْ غَضَبَ اللهِ وَمَقْتَ النَّاسِ وَفَضِيحَتَهُ بَيْنَهُمْ.

وَمَرَّ عَلَى هَذِهِ الْجَرِيمَةِ شَهْرٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ عادَ «عَلِيّ كُوجْيا» مِنْ سَفَرِهِ الطَّوِيلِ إِلَى «بَغْدَادَ».

وَكَانَ «عَلِيَّ كُوجْيا» - كما قُلْنا - قَدْ أَخَّرَ بَيْتَهُ حِينَ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ إِلَى «مَكَّةَ».

فَلَمَّا عَادَ مِنْ سَفَرِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبِيتَ فِيهِ.

فَذَهَبَ «عَلِيَّ كُوجيا» إلى فُنْدُقٍ في «بغداد».

ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْبَقاءِ فِي الْفُنْدُقِ حَتَّى يُفاوِضَ مُسْتَأْجِرِي بَيْتِهِ فِي إِخْلائِهِ.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ «عَلِيَّ كُوجْيا» إلى صاحِبِهِ التَّاجِرِ لِمُقَابَلَتِهِ. وَلَمَّا رَآهُ التَّاجِرُ أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِعَوْدتِهِ، وَأَسْرَعَ إِلى مُعانَقَتِهِ، وهَنَّاهُ بِرُجُوعِهِ سالِمًا مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَقْلَقَ بِالَهُ، خَوْفًا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهُ سُوءٌ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ التَّاجِرُ: «لَقَدْ يَئِسْتُ مِنْ عَوْدَتِكَ بَعْدَ هَذَا الغِيابِ الطَّوِيلِ. والآنَ أَحْمَدُ اللَّهَ على سَلامَتِكَ.»

وَلَمَّا الْتَقَى «عَلِيَّ كُوجْيا» بِصَدِيقِهِ التَّاجِرِ، شَكَرَهُ لِما رَآهُ مِنْ حُسْنِ مُقابَلَتِهِ وَحَفاوتِهِ بِهِ. ثم قالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ - يا صَدِيقِي - تَذْكُرُ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي تَرَكْتُها عِنْدَكَ قَبْلَ سَفَرِي؟»

فَأَجابهُ التَّاجِرُ مُبْتَسِمًا: «نَعَمْ أَذْكُرُها جَيَّدًا»

فَقَالَ لَهُ «عَلِيّ كُوجْيا»: «فَهَلْ تَتَفَضَّلُ بِإِعادَتِها إِلَيَّ؟ إِنَّنِي لَنْ أَنْسَى لَكَ هَذَا الْمَعْرُوفَ طُول حياتي، وأَرْجُو أَلَّا أَكُونَ قَدْ ضَايَقْتُكَ بِوَضْعِهَا عِنْدَكَ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.»

فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: «كَلَّا، لَمْ تُضايقني قَطُّ، وَسَتَجِدُها فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَضَعْتَها. بِيَدِكَ فِيهِ - قَبْلَ سَفَرِكَ - دُونَ أَنْ يَمَسَّها أحَدٌ. وَها هُوَ ذا الْمِفْتَاحُ - يا صَدِيقي - فَخُذْها بِيَدِكَ، كما وَضَعْتَها بِيَدِكَ.»

فَشَكَرَ لَهُ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً.

وَلَمَّا أَخَذَ «عَلِيَّ كُوجْيا» جَرَّتَهُ، ذَهَبَ بِها إلى الْفُنْدُقِ، بَعْدَ أَنْ وَدَّعَ صَاحِبَهُ التَّاجِرَ، شاكرًا له.

وَلَمَّا دَخَلَ الْفُنْدُقَ فَتَحَ الْجَرَّةَ وأَخْرَجَ مِنْها بَعْضَ الزَّيْتُونِ، ثُمَّ نَظَرَ فِيهَا فَلَمْ يَجِدْ دنانيرهُ.

فَأَخْرَجَ مِنْهَا مِقْدَارًا كَبِيرًا مِنَ الزَّيْتُونِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا إِلَّا زَيْتُونَا أَيْضًا. دَهِشَ «عَلِيّ كوجيا»، وَلَمْ يُطِقْ صَبْرًا عَلَى ذَلِكَ. فَقَلَبَ الْجَرَّةَ؛ فَهَوَى (سَقَطَ) كُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الزَّيْتُونِ، ولَمْ يَرَ فِيهَا دِينَارًا وَاحِدًا.

حَزِنَ «عَلَي كُوجْيا» لِذَلِكَ أَشَدَّ الْحُزْنِ، وَعَجِبَ مِنْ خِيانِةِ صاحِبِهِ التَّاجِرِ، وقال في نَفْسِهِ: «لَقَدْ خُدِعْتُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؛ فَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ أَمِينًا، فَإِذا بِهِ لِصٌ خَائِنٌ، لَا يَرْعَى (لا يَحْفَظُ) حَقَّ الْأَمَانَةِ.»

ثُمَّ أَسْرَعَ «عَلِيَّ كُوجْيا» بِالنَّهابِ إِلَى صَاحِبِهِ التَّاجِرِ - وَهُوَ شَدِيدُ التَّأَلُّمِ مِنْ فَعْلَتِهِ - وَقَدْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ خَوْفًا عَلَى دَنَانِيرِهِ الَّتِي ادَّخَرَها (اقْتَصَدَها).

ثُمَّ قَالَ «عَلِيَّ كُوجْيا» للتَّاجِرِ: «لا تَعْجَبْ - يا أخي - مِنْ إِسْرَاعِي بِالْعَوْدَةِ إِلَيْكَ؛ فَقَدْ رَأَيْتُ مَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ.

إِنَّ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي أَخَذْتُها مِنْكَ هِيَ بِعَيْنِها الَّتِي وَضَعْتُها بِيَدِي فِي مَخْزَنِكَ. فَهِيَ هِيَ لَمْ تَتَغَيَّرُ. وَلَكِنِّي لَمْ أَمْلَأَها زَيْتُونًا - كما قُلْتُ لَكَ قَبْلَ سَفَرِي – بَلْ وَضَعْتُ فيها أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا، ثُمَّ كَمَّلْتُها بِالزَّيْتُونِ. فَلَمَّا أَخَذْتُها مِنْكَ بَحَثْتُ عَنْ دَنَانِيرِي فَلَمْ أَجِدْها، فَقُلْتُ في نَفْسِي: «لَعَلَّ صاحِبِي قَد احتاجَ إِلَيْهَا - ذاتَ يَوْمٍ - فَأَخَذَهَا مِنَ الْجَرَّةِ. وَلَسْتُ أَكْرَهُ ذَلِكَ، بَلْ أَكُونُ سَعِيدًا إِذا قَدَّمْتُ لَكَ أَيَّ مُسَاعَدَةٍ.

وَكُلُّ ما أَبْغَيِهِ مِنْكَ - الآنَ - هُوَ أَنْ تُخْبَرَنِي بِالْحَقِيقَةِ؛ حَتَّى يَطْمَئِنَّ بِالِي، وَيَزُولَ ما عَلِقَ بِذِهْنِي مِنَ الشَّلِّ.

وَلَسْتُ أُطَالِبُكَ بِها الآن، فَإِنِّي سَآخُذُها مِنْكَ فِي أَيِّ وَقْتِ تَشَاءُ.»

وَكَانَ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» يَعْلَمُ حَقَّ الْعِلْمِ أَنَّ صَاحِبَهُ سَيَعُودُ إِلَيْهُ بَعْدَ أَنْ يَفْتَحَ الْجَرَّةَ فَلَا يَجِدَ فِيها دَنانِيرَةُ.

فَجَلَسَ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» يُفَكِّرُ في الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَسْلُكُها مَعَ «عَلِيَّ كُوجْيا»، وماذا يَقُولُ لَهُ لِيُقْنِعَهُ بِبَراءَتِهِ مِنَ الْخِيانَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا.

وَكَانَ التَّاجِرُ: «حَسَنُ» يَحْسَبُ أَنَّ حِيلَتَهُ سَتَجُوزُ (تَمُرُّ) عَلَى صاحبهِ، كَمَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ آمِنًا مِنَ الْفَضِيحَةِ وَالْعِقَابِ.

فَلَمَّا جَاءَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا» يَطْلُبُ مِنْهُ دَنانِيرَهُ، الْتَفَتَ إِلَيْهِ التَّاجِرُ «حَسَنٌ»، وَقَالَ لَهُ: «إِنِّي أَسْأَلُكَ - يا «عَلِيَّ كُوجيا» - : هَلْ رَأَيْتَنِي مَسَسْتُ جَرَّتَكَ حِينَ أَحْضَرْتَها إِلَيَّ؟

أَلَمْ أُعْطِكَ - يا صَدِيقِي - مِفْتَاحَ مَخْزَنِي، لِتَضَعَ جَرَّتَكَ – بِيَدِكَ – فِي الْمَكَانِ الَّذِي تُرِيدُ؟

ثُمَ أَسْأَلُكَ: أَيْنَ وَجَدْتَها بَعْدَ أَنْ عُدْتَ مِنْ سَفَرِكَ؟

أَلَمْ تَجِدْها - كَما هِيَ - فِي الْمَكانِ الَّذِي وَضَعْتَها فِيهِ، دُونَ أَنْ تَمَسَّها يَدُ إِنْسَانٍ؟

خَبَّرْنِي - يا صاحِبِي - هَلِ انْتَقَلَتْ مِنْ مَكَانِها؟

هَلْ تَبَدَّلَ غِطَاؤُها؟

فَماذا تَشْكُوهُ؟

إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ وَضَعْتَ فِيهَا ذَهَبًا – كَما تَقُولُ - لَوَجَدْتَهُ فِيهَا بِلا شَكٍّ. وَلَكِنَّكَ - أَخْبَرْتَنِي - قَبْلَ أَنْ تُسافِرَ - أَنَّ فِيها زَيْتُونَا، فَصَدَّقْتُكَ وَأَنا لَمْ أَفَتَحْهَا فَأَعْلَمَ مَا فِيها، ولَمْ تَمَسَّها يَدِي مُنْذُ وَضَعْتَها أَنْتَ فِي مَخْزَنِي إِلى الآنَ.

صَدِّقني - يا أخي - أنَّنِي لا أَعْلَمُ ما تَحْوِيهِ جَرَّتُكَ، لِأَنَّنِي لَمْ أُفَكِّرْ فِي فَتْحِهَا قَبْلَ سَفَرِكَ وَلَا بَعْدَهُ.»

الفصل الثالثبَيْنَ يَدَيِ الْقَضَاءِ

حاوَلَ «عَلِيٌّ كُوجْيا» أنْ يُقْنِعَ صاحِبَهُ التَّاجِرَ «حَسَنًا»، لِيَعْتَرِفَ لَهُ بِالْحَقِيقَةِ؛ فَسَلَكَ مَعَهُ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسالَمَةِ (الاتِّفاق)، وَتَأَدَّبَ مَعَهُ فِي كَلامِهِ؛ فَلَمْ يُفْلِحُ، وَأَصَرَّ التَّاجِرُ. «حَسَنٌ» عَلَى كَذِبِهِ إِصْرَارًا.

فَلَمَّا رَآهُ «عَلِيّ كُوجْيا» عَنِيدًا لا يَمِيل إلى الْمُسالَمَةِ، وَظَهَرَتْ لَهُ خِيانَتَهُ وَعِنادُهُ، قَالَ لَهُ: «إِنِّي أُحِبُّ الْمُسَالَمَةَ - يا صاحبي - وَلا أُرِيدُ أَنْ أَسْلُكَ مَعَكَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْعُنْفِ وَالشِّدَّةِ، خَوْفًا عَلَيْكَ وَعَلَى سُمْعَتِكَ. وَلَكِنِّي سَأَغْضَبُ إِذا رَأَيْتُكَ مُصِرًّا عَلَى عِنادِكَ، وسَيَدْفَعُنِي الْغَضَبُ إِلى التَّشْهِيرِ بِكَ. فَلا تُعرِّضْ نَفْسَكَ لِلْفَضِيحَةِ والعِقابِ.

و اعْلَمْ أَنَّكَ تَاجِرٌ مَعْرُوفٌ بِالأَمانَةِ والاِسْتِقامَةِ. فَاحْتَفِظُ بِسُمْعَتِكَ؛ فَهِيَ أَساسُ نَجَاحِكَ.

و مَتَى اشْتَهَرْتَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِيانَةِ، نَفَرَ النَّاسُ مِنْ مُعَامَلَتِكَ، وَكَسَدَتْ تِجَارَتُكَ (لَمْ يُقْبِلْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَشْتَرُونَ). ولَسْتُ أرْضَى لَكَ هَذِهِ الْعَاقِبَةَ السَّيِّئَةَ.

و لَكِنِّي سَأُضْطَرُّ إِلى ذَلِكَ، إِذا يَتَسْتُ مِنْ إقناعِكَ، وسَأَذْهَبُ إِلَى الْقَاضِي لِيَرُدَّ إِلَيَّ حَقِّي مِنْكَ.

و أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي صَدِيقُكَ، وقَدْ وَثِقْتُ بِكَ، فَلا تُخيِّبُ ظَنِّي فِيكَ. و أنا أُفَضّلُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ حَقّي، عَلَى أَنْ أَشْكُوَكَ إلى القاضي، حَتَّى لا أَكُونَ سَبَبًا فِي فَضِيحَتِكَ بَيْنَ النَّاسِ.»

لَمْ يَقْبَلِ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» هَذِهِ النَّصِيحَةَ، بَلْ رَفَضَها - كَما رَفَضَ نَصِيحَةَ امْرَأَتِهِ مِنْ قَبْلُ - وَأَصَرَّ عَلَى عِنادِهِ وخِيانَتِهِ، وقالَ لِصَدِيقِهِ «عَلِيَّ كُوجْيا»: «أَنْتَ تَقُولُ إِنَّكَ وَضَعْتَ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ فِي مَخْزَنِي بِيَدِكَ. ثُمَّ أَخَذْتَها بِيَدِكَ، ثُمَّ حَمَلْتَها – أَنْتَ نَفْسُكَ – وَذَهَبْتَ بِها بَعِيدًا عَنْ مَخْزَنِي. فَكَيْفَ يَحِقُ لَكَ أَنْ تَعُودَ إِلَيَّ - بَعْدَ ذَلِكَ – فَتُطَالِبَنِي بِأَلْفِ دينار؟

هَلْ قُلْتَ لِي - حِينَ أَعْطَيْتَنِي الْجَرَّةَ - إِنَّ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ؟ وماذا تُرِيدُ مِنِّي – يا صاحبي - وأنا لا أَعْلَمُ مَا فِيهَا، لِأَنَّنِي لَمْ أَفْتَحْهَا قَطُّ؟

بَلْ أَنا لا أَعْلَمُ هَلْ كَانَ بِها زَيْتُونٌ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الزَّيْتُونِ، لأَنِّي لَمْ أَرَ مَا فِيها قَطُّ. فَأَنا لَمْ أَفْتَحْهَا قَبْلَ سَفَرِكَ وَلا بَعْدَهُ. وَأَنْتَ لَمْ تَفْتَحْها أَمامِي قَبْلَ سَفَرِكَ، كما لَمْ تَفْتَحْهَا بَعْدَهُ. فَكَيْفَ أَعْرِفُ مَا فِيها؟

وَمَا يُدْرِينِي: هَلْ كُنْتَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا؟

وَأَنا واللهِ مُتَعَجِّبُ مِنْكَ؛ إِذْ تَدَّعِي أَنَّ فِيها أَلْفَ دِينَارٍ، ولا تَدَّعِي أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوءَةً ماسًا ولآلى، ما دُمْتَ قادِرًا عَلَى الْكَذِبِ وَاتَّهَامِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ.

لَقَدْ قُلْتُ لَكَ - وأنا صادِقٌ فِيما أَقُولُ - إِنِّي لَمْ أَفْتَحْ جَرَّتَكَ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَا تَحْوِيهِ. وَأَنْتَ حُرٌّ فِي تَصْدِيقِ مَا أَقُولُ أَوْ تَكْذِيبِهِ. وكُلُّ ما أَطْلُبُهُ مِنْكَ - الآنَ - هُوَ أَنْ تَذْهَبَ لِشَأْنِكَ؛ فَقَدْ ضايَقْتَنِي، وجَمَعْتَ النَّاسَ أَمَامَ دُكَّانِي.»

وكانَ «عَلِيَّ كُوجْيا» والتَّاجِرُ: «حَسَنٌ» يَتَكَلَّمَانِ بِصَوْتٍ عالٍ. وقَدِ اشْتَدَّتِ الْمُنازَعَةُ بَيْنَهُما؛ فاجْتَمَعَ بَعْضُ الْمَارَّةِ أَمَامَ الدُكَّانِ. وأسْرَعَ جِيرانُ التَّاجِرِ: «حَسَنٍ» إِلَى دُكَّانِهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الْمُشاجَرَةِ، رَغْبِةً فِي أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ «عَلِيَّ كُوجْيا».

فَقَصَّ عَلَيْهِمْ «عَلِيَّ كُوجْيا» قِصَّتَهُ. فَلَمَّا سَمِعُوها الْتَفَتُوا التَّاجِرِ «حَسَنٍ» يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْحَقِيقَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّنِي قَبِلْتُ وَضْعَ جَرَّتِهِ فِي مَخْزَنِي. ولَكِنَّهُ كَاذِبٌ فِيما عدا ذَلِكَ، فَأَنا لَمْ أَفْتَحْ جَرَّتَهُ، وَلَمْ أَعْرِفْ مَا فِيها.»

ثُمَّ أَقْسَمَ أَمامَهُمْ بِاللَّهِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ فِي الْجَرَّةِ زَيْتُونَا إِلَّا مِنْ «عَلِيَّ كُوجْيا» نَفْسِهِ. وقالَ: إِنَّهُ سَيُشْهِدُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْإِهانَةِ الَّتِي أَلْحَقَهَا بِهِ «عَلِيَّ كُوجْيا».

فَصَدَّقَهُ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ لا يَجْرُؤُ عَلَى أَنْ يُقْسِمَ بِاللَّهِ كَاذِبًا.

أَمَّا «عَلِيَّ كُوجْيا» فَقَدْ رَادَ غَضَبُهُ، وقالَ لِلتَّاجِرِ «حَسَنٍ»: «سَتَرَى الْإِهانَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، حِينَ أَشْكُوكَ إِلَى الْقَاضِي، ولَنْ يُفِيدَكَ هَذَا الْإِنْكَارُ شَيْئًا. وسَتَرَى عاقِبَةَ الْخِيانَةِ، وَتَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلْتَ، حِينَ لا يَنْفَعُكَ النَّدَمُ.

فَتَعَالَ مَعِي - أيُّهَا الْخَائِنُ - إِلَى الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا، فَيُعَاقِبَ الْمُسِيءَ عَلَى إساءَتِهِ، ويَرُدَّ الْحَقَّ إِلَى صَاحِبِهِ.»

سارَ «عَلِيَّ كُوجْيا» والتَّاجِرُ: «حَسَنٌ» حتَّى وصلا إلَى المَحْكَمَة. ولَمَّا مَثَلَا (وقفا) أمامَ القاضي، قالَ لَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا»: «إِنَّ هَذا التَّاجِرَ قَدْ سَرَقَ مِنِّي أَلْفَ دِينَارٍ.»

فسألهُ الْقاضِي: «كَيْفَ سَرَقَهَا مِنْكَ؟»

فَقَصَّ عَلَيْهِ «عَلِيَّ كُوجْيا» قِصَّتَهُ كُلْها.

فَسَأَلهُ الْقَاضِي: «هَلْ عِنْدَكَ شُهُودٌ عَلَى مَا تَقُولُ؟»

فَأَجَابَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا»: «كَلَّا، لَيْسَ عِنْدِي شُهُودٌ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ صاحبي يَخُونُنِي فَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ رَجُلًا شَريفًا حَتَّى ظَهَرَتَ لِي خِيانَتُهُ، فَخابَ ظَنِّي فِيهِ.»

فَالْتَفَتَ الْقَاضِي إِلَى التَّاجِرِ: «حَسَنٍ»، وسَأَلَهُ عَمَّا يَقُولُ فِي هَذِهِ التُّهمَةِ.

فَدَافَعَ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْل ما قالَهُ أَمامَ الْجِيرَانِ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاضِي: «إِنَّ هَذا الرَّجُل كَاذِبٌ فيما يَدَّعِيهِ. وأنا أجْهَلُ ما فِي جَرَّتِهِ، لِأَنِّي لَمْ أَفْتَحْهَا قَطُّ. ولَستُ أَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ قالَ لي: «إِنَّ بِها زَيْتُونَا»، فَصَدَّقْتُهُ فِيما قالَهُ لي.»

ثُمَّ قال التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» أيضًا: «وأنا صادِقٌ فِيما أقُولُ، وأنا أُقْسِمُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ.»

فَطَلَبَ مِنْهُ الْقَاضِي أَنْ يُقْسِمَ بِاللَّهِ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ.

فَأَقْسَمَ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» بِالله - أمامَ الْقَاضِي - إِنَّهُ لَمْ يَفْتَحِ الْجَرَّةَ، وَلَمْ يَرَ شَيْئًا مما فيها.

ولَمَّا سَمِعَ الْقَاضِي مِنَ التَّاجِرِ: «حَسَنٍ» ذَلِكَ الْقَسَمَ، بَرَّأَهُ مِنَ التُهمَةِ، وَالْتَفَتَ إِلَى «عَلِيّ كوجيا»، وقال له: «لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ حَقٌّ بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ بِاللَّهِ إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ التُهمَةِ الَّتِي تَنْسُبُهَا إِلَيْهِ. فَلَيْسَ عِنْدَكَ دَلِيلٌ واحدٌ، ولا شُهُودَ لَدَيْكَ يُعَزِّزُونَ كَلامَكَ (يُثَبِّتُونَهُ).»

فَلَمَّا سَمِعَ «عَلِيّ كُوجْيا» مِنَ الْقَاضِي ذَلِكَ، غَضِبَ غَضَبًا شديدًا، وقال له: «لَقَدْ سرق مالي، فَكَيْفَ يَخْرُجُ بَرِيئًا؟

لا بُدَّ مِنْ رَفْعِ شَكْوَايَ إلى الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ» نَفْسِهِ؛ لِيَرُدَّ إِلَيَّ حَقٌّي، ويُنْصِفَنِي مِنْ هَذَا الْخَائِنِ.»

وكَانَ الْقَاضِي حَلِيمًا (طَوِيلَ الصَّبِرِ)؛ فَلَمْ يَغْضَبْ مِنْ كلامٍ «عَلِيَّ كوجيا» لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ غَضَبَهُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى النُّطْقِ بِهَذا الكلام الَّذِى قَدْ يَفُوهُ (يَنْطِقُ) بِهِ مَنْ يَخْسَرُ قَضِيتَهُ.

و لَمْ يُعاقِبْهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ اكْتَفَى بِطَرْدِهِ مِنَ الْمَحْكَمَةِ. وَقَدِ اعْتَقَدَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَدَّى وَاجَبِهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ التُّهمَةِ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الشُّهُودِ يُعَزِّزُ كلامَ «عَلِيَّ كُوجْيا».

وَخَرَجَ التَّاجِرُ: «حَسَنٌ» فَرْحانَ بَبَرَاءَتِه، مَسْرُورًا بِما سَرَقَهُ مِنْ دَنَانِيرِ «عَلِيَّ كُوجْيا»، حاسِبًا أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ آمِنًا مِنَ الْفَضِيحَةِ وَالْعِقابِ.

خرجَ «عَلِيَّ كُوجْيا» مِن الْمَحْكَمَةِ غَاضِبًا. ولَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ، لِاعْتقادِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْحَقَّ لا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إلى حَقِّه، مَتَى ثَابَرَ (وَاظَبَ) عَلَى الْمُطالَبَةِ بِهِ.

فَكَتَبَ «عَلِيَّ كُوجْيا» شَكْوَى لِيَرْفَعَها إلى الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ» كما كان يَفْعَلُ الْمَظْلُومُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ إِذا لَمْ يُنْصِفْهُمُ القاضي - وكَتَبَ فِي شَكْواهُ كُلَّ مَا حَصَلَ لَهُ مَع صَدِيقِهِ التَّاجِرِ الْخَائِن.

و لَمَّا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، ذَهَبَ «عَلِيَّ كُوجْيا» إلى الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الخَلِيفَةُ.

وَلَمَّا تَمَّتِ الصَّلاةُ، أَسْرَعَ «عَلِيّ كُوجْيا» فَوَقَفَ فِي الطَريقِ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ الْخَلِيفَةُ، يَتَرَقَّبُ مَوْكِبَهُ (يَنتَظِرُ رَكْبَ الْخَلِيفَةِ).

وَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ الْخَلِيفَةُ - وهُوَ فِي مَوْكِبِهِ - رَفَعَ «عَلِيَّ كُوجْيا» يَدَهُ وفيها شَكْواهُ فَاقْتَرَبَ مِنْهُ كَبِيرُ الشُّرْطَةِ (رَئِيسُ الْعَساكِرِ)، وَأَخَذَ مِنْهُ الْوَرَقَةَ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا الشَّكوى.

وكَانَ مِنْ عَادَةِ كبيرِ الشَّرْطَةِ أَنْ يُقَدِّمَ الشَّكاوَى إلى الْخَلِيفَةِ حِينَ يَعُودُ إِلى قَصْرِه، لِيَقْضِيَ الخَلِيفَةُ نَفْسُهُ بَيْنَ أَصْحَابِها.

وكانَ «عَلِيّ كُوجْيا» يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ عادَةِ الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ» أَنْ يَقْرَأَ شَكَاوَى الْمُتظَلِّمِينَ بَعْدَ أَنْ يَصِلَ إلى قَصْرِه. ثُمَّ يُعَيِّنَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقْضِي فِيهِ بَيْنَهُمْ.

وذَهَبَ «عَلِيَّ كُوجْيا» إلى قَصْرِ الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ»، ثُمَّ وَقَفَ أَمَامَ الْبَابِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ كَبِيرُ الشَّرْطَةِ وقَالَ لَهُ: «إِنَّ الْخَلِيفَةَ يَأْمُرُكَ بِالْحُضُورِ إِلَى قَصْرِهِ غَدًا؛ لِيَقْضِيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَصْمِكَ.»

ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عُنْوانِ خَصْمِهِ التَّاجِرِ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ «عَلِيَّ كُوجْيا» وانْصَرَفَ، وَأَرْسَلَ كبِيرُ الشَّرْطَةِ إِلى التَّاجِر: «حَسَنٍ» يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ إِلَى قَصْرِ الْخَلِيفَةِ غَدًا.

الفصل الرابعقَاضِي الْأَطْفَالِ

و كانَ مِنْ عادَةِ الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرَّشِيدِ» أَنْ يَخْرُجَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي مَعَ بَعْضِ حَاشِيَتِهِ (أتباعه وخاصَّتِهِ). وكانُوا يَلْبَسُونَ مَلابِسَ التُّجَّارِ - حتَّى لا يَعْرِفَهُمْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ - ثُمَّ يَطُوفُونَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِيَعْرِفَ الْخَلِيفَةُ نَفْسُهُ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ.

وَقَدْ خَرَجَ الْخَلِيفَةُ «هَارُونُ الرَّشِيدُ» في مَساءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَعَهُ وَزِيرُهُ «جَعْفَرٌ» وكَبِيرُ خُدَّامِه «مَسْرُورٌ»، بَعْدَ أَنْ لَبِسُوا جَمِيعًا مَلَابِسَ التَّجَّارِ.

ثُمَّ سَارُوا فِي الْمَدِينَةِ - مِنْ طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ - حَتَّى وَصَلُّوا إِلى دَرْبٍ (طَرِيق) تَنْبَعِثُ مِنْهُ ضَجَّةٌ وضَوْضَاءُ وصياحٌ.

فَأَسْرَعَ الْخَلِيفَةُ لِيَرَى سَببَ تِلْكَ الْجَلَبَةِ؛ فَسَمِعَ أطفالاً يتكَلَّمُونَ بِصَوْتٍ عالٍ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي فِناءِ بَيْتٍ واسِع (وَالْفِناء: الْفَضَاءُ أَمَامَ الْبَيْتِ).

فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ مِنْ فُرْجَةٍ (ثَقْبِ) بِالْبَابِ - وكانَ الْقَمَرُ سَاطِعًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ – فَرَأَى أَطْفَالًا يَلْعَبُونَ.

و سَمِعَهُمُ الْخَلِيفَةُ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، فَأَنْصَتَ إِلَيْهُمْ لِيَعْرِفَ مَا يَقُولُونَ.

وسَمِعَ الْخَلِيفَةُ «هَارُونُ الرَّشِيدُ» أَحَدَ الْأَطْفَالِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ فَرْحَانُ: «هَلْ لَكُمْ فِي لُعْبَةٍ جَمِيلَةٍ أَقْتَرِحُها عَلَيْكُمْ (أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَلْعَبُوها)؟»

فَقَالُوا لَهُ: «وَمَا هِيَ؟»

فَقَالَ لَهُمُ الطَّفْلُ مُتَحَمسًا: «تَعالَوْا نُمَثَّلْ قِصَّةَ «عَلِيَّ كُوجيا» والتَّاجِرِ «حسن» الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ دَنانيرَهُ. وسَأَكُونُ أنا الْقَاضِيَ الَّذِي يَحْكُمُ فِي الْقَضِيَّةِ.»

فَفَرِحَ الْأَطْفَالُ بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ فَرَحًا شَدِيدًا.

و كانَتْ قِصَّةُ «عَلى كُوجْيا» وصاحِبِهِ التَّاجِرِ «حَسَنٍ» قَدِ اشْتَهَرَتْ فِي «بَغْدَادَ»، وعَرَفَهَا النَّاسُ جَمِيعًا؛ رِجالا ونساءً وأطفالاً.

فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْكَلامَ، تَذَكَّرَ الشَّكْوَى الَّتِي قَدَّمَهَا إِلَيْهِ «عَلِيَّ كُوجْيا». فَوَقَفَ الْخَلِيفَةُ لِيَرَى كَيْفَ يُمَتِّلُونَ تِلْكَ الْقِصَّةَ، وأَنْصَتَ إِنْصاتًا لِيَسْمَعَ الحُكْمَ الَّذِي يُصْدِرُهُ الطَّفلُ؛ بَعْدَ أَنْ اخْتارَ لِنَفْسِهِ تَمْثِيلَ الْقَاضِي.

اختار قاضِي الْأَطْفَالِ لِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ دَوْرًا يُمَثَلُهُ، وَرَضِيَ أَصْحَابُهُ بِمَا اخْتارَه لَهُمْ فَرِحِينَ بِذَلِكَ.

و لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَقْسِيمِ الْأَدْوارِ عَلَى أَصْحَابِهِ، جَلَسَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَعْلَنَ أَنَّ الْجَلْسَةَ قَدِ ابْتَدَأَتْ. وَكَانَ الطَّفْلُ يَتَظاهَرُ بِالرَّزانَةِ والثَّبَاتِ لِيُتْقِنَ تَمْثِيلَ دَوْرِهِ.

ثُمَّ طَلَبَ قَاضِي الْأَطفالِ مِنَ الْحَاجِبِ (وَهُوَ: الْبَوَّابُ) أَنْ يُحْضِرَ لَهُ التَّاجِرَ «حَسنًا» و«عَلِيَّ كُوجيا» فَناداهُمَا الْحَاجِبُ، فَحَضَرا.

و لَمَّا مَثَلا أمامَ الْقَاضِي، الْتَفَتَ إِلى «عَلِيَّ كُوجْيا»، وقالَ لَهُ: «ما الَّذِي تَشْكُوهُ – يا «عَلِيَّ كُوجيا» – مِنْ صَاحِبِكَ؟»

فَانْحَنَى «عَلِيّ كُوجْيا» أمامَ الْقاضِي - احْتِرامًا - ودَعا لَهُ، ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتهُ كُلَّها، وَذَكَرَ كلَّ ما حَدَثَ لَهُ مَعَ التَّاجِرِ «حَسَنٍ»، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا.

ثُمَّ خَتَمَ قِصَّتَهُ - كما بَدَأَها - بالدُّعاءِ لِلْقاضِي، وقالَ لهُ: «وَإِنِّي أَلْتَمِسُ (أَطْلُبُ) - مِنَ الْقَاضِي - أَنْ يُنْصِفَنِي، ويَرُدَّ إِلَيَّ ما سَلَبَهُ (ما سَرَقَهُ) مِنِّي هَذَا التَّاجِرُ الَّذِي لا يَرْعَى الْأَمَانَةَ، وَلَا يَخَافُ اللَّهَ!»

ولَمَّا سَمِعَ قَاضِي الْأَطْفَالِ كَلامَ «عَلِيَّ كُوجْيا» الْتَفَتَ إِلَى التَّاجِرِ: «حَسَنٍ»، وسَأَلَهُ: «لِماذا لَمْ تَرُدَّ إِلى «عَلِيَّ كُوجْيا» دنانيرَهُ الَّتي تَرَكَها وَدِيعَةً (أَمَانَة تَحْفَظُها) عِنْدَكَ؟»

فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ «حَسَنٌ»: «أَنا لَمْ أَرَ دَنانِيرَهُ، وأَنا لا أَعْلَمُ مَا كَانَ فِي الْجَرَّةِ؛ لِأَنَّنِي لَمْ أَفْتَحْها. وأَنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ شِئْتَ.»

فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: «لا تُقْسِمْ بِالله - أَيُّها الرَّجُلُ - فَلَسْنَا مُحْتَاجِينَ إِلَى قَسَمِكَ.»

ثُمَّ الْتَفَتَ الْقَاضِي إِلى «عَلِيَّ كُوجْيا»، وقالَ لَهُ: «أَنا أُرِيدُ أَنْ أَرَى جَرَّةَ الزَّيْتُونِ، فَهَلْ أَحْضَرْتَها مَعَكَ؟»

فَقَالَ لَهُ «عَلِيَّ كُوجْيا»: «كَلَّا، لَمْ أُحْضِرْها.»

فَقالَ لَهُ: «اذْهَبْ فَأَحْضِرْهَا فِي الْحَالِ.»

فَخَرَجَ الطَّفْلُ لحظةً، ثُمَّ عادَ وَتظَاهَرَ أَمامَهُ بِأَنَّهُ أَحْضَرَ مَعَهُ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ.

فالْتَفَتَ الْقَاضِي إلى التَّاجِرِ: «حَسَنٍ» وَسَأَلَهُ: «أهذِهِ هِيَ جَرَّةُ الزَّيْتُونِ الَّتِي وَضَعَها عِنْدَكَ «عَلِيَّ كُوجْيا»؟»

فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ «حَسَنٌ»: «نَعَمْ، هِيَ بِعَيْنِها.»

فأَمرَ القَاضِي بِفَتْحِ الْجَرَّةِ.

ثُمَّ تَظاهَرَ بِأَنَّهُ يَنْظُرُ فِيها، وَقالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا الزَّيْتُونَ!»

ثُمَّ تَظاهَرَ بِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ زَيْتُونَةً - مِنَ الْجَرَّةِ - وأَنَّهُ تَذَوَّقَها، وقال: «هَذَا زَيْتُونٌ فاخِرٌ جِدًّا، فَكَيْفَ بَقِيَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ وَلَمْ يَفْسُدْ؟»

ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي حَاجِبَهُ أَنْ يُحْضِرَ بَعْضَ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ. فَذَهَبَ الْحَاجِبُ وغابَ زَمَنًا يَسِيرًا، ثُمَّ عادَ ومَعَهُ طِفْلانِ يُمَثَّلان رَجُلَيْنِ مِنْ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ.

فَالْتَفَتَ إِلَيْهما الْقَاضِي وسَأَلَهُما: «أَأَنْتُما مِنْ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ؟»

فقالا له: «نَعَمْ - يا مَوْلانا الْقَاضِي - نَحْنُ مِنْ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ.»

فقالَ لَهُما: «أَخْبِرانِي - أيُّها التَّاجِرانِ – كَمْ سَنَةً تَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَحْفَظا الزَّيْتُونَ مِنَ التَّلَفِ؟»

فقالا لَهُ: «إِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْتَفِظَ بِهِ إِلَى الْعامِ الثَّالِثِ مَهْمَا نَبِذُلْ مِنْ جُهْدٍ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ – حِينَئِذٍ - ويُصْبِحُ لا لَوْنَ لَهُ ولا طَعْمَ، ولا يَصْلُحُ لِلْأَكلِ بَعْدَ ذَلِكَ.»

فَقَالَ لَهُما: «انْظُرا إلى هَذا الزَّيْتُونِ وخَبْرانِي كَمْ مَكَثَ فِي هَذِهِ الْجَرَّةِ؟» فَتَظَاهَرا بِأَنَّهُما رَأَيا الزَّيْتُونَ وفَحَصا عَنْهُ وتَذَوَّقاهُ. ثُمَّ قالا لَهُ: «إِنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الْجَرَّةِ مُنْذُ زَمَنٍ قَرِيبٍ.»

فَقالَ لَهُما القاضي: «أَظُنُّكما مُخْطِئَيْنِ؛ فَإِنَّ «عَلِيّ كُوجْيا» يَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ وَضَعَ الزَّيْتُونَ - فِي الْجَرَّةِ - مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ.»

فقالا لهُ: «نَحْنُ واثقانِ بِقَوْلِنا، فَأَحْضِرْ - إذا شِئْتَ - كلَّ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ الَّذِينَ فِي «بغداد» واسْأَلْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يقُولون لَكَ إِنَّ هَذا الزَّيْتُونَ لَمْ يُوضَعْ فِي الجَرَّةِ إِلَّا هَذَا الْعامَ.»

وأراد التَّاجِرُ «حَسَنُ» أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ حَقٌّ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الْقَاضِي مِنَ الْكَلَامِ، بَلْ قَالَ لَهُ: «اسْكُتْ، أَيُّهَا الْكَذُوبُ!»

ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِأَنْ يُصْلَبَ (يُقْتَلَ وتُعلَّقَ جُنَّتُهُ) جَزَاءَ خِيانَتِهِ.

وَأَسْرَعَ الْأَطْفَالُ إِلى التَّاجِرِ: «حَسَنٍ»، فَأَمْسِكُوهُ بِعُنْفٍ مُتظَاهِرِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَصْلُبُونَهُ، كَما أَمَرَ الْقَاضِي.

دَهِشَ الْخَلِيفَةُ «هَارُونُ الرَّشِيدُ» مِنْ ذَكاءِ ذَلِكَ الطَّفْلِ؛ فَقَدْ أَتْقَنَ تَمْثِيلَ الْقَاضِي كُلَّ الإِنْقانِ، وَأَظْهَرَ رَزانَةً وثَباتًا عَجِيبَيْنِ فِي أَثْنَاءِ تَمْثِيلِهِ، وَقَضَى بَيْنَ الْمُخْتَصِمَيْنِ قَضاءً حكِيمًا.

فالتفتَ الْخَليفَةُ إِلى «جَعْفَرٍ» – وَزِيرِهِ - وقال له: «ماذا تَرَى فِي ذَكاءِ هَذا الطفل؟»

فقال لهُ وَزِيرُهُ - وكانَ مُنْصِتًا إلى التَّمْثِيلِ كُلَّ الْإِنْصاتِ: «أَنا مَدْهُوشُ جِدًّا – يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - مِنَ ذَكائِهِ، ومُعْجَبٌ كُلَّ الإِعْجَابِ بِتَمْثِيلِهِ الْمُثْقَنِ. وَلَمْ أَرَ – فِيمَنْ رَأَيْتُ مِنْ الأَطْفَالِ - مِثْلَ هَذَا الطِّفْلِ فِي الذَّكَاءِ!»

فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: «هَلْ تَعْلَمُ - يا وزيري - أَنَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» نَفْسَهُ قَدْ رَفَعَ إِلَيَّ شَكْواهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَأَنِّي سَأَقْضِي فيها غَدًا؟ وقَدْ أَوْحَى إِلَيَّ هَذَا الطَّفْلُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَسْلُكُها فِي الْقَضاءِ بَيْنَ التَّاجِرِ: «حَسَنٍ» و «عَلِيَّ كُوجْيا».»

ثُمَّ قَالَ لَهُ: «تَذَكَّرْ - يَا «جَعْفَرُ» - هَذَا الْبَيْتَ جَيِّدًا، ثُمَّ أَحضِرْ لي هَذَا الْقَاضِيَ الصَّغِيرَ غَدًا، لِيَقْضِيَ بَيْنَ التَّاجِرِ: «حَسَنٍ» و«عَلِيّ كُوجيا» أمامي.

ثُمَّ أَحْضِرِ الْقَاضِي الْحَقِيقِيَّ الَّذِي قَضَى بَيْنَهُما، وبَرَّأَ التَّاجِرَ «حَسَنًا»؛ لِيَرَى كَيْفَ يَقْضِي ذَلِكَ الطِّفْلُ بَيْنَ الْمُتَحَاصِمَيْنِ. ولا تَنْسَ أَنْ تَأْمُرَ «عَلِيَّ كُوجْيا» أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ جَرَّةَ الزَّيْتُونِ غَدًا، وَأَنْ تَسْتَدْعِيَ تاجِرَيْنِ مِنْ تُجَّارِ الزَّيْتُونِ لِيَحْضُوا الْجَلْسَةَ أَيْضًا.»

و في صباحِ الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ الْوَزِيرُ «جَعْفَرٌ» - كما أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ - إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَلْعَبُ الْأَطْفَالُ فِي فِنائِهِ لَيْلَةَ أَمْسِ.

ثُمَّ دَقَّ الْبَابَ، فَصاحَتْ سَيِّدَةٌ كَبِيرَةُ السِّنَّ فِي الْبَيْتِ: «مَنْ بِالْبَابِ؟»

فَقالَ لَها: «أنا «جَعْفَرٌ» وزيرُ الْخَلِيفَةِ.»

فَخافَتِ السَّيَّدَةُ خَوْفًا شَدِيدًا، وأَسْرَعَتْ إِلى لِقَائِهِ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَمَّا يُرِيدُهُ مِنْها.

فقال لها: «أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ: كَمُ طِفْلًا فِي هَذَا الْبَيْتِ؟»

فقالتْ لَهُ السَّيِّدَةُ: «لَيْسَ فِي بَيْتِي إِلَّا أَطْفالُ ثَلاثَةٌ، وَهُمْ أَوْلادِي جَمِيعًا.»

فَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تُحْضِرَهُمْ إِلَيْهِ.

فَذَهَبَتَ السَّيِّدَةُ تُنادِيهِمْ.

و لَمَّا حَضَرُوا، وَرَآهُمُ الْوَزِيرُ «جَعْفَرٌ» قالَ لَهُمْ: «مَنْ مِنْكُمُ الطِّفْلُ الَّذِي كَانَ يُمَثَّلُ الْقَاضِيَ لَيْلَةَ أَمْسِ؟»

فَتَقَدَّمَ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ خَائِفٌ - لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ سَبَبَ هَذا السُّؤَالِ – فَقَالَ لِلْوَزِيرِ: «أنا مَنْ تَطْلُبُ!»

فَقَالَ لَهُ «جَعْفَرٌ»: «تَعالَ مَعِي - يا ولَدِي – فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ يَطْلُبُكَ.»

فَخافَتِ السَّيِّدَةُ عَلَى ولدها، وخافَ الطِّفْلُ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا شَدِيدًا؛ فَأَخَذَا يَضْرَعَانِ إِلَيْهِ (يَتَذَلَّلانِ)، وَيَسْأَلانِهِ الصَّفْحَ.

فَابْتَسَمَ «جَعْفَرٌ»، والْتَفَتَ إلى أمّ الطَّفْلِ، وقالَ لَها: «لا تَخْشَيْ عَلَى وَلَدِكِ سوءًا. واطْمَئِنِّي - أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ الْفَاضِلَةُ – فَلَنْ يَنالَهُ إِلَّا كُلُّ خَيْرٍ، وَسَيَعُودُ إِلَيْكِ بَعْدَ قَلِيلٍ. فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ لا يُريدُ عِقابَهُ، بَلْ يُرِيدُ مُكافَأَتَهُ عَلَى عَمَلٍ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهُ.»

فقالَتْ لَهُ السَّيِّدَةُ: «أَرْجُو أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُلْبِسَهُ أَفْخَرَ ثِيابِهِ، لِيُقَابِلَ بِها أمير الْمُؤْمِنِينَ.» فَأَذِنَ لَهَا «جَعْفَرٌ» بِذَلِكَ.

و لَمَّا لَبِسَ الطِّفْلُ أَفْخَرَ ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّيابِ، ذَهَبَ مَعَ الْوَزِيرِ إِلَى الْخَلِيفَةِ «هَارُونَ الرشيد».

و لَمَّا وَقَفَ الطَّفْلُ أمامَ الْخَلِيفَةِ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ، وَلَكِنْ الْخَلِيفَةَ - حَينَ رَآهُ - ابْتَسَمَ لَهُ وطَمْأَنَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ (زَالَ عَنْهُ الرُّعْبُ).

ثُمَّ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: «تَعالَ، يا وَلَدِي! ادْنُ (اقْتَرِبْ) مِنِّي، ولا تَخَفْ شَيْئًا.»

فَاقْتَرَبَ مِنْهُ الطَّفْلُ، وَهُوَ يَقُولُ: «السَّمْعُ والطَّاعَةُ لَكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.»

فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: «إِنِّي مُعْجَبٌ جِدًّا بِقَضَائِكَ الَّذِي قَضَيْتَهُ بَيْنَ الْأَطْفَالِ لَيْلَةَ أَمْسِ، حِينَ مَثَّلْتُمْ قِصَّةَ «عَلِيَّ كُوجْيا» وصاحِبِهِ التَّاجِرِ «حَسَنٍ» الَّذِي سَرَقَ دَنانِيرَهُ. فَأَخْبِرْنِي يا ولدي: أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي مَثَّلَ الْقَاضِيَ؟»

فَقَالَ لَهُ الطِّفْلُ مُتَأَدِّبًا: «نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.»

فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: «أنا مُعْجَبُ بِذَكائِكَ الْإِعْجَابَ كُلَّهُ. وأنا أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَقْضِيَ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِثْلَمَا قَضَيْتَ أَمْسِ. ولَكِنَّكَ كُنْتَ أَمْسِ تَقْضِي بَيْنَ طِفْلَيْنِ؛ يُمَثَّلُ أَحَدُهُما «عَلِيَّ كُوجْيا»، ويُمَثَّلُ الآخرُ صَاحِبَهُ التَّاجِرَ «حَسَنًا». أَمَّا الْيَوْمَ، فَأَنْتَ تَقْضِي بِينَ «عَلِيّ كُوجيا» نفسِهِ، وصاحِبِهِ التَّاجِرِ «حَسَنٍ» عَيْنِهِ. فَتَعَالَ - يا ولدي – فاجْلِسْ إِلَى جانبي لِتَقْضِيَ بَيْنَهُمَا قَضاءكَ الْحَكِيمَ.»

جَلَسَ قاضي الأطفال إلى جانبِ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِحْضَارِ الْقَاضِي الَّذِي بَرَّأَ التَّاجِرَ «حَسَنًا»، كما أَمَرَ بِإِحْضَارِ «عَلِيَّ كُوجْيا» وصاحِبِهِ التَّاجِرِ «حَسَنٍ» وتاجِرَيِ الزَّيْتُونِ.

فَلَمَّا حَضَرُوا جَمِيعًا، الْتَفَتَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ وقالَ: «لِيُفْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِشَكْوَاهُ أَمامَ هَذَا الطِّفْلِ، فَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَكُمْ. فَإِذَا عَجَزَ عَنِ الْقَضاءِ قَضَيْتُ أَنا بَيْنَكُمْ.»

فَقَصَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» شَكْواهُ، وذَكَرَ التَّاجِرُ «حَسَنٌ» دِفاعَهُ. وَلَمَّا أَرادَ أَنْ يُقْسِمَ بِاللَّهِ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ تِلْكَ التُّهمَةِ - كما أَقْسَمَ أَمامَ الْقَاضِي الَّذِي بَرَّأَهُ مِنْ قَبْلُ – الْتَفَتَ إِلَيْهِ الطَّفْلُ، وقالَ لَهُ: «لا أُرِيدُ أَنْ تُقْسِمَ بِاللَّهِ - أَيُّهَا الرَّجُلُ - فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى قَسَمِكَ.»

ثُمَّ قَالَ الطَّفْلُ: «أَيْنَ جَرَّةُ الزَّيْتُونِ؟ فَإِني أرِيدُ أَنْ أَراها.» فَقَدَّمَ إِلَيْهِ «عَلِيِّ كُوجْيا» جَرَّةَ الزَّيْتُونِ. فَالْتَفَتَ الطِّفْلُ إلى التاجِرِ «حَسَنٍ» وسَأَلَهُ: «أَهَذِهِ هِيَ جَرَّةُ الزَّيْتُونِ بِعَيْنِها، الَّتِي أَوْدَعَهَا عِنْدَكَ صَاحِبُكَ «عَلِيَّ كُوجْيا» قَبْلَ سَفَرِهِ؟»

فقال لَهُ التَّاجِرُ «حَسَنٌ»: «نَعَمْ هِيَ بِعَيْنِها.» فَأَمَرَ الطِّفْلُ بِفَتْحِها.

ثُمَّ نَظَرَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مَا فِيها مِنَ الزَّيْتُونِ، وَأَخَذَ مِنْهُ زَيْتُونَةً فَأَكَلَهَا. فَعَلِمَ أَنَّ الزَّيْتُونَ لَمْ يُوضَعْ فِي الجَرَّةِ إِلَّا مُنْذُ زَمَن قَرِيبٍ. وَنادَى الطِّفْلُ تاجِرَيِ الزَّيْتُونِ، لِيَفْحَصا عَمَّا فِي الْجَرَّةِ مِنَ الزَّيْتُونِ. فَلما فَحَصا عَنْهُ قالا لَهُ: «إِنَّ هَذَا الزَّيْتُونَ لَمْ يُوضَعُ فِي الْجَرَّةِ إِلَّا هَذَا الْعَامَ.»

فَقالَ الطِّفْلُ لِتاجِرَي الزَّيْتُونِ: «يَجِبُّ أَنْ تَتَثَبَّتا مما تَقُولَانِ.»

فَقالَ لَه التَّاجِرانِ: «نَحْنُ لا نَشُكٍّ فِي ذَلِكَ.»

فقال لهما: «إِنَّ «عَلِيَّ كُوجْيا» يَقُولُ: «إِنَّهُ وَضَعَ زَيْتُونَهُ فِي هَذِهِ الْجَرَّةِ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ. فَكَيْفَ تَقُولَانِ إِنَّ الزَّيْتُونَ قَدْ وُضِعَ فِيهَا هَذَا الْعامَ؟»

فَقالَ لَهُ التَّاجِرانِ: «لا بُدَّ أَنَّ الزَّيْتُونَ الْجَديدَ قَدِ اسْتُبدِلَ بِالزَّيْتُونِ الْقَدِيمِ.»

فَلَمَّا سَمِعَ التَّاجِرُ «حَسَنٌ» ذَلِكَ، وَرأى التُّهمَةَ قَدْ لَصِقَتْ بِهِ، وَكُشِفَ الْغِطَاءُ عَنْ خِيانَتِهِ، أَخَذَ يَتَوَسَّلُ إلى الْخَلِيفَةِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ جَرِيمَتِهِ الَّتِي ارْتَكَبَها.

فَلَمْ يَنْطِقِ الطَّفْلُ بِحُكْمِهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ لَيْلَةَ أَمْسِ، بَلْ قَالَ لِلْخَلِيفَةِ: «لَقَدْ كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَ أَصْحَابِي - لَيْلَةَ أَمْسِ - حِينَ أَضْدَرْتُ حُكْمِي. أَمَّا الْيَوْمَ فَالْأَمْرُ جِدُّ لَا هَزْلٌ.

وَلَيْسَ لِيَ الْحَقُّ فِي أَنْ أَنْطِقَ بِحُكْمٍ يَقْضِي بِحَياةِ رَجُلٍ أَوْ مَوْتِهِ. وَالْأَمْرُ إِلَيْكَ - يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - فَاحْكُمْ بِما تَرَى. فَإِنْ شِئْتَ أَمَرْتَ بِصَلْبِهِ، وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْتَ عَنْ جَرِيمَتِهِ!»

الفصل الخامسعَاقِبَةُ الْخِيَانَةِ

رأى الْخَلِيفَةُ «هَارُونُ الرَّشِيدُ» شناعَةَ الْجُرْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ التَّاجِرُ الْخَائِنُ، وَظَهَرَ لَه لُؤْمُهُ وَسُوءُ نِيَّتِه، وَإِصْرَارُهُ عَلَى الْخِيانَةِ وَالْكَذِبِ طُولَ هَذَا الزَّمَنِ.

فَقالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: «أَيْنَ أَخْفَيْتَ دَنَانِيرَ «عَلِيَّ كُوجْيا»؟»

فَذَكَرَ لَهُ التَّاجِرُ «حَسَنٌ» المَكَانَ الَّذِي أَخْفاها فِيهِ.

فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَحَدَ أَتْبَاعِهِ بِإِحْضَارِها.

ثُمَّ أَعْطَى «عَلِيّ كُوجْيا» دَنانِيرَهُ، فَفَرِحَ بِها فَرَحًا شَدِيدًا.

ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِصَلْبِ التَّاجِرِ الْخَائِنِ، جَزَاءَ خِيانَتِهِ وَكَذِبِهِ.

وَقَدْ نَدِمَ التَّاجِرُ «حَسَنٌ» عَلَى خِيانَتِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ نَدَمُهُ. وَذَكَرَ نَصِيحَةَ امْرَأَتِه، وَتَذَكَّرَ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهِ، وَفَضِيحَتَهُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَبَكَى بُكَاءَ شَدِيدًا، وَطَلب الْعَفْوَ، فَلَمْ يَقْبَلِ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.

وَحِينَئِذٍ صُلِبَ التَّاجِرُ «حَسَنٌ» - كما أَمَرَ الْخَلِيفَةُ – وَلَقِيَ جَزَاءَ خِيانَتِهِ وكَذِبِهِ، وأَصْبَحَتْ قِصَّتُهُ عِظَةً (عِبْرَةً) لِكُلَّ مَنْ سَمِعَها مِنَ النَّاسِ.

وَلَقَدْ مَدَحَ الْخَلِيفَةُ هَذا الطَّفْلَ؛ لِما أَظْهَرَهُ مِنْ ذَكائِه في أثناءِ حُكْمِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَظْهَرَ لَهُ إِعْجَابَهُ بِهِ ورِضاهُ عَنْهُ، لِبُعْدِ نَظَرِهِ وَثَبَاتِهِ فِي أَثْنَاءِ قَضائِهِ.

وَأَعْطَاهُ كِيسًا فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ، مُكافأَةً لِذكائِهِ.

وَقَدْ أَخَذَ الطِّفْلُ هَذِهِ الْمُكافأةَ فَرِحًا، وَشَكَرَ الْخَلِيفَةَ «هَارُونَ الرَشِيدَ» عَلَى تِلْكَ الْمُكافأةِ، وَدَعا لَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلى بَيْتِهِ مَسْرُورًا، لِيَقُصَّ عَلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ ذَلِكَ الخَبَرَ السار.

وَلَمَّا خَرَجَ الطِّفْلُ الْتَفَتَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي بَرَّأَ التاجرَ «حَسَنًا» مِنْ قَبْلُ، وَقالَ لَهُ: «أرأيتَ كَيْفَ أَظْهَرَ هَذا الطَّفْلُ - بِذَكائِهِ وفِطْنَتِهِ – جَرِيمَةَ التَّاجِرِ الْخَائِنِ الَّذِي بَرَّأْتَهُ؟»

فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ القاضي، وشارك الْخَلِيفَةَ في إعجابِهِ بِذكاءِ الطِّفْلِ وبُعْدِ نَظَرِه.

شَاعَتْ في «بَغْدَادَ» قِصَّةُ هَذا التَّاجِرِ وَ«عَلِيَّ كُوجْيا» - كما شاعَتْ فِي الْبُلْدَانِ الْمُجَاوِرَةِ لَها - وَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَناقَلُونَها، وَيَقُصُّها الْآبَاءُ عَلَى الْأَبْناءِ، حتى وَصَلَتْ إِلَيْكَ، أَيُّها الْقَارِئُ الصَّغِيرُ.

وَقَدْ مَضَى عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، وَلَمْ تَنْتَهِ فَضِيحَةُ التَّاجِرِ الْخَائِنِ.

وَكَانَ الْأَطْفَالُ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مَكانٍ فِي «بَغْدَادَ» وَغَيْرِها مِن الْبِلادِ، لِيُمَتِّلُوا – فِي اللَّيالي الْمُقْمِرَةِ - قِصَّةَ «عَلِيَّ كُوجْيا» وَالتَّاجِرِ «حَسَنٍ»، كما مَثَّلَها قاضي الْأَطْفَالِ وَأَصْحَابُهُ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH