السندباد البحري


Ochishجدول المحتويات
الإهداءالإهداء
وَلَدِي مُصْطَفَى: قَرَأْتُ عَلَيْكَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَأَنْتَ تَسْتَقْبِلُ الْعَامَ السَّابِعَ مِنْ عُمْرِكَ فَأَعْجَبَتْكَ، وَرُحْتَ تَقُصُّهَا عَلَى أَقْرَانِكَ الصِّغَارِ لِيُشَارِكُوكَ فِي الإِعْجَابِ بِهَا. فَأَعَدْتَ إِلَى ذَاكِرَتِي عَهْدَ طُفُولَتِي الْمَحْبُوبَ، أَيَّامَ كُنْتُ أَصْغِي إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِشَوْقٍ وَشَغَفٍ شَدِيدَيْنِ. وَذَكَرْتُ - إِلَى هَذَا - حَاجَةَ الْأَطْفَالِ إِلَى كُتُبِ سَهْلَةٍ تُحَبِّبُ إِلَيْهِمُ الْقِرَاءَةَ وَتَدْفَعُهُمْ إِلَى الاسْتِزَادَةِ مِنْهَا ، فَنَشَرْتُ لَهُم هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمُمْتِعَةَ، لِيَقْرَأَهَا كِبَارُهُم وَيَقْصَّهَا الْآبَاءُ عَلَى صِغَارِهِمْ. إِلَيْكَ إِذَنْ وَإِلَى أَتْرَابِكَ أُهْدِي هَذِهِ الْقِصَّةَ وَمَا يَتْلُوهَا مِنْ قِصَصٍ! كامل كيلاني ديسمبر سنة ١٩٢٨
مقدمةمقدمة
بقلم كامل كيلاني ديسمبر سنة ١٩٢٨ كِتَابُ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَنْفَسِ النَّخَائِرِ الْأَدَبِيَّةِ، وَلَهُ أَثَرُ كَبِيرٌ فِي تَنْمِيَةِ خَيَالِ الْكَثِيرِينَ مِنْ مُفَكِّرِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَلَكِنَّهُ - عَلَى نَفَاسَتِهِ - لَمْ يَلْقَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِهِ مِنَ الْعِنَايَةِ فِي الشَّرْقِ، وَلَعَلَّ إِهْمَالَهُ عِنْدنَا رَاجِعٌ إِلَى أَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ: (۱) رَكَاكَةُ الْأُسْلُوبِ فِي أَكْثَرِ قِصَصِهِ. (۲) ضَعْفُ الْخَيَالِ وَسُخْفُهُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا. (۳) عَدَمُ تَحْلِيَتِهِ بِالصُّوَرِ الَّتِي تُجَلِّي أَغْرَاضَهُ وَمَعَانِيَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْفِرِنْجَةُ. وَلَمَّا كَانَ أَطْفَالُنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى كُتُبِ عَرَبِيَّةٍ تُحَبِّبُ إِلَيْهِم الْمُطَالَعَةَ وَتَجْعَلُهُمْ يُقْبِلُونَ عَلَيْهَا بِشَغَفٍ، انْتَهَزْتُ فُرْصَةَ مَيْلِهِمُ الْغَرِيزِيِّ هَذَا إِلَى سَمَاعِ الْأَقَاصِيصِ، فَشَرَعْتُ فِي نَشْرِ طَائِفَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْقَصَصِ الْمُخْتَارِ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ عُنِيتُ بِاخْتِيَارِ الصُّوَرِ عِنَايَتِي بِاخْتِيَارِ الْقِصَصِ ، بَاذِلًا كُلَّ مَا فِي وُسْعِي فِي انْتِقَاءِ أَسْهَلِ الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يفْهَمُهَا الْمُبْتَدِئُ بِنَفْسِهِ، أَوْ مَعَ قَلِيلٍ مِنَ الشَّرْحِ الَّذِي نَكِلُه إِلَى حَضَرَاتِ الْمُعَلِّمِينَ أَوِ الْآبَاءِ. وَلَعَلَّ خَيْرَ مَا يَقُومُ بِهِ الْمُدَرِّسُ لِلطَّالِبِ الْمُبْتَدِيءِ - لِتَقْوِيَتِهِ فِي الْإِنْشَاءِ - أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ القِصَّةِ الْمُشَوِّقَةِ، وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَادَثَاتِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ يَخْتِمَهَا بِتَكْلِيفِ الطَّالِبِ صَوْنَ مَا فَهِمَهُ فِي عِبَارَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَاضِحَةٍ. هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْإِنْشَاءِ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَصِ عِبَرٌ يُمْكِنُ الْمُعَلِّمَ أَنْ يَسْتَخْلِصَهَا بِسُهُولَةٍ لِتَلَامِيذِهِ، وَلَيْسَتْ حَاجَةُ الْبَنَاتِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِصَصِ بِأَقَلَّ مِنْ حَاجَةِ الْبَنِينَ، وَفَّقَنَا اللَّهُ إِلَى الْخَيْرِ وَأَلْهَمَنَا الرُّشْدَ وَالسَّدَادَ.
تمهيدتمهید
(۱) الْهِنْدِبَادُ الْحَمَّالُ كَانَ بِمَدِينَةِ بَغْدَادَ» - فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ» - حَمَّالٌ فَقِيرٌ، اسْمُهُ الْهِنْدِبَادُ». فَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الصَّيْفِ، جَلَسَ الْهِنْدِبَادُ تَحْتَ قَصْرٍ عَالٍ تُحِيطُ بِهِ حَدِيقَةٌ جَمِيلَةٌ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ عَنَاءِ السَّيْرِ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَكَهُ التَّعَبُ وَالْحَرُّ الشَّدِيدُ، وَوَضَعَ – إِلَى جَانِبِهِ - حِمْلَهُ الثَّقِيلَ. فَسَرَى إِلَيْهِ مِنَ الْحَدِيقَةِ نَسِيمٌ لَطِيفٌ حَمَلَ إِلَيْهِ رَائِحَةَ الْأَزْهَارِ الْعَطِرَةِ، وَهَبَّتْ عَلَيْهِ - مِنْ نَاحِيَةِ الْقَصْرِ - رَائِحَةُ الشِّوَاءِ اللَّذِينِ، وَالْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَةِ. وَسَمِعَ الْهِنْدِبَادُ الطُّيُورَ تُغَرِّدُ - عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا – فَوْقَ الْأَشْجَارِ، كَمَا سَمِعَ أَصْوَاتَ الْغِنَاءِ وَأَنْغَامَ الْمُوسِيقَى الْمُطْرِبَةِ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ ، فَخُيّلَ إِلَيْهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ فِي عُرُسٍ. (۲) صَاحِبُ الْقَصْرِ وَذَهَبَ الْهِنْدِبَادُ إِلَى أَحَدِ الْخَدَمِ فَرَآهُ لَابِسًا أَبْهَى الْمَلَابِسِ وَأَحْسَنَهَا، وَلَمَّا سَأَلَهُ عَنِ اسْمِ صَاحِبِ هَذَا الْقَصْرِ الْبَدِيعِ قَالَ لَهُ الْخَادِمُ مَدْهُوشًا : « كَيْفَ تَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ؟ أَفِي «بَغْدَادَ» كُلِّهَا مَنْ يَجْهَلُ السِّنْدِبَادَ الْبَحْرِيَّ» - صَاحِبَ هَذَا الْقَصْرِ - الَّذِي مَلَأَتْ شُهْرَتهُ الْآفَاقَ، وَالَّذِي رَكِبَ الْبِحَارَ ، وَجَابَ الْأَقْطَارَ وَرَأَى عَجَائِبَ الدُّنْيَا؟» (۳) شَكْوَى الهندبادِ الحَمَّالِ ثمَّ عَادَ الْحَمَّالُ إِلَى مَكَانِهِ فَجَلَسَ يُفَكِّرُ فِي هَذَا النَّعِيمِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَسْمَعُ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِمَا نَالَهُ السِّنْدِبَادُ» مِنْ ثَرْوَةٍ طَائِلَةٍ. وَنَظَرَ الْهِنْدِبَادُ الْحَمَّالُ إِلَى جَمَالِ الْحَدِيقَةِ وَفَخَامَةِ الْقَصْرِ وَوَفْرَةِ مَا يَحْوِيهِ مِنْ غِنِّى وَنِعْمَةٍ، وَرَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ بُؤْسٍ وَشَقَاءٍ ، فَصَاحَ غَاضِبًا: «سُبْحَانَكَ رَبِّي تُغْنِي مَنْ تَشَاءُ، وَتُفْقِرُ مَنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، فَأَنَا أَتَحَمَّلُ الْهُمُومَ وَالْآلَامَ، وَأُقَاسِي الْمَتَاعِبَ وَالْأَهْوَالَ لِلْحُصُولِ عَلَى قُوتِي وَقُوتِ عِيَالِي، بَيْنَمَا يَنْعَمُ «السِّنْدِبَادُ بِهَذَا الْقَصْرِ الْفَخْمِ وَمَا يَحْوِيهِ مِنْ ثَرْوَةٍ وَنَعِيمٍ ، دُونَ أَنْ يَتَكَبَّدَ أَيَّ عَنَاءٍ فَمَاذَا صَنَعَ «السِّنْدِبَادُ» حَتَّى اسْتَحَقَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ؟ وَمَاذَا فَعَلْتُ أَنَا حَتَّى كُتِبَ عَلَيَّ هَذَا الشَّقَاءُ؟ أَأُصْبِحُ فِي تَعَبٍ دَائِمٍ أَعِيشُ شَقِيًّا وَقَدْ زَادَ حِمْلِي وَغَيْرِي سَعِيدٌ – بِلَا شِقْوَةٍ - وَمَا حَمَلَ الدَّهْرَ يَوْمًا كَحِمْلِي؟» وَبَيْنَمَا الْهِنْدِبَادُ مُسْتَغْرِقُ فِي هَذِهِ التَّأَمُّلَاتِ إِذْ خَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ خَادِمٌ يَدْعُوهُ إِلَى مُقَابَلَةِ سَيِّدِهِ، فَخَشِيَ الْحَمَّالُ عَاقِبَةَ الْأَمْرِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ «السِّنْدِبَادَ» قَدْ سَمِعَ – بِلَا شَكٍّ – كُلَّ مَا قَالَ، فَاعْتَذَرَ إِلَى الْخَادِمِ مُحَاوِلًا أَنْ يُفْلِتَ مِنْ يَدِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَذَهَبَ مَعَهُ خَائِفًا يَتَوَقَّعُ الشَّرَّ. (٤) فِي حَضْرَةِ السِّندباد وَسَارَ الْحَمَّالُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ غُرْفَةً فَحْمَةً فِي وَسَطِهَا مَائِدَةٌ حَوَتْ مَا لَنَّ مِنْ أَطْيَبِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَالنُّقْلِ، وَرَأَى جَمَاعَةً مِنْ سَرَاةِ الْقَوْمِ، كَمَا رَأَى فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ رَجُلًا حَسَنَ الصُّورَةِ جَلِيلَ الْقَدْرِ مَهِيبَ الطَّلْعَةِ وَقَدْ بَدَا فِي لِحْيَتِهِ الشَّيْبُ، فَعَرَفَ أَنَّهُ «السِّندِبَادُ صَاحِبُ الْقَصْرِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ - وَهُوَ مُنَكِّسٌ رَأْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الْخَجَلِ – فَهَشَّ إِلَيْهِ السِّنْدِبَادُ» وَقَرَّبَهُ مِنْهُ حَتَّى أَذْهَبَ عَنْهُ خَوْفَهُ، وَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَامِ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ. فَسَأَلَهُ السِّنْدِبَادُ الْبَحْرِيُّ» عَنِ اسْمِهِ وَصِنَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَعِدْ عَلَيَّ الْآنَ مَا كُنْتَ تَقُولُهُ - مُنْذُ زَمَن يَسِيرٍ - تَحْتَ الْقَصْرِ!» هُنَالِكَ ارْتَبَكَ الْهِنْدِبَادُ الْحَمَّالُ وَبَدَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْحَيْرَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَعْذِرَةً يَا سَيِّدِي، فَقَدْ دَفَعَنِي مَا أُعَانِيهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَمَا أُكَابِدُهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ، إِلَى التَّفَوُّهِ بِمَا قُلْتُ، فَتَجَاوَزْ عَنْ إِسَاءَتِي وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا فَرَطَ مِنِّي!» فَقَالَ لَهُ السِّنْدِبَادُ»: «إِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُؤَاخِذَكَ بِشَيْءٍ مِمَّا قُلْتَ، وَإِنَّمَا أَشْفَقْتُ عَلَيْكَ وَرَثَيْتُ لَكَ، وَقَدْ صِرْتَ لِي - مُنْذُ الْيَوْمِ - أَذًا وَصَدِيقًا، وَلَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُبَيِّنَ لَكَ حَقِيقَةً غَابَتْ عَنْكَ، وَأُزِيلَ مَا عَلِقَ بِذِهْنِكَ مِنَ الْوَهْمِ، فَقَدْ ظَنَنْتَ أَنَّ هَذِهِ الثَّرْوَةَ الطَّائِلَةَ قَدْ جَاءَتْنِي دُونَ مَشَقَّةٍ أَوْ عَنَاءٍ، مَعَ أَنَّنِي لَمْ أَحْصُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَاسَيْتُ مِنَ الْمَصَاعِبِ وَلَاقَيْتُ مِنَ الْأَهْوَالِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْوَصْفُ. وَسَأَقُصُّ عَلَيْكَ مَا حَدَثَ لِي فِي أَسْفَارِي السَّبْعَةِ، وَمَا تَعَرَّضْتُ لَهُ مِنَ الْمَهَالِكِ وَالْمَخَاطِرِ الَّتِي تَشِيبُ مِنْ هَوْلِهَا الْوِلْدَانُ، لِتُدْرِكَ بِنَفْسِكَ مِقْدَارَ مَا عَانَيْتُ مِنَ الْمَتَاعِبِ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ السَّعَادَةِ الَّتِي تَرَاهَا وَتَعْجَبُ مِنْهَا.» أسئلة أتينا بهذه الأسئلة لتكون نموذجا لحضرات المدرسين ينسجون على منواله فيما يلي: (۱) ما اسم الحمال؟ (س) في أي بلد كان يقيم؟ (س) في زمن أي خليفة؟ (س٤) ما اسم صاحب القصر؟ (سه) ماذا قال الخادم حين سأله الحمال عن اسم صاحب القصر؟ (س (٦) ماذا قال الحمال حين رأى فخامة القصر وجمال الحديقة؟ (س) ماذا رأى الحمال في غرفة السندباد؟ (س) كيف سلم عليه الحمال؟ (س ٩) كيف قابله السندباد؟ س ۱۰) هل وصل السندباد إلى هذه الثروة الطائلة بلا عناء؟ (س۱۱) من الذي ظن ذلك؟ (س۱۲) ومن الذي بين هذا الخطأ؟ س (۱۳) اكتب خلاصة وجيزة لهذه القصة.
الرحلة الأولىالرحلة الأولى
على ظهر حوت (۱) السِّنْدِبَادُ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ كَانَ أَبِي مِنْ كِبَارِ تُجَّارِ «بَغْدَادَ»، فَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ لِي ثَرْوَةً طَائِلَةً – وَكُنْتُ حِينَئِذٍ شَابًّا طَائِشًا – فَأَخَذْتُ أُنْفِق عَلَى نَفْسِي وَعَلَى أَصْحَابِي - عَنْ سَعَةٍ - مِنْ هَذَا الْمَالِ الَّذِي لَمْ أَتَكَبَّدْ فِي جَمْعِهِ أَيَّ عَنَاءٍ، وَظَلِلْتُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلةً مِنَ الزَّمَنِ، دُونَ أَنْ أَتَدَبَّرَ عَوَاقِبَ هَذَا الإِسْرَافِ. ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنْ غَفْلَتِي - ذَاتَ يَوْمٍ - فَرَأَيْتُ مَالِي لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَعَلِمْتُ أَنَّنِي إِذَا ظَلِلْتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ - ضَاعَ كُلُّ مَا أَمْلِكُ، وَكَانَ عَاقِبَتِي الْإِفْلَاسُ وَالْخَرَابُ. وَرُبَّمَا اضْطُرِرْتُ إِلَى سُؤَالِ النَّاسِ فَجَزِعْتُ مِنْ هَذِهِ الْعَاقِبَةِ السَّيِّئَةِ، وَقُلْتُ لِنَفْسِي: «إِنَّ الْفَقْرَ - في آخِرِ أَيَّامِ الإِنْسَانِ – وَاحْتِمَالَ ذُلِّ السُّؤَالِ ، مِمَّا لَا تَرْضَاهُ نَفْسُ الْكَرِيمِ، وَإِنَّ الْكَسَلَ مِفْتَاحُ الْفَقْرِ» وَذَكَرْتُ تِلْكَ الْحِكْمَةَ الصَّادِقَةَ الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: «مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الأَهْوَالَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ» فَعَزَمْتُ عَلَى السَّفَرِ، وَبِعْتُ كُلَّ مَا بَقِيَ لَدَيَّ مِنْ مَتَاعٍ، وَاشْتَرَيْتُ بِثَمَنِهِ بَضَائِعَ أَتَّجِرُ فِيهَا، وَسَافَرْتُ - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ التُّجَّارِ - مِنْ مَدِينَةِ بَغْدَادَ» حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ» حَيْثُ أَقْلَعَتْ بِنَا سَفِينَةٌ كَبِيرَةٌ، وَسَارَتْ فِي طَرِيقِ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ. (۲) دُوَارُ الْبَحْرِ وَكَانَتْ هَذِهِ هِيَ أَوَّلَ رِحْلَةٍ لِي، فَلَمْ أَكَدْ أَرْكَبُ الْبَحْرَ حَتَّى اعْتَرَانِي دُوَارٌ أَفَقْتُ مِنْهُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ أَلِفْتُ هَوَاءَ الْبَحْرِ - بَعْدَ ذَلِكَ – وَعَادَتْ إِلَيَّ صِحَّتِي. وَظَلَّتِ السَّفِينَةُ سَائِرَةً بِنَا مِنْ جَزِيرَةٍ إِلَى جَزِيرَةٍ، وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَنَحْنُ نَبِيعُ وَنَشْتَرِي فِي كُلِّ مَكَانٍ حَلَلْنَا بِهِ. (۳) عَلَى ظَهْرِ حُوتِ وَبَيْنَمَا نَحْنُ سَائِرُونَ فِي عُرَضِ الْبَحْرِ، إِذْ لَاحَتْ لَنَا جَزِيرَةٌ صَغِيرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ سَطْحِ الْمَاءِ فَاقْتَرَبْنَا مِنْهَا، وَنَزَلَ بِهَا بَعْضُ التَّجَّارِ - وَنَزَلْتُ مَعَهُمْ - وَبَقِينَا عَلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ زَمَنًا وَنَحْنُ نَلْهُو وَنَلْعَبُ حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الْغَدَاءِ، فَأَتَيْنَا بِخُشُبٍ مِنَ السَّفِينَةِ وَأَوْقَدْنَا بِهَا النَّارَ لِنَطْبُخَ عَلَيْهَا طَعَامَنَا، وَلَمْ نَكَدْ نُوقِدُ النَّارَ حَتَّى اهْتَزَّتْ بِنَا الْجَزِيرَةُ اهْتِزَازًا عَنِيفًا، فَصَرَخْنَا مِنَ الْفَزَعِ وَالرُّعْبِ وَصَاحَ بِنَا رُبَّانُ السَّفِينَةِ: «أُنْجُوا بِأَنْفُسِكُمْ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ بِكُمُ الْهَلَاكُ !» وَلَمْ يَكَدْ يُتِمُّ قَوْلَهُ حَتَّى غَاصَتِ الْجَزِيرَةُ كُلُّهَا فِي الْبَحْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَأَسْرَعَ إِلَى السَّفِينَةِ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا فَنَجَا وَغَرِقَ الْبَاقُونَ. (٤) حَقِيقَةُ الْجَزِيرَةِ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ جَزِيرَةً - كَمَا حَسِبْنَا - بَلْ حُوتًا هَائِلًا مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ كَانَ نَائِمًا عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ، فَلَمَّا أَوْقَدْنَا عَلَيْهِ النَّارَ أَحَسَّ الْحَرَارَةَ فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَغَاصَ فِي الْبَحْرِ، فَنَجَا مَنْ نَجَا وَغَرِقَ مَنْ غَرِقَ. (٥) كَيْفَ نَجَوْتُ مِنَ الْغَرَقِ أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بَعِيدًا عَنِ السَّفِينَةِ فَلَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَقَدْ كِدْتُ أَغْرَقُ لَوْ لَمْ أَتَعَلَّقْ بِلَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ مِنَ السَّفِينَةِ لِلْوَقُودِ، وَنَادَيْتُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ بِأَعْلَى صَوْتِي فَلَمْ يَسْمَعْنِي أَحَدٌ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الرُّعْبِ. وَرَأَيْتُ السَّفِينَةَ تَخْتَفِي عَنْ نَاظِرِي، وَقَدْ أَصْبَحْتُ تَحْتَ رَحْمَةِ الْأَمْوَاجِ الْهَائِجَةِ، وَالْغَرَقُ يُهَدِّدُنِي فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. وَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ أَيْقَنْتُ بِالْهَلَاكِ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَيْتَسْ رَغْمَ مَا حَلَّ بِي مِنَ التَّعَبِ وَالْخَوْفِ، وَبَقِيتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ طُولَ اللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ قَذَفَتْنِي الْأَمْوَاجُ إِلَى شَاطِئِ جَزِيرَةٍ عَالِيَةٍ فِيهَا أَشْجَارٌ مُطِلَّةٌ عَلَى الْبَحْرِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ – لِحُسْنِ حَظِّي – فَرْعَ شَجَرَةٍ مُتَدَلِّيًا، فَتَعَلَّقْتُ بِهِ وَتَمَكَّنْتُ بِذَلِكَ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَ تَعَبٍ شَدِيدٍ. وَلَمْ أَكَدْ أَصْعَدُ إِلَيْهَا حَتَّى ارْتَمَيْتُ عَلَى أَرْضِهَا - وَأَنَا مَنْهُولُ الْقُوَى مِنْ شِدَّةِ مَا لَقِيتُ – وَبَقِيتُ نَائِمًا طُولَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، ثُمَّ أَفَقْتُ مِنْ نَوْمِي فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَكَانَتْ قَدَمَايَ قَدْ وَرِمَتَا وَلَكِنَّنِي لَمْ أَعْبَأُ بِذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مُتَوَكِّنًا عَلَى عَصًا قَطَعْتُهَا مِنْ غُصْنِ شَجَرَةٍ، وَسِرْتُ أَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ أَكُلُهُ وَقَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي الْجُوعُ. عَلَى أَنَّنِي وَجَدْتُ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ كَثِيرًا مِنَ الْبُقُولِ النَّاضِجَةِ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَيْنًا مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ، وَشَرِبْتُ حَتَّى ارْتَوَيْتُ! (٦) خَدَمُ الْمَهَرَاجًا وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَليلَةٍ زَالَ مَا بِي مِنْ ضَعْفٍ، وَعَادَ إِلَيَّ نَشَاطِي الْأَوَّلُ فَرُحْتُ أَمْشِي فِي الْجَزِيرَةِ، وَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ، إِذْ لَاحَ لِي شَبَحٌ مِنْ بَعِيدٍ، فَسِرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى اقْتَرَبْتُ مِنْهُ فَإِذَا بِهِ فَرَسٌ تَرْعَى الْعُشْبَ - وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ - وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي سِرْدَابٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فَدُهِشْتُ لِذَلِكَ، وَإِنِّي لَفِي دَهْشَتِي إِذْ أَقْبَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ، فَسَأَلَنِي عَنْ سَبَبٍ مَجِيئِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقِصَّتِي فَدُهِشَ لَهَا، وَذَهَبَ بِي إِلَى السِّرْدَابِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، فَرَأَيْتُ جَمَاعَةً يَنْتَظِرُونَهُ فِيهِ ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّتِي، وَقَدَّمُوا إِلَيَّ طَعَامًا وَشَرَابًا فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ. ثُمَّ سَأَلْتَهُمْ عَنْ سَبَبٍ مَجِيئِهِمْ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَاخْتِفَائِهِمْ فِي هَذَا السِّرْدَابِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّهُمْ خَدَمُ الْمَلِكِ الْمَهَرَاجَا» صَاحِبِ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، وَأَنَّهُ يُوفِدُهُمْ – فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ مِنْ كُلِّ عَامٍ - وَمَعَهُمْ بَعْضُ أَفْرَاسِهِ لِتَرْعَى فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهَا حِصَانُ الْبَحْرِ فَتَحْمِلَ مِنْهُ ، فَإِذَا حَاوَلَ أَخْذَهَا مَعَهُ ، خَرَجُوا عَلَيْهِ مِنَ السِّرْدَابِ فَيَفِرُّ مِنْهُمْ هَارِبًا إِلَى الْبَحْرِ ، ثُمَّ يَعُودُونَ بِهَا إِلَى بِلَادِهِمْ حَيْثُ تَلِدُ مُهْرًا أَصِيلًا عَدِيمَ الْمِثَالِ! (۷) حِصَانُ البَحْرِ وَهُنَا سَمِعْنَا صُرَاخَ حِصَانِ الْبَحْرِ ، فَنَظَرْنَا مِنْ ثُقْبِ السِّرْدَابِ، فَرَأَيْنَاهُ يُحَاوِلُ أَخْذَ الْفَرَسِ مَعَهُ بِقُوَّةٍ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنَ السِّرْدَابِ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَلَّى هَارِبًا إِلَى الْبَحْرِ. (۸) فِي حَضْرَةِ الْمَهَرَاجًا وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي أَرْكَبُونِي مَعَهُمْ ، وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ حَيْثُ قَدَّمُونِي إِلَى مَلِكِهِمُ الْمَهَرَاجَا» فَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِي فَأَخْبَرْتُهُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ لِي، فَدَهِشَ لِذَلِكَ أَشَدَّ دَهْشَةٍ، وَسُرَّ بِي سُرُورًا عَظِيمًا، وَأَكْرَمَنِي وَقَرَّبَنِي إِلَيْهِ. (۹) عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَكَانَ لِهَذَا الْبَلَدِ مَرْفَةٌ تَرْسُو عَلَيْهِ السُّفُنُ التِّجَارِيَّةُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مُخْتَلَفِ بِلَادِ الدُّنْيَا، فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنَ التَّرَدُّدِ عَلَيْهِ مُسَائِلًا الْوَافِدِينَ عَنْ أَخْبَارِ بَغْدَادَ» دُونَ أَنْ أَظْفَرَ مِنْهُمْ بِطَائِلٍ، وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ زَمَنٌ طَوِيلٌ، فَمَلِلْتُ الْغُرْبَةَ واشْتَاقَتْ نَفْسِي إِلَى رُؤْيَةِ وَطَنِي وَأَهْلِي. (۱۰) عَجَائِبُ الْهِنْدِ وَكُنْتُ أَخْرُجُ أَحْيَانًا إِلَى بَعْضِ الْجَزَائِرِ الْقَرِيبَةِ فَأَرَى فَيهَا عَجَائِبَ وَغَرَائِبَ كَثِيرَةً. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا رَأَيْتُهُ سَمَكٌ كَبِيرٌ يَبْلُغُ طُولُهُ مِائَةَ ذِرَاعٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، وَلَهُ وَجْهُ كَوَجْهِ الْبُومِ، وَقَدْ نَفَرْتُ مِنْهُ كَمَا نَفَرَ مِنِّي، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ ارْتَاعَ مِنْ رُؤْيَتِي كَمَا ارْتَعْتُ مِنْ رُؤْيَتِهِ. (۱۱) اللِّقَاءُ بَعْدَ الْيَأْسِ وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ خَرَجْتُ كَعَادَتِي إِلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ سَفِينَةٌ مُقْبِلَةً، وَلَمَّا رَسَتْ عَلَى الشَّاطِيءِ وَأَنْزَلَتْ مَا بِهَا مِنَ الْبَضَائِعِ رَأَيْتُ عَلَى بَعْضِ أَحْمَالِهَا اسْمَ «السِّنْدِبَادِ» فَلَمَّا أنْعَمْتُ النَّظَرَ فِي رُبَّانِهَا عَرَفْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْأَحْمَالِ فَأَجَابَنِي مُتَأَثَّرًا حَزِينًا: «وَا أَسَفَا عَلَيْهِ! إِنَّهُ السِّنْدِبَادُ وَقَدْ غَرِقَ أَثْنَاءَ سَفَرِنَا، وَكَانَ سَبَبَ غَرَقِهِ أَنَّهُ طَلَعَ - مَعَ بَعْضِ رِفَاقِهِ مِنَ التَّجَّارِ - عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ كَبِيرٍ ، كُنَّا نَحْسَبُهُ جَزِيرَةً، فَلَمَّا غَاصَ الْحُوتُ غَرِقُوا وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَرْكَبِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. وَقَدْ أَخَذْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَبِيعَ بَضَائِعَهُ وَأُعْطِيَ أَهْلَهُ ثَمَنَهَا مَتَى عُدْتُ إِلَى «بَغْدَادَ».» فَقُلْتُ لِرُبَّانِ السَّفِينَةِ: «أَنَا السِّنْدِبَادُ الَّذِي تَذْكُرُهُ وَهَذِهِ بِضَاعَتِي!» فَصَاحَ الرُّبَّانُ فِي وَجْهِي صَيْحَةً عَظِيمَةً، وَقَالَ لِي غَاضِبًا: «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ فَسَدَتِ الذُّمَمُ وَضَاعَتِ الْأَمَانَةُ مِنَ النَّاسِ كَيْفَ تَدَّعِي أَنَّكَ السِّنْدِبَادُ وَقَدْ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَهُوَ يَغْرَقُ فِي الْبَحْرِ ؟» فَقُلْتُ لَهُ: «لَا تَغْضَبْ عَلَيَّ، وَلَا تَعْجَلْ بِتَكْذِيبِ مَا أَقُولُ.» ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي، وَذَكَرْتُ لَهُ جَمِيعَ مَا دَارَ بَيْنَنَا مِنَ الْكَلَامِ – مُنْذُ خَرَجْنَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى أَنْ غَاصَ بِنَا الْحُوتُ - فَظَهَرَ لَهُ صِدْقُ قَوْلِي، وَفَرِحَ بِنَجَاتِي فَرَحًا شَدِيدًا وَعَانَقَنِي، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ رِفَاقِي يُهَنِّثُونَنِي بِسَلَامَتِي وَنَجَاتِي مِنَ الْغَرَقِ. ثُمَّ شَكَرْتُ لِلرُّبَّانِ أَمَانَتَهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أُكَافِئَهُ عَلَى صَنِيعِهِ فَرَفَضَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنِّي شَيْئًا. (۱۲) الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ فَتَخَيَّرْتُ هَدِيَّةً نَفِيسَةً قَدَّمْتُهَا إِلَى الْمَهَرَاجَا» فَسَأَلَنِي : « مِنْ أَيْنَ أَحْضَرْتَهَا؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا حَدَثَ، فَتَبَيَّنَ لَهُ صِدْقُ كَلَامِي وَقَبِلَ هَدِيَّتِي مَسْرُورًا، ثُمَّ أَمَرَ لِي بِهَدِيَّةٍ ثَمِينَةً. وَلَمَّا اسْتَأْذَنْتُهُ فِي السَّفَرِ أَذِنَ لِي - بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ لِي أَسَفَهُ عَلَى فِرَاقِي – فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرًا، وَبِعْتُ فِي بَلَدِهِ كُلَّ مَا مَعِي مِنَ الْبَضَائِعِ بِأَغْلَى ثَمَنٍ، وَاشْتَرَيْتُ بَدَلَهَا بَضَائِعَ أُخْرَى. وَعُدْتُ إِلَى بِلادِي بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ أَنْ سَارَ بِنَا الْمَرْكَبُ آمِنًا، وَكَانَ الْبَحْرُ هَادِثًا وَالرِّيحُ طَيِّبَةً فَلَمْ نَلْقَ أَيَّ عَنَاءٍ فِي سَفَرِنَا حَتَّى بَلَغْنَا الْبَصْرَةَ». (۱۳) فِي بَغْدَادَ ثُمَّ ذَهَبْنَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَادَ حَيْثُ لَقِيَنِي أَهْلِي فَرِحِينَ بِعَوْدَتِي سَالِمًا، وَاشْتَرَيْتُ قُصُورًا فَخْمَةً وَعَبِيدًا وَغِلْمَانًا كَثِيرِينَ، وَأَصْبَحْتُ مِنْ أَكْبَرِ أَغْنِيَاءِ «بَغْدَادَ»، وَتَصَدَّقْتُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَزَمْتُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي بَلَدِي بَعِيدًا عَنْ مَشَقَّاتِ السَّفَرِ وَأَهْوَالِ الْبَحْرِ، وَأَنْسَتْنِي رَاحَةُ الْبَالِ مَا قَاسَيْتُهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ وَالْأَهْوَالِ. (١٤) دَهْشَةُ الْحَاضِرِينَ وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ ، الْتَفَتَ إِلَى الْهِنْدِبَادِ الْحَمَّالِ وَقَالَ لَهُ مُبْتَسِمًا: «هَذَا مَا حَدَثَ لِي فِي الرِّحْلَةِ الْأُولَى وَسَأُخْبِرُكَ غَدًا بِمَا حَدَتْ لِي فِي رِحْلَتِي الثَّانِيةِ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِيها مِنَ الْعَجَائِبِ!» فَدُهِشَ الهِنْدِبَادُ الْحَمَّالُ» وَعَجِبَ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِمَّا سَمِعُوا. ثُمَّ أَمَرَ السِّنْدِبَادُ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِلْحَمَّالِ وكَسَاهُ حُلَّةً نَفِيسَةً، فَدَعَا لَهُ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرًا مَسْرُورًا، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ عَلَى أَنْ يَعُودُوا إِلَى «السِّنْدِبَادِ» فِي الْغَدِ. وَلَمَّا حَضَرُوا فِي الْيَوْمِ التَّالِي بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ» يقُصُّ عَلَيْهِمْ رِحْلَتَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ.
الرحلة الثانيةالرحلة الثانية
في وادي الأفاعي (۱) كَيْفَ نَسِيَنِي رِفَاقِي حَدَّثْتُكُمْ أَمْسِ أَنَّنِي عَزَمْتُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي بَغْدَادَ» طُولَ حَيَاتِي هَادِئَ الْبَالِ حَتَّى لَا أُعَرِّضَ نَفْسِي مَرَّةً أُخْرَى لِمَخَاطِرِ السَّفَرِ وَمَخَاوِفِهِ، وَلَكِنَّنِي – بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ – ضَجِرْتُ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ، وَمَلِلْتُ عِيشَةَ الْكَسَلِ، وَاشْتَقْتُ إِلَى السَّفَرِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ، فَاشْتَرَيْتُ بَضَائِعَ كَثِيرَةً، وَسَافَرْتُ منْ بَغْدَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ» حَيْثُ أَبْحَرْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّجَارِ وَسَارَتْ بِنَا السَّفِينَةُ مِنْ جَزِيرَةٍ إِلَى جَزِيرَةٍ وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَكَانَتْ تِجَارَتُنَا رَابِحةً حَتَّى بَلَغْنَا جَزِيرَةً كَبِيرَةً، جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ، فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْفَاكِهَةِ تَتَخَلَّلْهَا الْجَدَاوِلُ وَالْأَنْهَارُ. فَنَزَلْنَا بِهَا فَلَمْ نَجِدْ فِيهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَأَكَلْنَا مِنْ فَاكِهَتِهَا وَشَرِبْنَا مِنْ مَائِهَا الْعَذْبِ، ثُمَّ ذَهَبَ أَصْحَابِي يَجُولُونَ فِي الْجَزِيرَةِ وَجَلَسْتُ مُنْفَرِدًا فِي ظِلٍّ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَأَمَامِي جَدْوَلٌ مِنَ الْمَاءِ عَلَى جَانِبَيْهِ الْأَزْهَارُ، فَأَخَذَتْنِي سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ - وَلَمْ أَعْلَمْ كَمْ سَاعَةً نِمْتُ – وَمَا كِدْتُ أَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَمَلَّكَنِي الرُّعْبُ وَالْفَزَعُ، فَقَدْ بَحَثْتُ عَنْ رِفَاقِي فَلَمْ أَعْتُرْ لَهُمْ عَلَى أَثَرٍ! هُنَالِكَ عَلِمْتُ أَنَّ السَّفِينَةَ قَدْ أَقْلَعَتْ بِهِمْ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى غِيَابِي، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الشَّاطِئِ - وَأَنَا كَالْمَجْنُونِ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْجَزَعِ وَالْيَأْسِ – وَرَأَيْتُ السَّفِينَةَ تَغِيبُ عَنْ نَاظِرِي شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى اخْتَفَتْ، فَصَرَخْتُ مِنَ الْأَلَمِ وَتَمَلَّكَنِي الْيَأْسُ وَالْفَزَعُ فَوَقَعتُ عَلَى الْأَرْضِ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، وَبَقِيتُ كَذَلِكَ زَمَنًا طَوِيلًا ، وَلَمَّا أَفَقْتُ أَخَذْتُ أَلُومُ نَفْسِي عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمَشْؤُومَةِ أَشَدَّ اللَّوْمِ وَأَنْدَمُ عَلَى سَفَرِي أَشَدَّ النَّدَمِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ لَوْمٌ وَلَا نَدَمٌ! (۲) بَيْضَةُ الرُّخٌ وَتَلَفَّتُ حَوْلِي فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ، فَتَسَلَّقْتُ شَجَرَةً عَالِيَةً وَرَمَيْتُ بِبَصَرِي فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَحْرِ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا غَيْرَ الْمَاءِ وَالسَّمَاءِ، وَدُرْتُ بِبَصَرِي فِي الْجَزِيرَةِ، فَرَأَيتُ - عَلَى بُعْدٍ - قُبَّةً بَيْضَاءَ عَالِيَةً تَلْمَعُ لَمَعَانًا شَدِيدًا فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَنَزَلْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَجَرَيْتُ إِلَيْهَا بِكُلِّ قُوَّتِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهَا فَرَأَيْتُهَا شَاهِقَةً، فَلَمَسْتُهَا بِيَدِي فَإِذَا هِي مَلْسَاءُ لَا يُمْكِنُ الصُّعُودُ عَلَيْهَا ، وَدُرْتُ حَوْلَهَا فَلَمْ أَرَ لَهَا بَابًا وَلَا مَنْفَذَا، فَلَمَّا قِسْتُ دَائِرَتَهَا وَجَدْتُهَا خَمْسِينَ خُطْوَةً. (۳) طَيْرُ الرُّخٌ وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَأَمَّلُهَا إِذْ وَجَدْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَظْلَمَتْ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ سَوَادٌ عَظِيمٌ حَجَبَ عَنِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَتَأَمَّلْتُهُ فَإِذَا هُوَ طَائِرٌ عَظِيمُ الْجِسْمِ، فَذَكَرْتُ لِلْحَالِ مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَالتُّجَّارِ عَنْ طَيْرِ الرُّخٌ، وَأَدْرَكْتُ أَنَّ هَذِهِ الْقُبَّةَ الْكَبِيرَةَ هِيَ بَيْضَتُهُ، وَلَمْ يَكَدْ يَنْزِلُ طَيْرُ الرُّخٌ حَتَّى جَلَسَ عَلَى بَيْضَتِهِ فَاحْتَضَنَهَا بِجَنَاحَيْهِ وَنَامَ فَوْقَهَا، فَنَظَرْتُ إِلَى مِخْلَبِهِ فَرَأَيْتُهُ - لِعِظَمِهِ - كَأَنَّهُ جِذْعُ شَجَرَةٍ، فَحَلَلْتُ عِمَامَتِي وَرَبَطْتُ نَفْسِي بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ رَبْطًا مُحْكَمًا، رَجَاءَ أَنْ يَحْمِلَنِي فِي الْيَوْمِ التَّالِي إِلَى مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ظَنِّي فَلَمْ يَكَدْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ حَتَّى طَارَ، وَمَا زَالَ يَعْلُو فِي الْفَضَاءِ حَتَّى اخْتَفَتِ الْأَرْضُ عَنْ نَاظِرِي، وَظَلَّ طَائِرًا بِي مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ هَبَطَ بِي فَجْأَةً إِلَى الْأَرْضِ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، ثُمَّ أَفَقْتُ لِنَفْسِي فَرَأَيْتُ طَيْرَ الرُّخٌ قَدْ وَقَفَ عَلَى الْأَرْضِ، فَفَكَكْتُ رِبَاطِي لِلْحَالِ، وَفَرِحْتُ بِالْخَلَاصِ مِنْ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْمُقْفِرَةِ. (٤) فِي وَادِي الأَفَاعِي وَلَكِنَّ فَرَحِي لَمْ يَطْلْ، فَقَدْ رَأَيْتُ طَيْرَ الرُّخٌ، قَدِ انْقَضَّ عَلَى حَيَّةٍ كَبِيرَةٍ فَابْتَلَعَهَا وَطَارَ فِي الْفَضَاءِ، وَمَا زَالَ طَائِرًا حَتَّى غَابَ عَنِّي. فَنَظَرْتُ إِلَى مَا حَوْلِي، فَنَدِمْتُ عَلَى تَرْكِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَجِيءِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي لَمْ تُكْتَبِ السَّلَامَةُ لِأَحَدٍ وَصَلَ إِلَيْهِ. فَقَدْ هَبَطَ بِي الرُّخُ - لِسُوءِ حَظَّي – إِلَى وَادٍ عَمِيقٍ تُحِيطُ بِهِ جِبَالُ شَاهِقَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَلَيْسَ فِيهَا مَكَانُ لِلصُّعُودِ وَلَا مَنْفَةٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ. فَقُلْتُ لِنَفْسِي: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ كُلَّمَا نَجَوْتُ مِنْ مُصِيبَةٍ وَقَعْتُ فِي مُصِيبَةٍ شَرٌّ مِنْهَا !» (٥) حِجَارَةُ الْمَاسِ وَنَظَرْتُ إِلَى أَرْضِ الْوَادِي، فَرَأَيْتُ حِجَارَتَهُ مِنَ الْمَاسِ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَلَكِنَّ فَرَحِي لَمْ يَدُمْ طَوِيلًا فَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْوَادِي كَثِيرًا مِنَ الأَفَاعِي الْهَائِلَةِ الَّتِي تَبْتَلِعُ الْفِيلَ بِسُهُولَةٍ - لِضَخَامَتِهَا وَكَبَرِ حَجْمِهَا - وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَفَاعِي - لِحُسْنِ حَظَّي - تَخْتَفِي فِي الْكُهُوفِ وَالْمَغَارَاتِ أَثْنَاءَ النَّهَارِ خَوْفًا مِنْ طَيْرِ الرُّخٌ - وَهُوَ عَدُوُّهَا اللَّدُودُ الَّذِي يَبِتَلِعُهَا كُلَّمَا ظَهَرَتْ - فَإِذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ خَرَجَتِ الْأَفَاعِي كُلُّهَا إِلَى الْوَادِي. (٦) فِي الْكَهْفِ فَمَشَيْتُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي طُولَ النَّهَارِ، وَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ أَسْرَعْتُ إِلَى كَهْفِ صَغِيرٍ فَدَخَلْتُهُ وَسَدَدْتُ مَنْفَذَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ حَتَّى آمَنَ شَرَّ الْأَفَاعِي، وَأَكَلْتُ مِنَ الزَّادِ الْقَلِيلِ الَّذِي أَحْضَرْتُهُ مَعِي مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَحَاوَلْتُ أَنْ أَنَامَ فَلَمْ أَسْتَطِعْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ فَحِيحَ الْأَفاعي - وَهِيَ تَزْحَفُ أَمَامَ الْكَهْفِ - فَيَمْتَلِيُّ قَلْبِي رُعْبًا، وَمَا زِلْتُ طُولَ اللَّيْلِ خَائِفًا أَتَوَقَّعُ الشَّرَّ. (۷) فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي وَلَمَّا طَلَعَ الصَّبَاحُ انْقَطَعَ فَحِيحُ الْأَفَاعِي فَعَلِمْتُ أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إِلَى مَخَابِئِهَا وَكُهُوفِهَا فَحَمِدْتُ اللهَ عَلَى ذَلِكَ، وَخَرَجْتُ مِنَ الْكَهْفِ وَمَشَيْتُ فِي الْوَادِي - وَأَنَا أُفَكِّرُ فِي هَذِهِ النَّهَايَةِ الْمُحْزِنَةِ الَّتِي وَصَلْتُ إِلَيْهَا - وَرَأَيْتُ كُلَّ مَا فِيهِ - مِنْ أَحْجَارِ الْمَاسِ الثَّمِينَةِ – لَا يُسَاوِي عِنْدِي شَيْئًا. وَتَمَنَّيْتُ لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي - بَدَلَ هَذِهِ الْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ - شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ. وَرَأَيْتُ صَخْرَةً قَرِيبَةً مِنِّي فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا - وَأَنَا مَهْمُومٌ لَا أَمَلَ لِي فِي الْخَلَاصِ – فَغَلَبَنِي النُّعَاسُ فَنِمْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مَذْعُورًا خَائِفًا فَرَأَيْتُ قِطَعًا كَبِيرَةً مِنَ اللَّحْمِ تَتَسَاقَطْ - إِلَى جَانِبِي - عَلَى أَرْضِ الْوَادِي مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ. (۸) كَيْفَ يَحْصُلُ النُّجَّارُ عَلَى الْمَاسِ فَذَكَرْتُ مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ مِنَ التَّجَّارِ عَنْ وَادِي الْمَاسِ وَعَنِ الطَّرِيقَةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي يَحْصُلُونَ بِهَا عَلَى أَحْجَارِهِ. وَهِيَ أَنْ يَذْبَحُوا الْخِرَافَ وَيَسْلَخُوا مِنْهَا جِلْدَهَا ثُمَّ يُلْقُوا بِلَحْمِهَا الطَّرِيِّ إِلَى أَرْضِ ذَلِكَ الْوَادِي فَتَلْصَقَ بِهِ أَحْجَارُ الْمَاسِ، وَتَأْتِي النُّسُورُ - بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ - فَتَخْطَفُهُ وَتَحْمِلُهُ إِلَى أَعْلَى الْجَبَلِ، فَيَصِيحُ بِهَا التَّجَّارُ فَتَهْرُبُ مِنْهُمْ خَائِفَةً تَارِكَةً لَهُمْ مَا مَعَهَا مِنَ اللَّحْمِ، فَيَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا عَلِقَ بِقِطْعَتِهِ مِنَ الْمَاسِ تَارِكًا اللَّحْمَ - بَعْدَ ذَلِكَ - لِلنُّسُورِ الْجَائِعَةِ. وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ أَحْسَبُ هَذَا الْكَلَامَ خُرَافَةً يَرْوِيهَا النَّاسُ – عَلَى سَبِيلِ الْفُكَاهَةِ وَالتَّسْلِيَةِ – حَتَّى رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي حَقِيقَةً وَاقِعَةً. (۹) كَيْفَ نَجَا السِّنْدِبَادُ مِنْ وَادِي الْأَفَاعِي فَبَدَا لِي أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ، وَتَخَيَّرْتُ مِنْ أَحْجَارِ الْمَاسِ أَنْفَسَهَا ثُمَّ نِمْتُ عَلَى ظَهْرِي وَوَضَعْتُ فَوْقِي أَحَدَ هَذِهِ الْخِرَافِ الْمَذْبُوحَةِ وَأَمْسَكْتُهُ بِيَدَيَّ - بِكُلِّ قُوَّتِي – حَتَّى جَاءَتِ النُّسُورُ فَرَفَعَتْ تِلْكَ اللُّحُومَ. وَجَاءَ نَسْرٌ كَبِيرٌ فَرَفَعَ الذَّبِيحَةَ الَّتِي كُنْتُ مُتَعَلِّقًا بِهَا، وَلَمْ يَزَلْ طَائِرًا حَتَّى بَلَغَ أَعْلَى الْجَبَلِ فَوَضَعَهَا عَلَيْهِ. وَأَسْرَعَ التُّجَّارُ إِلَى النُّسُورِ فَخَافَتْ وَهَرَبَتْ مِنْهُمْ تَارِكَةً لَهُمْ مَا مَعَهَا مِنَ اللَّحْمِ ، فَوَقَفْتُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَلَمْ يَكَدْ يَرَانِي صَاحِبُ النَّبِيحَةِ حَتَّى تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ وَنَظَرَ إِلَى ذَبِيحَتِهِ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا شَيْئًا مِنَ الْمَاسِ. فَصَرَخَ وَلَطَمَ وَجْهَهُ نَادِبًا سُوءَ حَظِّهِ وَضَيَاعَ تَعَبِهِ بِلَا فَائِدَةٍ. فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَحَيَّيْتُهُ فَاطْمَأَنَّ، ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ كَثِيرًا مِنَ الْمَاسِ، فَتَبَدَّلَ حُزْنُهُ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِي فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا حَدَثَ لِي فَدُهِشَ، وَدُهِشَ مَعَهُ جَمِيعُ النُّجَّارِ أَشَدَّ دَهْشَةٍ. (۱۰) الْعَوْدَةُ إِلَى بَغْدَادَ ثُمَّ سَافَرْتُ مَعَهُمْ إِلَى بِلادِي. وَقَدْ رَأَيْتُ فِي طَرِيقِي كَثِيرًا مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا الْعَقْلُ. وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى بَلَغْنَا بَغْدَادَ وَكَانَ مَعِي مِنَ الْمَاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا تُقَدَّرُ قِيمَتُهُ لِنَفَاسَتِهِ. وَلَمْ أَكَدْ أَدْخُلُ بَغْدَادَ حَتَّى لَقِيَنِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي فَرِحِينَ بِعَوْدَتِي فَرَحًا شَدِيدًا، وَتَصَدَّقْتُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَزَمْتُ عَلَى تَرْكِ الْأَسْفَارِ وَالْبَقَاءِ فِي بَغْدَادَ» طُولَ عُمْرِي. وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ وَأَخَذَهَا مِنْهُ شَاكِرًا، وَانْصَرَفَ هُوَ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ عَلَى أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَلَمَّا حَضَرُوا فِي الْغَدِ بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لَهُ فِي رِحْلَتِهِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ.
الرحلة الثالثةالرحلة الثالثة
في بلاد الأقزام والعمالقة (۱) هُبُوبُ الْعَاصِفَةِ بَعْدَ أَنْ عُدْتُ مِنْ رِحْلَتِي الثَّانِيَةِ أَقَمْتُ بِبَغْدَادَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ هَادِئَ الْبَالِ مُسْتَرِيحَ الْقَلْبِ لَا يُعَكِّرُ صَفْوِي أَيُّ كَدَرٍ، وَلَكِنَّ نَفْسِي سَئِمَتْ حَيَاةَ الْكَسَلِ وَالرَّاحَةِ وَاشْتَاقَتْ إِلَى السَّفَرِ وَمَا فِيهِ مِنْ رِبحٍ وَفِيرٍ، فَاشْتَرَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْبَضَائِعِ وَسَافَرْتُ بِهَا مِنْ بَغْدَادَ» إِلَى الْبَصْرَةِ» حَيْثُ اكْتَرَيْتُ أَنَا وَبَعْضُ التَّجَّارِ مَرْكَبًا كَبِيرًا أَقْلَعَ بِنَا وَسَارَ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ، وَلَمْ نَزَلْ نَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ وَمِنْ جَزِيرَةٍ إِلى جَزِيرَةٍ وَنَحْنُ نَبِيعُ وَنَشْتَرِي وَنَرْبَحُ أَرْبَاحًا طَائِلَةً حَتَّى هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَظَلَّتِ الْأَمْوَاجُ تَتَقَاذَفُ الْمَرْكَبَ وَيُهَدِّدُنَا الْغَرَقُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ حَتَّى ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ وَمَكَثْنَا عِدَّةَ أَيَّامٍ تَائِهِينَ فِي الْبَحْرِ لَا يَقَرُّ لَنَا قَرَارٌ حَتَّى لَاحَتْ لَنَا جَزِيرَةٌ كَبِيرَةٌ، فَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا الرُّبَّانُ حَتَّى لَطَمَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ وَأَلْقَى بِعِمَامَتِهِ إِلى الْأَرْضِ وَصَاحَ خَائِفًا مَذْعُورًا: «لَقَدْ هَلَكْنَا وَضَاعَ كُلُّ أَمَلٍ فِي نَجَاتِنَا» (۲) مَعَ الْأَقْزَامِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ سَبَبٍ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْجَزَائِرِ يَقْطُنُهَا قَوْمٌ مِنَ الْأَقْزَامِ الْمُتَوَحِّشِينَ وَهُمْ - عَلَى قِصَرِ قَامَاتِهِمْ - كَثِيرُو الْعَدَدِ، وَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِنَا أَنْ نُقَاوِمَهُمْ». وَلَمْ يَكَدْ يَنْتَهِي الرُّبَّانُ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى خَاضَ إِلَيْنَا الْمَاءَ أُولَئِكَ الْهَمَجُ الْمُتَوَحِّشُونَ وَأَحَاطُوا بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَكَانَ طُولُ كُلِّ مِنْهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى قَدَمَيْنِ، وَعَلَى جُسُومِهِمْ فِرَاءٌ حُمْرُ الْأَلْوَانِ وَتَحَدَّثُوا بِكَلَامٍ لَا نَفْهَمُهُ ، ثُمَّ قَادُوا السَّفِينَةَ مُسْرِعِينَ إِلَى شَاطِئِ الْجَزِيرَةِ فَلَمْ نَسْتَطِعِ الدِّفَاعَ عَنْ أَنْفُسِنَا لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَاسْتَسْلَمْنَا عَاجِزِينَ عَنْ كُلِّ مُقَاوَمَةٍ. ثُمَّ أَنْزَلُونَا مِنَ الْمَرْكَبِ عَلَى شَاطِئِ الْجَزِيرَةِ وَأَقْلَعُوا بِهِ إِلَى مَكَانٍ نَجْهَلُهُ وَتَرَكُونَا حَيَارَى لَا نَدْرِي كَيْفَ نَعْمَلُ. فَسِرْنَا فِي الْجَزِيرَةِ كَاسِفِي الْبَالِ لَا أَمَلَ لَنَا فِي النَّجَاةِ وَالْخَلَاصِ مِنْ هَذَا الْأَسْرِ. (۳) قَصْرُ الْعِمْلَاقِ وَلَاحَ لَنَا قَصْرٌ كَبِيرٌ - عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ - فَقَصَدْنَا إِلَيْهِ، حَتَّى بَلَغْنَاهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَلْعَةً شَاهِقَةً مُحْكَمَةَ الْبِنَاءِ، فَتَعَاوَنًا جَمِيعًا عَلَى فَتْحِ بَابِهِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ دَخَلْنَا فِنَاءَهُ، فَوَجَدْنَا فِيهِ كَوْمَةً مِنَ الْعِظَامِ الْبَشَرِيَّةِ، فَهَالَنَا ذَلِكَ الْمَنْظَرُ وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُنَا مِنْهُ رُعْبًا. وَلَمْ يَنْطِقُ أَحَدٌ مِنَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ - لِشِدَّةِ مَا لَحِقَنَا مِنَ النُّعْرِ – وَبَقِينَا خَائِفِينَ طُولَ النَّهَارِ حَتَّى إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، سَمِعْنَا صَرِيرَ الْبَابِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ يُقْفَلُ، وَرَأَيْنَا عِمْلَاقًا هَائِلًا يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَهُوَ - فِي مِثْلِ طُولِ النَّخْلَةِ - أَسْوَدُ الْوَجْهِ، لَهُ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ يَكَادُ يَتَطَايَرُ مِنْهَا الشَّرَرُ، وَأَنْيَابٌ طَوِيلَةٌ حَادَّةٌ مُرَوِّعَةٌ! (٤) فِي حَضْرَةِ الْعِمْلاقِ وَلَمْ نَكَدْ نَرَاهُ حَتَّى تَمَلَّكَنَا الرُّعْبُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْنَا الْهَلَعُ وَالْفَزَعُ وَصِرْنَا كَالْمَوْتَى وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا نَظَرَاتٍ مُخِيفَةً، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنِّي وَأَمْسَكَ بِي - وَأَنَا كَالْعُصْفُورِ فِي يَدِهِ – فَرَآنِي نَحِيفًا هَزِيلَ الْجِسْمِ، فَتَرَكَنِي، وَأَخَذَ غَيْرِي فَرَآهُ نَحِيفًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ أَيْضًا. (٥) كَيْفَ شَوَى الرُّبَّانَ وَنَظَرَ الْعِمْلاَقُ إِلَى الرُّبَّانِ فَرَآهُ سَمِينًا فَأَعْجَبَهُ، وَأَمْسَكَ بِهِ وَلَوَى رَقَبَتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ جَاءَ بِسَفُودٍ طَوِيلٍ فَأَنْفَذَهُ فِيهِ، وَأَوْقَدَ نَارًا حَامِيَةً وَوَضَعَهُ عَلَيْهَا، وَمَا زَالَ يُقَلِّبُهُ حَتَّى شَوَاهُ فَأَكَلَ لَحْمَهُ وَرَمَى عِظَامَهُ عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ نَامَ فَسَمِعْنَا لَهُ شَخِيرًا عَالِيًا. (٦) فِي الْيَوْمِ التَّالِي وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ خَرَجَ الْعِمْلاَقُ مِنَ الْقَصْرِ وَتَرَكَنَا، فَخَرَجْنَا إِلَى الْجَزِيرَةِ يَائِسِينَ، وَتَمَنَّيْنَا لَوْ كُنَّا غَرِقْنَا فِي الْبَحْرِ وَلَمْ نَقَعْ فِي قَبْضَةِ هَذَا الْغُولِ الْمُخِيفِ، حَتَّى لَا يَكُونَ نَصِيبَنَا هَذِهِ الْمَوْتَةُ الشَّنْعَاءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِتَخْطُرَ لَنَا عَلَى بَالٍ. وَبَحَثْنَا طُولَ النَّهَارِ عَنْ مَكَانٍ نَخْتَبِئُ فِيهِ فَلَمْ نَظْفَرُ بِطَائِلٍ، فَعُدْنَا إِلَى الْقَصْرِ خَائِفِينَ، وَجَاءَ الْعِمْلاَقُ بَعْدَ قَلِيلٍ فَشَوَى أَحَدَنَا - كَمَا شَوَى بِالْأَمْسِ رُبَّانَ السَّفِينَةِ – وَأَكَلَهُ وَنَامَ إِلَى الصَّبَاحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حَيْثُ لَا نَدْرِي، وَخَرَجْنَا هَائِمِينَ فِي الْجَزِيرَةِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْنَا بَعْضُ رِفَاقِنَا أَنْ نُلْقِيَ بِأَنْفُسِنَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى نَنْجُوَ مِنْ هَذِهِ الْمَوْتَةِ الْمُرَوِّعَةِ. وَأَشَارَ آخَرُونَ أَنْ نَحْتَالَ لِقَتْلِ الْعِمْلَاقِ. (۷) فُلْكُ النَّجَاةِ فَأَثَرْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُهَيِّئُوا فُلْكًا مِنْ خَشَبِ الْأَشْجَارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ نَنْجَحْ فِي قَتْلِ الْعِمْلَاقِ هَرَبْنَا مِنَ الْجَزِيرَةِ فِي تِلْكَ الْفُلْكِ، فَفَرِحُوا جَمِيعًا بِهَذَا الرَّأْيِ، وَشَرَعْنَا فِي الْعَمَلِ بِجِدِّ وَنَشَاطٍ حَتَّى إِذَا تَمَّتِ الْفُلْكُ وَضَعْنَا فِيهَا مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّادِ وَرَبَطْنَاهَا إِلَى شَاطِئ الْبَحْرِ. (۸) تَنْفِيذُ الْمُؤَامَرَةِ وَعُدْنَا إِلَى الْقَصْرِ ، فَجَاءَ الْعِمْلاَقُ فَفَعَلَ بِثَالِثٍ مِنَّا مَا فَعَلَهُ بِسَابِقَيْهِ ثُمَّ نَامَ كَعَادَتِهِ وَعَلَا شَخِيرُهُ، فَوَضَعْنَا سَفُودَيْنِ فِي النَّارِ حَتَّى احْمَرًا، ثُمَّ أَدْخَلْنَاهُمَا مَعًا بِقُوَّةٍ فِي عَيْنِهِ – وَهُوَ نَائِمٌ - فَصَرَخَ صَرْخَةً هَائِلَةً مِنْ شِدَّةِ الْآلَمِ، وَقَامَ هَائِجًا كَالْمَجْنُونِ يَبْحَثُ عَنَّا بَعْدَ أَنْ عَمِيَتْ عَيْنُهُ ، فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَى أَحَدٍ، فَسَارَ إِلَى الْبَابِ فَفَتَحَهُ وَخَرَجَ ، فَفَرِحْنَا بِذَلِكَ وَحَسِبْنَا أَنَّنَا أَصْبَحْنَا بِمَأْمَنٍ مِنْ شَرِّهِ! (۹) اِنْتِقَامُ الْعَمَالِقَةِ وَلَكِنَّ فَرَحَنَا لَمْ يَطْلْ، فَقَدْ جَاءَ إِلَيْنَا - بَعْدَ قَلِيلٍ - جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ يُغَايِرُونَهُ فِي الشَّكْلِ وَلا يَقِلُّونَ عَنْهُ وَحْشِيَّةً وَفَظَاظَةً، فَهَرَبْنَا مِنْهُمْ مُسْرِعِينَ إِلَى الْفُلْكِ الَّتِي صَنَعْنَاهَا، فَلَمَّا رَأَوْنَا فِي الْبَحْرِ ظَلُّوا يَرْجُمُونَنَا بِحِجَارَةٍ كَبِيرَةٍ فَقَتَلُوا رِفَاقِي وَلَمْ يَنْجُ مَعِي مِنْهُمْ إِلَّا اثْنَانِ. (۱۰) الْفِرَارُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَمَالِقَةِ وَبَعْدَ أَنْ نَجَوْنَا مِنْ شَرِّ أُولَئِكَ الْعَمَالِقَةِ أَصْبَحْنَا تَحْتَ رَحْمَةِ الْأَمْوَاجِ الْهَائِجَةِ – طُولَ نَهَارِنَا وَلَيْلَتِنَا - حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ قَذَفَتْنَا الْأَمْوَاجُ إِلَى شَاطِئِ جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ، فَفَرِحْنَا بِذَلِكَ وَأَكَلْنَا مِنْ فَاكِهَتِهَا الطَّيِّبَةِ وَشَرِبْنَا مِنْ مَائِهَا الْعَذْبِ، ثُمَّ جَلَسْنَا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَرِحِينَ بِالنَّجَاةِ مِنْ أَرْضِ الْعَمَالِقَةِ. (۱۱) فِي فَمِ أَفْعَى وَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ نِمْنَا فَوْقَ شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ وَاسْتَيْقَظْنَا فَزِعِينَ فَرَأَيْنَا حَيَّةً هَائِلَةً قَدِ الْتَقَمَتْ وَاحِدًا مِنْ رَفِيقَيَّ، فَسَمِعْنَا عِظَامَهُ تَتَكَسَّرُ فِي جَوْفِهَا وَهِيَ تَبْتَلِعُهُ فَاشْتَدَّ خَوْفُنَا وَهَالَنَا الْأَمْرُ وَقُلْنَا: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، كُلَّمَا نَجَوْنَا مِنْ مُصِيبَةٍ وَقَعْنَا فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهَا». وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا حَتَّى إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ صَعِدْنَا إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى فَنِمْتُ بِأَعْلَاهَا وَنَامَ رَفِيقِي قَرِيبًا مِنِّي، وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَتِ الْحَيَّةُ فَالْتَقَمَتْ رَفِيقِي كَمَا الْتَقَمَتْ صَاحِبَهُ بِالْأَمْسِ! (۱۲) كَيْفَ نَجَا السِّنْدِبَادُ مِنَ الْأَفْعَى فَمَكَثْتُ طُولَ اللَّيْلِ خَائِفًا حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ هَمَمْتُ أَنْ أُلْقِي بِنَفْسِي فِي الْبَحْرِ فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ حُبُّ الْحَيَاةِ فَتَجَلَّدْتُ، وَلَمَّا اقْتَرَبَ اللَّيْلُ أَحْضَرْتُ أَلْوَاحًا مِنَ الْخَشَبِ وَشَدَدْتُ جِسْمِي إِلَيْهَا شَدًّا وَثِيقًا، وَجَاءَتِ الْحَيَّةُ - كَعَادَتِهَا - تُحَاوِلُ أَنْ تَبْتَلِعَنِي كَمَا ابْتَلَعَتْ رَفِيقَيَّ، فَحَالَتِ الْأَلْوَاحُ الْمَشْدُودَةُ حَوْلِي دُونَ ذَلِكَ، وَظَلَّتِ الْحَيَّةُ طُولَ اللَّيْلِ تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ مَنْفَذًا إِلَيَّ - مِنْ خِلَالِ الْأَلْوَاحِ - دُونَ أَنْ تَظْفَرَ بِطَائِلٍ، فَلَمَّا بَدَا الصَّبَاحُ عَادَتْ مِنْ حَيْثُ أَتَتْ فَحَلَلْتُ الرِّبَاطَ وَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنَ الْخُشُبِ وَأَنَا أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ. (۱۳) الْأَمَلُ بَعْدَ الْيَأْسِ وَجَلَسْتُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ يَائِسًا مَهْمُومًا أُفَكِّرُ فِيمَا حَلَّ بِي مِنَ الْمَصَائِبِ، فَلَمَحْتُ مَرْكَبًا كَبِيرًا عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَصْرُخُ وَأَصِيحُ - مُشِيرًا بِيَدِي مَرَّةً وَمُلَوِّحًا بِعِمَامَتِي مَرَّةً أُخْرَى – حَتَّى فَطِنَ إِلَيَّ بَعْضُ مَنْ بِالْمَرْكَبِ، فَاقْتَرَبُوا مِنَ الْجَزِيرَةِ وَرَسَوْا عَلَى شَاطِئِهَا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلامَ، وَفَرِحْتُ بِلِقَائِهِمْ فَرَحًا عَظِيمًا، ثُمَّ حَمَلُونِي مَعَهُمْ وَسَأَلُونِي عَنْ أَمْرِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي، فَعَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ وَأَطْعَمُونِي وَسَقَوْنِي وَأَكْرَمُونِي أَحْسَنَ إِكْرَامٍ. (١٤) رُبَّانُ السَّفِينَةِ وَلَمْ يَزَلِ الْمَرْكَبُ سَائِرًا بِنَا حَتَّى بَلَغْنَا بَلَدًا كَبِيرًا، فَقَالَ لِي الرُّيَّانُ: «إِنَّ عِنْدِي بِضَاعَةً لِرَجُلٍ اسْمُهُ السِّنْدِبَادُ الْبَحْرِيُّ» كَانَ مَعَنَا ثُمَّ نَسِينَاهِ فِي جَزِيرَةٍ مَرَرْنَا بِهَا». فَتَأَمَّلْتُ الرُّبَّانَ فَعَرَفْتُهُ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي أَنَا السِّنْدِبَادُ الْبَحْرِيُّ» فَلَمْ يُصَدِّقْنِي أَوَّلَ الْأَمْرِ، وَاجْتَمَعَ التَّجَّارُ حَوْلِي وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِم التَّاجِرُ الَّذِي تَعَلَّقْتُ بِذَبِيحَتِهِ – فِي رِحْلَتِي السَّابِقَةِ الَّتِي قَصَصْتُهَا عَلَيْكُمْ - فَلَمْ يَكَدْ يُنْعِمُ النَّظَرَ فِي حَتَّى عَرَفَنِي وَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لِي مَعَهُ، فَحَدَّقَ الرُّبَّانُ نَظَرَهُ فِي فَعَرَفَنِي وَتَحَقَّقَ صِدْقَ قَوْلِي، فَعَانَقَنِي فَرِحًا مَسْرُورًا. (١٥) فِي بَغْدَادَ وَمَا زِلْنَا نَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَمِنْ جَزِيرَةٍ إِلَى جَزِيرَةٍ - وَتِجَارَتُنَا رَابِحَةٌ – حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ» ثُمَّ سَافَرْتُ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ» وَمَعِي أَمْوَالٌ لَا تُحْصَى، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَهْلِي وَأَصْحَابِي يُهَنَّثُونَنِي بِرُجُوعِي سَالِمًا وَقَدْ فَرِحُوا بِي فَرَحًا لَا يُوصَفُ. وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمَائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ وَخَرَجَ مَعَ الْحَاضِرِينَ، وَلَمَّا حَضَرُوا فِي الْيَوْمِ التَّالِي بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ رِحْلَتَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ.
الرحلة الرابعةالرحلة الرابعة
بين جماجم الموتى (۱) كَيْفَ تَحَطَّمَ الْمَرْكَبُ بَقِيتُ فِي بَغْدَادَ» هَادِئَ الْبَالِ مُنْغَمِسًا فِي اللَّهْوِ وَالتَّرَفِ مُدَةً مِنَ الزَّمَنِ نَسِيتُ فِيهَا مَا قَاسَيْتُهُ مِنَ الشَّدَائِدِ فِي أَسْفَارِي السَّابِقَةِ وَتَطَلَّعَتْ نَفْسِي لِلسَّفَرِ – مَرَّةً أُخْرَى – طَمَعًا فِيمَا يَجُرُّهُ مِنَ الْكَسْبِ. فَلَم أَتَرَدَّدْ فِي إِمْضَاءِ هَذِهِ الْعَزِيمَةِ، وَاشْتَرَيْتُ بِضَاعَةً وَحُمُولًا كَثِيرَةً، وَسَافَرْتُ مِنْ مَدِينَةِ بَغْدَادَ إِلَى مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ» حَيْثُ اسْتَأْجَرْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّجَّارِ مَرْكَبًا شِرَاعِيًّا كَبِيرًا سَارَ بِنَا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالْأُمُورُ عَلَى مَا يُرَامُ، وَلَمْ نَزَلْ نَتَّجِرُ وَنَبِيعُ وَنَشْتَرِي فِي كُلِّ مَكَانٍ حَلَلْنَا بِهِ حَتَّى هَبَّتْ عَلَيْنَا عَاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ حَطَّمَتِ الْمَرْكَبَ وَمَزَّقَتْ شِرَاعَهُ تَمْزِيقًا. فَغَرِقَ كُلُّ مَا مَعَنَا مِنَ الْبَضَائِعِ كَمَا غَرِقَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسَافِرِينَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ التَّجَّارِ سَابِحِينَ فِي الْبَحْرِ نِصْفَ نَهَارٍ ، ثُمَّ ظَفِرْنَا بِلَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ فَرَكِبْنَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ سَائِرًا بِنَا بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْعَاصِفَةُ وَطَابَتِ الرِّيحِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ قَذَفَتْنَا الْأَمْوَاجُ إِلَى شَاطِئِ جَزِيرَةٍ وَنَحْنُ كَالْمَوْتَى مِمَّا كَابَدْنَاهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ. (۲) جَزِيرَةُ الْغِيلَانِ وَمَشَيْنَا فِي الْجَزِيرَةِ فَوَجَدْنَا كَثِيرًا مِنَ النَّبَاتِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْعُشْبِ وَالْمَاءِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ نِمْنَا طُولَ اللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ النَّهَارُ اسْتَأْنَفْنَا السَّيْرَ فِي الْجَزِيرَةِ فَلَاحَ لَنَا قَصْرٌ عَالٍ فَقَصَدْنَا إِلَيْهِ، وَلَمَّا بَلَغْنَاهُ خَرَجَ عَلَيْنَا نَفَرٌ مِنَ الْمُتَوَحِّشِينَ وَهُمْ حُفَاةُ الْأَقْدَامِ عُرَاةُ الْأَجْسَامِ وَمَا كَادُوا يُبْصِرُونَنَا حَتَّى قَبَضُوا عَلَيْنَا، وَسَارُوا بِنَا إِلَى مَلِكِهِمْ فَأَمَرَنَا بِالْجِلُوسِ فَأَطَعْنَا، ثُمَّ أَحْضَرَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ أَصْحَابِي وَعَافَتْهُ نَفْسِي فَلَمْ آكُلْ مِنْهُ شَيْئًا – وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ حَظِّي - فَإِنَّ أَصْحَابِي لَمْ يَنْتَهُوا مِنْ أَكْلَتِهِمْ هَذِهِ حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ أَمَارَاتُ الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ، فَأَسِفْتُ لِذَلِكَ أَشَدَّ الْأَسَفِ وَأَدْرَكْتُ أَنَّ مَا أَكَلُوهُ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ سَبَبُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ النُّهُولِ. وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةَ الْغِيلَانِ مَعَ كُلِّ مَنْ يَرْمِيهِمْ سُوءُ الْحَظِّ وَنَكَدُ الطَّالِعِ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، إِذْ يُقَدِّمُونَ إِلَيْهِمْ هَذَا الطَّعَامَ الْعَجِيبَ فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِشَرَةٍ وَيُصِيبُهُمُ النُّهُولُ، وَلَا يَزَالُونَ يَأْكُلُونَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَسْمَنُوا فَيَأْكُلَهُمُ الْغِيلَانُ، وَلَمَّا تَكَشَفَتْ لِي هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فَزِعْتُ فَزَعًا شَدِيدًا وَامْتَنَعْتُ عَنْ أَكْلِ طَعَامِهِمْ مُكْتَفِيًا بِمَا كُنْتُ أَقْتَاتُهُ مِنَ الْأَعْشَابِ، فَأَصَابَنِي هُزَالٌ شَدِيدٌ جَعَلَهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيَّ وَلَا يُعْنَوْنَ بِمُرَاقَبَتِي، وَكَانَ يَخْرُجُ بِأَصْحَابِي - كُلَّ يَوْمٍ - وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْغِيلَانِ يَرْعَاهُمْ كَمَا تُرْعَى الْغَنَمُ. (۳) هَرَبُ السِّنْدِبَادِ مِنَ الْغِيلَانِ وَسَنَحَتْ لِي الْفُرْصَةُ - ذَاتَ يَوْمٍ - فَهَرَبْتُ مِنَ الرَّاعِي، وَمَا زِلْتُ أَجْرِي – بِكُلِّ قُوَّتِي - حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيْلُ، فَنِمْتُ قَلِيلًا ثُمَّ أَصَابَنِي الْأَرَقُ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْخَوْفِ، فَاسْتَأْنَفْتُ السَّيْرَ وَمَا زِلْتُ سَائِرًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَأَنَا أَكُلُ مِمَّا أَلْقَاهُ فِي طَرِيقِي مِنَ النَّارَجِيلِ «الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ» - الَّذِي كَانَ غِذَائِي وَشَرَابِي مَعًا - وَكُنْتُ أَسِيرُ بِالنَّهَارِ وَأَنَامُ بِاللَّيْلِ. (٤) عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَلَمَّا بَلَغْتُ شَاطِئَ الْبَحْرِ رَأَيْتُ جَمَاعَةً يَجْمَعُونَ حَبَّ الْفُلْفُلِ، وَمَا كَادَ يَقَعُ بَصَرُهُم عَلَيَّ حَتَّى بَدَءُونِي بِالتَّحِيَّةِ وَسَأَلُونِي - بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟». فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لِي مَعَ الْغِيلانِ فَهَنَّأُونِي بِالسَّلَامَةِ وَقَدَّمُوا لِي طَعَامًا شَهِيًّا فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ. (٥) فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ وَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَى مَلِكِهِمْ أَخْبَرْتُهُ بِقِصَّتِي فَعَجِبَ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَأَكْرَمَنِي وَآوَانِي عِنْدَهُ، وَخَرَجْتُ - فِي الْيَوْمِ التَّالي - إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَأَيْتُهَا مَدِينَةً عَظِيمَةً مُزْدَحِمَةَ الْأَسْوَاقِ. (٦) سُرُوجُ الْخَيْلِ وَلَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَهْلَهَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ بِلاَ سَرْجِ وَلَا لِجَامٍ - لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ - فَذَهَبْتُ إِلَى الْمَلِكِ وَأَبْدَيْتُ لَهُ دَهْشَتِي مِمَّا رَأَيْتُ، فَقَالَ لِي: «إِنَّكَ تُحَدِّثْنِي عَنْ شَيْءٍ لَا أَعْرِفُهُ وَلَم أَرَهُ فِي حَيَاتِي قَطُّ، وَطَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أَصْنَعَ لِفَرَسِهِ سَرْجًا وَلِجَامًا فَجَمَعْتُ بَعْضَ الْعُمَّالِ الْأَذْكِياءِ، وَرَسَمْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُلاَئِمُ حِرْفَتَهُ مِنَ الْعَمَلِ حَتَّى تَمَّ السَرْجُ فَحَلَّيْتُهُ بِطِرَازٍ ذَهَبِيٌّ نَفِيسٍ، وَأَرْشَدْتُ الْحَدَّادَ إِلَى طَرِيقَةِ صُنْعِ الرِّكَابِ وَالرِّجَامِ فَلَمَّا أَتَمَّ صُنْعَهُمَا ذَهَبْتُ إِلَى الْمَلِكِ - وَمَعِي سَرْجٌ وَلِجَامٌ وَرِكَابٌ - وَذَكَرْتُ لَهُ فَائِدَةَ كُلٌّ مِنْهَا فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ فَرَسِهِ فَأَسْرَجْتُهَا وَأَلْجَمْتُهَا ، ثُمَّ رَكِبَهَا الْمَلِكُ فَسُرَّ مِنْ ذَلِكَ سُرُورًا عَظِيمًا وَشَكَرَ لِي هَذِهِ الْهَدِيَّةَ النَّفِيسَةَ، وَكَافَأَنِي عَلَيْهَا أَحْسَنَ مُكَافَأَةٍ. ثُمَّ طَلَبَ إِلَيَّ أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ أَنْ أَصْنَعَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَغَمَرُونِي بِهَدَايَاهُمُ النَّفِيسَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. (۷) زَوَاجُ السِّنْدِبَادِ وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ قَالَ لِي الْمَلِكُ: «إِنَّنِي وَجَمِيعَ حَاشِيَتِي نُحِبُّكَ يَا سِنْدِبَادُ حُبًّا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَنُرِيدُ أَنْ تَبْقَى مَعَنَا طُولَ عُمْرِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَزْوِيجِكَ حَتَّى لَا تُفَارِقَنَا، وَقَدْ تَخَيَّرْتُ لَكَ فَتَاةً جَمِيلَةً غَنِيَّةً لِتَتَزَوَّجَ مِنْهَا، فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ؟» فَلَمْ أَسْتَطِعْ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ، وَرَضِيتُ بِالزَّوَاجِ مِنْ تِلْكَ الْفَتَاةِ – وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَأَدَبِ – فَعِشْنَا مَعًا عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَهْدَا بَالٍ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ – فِي كُلِّ يَوْمٍ - أَتَرَقَّبُ الْفُرَصَ لِلسَّفَرِ إِلَى بَلَدِي فِي أَوَّلِ سَفِينَةٍ تَمُرُّ بِهَذِهِ الْجَزِيرَةِ. (۸) دَفْنُ الْأَحْيَاءِ مَعَ الْأَمْوَاتِ وَحَدَثَ - فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ - مَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ ، فَقَدْ مَاتَتْ زَوْجَةٌ جَارِي وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ الْأَصْدِقَاءِ إِلَيَّ، فَلَمَّا ذَهَبْتُ أُعَنِّيهِ وَجَدْتُهُ فِي حَالٍ لَا تُوصَفُ – مِنْ شِدَّةِ الْجَزَعِ وَالْغَمِّ – فَقُلْتُ لَهُ: «تَشَجَّعْ يَا أَخِي وَلَا تَحْزَنْ». وَدَعَوْتُ لَهُ بِطُولِ الْبَقَاءِ، فَقَالَ لِي مُتَحَسِّرًا: « كَيْفَ يَطُولُ بَقَائِي وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْهَلَاكِ إِلَّا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ» فَقُلْتُ لَهُ: «لَا بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ، وَسَيُطِيلُ اللهُ عُمْرَكَ وَتَنْسَى مُصَابَكَ هَذَا، وَيَكُونُ آخِرَ مَكْرُومٍ يَلْحَقُكَ !» فَقَالَ لِي: «أَمَّا طُولُ الْعُمْرِ فَلَيْسَ لِي فِيهِ مَطْمَعُ، لِأَنَّني سَأُدْفَنُ مَعَ زَوْجَتِي حَيًّا – بَعْدَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ - وَقَدْ وَدَّعْتُ أَهْلِي وَأَصْدِقَائِي جَمِيعًا!» فَدَهِشْتُ مِنْ قَوْلِهِ أَشَدَّ دَهْشَةٍ، وَسَأَلْتُهُ مُتَعَجِّبًا: «وَكَيْفَ تُدْفَنُ مَعَ زَوْجَتِكَ وَأَنْتَ حَيٌّ؟»، فَقَالَ لِي: «إِنَّ شَرِيعَةَ بِلَادِنَا تُحَتِّمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ تَمُوتُ زَوْجَتُهُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَهَا حَيًّا، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ يَمُوتُ زَوْجُهَا أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُ كَذَلِكَ؟» فَزَادَتْ دَهْشَتِي، وَسَأَلْتُهُ: «أَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ أَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ القَاسِيَةَ؟» فَأَجَابَنِي يَائِسًا: «ذَلِكَ مُحَالٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَانُونَ يَسْرِي عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ كُلِّهِمْ، مِنَ الْمَلِكِ إِلَى أَصْغَرِ فَرْدٍ فِي الرَّعِيَّةِ.» وَلَمْ يَكَدْ يَفْرُغُ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ حَوْلَهُ أَهْلُهُ وَعَارِفُوهُ، فَوَضَعُوا زَوْجَتَهُ فِي النَّعْشِ وَوَضَعُوا مَعَهَا كُلَّ حُلَاهَا، وَسَارُوا بِهِمَا إِلَى جُبِّ بَعِيدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَكَشَفُوا غِطَاءَهُ وَهُوَ صَخْرَةٌ كَبِيرَةٌ - وَأَلْقُوا بِالزَّوْجَةِ فِيهِ، ثُمَّ رَبَطُوا زَوْجَهَا بِحِبَالٍ طَوِيلَةٍ وَوَدَّعُوهُ، وَوَضَعُوا - إِلى جَانِبِهِ - قُلَّةَ مَاءٍ وَسَبْعَةَ أَرْغِفَةٍ، وَلَمَّا أَنْزَلُوهُ فِي الْجُبِّ أَعَادُوا غِطَاءَهُ وَرَجَعُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا؟ (۹) الشَّكْوَى إِلَى الْمَلِكِ وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَصِفَ لَكُمْ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْجَزَعِ وَالْخَوْفِ مِمَّا رَأَيْتُ، وَلَقَدْ أَسْرَعْتُ بِالذَّهَابِ إِلَى مَلِكِ الْجَزِيرَةِ فَشَكَوْتُ لَهُ هَذِهِ الْعَادَةَ السَّيِّئَةَ الَّتِي لَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، فَقَالَ لِي مُبْتَسِمًا: «هَذِهِ هِيَ شَرِيعَةُ بِلَادِنَا ، وَهِيَ سَارِيَةٌ عَلَيَّ وَعَلَى جَمِيعِ رَعِيَّتِي فَإِذَا مَاتَتِ الْمَلِكَةُ قَبْلِي دُفِنْتُ مَعَهَا ، وَإِذَا مِتُّ قَبْلَهَا دُفِنَتْ مَعِي؟» فَزَادَ عَجَبِي مِنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ: «وَهَلْ يَسْرِي هَذَا الْقَانُونُ الْقَاسِي عَلَى الْغُرَبَاءِ أَيْضًا؟» فَأَجَابَنِي: «نَعَمْ، فَهُوَ يَسْرِي عَلَى كُلِّ مَنْ تَزَوَّجَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَيَّا كَانَ جِنْسُهُ!» فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ مَهْمُومًا ، وَصِرْتُ أَجْزَعُ كُلَّمَا لَحِقَ زَوْجَتِي أَقَلُّ أَذًى، وَأَخْشَى عَلَيْهَا كُلَّمَا مَرِضَتْ، وَكُنْتُ إِذَا جُرِحَتْ إِصْبَعُهَا بِتُّ طُولَ اللَّيْلِ سَاهِرًا خَشْيَةَ أَنْ تَمُوتَ. (۱۰) وَفَاةٌ زَوْجَةِ السِّنْدِبَادِ وَكَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى زَوْجَتِي زَمَنْ يَسِيرٌ حَتَّى مَرِضَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَقَعَ عَلَيَّ هَذَا الْحَادِثُ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ، وَذَكَرْتُ أَنَّ كُلَّ مَوْتَةٍ تَعَرَّضْتُ لَهَا وَنَجَوْتُ مِنْهَا فِي رِحْلَاتِي السَّابِقَةِ كَانَتْ أَهْوَنَ عَلَى نَفْسِي مِنْ أَنْ أُدْفَنَ حَيًّا. وَجَاءُوا فَكَفَّنُوا زَوْجَتِي فِي أَبْهَى أَثْوَابِهَا وَوَضَعُوا مَعَهَا كُلَّ حُلِيّهَا، وَسِرْتُ خَلْفَهَا وَمَعِي كِبَارُ الدَّوْلَةِ وَأَعْيَانُ الْمَدِينَةِ يَتَقَدَّمُهُمُ الْمَلِكُ نَفْسُهُ حَتَّى بَلَغْنَا ذَلِكَ الْجُبَّ الْمَشْئُومَ، فَكَشَفُوا غِطَاءَهُ وَأَنْزَلُوا زَوْجَتِي فِيهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ الْمَلِكُ وَالْأَعْيَانُ يُوَدِّعُونَنِي، فَصَرَخْتُ بَاكِيًا مِنْ هَوْلِ مَا أَنَا قَادِمٌ عَلَيْهِ، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا - طَمَعًا فِي أَنْ يُطْلِقُوا سَرَاحِي – فَلَمْ يُصْغِ أَحَدٌ إِلَى كَلَامِي. (۱۱) بَيْنَ جَمَاجِمِ الْمَوْتَى ثُمَّ أَنْزَلُونِي إِلَى الْجُبِّ قَسْرًا وَأَنْزَلُوا مَعِي قُلَّةَ مَاءٍ وَسَبْعَةَ أَرْغِفَةٍ، وَأَعَادُوا غِطَاءَ الْجُبِّ ثَانِيَةً وَانْصَرَفُوا. وَبَقِيتُ وَحْدِي فِي ظُلْمَةِ هَذَا الْجُبِّ - بَيْنَ جَمَاجِمِ الْمَوْتَى – مُتَرَقِّبًا سَاعَتِيَ الْأَخِيرَةَ بَيْنَ يَوْمٍ وَآخَرَ. وَلَاحَ لِي فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ الْمُظْلِمَةِ بَصِيصٌ ضَئِيلٌ مِنَ النُّورِ فَرَأَيْتُ حَوْلِي أَكْدَاسًا مِنْ عِظَامِ الْمَوْتَى وَجَمَاجِمِهِمْ ، فَازْدَادَ رُعْبِي وَأَخَذْتُ أَلُومُ نَفْسِي عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمَشْئُومَةِ وَنَدِمْتُ عَلَى مَا فَعَلْتُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ ، ثُمَّ رَضِيتُ بِقَضَاءِ اللهِ وَجَعَلْتُ أَقْتَصِدُ فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ حَتَّى لَا يَنْفَدَ مَا مَعِي مِنَ الطَّعَامِ فِي زَمَنِ قَلِيلٍ، وَلَكِنَّنِي - بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ - اسْتَنْفَدْتُ زَادِي كُلَّهُ وَأَيْقَنْتُ حِينَئِذٍ بِالْهَلَاكِ. وَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ كُشِفَ غِطَاءُ الْجُبِّ وَنَزَلَ فِيهِ رَجُلٌ مَيِّتٌ وَزَوْجَتُهُ - وَمَعَهَا الْأَرْغِفَةُ السَّبْعَةُ وَقُلَّةُ الْمَاءِ - ثُمَّ أَعَادُوا غِطَاءَ الْجُبِّ ثَانِيَةً، وَمَا كَادَتِ الْمَرْأَةُ تَسْتَقِرُّ فِي الْجُبِّ بَعْدَ أَنْ أَعَادُوا غِطَاءَهُ ثَانِيَةً حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ، فَأَخَذْتُ مَا مَعَهَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ فَكُنْتُ أَكُلُ مِنْهُ وَأَشْرَبُ مُقْتَصِدًا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، وَبَقِيتُ أَتَرَقَّبُ كُلَّ مَنْ يَدْفِنُونَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَمُوتُونَ مِنَ الرُّعْبِ فَأَخُذُ زَادَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الزَّمَنُ وَسَئِمْتُ الْحَيَاةَ فِي هَذَا الْجُبِّ الْمُظْلِمِ. (۱۲) النَّجَاةُ مِنَ الْجُبِّ وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ رَأَيْتُ – لِحُسْنِ حَظِّي - شَبَحًا يَدْنُو مِنِّي فَلَمْ أَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ لِظُلْمَةِ الْمَكَانِ، وَلَكِنَّنِي أَحْسَسْتُ أَنْفَاسَهُ عَنْ قُرْبٍ فَقُمْتُ خَائِفًا مَذْعُورًا، فَفَزِعَ مِنِّي ذَلِكَ الشَّبَحُ وَعَادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى، فَتَبِعْتُهُ لِأَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ، فَرَأَيْتُهُ يَتَسَلَّلُ مِنْ مَنْفَذٍ صَغِيرٍ فِي آخِرِ الْحُفْرَةِ، فَلَاحَ لِي أَمَلٌ كَبِيرٌ فِي النَّجَاةِ، وَبَذَلْتُ جُهْدِي فِي تَوْسِيعِ هَذَا الْمَنْفَذِ حَتَّى تَمَّ لِي ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ مِنْهُ، فَرَأَيْتُنِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا لَا يُوصَفُ، ثُمَّ عُدْتُ إلى الْجُبِّ فَجَمَعْتُ كُلَّ مَا قَدَرْتُ عَلَى جَمْعِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ الَّتِي دَفَنُوهَا مَعَ الْمَوْتَى، وَوَضَعْتُهَا فِي أَثْوَابِهِمْ وَأَكْفَانِهِمْ، وَبَقِيتُ أَذْهَبُ إِلَى الْجُبِّ كُلَّ يَوْمٍ فَأَحْمِلُ مِنْهُ مَا أَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ مِنْ كُنُوزٍ وَنَفَائِسَ ثُمَّ أَعُودُ إِلى شَاطِئِ الْبَحْرِ مُتَرَقِّبًا قُدُومَ أَيِّ مَرْكَبٍ يَحْمِلُنِي إِلى بَلَدِي أَوْ يُبْعِدُنِي عَنْ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الْمَشْئُومَةِ. (۱۳) مَرْكَبُ النَّجَاةِ وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ - بَيْنَمَا أَنَا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ - إِذْ لَاحَ لِي مَرْكَبٌ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ أَكَدْ أَرَاهُ حَتَّى نَهَضْتُ قَائِمًا وَأَخَذْتُ أُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِي وَأُشِيرُ لِمَنْ فِيهِ بِيَدِي، وَأَمْسَكْتُ بِقِطْعَة مِنَ الثَّيَابِ فَلَوَّحْتُ لَهُمْ بِهَا، حَتَّى فَطِنُوا إِلَيَّ، فَحَوَّلُوا مَرْكَبَهُمْ إِلَى الشَّاطِئِ حَتَّى بَلَغُوهُ، فَبَدَأْتُهُمْ بِالسَّلَامِ فَرَدُّوا عَلَيَّ أَحْسَنَ رَدٌ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُونِي مَعَهُمْ، فَلَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي ذَلِكَ، وَسَأَلُونِي عَنْ قِصَّتِي فَخَشِيتُ أَنْ أُخْبِرَهُمْ بِالْحَقِيقَةِ كُلِّهَا لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فَتَسُوءَ الْعَاقِبَةُ، وَقُلْتُ لَهُمْ: «أَنَا تَاجِرٌ وَقَدْ غَرِقَ مَرْكَبِي فَنَجَوْتُ بِهَذِهِ الثَّيَابِ عَلَى لَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ حَمَلَنِي إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ!» (١٤) الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ وَعَرَضْتُ عَلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ هَدِيَّةً نَفِيسَةً – مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى صَنِيعِهِ – فَرَفَضَ وَقَالَ لي: «أَنَا لَا أَخُذُ عَلَى مَعْرُوفٍ أَجْرًا وَلَا جَزَاءً فَشَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّ الشُّكْرِ! وَعَلِمْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ إِلى «الْبَصْرَةِ» فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلِ الْمَرْكَبُ سَائِرًا بِنَا مِنَ جَزِيرَةٍ إِلى جَزِيرَةٍ وَمِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ، وَهُمْ يُطْعِمُونَنِي مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَا يَبْخَلُونَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مِمَّا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ» فَأَقَمْتُ بِهَا أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ». فَفَرِحَ بِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي فَرَحًا لَا يُوصَفُ وَهَنَّأُونِي بِالسَّلَامَةِ، وَوَهَبْتُ الْفُقَرَاءَ كَثِيرًا مِنْ مَالِي وَعَزَمْتُ عَلَى تَرْكِ الْأَسْفَارِ بَعْدَ مَا لَقِيتُهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ وَالشَّدَائِدِ. وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمَائَةِ دِينَارٍ فَأَخَذَهَا شَاكِرًا وَانْصَرَفَ هُوَ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ. وَلَمَّا جَاءُوا فِي الْغَدِ بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ فِي رِحْلَتِهِ الْخَامِسَةِ فَقَالَ.
الرحلة الخامسةالرحلة الخامسة
«۱» شيخ البحر «۲» مدينة القرود (۱) جَزِيرَةُ الرُّحْ لَمْ يَكْفِنِي مَا رَكِبْتُهُ مِنَ الْأَخْطَارِ، وَلَمْ يَثْنِ عَزِيمَتِي مَا لَقِيتُهُ مِنَ الْمَخَاوِفِ فِي أَسْفَارِي السَّابِقَةِ، فَقَدْ نَسِيتُ ذَلِكَ كُلَّهُ - بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ – وَرَغِبَتْ نَفْسِي فِي السَّفَرِ وَالاتِّجَارِ، فَأَعْدَدْتُ كُلَّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي رِحْلَتِي مِنْ بِضَاعَةٍ وَمَتْجَرٍ، وَلَمْ أَسْتَأْجِرْ مَرْكَبًا فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ - كَمَا فَعَلْتُ فِي أَسْفَارِي السَّابِقَةِ - بَلِ اشْتَرَيْتُ مَرْكَبًا جَدِيدًا لِيَذْهَبَ بِي إِلَى حَيْثُ أُرِيدُ، وَسَافَرَ مَعِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ التُّجَّارِ. ثُمَّ أَبْحَرَ بِنَا الْمَرْكَبُ مِنْ مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ» وَكَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً وَالْأُمُورُ عَلَى أَحْسَنِ مَا يُرَامُ، وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ فِي الْبَحْرِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى رَسَا الْمَرْكَبُ عَلَى جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ مُقْفِرَةٍ مِنَ النَّاسِ اسْمُهَا جَزِيرَةُ الرُّخٌ، فَخَطَرَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ بِهَا لِنُرَوِّحَ عَنْ أَنْفُسِنَا مَتَاعِبَ السَّفَرِ وَلَمْ نَكَدْ نَمْشِي فِيهَا قَلِيلًا حَتَّى لَاحَتْ لَنَا بَيْضَةُ رُخٌ كَبِيرَةٌ فِي حَجْمِ تِلْكَ الْبَيْضَةِ الَّتِي وَصَفْتُهَا لَكُمْ فِي رِحْلَتِي الثَّانِيَةِ! (۲) فَرْخُ الرُّخٌ وَكَانَتْ عَلَى وَشْكِ أَنْ تُفْرِخَ ، فَقَدْ أَطَلَّ فَرْخُ الرُّخٌ بِمِنْقَارِهِ مِنْهَا، وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهُ رِفَاقِي حَتَّى انْدَفَعُوا إِلَى الْبَيْضَةِ يَكْسِرُونَهَا بِمَعَاوِلِهِمْ وَفُوسِهِمْ وَأَنَا أَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَأُحَذِّرُهُمْ وَخَامَةَ الْعَاقِبَةِ، وَهُمْ لَا يُصْغُونَ إِلى نُصْحِي وَلَا يَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا . وَمَا زَالُوا بِهَا حَتَّى حَطَّمُوهَا تَحْطِيمًا وَقَتَلُوا الْفَرْخَ وَأَخَذُوا شَيْئًا مِنْ لَحْمِهِ يَشْوُونَهُ عَلَى النَّارِ، حَتَّى إِذَا تَمَّ لَهُمْ ذَلِكَ أَكَلُوهُ ؟ (۳) طَائِرَا الرُّحْ وَمَا كَادُوا يَنْتَهُونَ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ الْمَشْئُومَةِ حَتَّى أَظْلَمَ الْجِقُّ وَحَجَبَ عَنَّا ضَوْءَ الشَّمْسِ طَائِرَانِ كَبِيرَانِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمَا طَائِرَا الرُّخٌ، وَأَدْرَكَ الرُّبَّانُ الْخَطَرَ الْمُحَدِقَ بِنَا فَصَاحَ: «أَسْرِعُوا إِلَى الْمَرْكَبِ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ بِكُمْ غَضَبُهُمَا وَنَقْمَتُهُمَا، فَجَرَيْنَا إِلَى الْمَرْكَبِ مُسْرِعِينَ، وَأَرْخَيْنَا شِرَاعَهُ فَسَارَ بِنَا بِأَقْصَى سُرْعَةٍ. (٤) انْتِقَامُ الرُّحْ وَكَانَ طَائِرَا الرُّخٌ قَدْ وَصَلَا إِلَى بَيْضَتِهِمَا فَرَأَيَا مَا حَلَّ بِوَلِيدِهِمَا فَصَاحَا مِنَ الْجَزَعِ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ سَارَ بِنَا الْمَرْكَبُ حَتَّى غَابَا عَنْ أَبْصَارِنَا فَحَسِبْنَا أَنَّنَا قَدْ أَصْبَحْنَا بِمَأْمَنٍ مِنْ شَرِّهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا عَادَا إِلَيْنَا - بَعْدَ قَلِيلٍ - وَفِي مِخْلَبَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَسْرَعَتْ أُنْثَى الرُّخٌ فَأَلْقَتِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْمِلُهَا عَلَى مَرْكَبِنَا، وَكَانَ رُبَّانُنَا ذَكِيًّا مَاهِرًا فَأَدَارَ فِي الْحَالِ سُكَانَ الْمَرْكَبِ، فَانْحَرَفَ عَنِ الصَّخْرَةِ فَهَوَتْ إِلَى الْبَحْرِ وَشَقَّتِ الْمَاءَ نِصْفَيْنِ كِدْنَا نُبْصِرُ مِنْ خِلَالِهِمَا قَرَارَهُ. (٥) تَحْطِيمُ الْمَرْكَبِ وَلَمْ نَكَدْ نَفْرَحُ بِزَوَالِ هَذَا الْخَطَرِ عَنَّا، حَتَّى أَلْقَى طَيْرُ الرُّخٌ صَخْرَتَهُ عَلَى مَرْكَبِنَا، فَأَصَابَتْ جَانِبَهُ وَهَشْمَتْهُ تَهْشِيمًا، فَهَوَى الْمَرْكَبُ إِلى جَوْفِ الْبَحْرِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالنَّاسِ وَكِدْتُ أَغْرَقُ فِيمَنْ غَرِقَ لَوْلَا أَنَّنِي وَجَدْتُ لَوْحًا مِنَ الْخَشَبِ قَرِيبًا مِنِّي، فَتَعَلَّقْتُ بِهِ لِلْحَالِ. (٦) جَزِيرَةُ شَيْخِ الْبَحْرِ وَمَا زَالَ اللَّوْحُ سَائِرًا بِي فِي عُرْضِ الْبَحْرِ ، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ أَيْنَ يَسِيرُ بِي حَتَّى قَذَفَتْنِيَ الْأَمْوَاجُ - لِحُسْنِ حَظِّي - إِلَى جَزِيرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَكَانَ شَاطِتُهَا مُرْتَفِعًا كَثِيرَ الصُّخُورِ وَالْحِجَارَةِ، فَتَمَكَّنْتُ مِنَ الصُّعُودِ إِلَيْهِ - بَعْدَ عَنَاءٍ شَدِيدٍ - وَمَا كِدْتُ أَبْلُغُهُ حَتَّى ارْتَمَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ مَنْهُوكَ الْقُوَى، وَلَمَّا أَفَقْتُ بَدَأْتُ أَمْشِي فِي الْجَزِيرَةِ فَرَأَيْتُهَا جَنَّةَ كَثِيرَةَ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، فَأَكَلْتُ مِنْ فَاكِهَتِهَا اللَّذِينَةِ وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا الْعَذْبِ، وَجَلَسْتُ تَحْتَ ظِلُّ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ أَتَنَسَّمُ الْهَوَاءَ اللَّطِيفَ وَأُرَوِّحُ عَنْ نَفْسِي مَا لَقِيتُهُ مِنْ عَنَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ، فَنِمْتُ نَوْمًا هَادِئًا إِلَى الصَّبَاحِ. وَقُمْتُ فِي الْيَومِ التَّالِي وَقَدْ عَادَ إِلَيَّ نَشَاطِي فَأَخَذْتُ أَمْشِي فِي الْجَزِيرَةِ. (۷) شَيْخُ الْبَحْرِ وَلَاحَ لِي شَبَحٌ مِنْ بَعِيدٍ، فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ ، فَإِذَا بِهِ شَيْخٌ كَبِيرٌ تَبْدُو عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْهَرَمِ وَضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ وَكَانَ جَالِسًا عَلَى نَهْرٍ فَحَسِبْتُهُ مِمَّنْ رَمَاهُمْ سُوءُ الْحَظِّ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، وَقُلْتُ لَعَلَّ سَفِينَتَهُ غَرِقَتْ كَمَا غَرِقَتْ سَفِينَتِي، وَرَمَاهُ الْمَوْجُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ كَمَا رَمَانِي. فَبَدَأْتُهُ بِالتَّحِيَّةِ - وَأَنَا فَرِحٌ بِلِقَائِهِ - فَهَنَّ لِي رَأْسَه رَدًّا عَلَى تَحِيَّتِي. فَسَأَلْتُهُ: «مَاذا يَصْنَعُ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَى ظَهْرِي إِلَى شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّهْرِ لِيَقْطِفَ مِنْهَا بَعْضَ الْفَاكِهَةِ، فَأَخَذَتْنِي الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ - لِضَعْفِهِ وَكِبَرِ سِنِّهِ – وَحَمَلْتَهُ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى أَخَذَ مَا شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ فَاكِهَةٍ، وَانْحَنَيْتُ لِأُنْزِلَهُ بِرِفْقٍ فَلَمْ يَنْزِلْ. إِنَّنِي كُلَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الشَّيْخَ لَا أَمْلِكُ نَفْسِي مِنَ الضَّحِكِ، فَقَدْ خُدِعْتُ فِيهِ، إِذْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ شَيْخًا ضَعِيفًا فَانِيًا، ثُمَّ بَدَتْ لِي حَقِيقَةُ أَمْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ قَوِيًّا شَدِيدَ الْقَسْوَةِ. فَقَدْ قَفَزَ عَلَى كَتِفَيَّ، وَلَفَّ سَاقَيْهِ عَلَى عُنُقِي بِقُوَّةٍ حَتَّى كِدْتُ أَخْتَنِقُ، وَأُغْمِيَ عَلَيَّ فَهَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَلَمَّا أَفَقْتُ وَجَدْتُ هَذَا الْعَدُوَّ الْقَاسِيَ لَا يَزَالُ عَلَى كَتِفَيَّ وَقَدْ فَرَجَ سَاقَيْهِ قَلِيلًا بِمِقْدَارِ مَا يُمَكِّنُنِي مِنَ التَّنَفْسِ، وَلَمَّا رَآنِي قَدْ أَفَقْتُ ضَرَبَنِي بِسَاقَيْهِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَةً فَلَمْ أَسْتَطِعِ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ، وَسِرْتُ إِلَى حَيْثُ أَشَارَ، وَمَا زَالَ يَأْكُلُ مَا يَحْلُو لَهُ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَالثَّمَرِ طُولَ الْيَوْمِ وَجُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى ضَعُفَتْ قُوَايَ فَارْتَمَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ – وَأَنَا بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ - لِشِدَّةِ مَا لَحِقَني مِنَ التَّعَبِ فَفَرَجَ سَاقَيْهِ قَلِيلًا حَتَّى نِمْتُ، وَلَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ ظَلَّ يَضْرِبُنِي بِسَاقَيْهِ وَيَرْكُلُنِي بِقَدَمَيْهِ حَتَّى أَيْقَظَنِي، وَقَضَيْتُ يَوْمِي كَمَا قَضَيْتُ الْأَمْسِ مُتَأَلَّمًا أَشَدَّ الْأَلمِ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ، وَلَمْ أَزَلْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ. (۸) الانْتِقَامُ مِنْ شَيْخِ الْبَحْرِ وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ وَجَدْتُ كَثِيرًا مِنَ الْعِنَبِ النَّاضِجِ وَإِلَى جَانِبِهِ قَرْعٌ يَابِسٌ كَبِيرُ الْحَجْمِ، فَقَسَمْتُهُ أَنْصَافًا وَغَسَلْتُهُ بِالْمَاءِ بِعِنَايَةٍ تَامَّةٍ ثُمَّ وَضَعْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْعِنَبِ وَتَرَكْتُهُ فِي الشَّمْسِ عِدَّةَ أَيَّامٍ حَتَّى اخْتَمَرَ، وَشَرِبْتُ مِنْهُ قَلِيلًا فَبَدَتْ عَلَى وَجْهِي نَشْوَةُ الْفَرَحِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ الشَّيْخُ الْمَلْعُونُ أَنْ أَسْقِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَصِيرِ، فَلَمْ أَتَرَدَّدْ فِي تَلْبِيَةِ طَلَبِهِ، وَمَا زَالَ يَشْرَبُ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ وَارْتَخَتْ سَاقَاهُ، فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى الْأَرْضِ وَأَخَذْتُ حَجَرًا كَبِيرًا فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقُوَّةٍ فَقَتَلْتُهُ لِلْحَالِ. وَفَرِحْتُ بِهَذَا الْفَوْزِ فَرَحًا لَا يُوصَفُ. (۹) فِي انْتِظَارِ الْفَرَجِ وَمَكَثْتُ عِدَّةَ أَيَّامٍ وَأَنَا أَتَرَدَّدُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ مُرْتَقِبًا سَفِينَةً تَمُرُّ بِي حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ لِي بِالْخَلَاصِ مِنْ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي لَا أَنِيسَ فِيهَا، فَلَاحَتْ لِي سَفِينَةٌ كَبِيرَةٌ، وَرَأَيْتُهَا تَقْتَرِبُ مِنْ الْجَزِيرَةِ فَأَثَرْتُ إِلَى مَنْ فِيهَا فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ وَبَدَأُونِي بِالتَّحِيَّةِ، فَرَدَدْتُهَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ رَبِّ، وَسَأَلُونِي عَنْ قِصَّتِي فَأَخْبَرْتُهُمْ بِكُلِّ مَا حَدَثَ لِي فَعَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَقَالَ لِي أَحَدُهُمْ: «لَقَدْ وَقَعْتَ فِي قَبْضَةِ شَيْخِ الْبَحْرِ ، وَلَوْلَا عِنَايَةُ اللهِ وَلُطْفُهُ بِكَ لَمَا نَجَوْتَ مِنْهُ» وَكَانَتْ هَذِهِ الْجَزِيرَةُ مَشْهُورَةً عِنْدَ التُّجَّارِ بِأَنَّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهَا لَا تُكْتَبُ لَهُ السَّلَامَةُ. (۱۰) مَدِينَةُ الْقُرُودِ وَمَكَثْنَا مُدَّةً قَصِيرَةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ أَقْلَعَتْ بِنَا السَّفِينَةُ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ رُبَّانِهَا عِنَايَةً كَبِيرَةً، وَلَمْ نَزَلْ سَائِرِينَ فِي الْبَحْرِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَدِينَةٍ جَمِيلَةٍ سَأَلْتُ الرُّبَّانَ عَنِ اسْمِهَا فَأَخْبَرَنِي أَنَّهَا مَدِينَةُ الْقُرُودِ، وَقَدْ أَعْطَانِي أَحَدُ رِفَاقِي مِخْلَاةً كَبِيرَةً، وَكَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِي مِخْلَاةٌ مِثْلُهَا، وَسَارُوا - وَأَنَا مَعَهُمْ - فَمَلَأَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِخْلَاتَهُ بِالْحِجَارَةِ وَفَعَلْتُ فِعْلَهُمْ، وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ حَتَّى بَلَغْنَا غَابَةً كَبِيرَةً مَمْلُوءَةً بِشَجَرِ النَّارَجِيلِ «الْجَوْزِ الْهِنْدِي» وَعَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقِرَدَةِ، فَأَخَذَ التُّجَّارُ يَرْجِمُونَهَا بِالْحِجَارَةِ - وَاقْتَدَيْتُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ - فَرَأَيْتُ الْقِرَدَةَ قَدْ اهْتَاجَتْ وَغَاظَهَا مِنَّا صَنِيعُنَا بِهَا، فَأَخَذَتْ تَرْمِينَا بِالنَّارَجِيلِ - وَنَحْنُ نَجْمَعُهُ - حَتَّى مَلَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مِخْلَاتَهُ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى السَّفِينَةِ، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبْنَا جَمِيعًا إِلَى الْغَابَةِ وَصَنَعْنَا مَا صَنَعْنَاهُ بِالْأَمْسِ. وَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَمَعْنَا مِقْدَارًا كَبِيرًا مِنَ النَّارَجِيلِ، ثُمَّ أَبْحَرَتْ بِنَا السَّفِينَةُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى بَلَدٍ كَبِيرٍ فَبِعْنَا فِيهِ مَا مَعَنَا مِنَ النَّارَجِيلِ بِأَغْلَى ثَمَنٍ وَاشْتَرَيْنَا بِثَمَنِهِ كَثِيرًا مِنَ التَّوَابِلِ وَخَشَبِ الصَّنْدَلِ. (۱۱) غَوَّاصُو اللُّؤْلُؤ وَمَا زِلْنَا نَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ وَنَتَّجِرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ نَحُلُّ بِهِ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى بَلَدٍ كَبِيرٍ حَيْثُ رَأَيْنَا غَوَّاصِي اللُّؤْلُؤِ يَغُوصُونَ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ رَغْبَةً فِي الْحُصُولِ عَلَيْهِ، فَطَلَبْتُ إِلَى أَحَدِ الْغَوَّاصِينَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى قَرَارِ الْبَحْرِ وَيَجْمَعَ لِي مَا يُصِيبُهُ مِنَ اللُّؤْلُةِ وَأَعْطَيْتُهُ أَجْرَهُ عَلَى ذَلِكَ فَفَعَلَ وَكَانَ حَظِّي سَعِيدًا فَخَرَجَ وَمَعَهُ مِنَ اللُّؤْلُةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. (۱۲) الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ وَعُدْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ» وَمَعِي مِنَ الْمَالِ وَاللُّؤْلُةِ وَخَشَبِ الصَّنْدَلِ ثَرْوَةٌ طَائِلَةٌ، ثُمَّ سَافَرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَادَ» فَلَقِيَنِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي فَرِحِينَ بِعَوْدَتِي سَالِمًا، وَتَصَدَّقْتُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَعَزَمْتُ عَلَى الْبَقَاءِ فِي بَغْدَادَ» طُولَ عُمْرِي آمِنًا مُطْمَئِنًا. وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَخَذَهَا دَاعِيًا لَهُ وَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرًا مَسْرُورًا وَخَرَجَ مَعَهُ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ، عَلَى أَنْ يَعُودُوا إِلى «السِّنْدِبَادِ» فِي الْغَدِ. وَلَمَّا حَضَرُوا فِي الْيَوْمِ التَّالِي بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ رِحْلَتَهُ السَّادِسَةَ فَقَالَ.
الرحلة السادسةالرحلة السادسة
في جَزِيرَة الهَلاكِ (۱) بَعْدَ عَامٍ لَعَلَّكُمْ تَعْجَبُونَ أَشَدَّ الْعَجَبِ حِينَ تَعْلَمُونَ أَنَّنِي لَمْ أَتُبْ عَنِ السَّفَرِ بَعْدَ مَا لَقِيتُهُ فِي أَسْفَارِي الْخَمْسَةِ مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْمَهَالِكِ، وَلَكُمُ الْعُذْرُ فِي هَذِهِ الدَّهْشَةِ، فَإِنَّنِي – أَنَا نَفْسِي - أَعْجَبُ مِثْلُكُمْ مِنْ تِلْكَ الْمُجَازَفَةِ وَلَكِنَّ قَضَاءَ اللهِ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، فَقَدْ سَوَّلَتْ نَفْسِي الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ أَنْ أَشْقَى بَعْدَ الرَّاحَةِ وَأَحْتَمِلَ مِنَ الْلآلامِ وَالْمَخَاوِفِ فَوْقَ مَا احْتَمَلْتُ مِنْ قَبْلُ. بَعْدَ أَنْ بَقِيتُ فِي بَغْدَادَ سَنَةً كَامِلَةً نَاعِمًا مُرْتَاحَ الْقَلْبِ، وَعَاوَدَنِي شَوْقٌ شَدِيدٌ إِلَى السَّفَرِ وَالاتِّجَارِ، وَبَذَلَ أَصْدِقَائِي كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِمْ مِنْ نُصْحٍ لِيَثْنُوا عَزِيمَتِي وَيُعَوِّقُونِي عَنِ السَّفَرِ فَلَمْ يُفْلِحُوا. (۲) هُبُوبُ الْعَاصِفَةِ وَلَمَّا أَعْدَدْتُ عُدَّتِي وَاشْتَرَيْتُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَضَائِعِ سَافَرْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَبْحَرْتُ وَجَمَاعَةً مِنَ التُّجَّارِ قَاصِدِينَ إِلى بِلَادِ الْهِنْدِ، وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ فِي الْبَحْرِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى هَبَّتْ عَلَيْنَا - ذَاتَ يَوْمٍ - عَاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَظَلَّتِ الْأَمْوَاجُ تَلْعَبُ بِالْمَرْكَبِ وَأَصْبَحْنَا مُهَدَّدِينَ بِالْغَرَقِ بَيْنَ سَاعَةٍ وَأُخْرَى، وَمَكَثْنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ هَدَأَتِ الْعَاصِفَةُ، بَعْدَ أَنْ ضَلَّتْ سَفِينَتُنَا وَأَصْبَحْنَا لَا نَعْرِفُ فِي أَيِّ مَكَانٍ نَحْنُ وَلَا إِلى أَيَّةِ جِهَةٍ نَقْصِدُ، وَلَاحَ لَنَا جَبَلٌ شَاهِقٌ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَلَمْ يَكَدْ يَتَبَيَّنُهُ الرُّبَّانُ حَتَّى صَرَخَ مِنَ الْجَزَعِ وَبَكَى، فَسَأَلْنَاهُ: «مَاذَا حَدَثَ ؟» فَأَجَابَنَا مُتَأثّرًا حَزِينًا: «لَقَدْ كُتِبَ عَلَيْنَا الهَلَالُ فِي هَذِهِ الرَّحْلَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ مِنَ الْمَوْتِ ، فَادْعُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِكُمْ وَلْيُوَدِّعْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ بِكُمُ الْهَلَاكُ فَإِنَّ سَفِينَتَنَا سَتَصْطَدِمُ - لَا مَحَالَةَ - بِهَذَا الْجَبَلِ الْعَالِي الَّذِي تَرَوْنَهُ ، وَلَمْ يَنْجُ مَرْكَبٌ وَصَلَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ!» وَلَمْ يَكَدْ يُتِمُّ الرُّبَّانُ قَوْلَهُ حَتَّى رَأَيْنَا الْأَمْوَاجَ تَدْفَعُ الْمَركَبَ دَفْعًا إِلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَحَاوَلْنَا أَنْ نُحَوِّلَ مَرْكَبَنَا إِلى جِهَةٍ أُخْرَى فَلَمْ نُفْلِحْ ، وَمَا زَالَتِ السَّفِينَةُ سَائِرَةً بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْجَبَلِ فَاصْطَدَمَتْ بِهِ صَدْمَةً عَنِيفَةً حَطَّمَتْهَا تَحْطِيمًا وَفَكَّكَتْ أَلْوَاحَهَا وَأَسْرَعَ كُلٌّ مِنَّا إِلى لَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ لِيَنْجُوَ بِهِ مِنَ الْغَرَق بَعْدَ أَنْ أَخَذْنَا مِنَ السَّفِينَةِ أَنْفَسَ مَا فِيهَا، وَمَا زِلْنَا مُجِدِّينَ فِي طَلَبِ الْخَلاصِ حَتَّى تَمَكَّنَّا - بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ – مِنَ الصُّعُودِ إِلَى الشَّاطِئِ حَيْثُ وَضَعْنَا مَا حَمَلْنَاهُ مِنَ الزَّادِ وَالنَّفَائِسِ ، فَقَالَ لَنَا الرُّبَّانُ: «يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْفِرَ قُبُورَنَا بِأَيْدِينَا، فَلَيْسَ لَنَا أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ مِنْ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبِ السَّلَامَةُ لأَيِّ سَفِينَةٍ وَصَلَتْ إِلَيْهَا» (۳) فِي جَزِيرَةِ الْهَلَاكِ - عِظَامُ الْمَوْتَى وَقَدْ تَبَيَّن لَنَا صِدْقُ قَوْلِهِ، فَقَدْ رَأَيْنَا أَمَامَنَا كَثِيرًا مِنْ بَقَايَا السُّفْنِ الْمُحَطَّمَةِ وَلَاحَتْ مِنَّا الْتِفَاتَةٌ فَرَأَيْنَا كَومَةً مِنْ عِظَامِ الْمَوْتَى فَعَلِمْنَا أَن مَصِيرَنَا سَيَكُونُ – بِلَا شَكٍّ – مِثْلَ مَصِيرِهم وَأَيْقَنَّا أَنَّ أَيَّامَنَا فِي الْحَيَاةِ مَعْدُودَةٌ، وَقَطَعْنَا الْأَمَلَ مِنَ النَّجَاةِ، وَكُنَّا نَرَى فِي كُلِّ مَكَانٍ - عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ - بَضَائِعَ وَذَخَائِرَ نَفِيسَةً مَطْرُوحَةً عَلَى الصُّخُورِ فَنَذْكُرُ مَصَارِعَ أَصْحَابِهَا مُتَرَقِّبِينَ اللَّحَاقَ بِهِمْ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ. وَوَجَدْنَا نَهْرًا عَلَى سَفْحِ الْجَبَلِ يَخْرُجُ مِنْ كَهْفِ مُظْلِمٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مَا وَرَاءَ هَذَا الْكَهْفِ، وَرَأَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمِةِ - كَالْمَاسِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ – مُبَعْثَرَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ فَلَمْ نَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَمَا عُنِيَ أَحَدٌ مِنَّا بِجَمْعِهَا. وَبَقِينَا يَائِسِينَ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْمُوحِشَةِ لَا أَمَلَ لَنَا فِي النَّجَاةِ لِأَنَّ كُلَّ مَرْكَبٍ نَتَرَقَّبُ وُصُولَهُ إِلَيْنَا يَكُونُ نَصِيبَهُ أَنْ يُحَطَّمَ كَمَا حُطَّمَ مَرْكَبُنَا وَيَلْقَى مَنْ فِيهِ مِثْلَ مَا لَقِينَا. وَقَدْ قَسَمَ الرُّبَّانُ مَا مَعَنَا مِنَ الزَّادِ قِسْمَةً عَادِلَةً. (٤) بَعْدَ فَرَاغِ الزَّادِ وَبَقِينَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى نَفِدَ مَا مَعَ رِفاقِي مِنَ الزَّادِ فَمَاتُوا جُوعًا – وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ - وَدَفَنْتُهُمْ جَمِيعًا وَبَقِيتُ وَحْدِي بَعْدَهُمْ أَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ، وَكُنْتُ أَقْتَصِدُ فِي طَعَامِي فَلَا أَقْتَاتُ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا أَسْتَعينُ بِهِ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى أَوْشَكَ زَادِي أَنْ يَنْفَدَ، وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الْخَاتِمَةِ الْمُحْزِنَةِ وَأَلُومُ نَفْسِي عَلَى هَذِهِ الرَّحْلَةِ الْمَشْئُومَةِ. (٥) الأَمَلُ بَعْدَ اليَأْسِ وَلَكِنِّي لَمْ أَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ فَمَشَيْتُ إِلَى النَّهْرِ ، وَجَعَلْتُ أُسَائِلُ نَفْسِي وَأَنَا أَتَأَمَّلُهُ: «أَيْنَ يَذْهَبُ هَذَا النَّهْرُ بَعْدَ أَنْ يَجْتَازَ الْكَهْفَ؟ إِنَّهُ لَا بُدَّ آتٍ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ آهِلٍ بِالسُّكَّانِ خَلْفَ هَذَا الْجَبَلِ الْعَالِي وَخَطَرَ لِي أَنْ أَصْنَعَ زَوْرَقًا، وَقُلْتُ لِنَفْسِي: «إِنَّنِي إِنْ بَقِيتُ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ فَأَنَا هَالِكٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِذَا رَكِبْتُ زَوْرَقًا وَهَلَكْتُ دَاخِلَ الْكَهْفِ فَلَنْ أَخْسَرَ شَيْئًا. وَأَكُونُ قَدْ بَذَلْتُ مَا فِي وُسْعِي وَلَمْ أُقَصِّرْ فِي شَيْءٍ. وَمَنْ يَدْرِي فَرُبَّمَا نَجَوْتُ مِنَ الْهَلَاكِ بِهَذِهِ الْوَسَيلَةِ». (٦) زَوْرَقُ النَّجَاةِ وَلَمْ أَتَرَدَّدْ فِي إِنْفَاذِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ الْجَرِيئَةِ فَجَمَعْتُ مِنْ أَلْوَاحِ الْخَشَبِ مَا يَكْفِي لِصُنْعِ زَوْرَقٍ صَغِيرٍ، وَلَمَّا أَتْمَمْتُهُ أَنْزَلْتُهُ إِلَى النَّهْرِ وَمَلَأْتُهُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ مِنَ الذَّخَائِرِ النَّفِيسَةِ وَالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ الْمُبَعْثَرَةِ فِي أَنْحَاءِ الْجَزِيرَةِ، وَصَنَعْتُ مِجْدَافَيْنِ صَغِيرَيْنِ، وَصَحَّتْ عَزِيمَتِي عَلَى دُخُولِ ذَلِكَ الْكَهْفِ لِمَعْرِفَةِ مَا وَرَاءَهُ. (۷) فِي ظُلْمَةِ الكَهْفِ فَرَكِبْتُ زَوْرَقِي الصَّغِيرَ وَجَعَلْتُ أُجَدِّفُ فَرَأَيْتُ الزَّوْرَقَ يَسِيرُ بِي دَاخِلَ الْكَهْفِ بِسُرْعَةٍ، وَوَجَدْتُنِي فِي ظَلَامٍ دَامِسٍ، وَبَقِيتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُدَّةً طَوِيلَةً حَسِبْتُهَا – لِهَوْلِ مَا أَنَا فِيهِ – أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، وَشَعَرْتُ بِأَنَّ الْمَكَانَ يَزْدَادُ ضِيقًا حَتَّى كَادَ زَوْرَقِي الصَّغِيرُ يَتَحَطَّمُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَصْطَدِمَ رَأْسِي بِسَقْفِ الْكَهْفِ فَاسْتَلْقَيْتُ عَلَى ظَهْرِي، ثُمَّ أَجْهَدَنِي الْجُوعُ وَالتَّعَبُ وَغَلَبَنِي النُّعَاسُ فَنِمْتُ نَوْمًا عَمِيقًا. (۸) الْخَلَاصُ مِنْ جَزِيرَةِ الْهَلَاكِ وَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ وَجَدْتُنِي قَدْ خَرَجْتُ مِنْ ظُلْمَةِ الْكَهْفِ إِلى سَهْلٍ فَسِيحٍ، وَرَأَيْتُ زَوْرَقِي مَرْبُوطًا إِلَى جَانِبِ النَّهْرِ وَحَوْلِي جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ نَظَرَاتِ الْعَطْفِ وَالدَّهْشَةِ، فَنَهَضْتُ شَاكِرًا لَهُمْ حُسْن صنِيعِهِمْ وَحَيَّيْتُهُمْ بِتحِيَّةِ الْإِخْلَاصِ وَالْمَوَدَّةِ فَرَدُّوا عَلَيَّ بكلامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَلَمْ أَكَدْ أَتَبَيَّنُ أَنَّنِي قَدْ نَجَوْتُ مِنْ جَزِيرَةِ الْهَلَاكِ حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسِي فَرَحًا فَأَنْشَدْتُ قَوْلَ الْقَائِلِ: «مَا بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتِهَا يُغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ» (۹) فِي جَزِيرَةِ سَرَنْدِيبَ وَكَانَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ فَفَهِمَ كَلَامِي وَعَرَفَ أَنَّنِي عَرَبِيٌّ فَاقْتَرَبَ مِنِّي وَقَالَ: «لَا تَعْجَبْ يَا أَخِي وَلَا تَخْشَ شَيْئًا فَأَنْتَ فِي بِلَادِنَا ، وَقَدْ رَأَيْنَاكَ نَائِمًا فِي هَذَا الزَّوْرَقِ فَخَشِينَا عَلَيْكَ الْغَرَقَ وَرَبَطْنَاهُ إِلى شَاطِئِ النَّهْرِ ، وَمَكَثْنَا حَوْلَكَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتَ مِنْ نَوْمِكَ، فَقُلْ لَنَا مِنْ أَيِّ مَكَانٍ أَتَيْتَ وَإِلى أَيِّ مَكَانٍ تَقْصِدُ؟» فَسَأَلْتُهُ: «وَأَيْنَ أَنَا الْآنَ؟» فَقَالَ لِي: «أَنْتَ فِي جَزِيرَةِ سَرَنْدِيبَ.» فَقُلْتُ لَهُ: «إِنَّنِي أَكَادُ أَهْلِكُ جُوعًا.» فَأَسْرَعَ بِإِحْضَارِ الطَّعَامِ فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي فَتَرْجَمَهَا لِأَصْحَابِهِ فَعَجِبُوا أَشَدَّ الْعَجَبِ وَقَالُوا لِي: «إِنَّ قِصَّتَكَ عَجِيبَةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِكَ مَعَنَا إِلَى الْمَلِكِ لِتَقُصَّهَا عَلَيْهِ». (١٠) فِي حَضْرَةِ مَلِكِ سَرَنْدِيبَ وَأَرْكَبُونِي جَوَادًا وَحَمَلُوا زَوْرَقِي - بِمَا فِيهِ - عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَلَمْ نَزَلْ سَائِرِينَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمَّا مَثَلْتُ بينَ يَدَيِ الْمَلِكِ حَيَّيْتُهُ فَهَشَّ لِلقَائِي وَرَدَّ عَلَيَّ التَّحِيَّةَ أَحْسَنَ رَدٌ وَسَأَلَنِي عَنِ اسْمِي فَقُلْتُ لَهُ: اسْمِي السِّنْدِبَادُ وَيَدْعُونِي النَّاسُ بِاسْمِ السِّنْدِبَادِ الْبَحْرِيِّ لِكَثْرَةِ أَسْفَارِي وَرُكُوبِي الْبِحَارَ.» فَسَأَلَنِي الْمَلِكُ: «وَكَيْفَ وَصَلْتَ إِلَى هُنَا؟» فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي وَلَمْ أَكْتُمْ عَنْهُ شَيْئًا، فَدَهِشَ الْمَلِكُ لِذَلِكَ أَشَدَّ دَهْشَةٍ، وَفَرِحَ بِنَجَاتِي وَأَمَرَ أَنْ تُكْتَبَ قِصَّتِي بِمِدَادٍ مِنَ الذَّهَبِ لِغَرَابَتِهَا وَلِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ. ثُمَّ رَأَى الْمَلِكُ مَا فِي الزَّوْرَقِ مِنْ كُنُورٍ وَنَفَائِسَ، وَنَظَرَ إِلَى مَا يَحْوِيهِ مِنَ الْمَرْجَانِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْمَاسِ وَهُوَ مُكَدَّسٌ أَكْدَاسًا فَوَجَدَهُ أَثْمَنَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ، وَأَبْدَى دَهْشَتَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُعْجَبًا بِتِلْكَ الْكُنُونِ الَّتِي لَا تُقَوَّمُ بِثَمَنٍ عَرَضْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَقُلْتُ لَهُ: «إِنَّنِي وَجَمِيعَ مَا أَمْلِكُ طَوْعُ أَمْرِكَ.» فَأَجَابَنِي مُبْتَسِمًا: «كَلاً يَا سِنْدبَادُ ، إِنَّ كُنُوزَكَ مِلْكٌ لَكَ لَا يُنَازِعُكَ فِيهَا أَحَدٌ، وَلَسْتُ طَامِعًا فِيهَا، وَلَنْ آخُذَ مِنْهَا شَيْئًا بَلْ أَزِيدُهَا لَكَ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَمَتَّعَكَ بِهَا!» فَشَكَرْتُهُ عَلَى ذَلِكَ شُكْرًا جَزِيلًا. (۱۱) فِي ضِيَافَةِ مَلِكِ سَرَنْدِيبَ وَأَعَدَّ لِي الْمَلِكُ مَنْزِلًا مِنْ أَفْخَمِ مَنَازِلِهِ وَنَقَلَ إِلَيْهِ كُنُوزِي وَذَخَائِرِي وَهَيَّأَ لِي كُلَّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عَبِيدٍ وَخَدَمٍ وَغَمَرَنِي بِكَرَمِهِ وَعَطْفِهِ، وَهُوَ مَلِكٌ عَادِلٌ تُحِبُّهُ الرَّعِيَّةُ وَتُخْلِصُ لَهُ إِخْلَاصًا شَدِيدًا، وَمِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَرْكَبَ الْفِيلَ فِي مَوْكِبٍ حَافِلٍ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ الْعَامَّةِ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي يَوْمٌ دُونَ أَنْ أَزُورَهُ وَأُكَرِّرَ لَهُ الشِّكْرَ عَلَى هَذِهِ الْعِنَايَةِ الْعَظِيمَةِ، ثُمَّ أَخْرُجَ إِلى الْمَدِينَةِ فَأَرَى فِيهَا غَرَائِبَ وَأَعَاجِيبَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهَا لَكُمْ لِكَثْرَتِهَا. (۱۲) عَجَائِبٌ سَرَنْدِيبَ وَمِمَّا أَذْكُرُهُ لَكُمْ مِنْ عَجَائِبِهَا - عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ - أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فِيهَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الطُّولِ دَائِمًا بِسَبَبٍ وُقُوعِها عَلَى خَطَّ الاسْتِوَاءِ، وَأَنَّ فِيهَا جَبَلًا مِنْ أَعْلَى جِبَالِ الدُّنْيَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَصْعَدُ إِلى قِمَّتِهِ أَحْيَانًا لِأُمَتِّعَ نَفْسِي بِجَمَالِ الطَّبِيعَةِ الْفَاتِنِ كَمَا كُنْتُ أَذْهَبُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ إِلى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَأَرَى الْغَوَّاصِينَ يَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ! (۱۳) كِتَابُ الْمَلِكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَمَكَثْتُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الْجَمِيلَةِ عِدَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اشْتَاقَتْ نَفْسِي إِلى رُؤْيَةِ وَطَنِي وَالْعَوْدَةِ إِلى بِلَادِي، فَاسْتَأْذَنْتُ الْمَلِكَ فِي السَّفَرِ فَتَفَضَّلَ عَلَيَّ بِالْإِذْنِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ لِي بِكَثِيرٍ مِنَ الْهَدَايَا الْغَالِيَةِ. وَلَمَّا جَاءَ يَوْمُ السَّفَرِ وَدَّعَنِي وَحَمَّلَنِي كِتَابًا رَقِيقًا إِلَى الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَهَدَايَا نَفِيسَةً لَا تُقَوَّمُ بِثَمَنٍ. (١٤) الْعَوْدَةُ إِلَى بَغْدَادَ ثُمَّ أَبْحَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ إِلَى بِلَادِي، وَلَمْ تَزَلْ سَائِرَةً أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ» حَيْثُ سَافَرْتُ إِلَى بَغْدَادَ فَقَابَلَنِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي أَحْسَنَ مُقَابَلَةٍ، وَتَصَدَّقْتُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَجْزَلْتُ لَهُمُ الْعَطَاءَ وَعَزَمْتُ عَلَى تَرْكِ السَّفَرِ وَالْبَقَاءِ فِي بَغْدَادَ» طُولَ عُمْرِي حَتَّى لَا أُعَرِّضَ نَفْسِي لِلْأَخْطَارِ وَالْمَخَاوِفِ بَعْدَ مَا نَجَوْتُ مِنْهَا. (١٥) فِي حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلى الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فَمَثَلْتُ بِينَ يَدَيْهِ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي وَقَدَّمْتُ لَهُ مَا أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مَلِكُ سَرَنْدِيبَ مِنَ الْهَدَايَا النَّفِيسَةِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا شَدِيدًا. وَقَرَأَ كِتَابَ الْمَلِكِ فَرَآهُ يَفِيضُ بِالرِّقَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، فَشَكَرَنِي عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَ لِي بِجَائِزَةٍ حَسَنَةٍ وَشَمَلَنِي بِعَطْفِهِ وَحُبِّهِ. وَلَمَّا فَرَغَ «السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَخَذَهَا مِنْهُ شَاكِرًا وَانْصَرَفَ مَعَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ. وَلَمَّا حَضَرُوا فِي الْيَوْمِ التَّالِي أَخَذَ «السِّنْدِبَادُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ رِحْلَتَهُ السَّابِعَةَ فَقَالَ.
الرحلة السابعةالرحلة السابعة
مع الأفيال (۱) تَوْبَةُ السِّنْدِبَادِ عَنِ السَّفَرِ عَزَمْتُ - بَعْدَ أَنْ عُدْتُ مِنْ رِحْلَتِي السَّادِسَةِ - عَلَى تَرْكِ الْأَسْفَارِ بَعْدَ مَا لَقِيتُهُ فِيهَا مِنَ المخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ الَّتِي تَشِيبُ مِنْ هَوْلِهَا الْوِلْدَانُ. وَعَاهَدْتُ نَفْسِي عَهْدًا وَثِيقًا أَنْ أَقْضِيَ الْبَقِيَّةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ عُمْرِي فِي رَاحَةٍ وَطْمَأْنِينَةٍ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ شَيْخًا كَبِيرَ السِّنِ، وَكَرِهَتْ نَفْسِي الْغُرْبَةَ وَالسَّفَرَ وَشَعَرْتُ بِمَيْلٍ شَدِيدٍ إِلَى الرَّاحَةِ فَتُبْتُ عَنِ السَّفَرِ تَوْبَةً صَادِقَةً وَصَحٌ عَزْمِي عَلَى الْبَقَاءِ فِي بَغْدَادَ نَاعِمًا هَادِئَ الْبَالِ لَا يُعَكِّرُ صَفْوِي أَيُّ كَدَرٍ. (۲) نَقْضُ التَّوْبَةِ تَمَنَّيْتُ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنِّي دَوَاعِي السَّفَرِ وَالْاغْتِرَابِ، وَلَكِنْ مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ، فَقَدْ عَرَضَ لِي مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ إِذْ جَاءَنِي رَسُولٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ» يَسْتَدْعِينِي إِلَى مُقَابَلَتِهِ - وَكُنْتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَالِسًا بَيْنَ أَصْدِقَائِي مُطْمَئِنَّ الْبَالِ – فَلَمْ أَتَرَدَّدْ فِي تَلْبِيَةِ الْأَمْرِ. (۳) فِي حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ وَلَمَّا مَثَلْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ حَيَّيْتُهُ فَرَحَّبَ بِقُدُومِي ثُمَّ قَالَ لِي: «لَقَدِ اخْتَرْتُكَ يَا سِنْدِبَادُ - دُونَ سِوَاكَ مِنَ النَّاسِ - لِتَذْهَبَ إِلَى مَلِكِ سَرَنْدِيبَ» وَتَحْمِلَ إِلَيْهِ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ وَتُبَلِّغَهُ سَلَامِي وَتَحِيَّاتِي فَوَقَعَ عَلَيَّ هَذَا الْخَبَرُ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ، وَقُلْتُ لَهُ: «أَنَا عَبْدُكَ الْخَاضِعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَعْصِيَ لَكَ أَمْرًا، وَلَكِنَّنِي أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تُعْفِيَنِي مِنَ الْقِيَامِ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَدْ تُبْتُ عَنِ السَّفَرِ تَوْبَةً صَادِقَةً وَأَقْسَمْتُ أَلَّا أُفَارِقَ بَلَدِي، وَقَدْ أَصْبَحْتُ الْآنَ شَيْخًا كَبِيرَ السِّنِّ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى السَّفَرِ وَمَتَاعِبِهِ!» ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي فِي أَسْفَارِي السَّابِقَةِ مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْمَخَاوِفِ فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ وَقَالَ لِي: حَقًّا إِنَّ قِصَّتَكَ هَذِهِ مِنْ أَعْجَبِ مَا سَمِعْتُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ بِمَا أَرَدْتُ، وَلَسْتُ أُكَلِّفُكَ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى مَلِكِ «سَرَنْدِيبَ وَتَحْمِلَ إِلَيْهِ هَدِيَّتِي وَتَحِيَّتِي ثُمَّ تَعُودَ إِلَيْنَا سَالِمًا آمِنًا، فَلَيْسَ مِنَ الْمُرُوعَةِ أَنْ يَبْدَأَنِي بِالْوُدِّ وَالْإِخْلَاصِ فَلَا أُجِيبُهُ بِمَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ مِنَ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ؟» (٤) السَّفَرُ إِلَى جَزِيرَةِ سَرَنْدِيبَ فَلَمْ أَسْتَطِعْ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ، وَأَجَبْتُهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا وَمَنَحَنِي أَلْفَ دِينَارٍ – مُكَافَأَةً لِي عَلَى ذَلِكَ - ثُمَّ أَمَرَ لِي بِمَالٍ كَثِيرٍ - فَوْقَ مَا أَعْطَانِي – لِأُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الرَّحْلَةِ. فَسَافَرْتُ بِهَدِيَّتِهِ وَكِتَابِهِ إِلى جَزِيرَةِ سَرَنْدِيبَ» وَطَابَتْ لَنَا الرِّيحُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَيْهَا سَالِمِينَ. (٥) فِي حَضْرَةِ مَلِكِ سَرَنْدِيبَ وَلَمْ أَكَدْ أَذْهَبُ إِلَى مَلِكِ سَرَنْدِيبَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيَّ وَفَرحَ بِقُدُومِي فَرَحًا شَدِيدًا وَقَالَ لِي: «لَقَدْ كُنْتُ فِي شَوْقٍ شَدِيدٍ إِلَيْكَ يَا سِنْدِبَادُ، وَكُنْتُ كَثِيرًا مَا أُثْنِي عَلَيْكَ وَأُعْجَبُ بِصِدْقِ عَزِيمَتِكَ.» فَشَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ الْخَلِيفَةِ وَهَدِيَّتَهُ فَسُرَّ بِهِمَا سُرُورًا عَظِيمًا، وَمَكَثْتُ فِي ضِيَافَتِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي الْعَوْدَةِ إِلى بَلَدِي فَأَسِفَ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْأَسَفِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِي السَّفَرِ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيمٍ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِي، وَأَهْدَانِي شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ النَّفَائِسِ وَالتُّحَفِ فَقَبِلْتُهَا شَاكِرًا، ثُمَّ وَدَّعْتُهُ وَأَنَا آسِفٌ عَلَى فِرَاقِهِ. (٦) لُصُوصُ الْبَحْرِ وَرَأَيْتُ إِحْدَى السُّفْنِ ذَاهِبَةً إِلى «الْبَصْرَةِ» فَنَزَلْتُ إِلَيْهَا وَسَارَتْ بِنَا فِي الْبَحْرِ وَكَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً وَالْأُمُورُ عَلَى مَا يُرَامُ فَبَقِينَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ نَلْهُو وَنَلْعَبُ وَنُغَنِّي فَرِحِينَ بِقُرْبِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْوَطَنِ، وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ فَاجَأَنَا لُصُوصُ الْبَحْرِ فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ قَاوَمَهُمْ شَرَّ قِتْلَةٍ وَسَلَبُوا مَا مَعَنَا مِنْ ثَرْوَةٍ وَمَتَاعٍ وَأَسَرُوا مَنْ بَقِيَ مِنَّا وَوَقَعْتُ فِي قَبْضَتِهِمْ أَسِيرًا، ثُمَّ ذهَبُوا بِمَرْكَبِنَا إِلى جَزِيرَةٍ بَعِيدَةٍ فَبَاعُونَا فِيهَا بَيْعَ الْعَبِيدِ، فَاشْتَرَانِي تَاجِرٌ غَنِيٌّ وَأَطْعَمَنِي وَكَسَانِي وَآوَانِي عِنْدَهُ، ثُمَّ سَأَلَني بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ عَمَّا أُحْسِنُهُ مِنَ الْعَمَلِ فَقُلْتُ لَهُ: «أَنَا تَاجِرٌ غَنِيٌّ لَا أُحْسِنُ عَمَلًا غَيْرَ التِّجَارَةِ وَقَدْ وَقَعْتُ فِي قَبْضَةِ لُصُوصِ الْبَحْرِ أَسِيرًا.» فَقَالَ لِي: «أَلَمْ تَتَعَلَّمِ الصَّيْدَ؟» فَأَجَبْتُهُ: «لَقَدْ تَعَلَّمْتُهُ فِي صِبَايَ، وَفِي قُدْرَتِي أَنْ أُحْسِنَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الْمَرَانَةِ.» (۷) صَيْدُ الْفِيلِ فَأَعْطَانِي قَوْسًا وَنِبَالًا وَأَرْكَبَنِي مَعَهُ فِيلًا، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى غَابَةٍ بَعِيدَةٍ وَقَالَ لِي: «إِنَّ هَذِهِ الْغَابَةَ مَمْلُوعَةٌ بِالْفِيَلَةِ، وَكُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ أَنْ تَخْتَبِئَ فِي بَعْضِ الْأَشْجَارِ الْعَالِيَةِ وَمَعَكَ قَوْسُكَ وَنِبَالُكَ فَإِذَا اصْطَدْتَ فِيلًا عُدْتَ إِلَيَّ لِتُخْبَرَنِي بِذَلِكَ.» ثُمَّ رَجَعَ مِنْ حَيْثُ أَتَى وَتَرَكَنِي وَحْدِي، فَصَعِدْتُ إِلَى شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ وَبَقِيتُ عَلَيْهَا طُولَ اللَّيْلِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ رَأَيْتُ قَطِيعًا مِنَ الْفِيَلَةِ يَقْتَرِبُ فَأَطْلَقْتُ سِهَامِي عَلَى أَحَدِهَا فَقَتَلَتْهُ وَهَرَبَ بَاقِي الْفِيَلَةِ، فَذَهَبْتُ إِلَى سَيِّدِي وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَعَلْتُ فَسُرَّ بِذَلِكَ وَشَكَرَنِي شُكْرًا جَزِيلًا وَعَادَ مَعِي إِلَى الْغَابَةِ فَحَفَرْنَا حُفْرَةً كَبِيرَةً وَارَيْنَا فِيهَا جُنَّةَ الْفِيلِ حَتَّى إِذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَنْ طَوِيلٌ عَادَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ عِظَامَهُ لِيَبِيعَهَا بِأَغْلَى ثَمَنٍ. (۸) مَعَ الْأَفْيَالِ وَمَا زِلْتُ أَصْطَادُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِيلًا وَأَدْفِنُهُ حَتَّى مَضَى عَلَيَّ شَهْرَانِ، وَكُنْتُ أَتَنَقَّلُ مِنْ شَجَرَةٍ إِلَى أُخْرَى حَتَّى لَا تَفْطَنَ الْفِيَلَةُ إِلَى مَكَانِي، وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ رَأَيْتُ قَطِيعًا مِنْهَا مُسْرِعًا إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي كُنْتُ فَوْقَهَا. فَتَوَقَّعْتُ الشَّرَّ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَتِ الْأَفْيَالُ فَأَحَاطَتْ بِالشَّجَرَةِ وَجَعَلَتْ تُحَرِّكُ خَرَاطِيمَهَا بِعُنْفٍ وَشِدَّةٍ - وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيَّ وَتُحَدِّقُ فِيَّ - فَامْتَلَأَ قَلْبِي رُعْبًا وَسَقَطَ الْقَوْسُ وَالنَّبَالُ مِنْ يَدِي. وَجَاءَ فِيلٌ كَبِيرٌ فَلَفَّ خُرْطُومَهُ عَلَى جِذْعِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كُنْتُ فَوْقَهَا. وَجَذَبَهَا إِلَيْهِ جَذْبَةً قَوِيَّةً. فَاقْتَلَعَهَا مِنْ جِذُورِهَا وَهَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ. وَاقْتَرَبَ الْفِيلُ مِنِّي فَرَفَعَنِي بِخُرْطُومِهِ وَأَجْلَسَنِي عَلَى ظَهْرِهِ وَأَنَا بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ مِنْ شِدَّةِ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْخَوْفِ. ثُمَّ سَارَ بِي وَمِنْ خَلْفِهِ الْأَفْيَالُ الْأُخْرَى إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ حَيْثُ وَقَفَ وَأَنْزَلَنِي إِلَى الْأَرْضِ وَعَادَتِ الْفِيَلَةُ دُونَ أَنْ تَمَسَّنِي بِأَنَّى، فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّنِي حَالِمٌ، وَكِدْتُ لَا أُصَدِّقُ مَا أَرَاهُ. (۹) مَقْبَرَةُ الْفِيَلَةِ وَنَظَرْتُ فِيمَا حَوْلِي فَرَأَيْتُ كَوْمَةً مِنْ عِظَامِ الْأَفْيَالِ وأَنْيَابِهَا فَأَدْرَكْتُ أَنَّهَا لَمْ تُحْضِرْنِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا لِأَكُفَّ عَنْ قَتْلِهَا. وَكَأَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّنِي لَا أَقْتُلُهَا إِلَّا بُغْيَةَ الْحُصُولِ عَلَى الْعَاجِ فَجَاءَتْ بِي إِلَى هَذِهِ الْمَقْبَرَةِ لِأَحْمِلَ مِنْهُ مَا أَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ. وَعُدْتُ مُسْرِعًا إِلَى سَيِّدِي فَلَمْ يَكَدْ يَرَانِي حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيَّ يُهَتِّثْنِي بِالسَّلَامَةِ وَقَالَ: «لَقَدْ مَرَرْتُ بِالْغَابَةِ الْيَوْمَ فَرَأَيْتُ قَوْسَكَ وَنِبَالَكَ مُلْقَاةً عَلَى الْأَرْضِ إِلَى جَانِبِ شَجَرَةٍ مُقْتَلَعَةٍ مِنْ جُذُورِهَا فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْأَفْيَالَ قَتَلَتْكَ كَمَا قَتَلَتْ غَيْرَكَ مِنْ عَبِيدِنَا مِنْ قَبْلِ. فَكَيْفَ نَجَوْتَ؟» فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا حَدَثَ لِي فَعَجِبَ وَسَارَ مَعِي حَتَّى رَأَى صِدْقَ مَا قُلْتُهُ. (۱۰) خَلَاصُ السِّنْدِبَادِ مِنَ الْأَسْرِ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا وَشَكَرَنِي عَلَى ذَكَائِي كُلَّ الشَّكْرِ، وَقَالَ لِي: «لَقَدْ هَدَيْتَنِي إِلَى طَرِيقِ ثَرْوَةٍ طَائِلَةٍ لَمْ أَكُنْ لِأَحْلُمَ بِهَا مِنْ قَبْلُ. وَقَدْ أَعْتَقْتُكَ وَجَعَلْتُكَ حُرًّا». فَشَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ وَفَرِحْتُ بِخَلَاصِي مِنَ الْأَسْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى وَطَنِي فَأَعْطَانِي مَالًا كَثِيرًا وَهَدَايَا نَفِيسَةً. وَمِقْدَارًا وَافِرًا مِنَ الْعَاجِ بِعْتُهُ - فِيمَا بَعْدُ – بِأَغْلَى ثَمَنٍ. (۱۱) الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ ثُمَّ نَزَلْتُ إِلَى مَرْكَبٍ كَانَ مُسَافِرًا إِلَى الْبَصْرَةِ» فَسَارَ فِي الْبَحْرِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَلَدٍ كَبِيرٍ. فَأَسْرَعْتُ بِالنُّزُولِ وَأَنَا أَحْمَدُ اللهَ عَلَى سَلَامَتِي مِنَ الْبَحْرِ، وَذَهَبْتُ مَعَ قَافِلَةٍ كَانَتْ سَائِرَةً إِلَى بَغْدَادَ» وَمَا زِلْنَا سَائِرِينَ فِي الْبَرِّ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَيْهَا. (۱۲) فِي بَغْدَادَ وَلَمْ أَكَدْ أَدْخُلُ بَغْدَادَ حَتَّى قَابَلَنِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي فَرِحِينَ بِعَوْدَتِي سَالِمًا. وَلَمَّا ذَهَبْتُ إلى الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ» قَابَلَنِي أَحْسَنَ مُقَابَلَةٍ وَفَرِحَ بِقُدُومِي أَشَدَّ الْفَرَحِ وَقَالَ لِي: «لَقَدْ أَقْلَقَنِي غِيَابُكَ وَخَشِيتُ عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَكَ سُوءٌ، فَمَاذَا عَوَّقَكَ؟» فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ وَأَمَرَ أَنْ تُكْتَبَ قِصَّتِي بِمِدَادٍ مِنْ ذَهَبٍ لِتَكُونَ عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ قَرَأَهَا ، وَكَافَأَنِي أَجْزَلَ مُكَافَأَةٍ فَعُدْتُ مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرًا. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا فِي بَغْدَادَ أَنْعَمُ بَيْنَ أَهْلِي وَأَصْحَابِي بَعِيدًا عَنِ الْأَسْفَارِ آمِنًا مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ.
خاتمة القصةخَاتِمَةُ الْقِصَةِ
وَلَمَّا انْتَهَى السِّنْدِبَادُ مِنْ كَلَامِهِ، الْتَفَتَ إِلَى الْهِنْدِبَادِ الْحَمَّالِ وَقَالَ لَهُ: «وَالآنَ مَا رَأَيْكَ أيُّهَا الصَّدِيقُ ؟ هَلْ سَمِعْتَ فِي حَيَاتِكَ أَغْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ؟ وَهَلْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِمِثْلِ مَا تَعَرَّضْتُ لَهُ مِنَ الْمَهَالِكِ وَالْأَخْطَارِ ؟ أَلَيْسَ مِنْ حَقّي - بَعْدَ كُلِّ مَا لَقِيتُهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ والأهوال - أَنْ أَقْضِيَ البَقِيَّةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ عُمْرِي هَادِئًا مُطْمَئِنَّا؟» فَقَامَ إِلَيْهِ الْهِنْدِبَادُ الْحَمَّالُ وَقَبَّلَ يَدَهُ - فِي احْتِرَامٍ وأَدَبِ – ثُمَّ قَالَ لَهُ: «الْحَقُّ أَنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ أَغْرَبَ مِنْ قِصَّتِكَ ، ولَسْتُ أَرَى أَحَدًا أَجْدَرَ مِنْكَ بِالسَّعَادَةِ لِأَنَّكَ أَدْرَكْتَهَا بِجِدِّكَ وَاجْتِهَادِكَ، وَلَيْسَتْ مَتَاعِبِي الَّتِي أَحْتَمِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مَذْكُورًا إِذَا قِيسَتْ إِلَى رِحْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ رِحْلَاتِكَ الْعَجِيبَةِ وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ: «مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الْأَهْوَالَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ» وَقَدْ حَلَّاكَ اللَّهُ بِصِفَاتٍ نَادِرَةٍ، فَأَنْتَ - فَضْلًا عَنْ شَجَاعَتِكَ وَجُرْأَتِكَ - مُحْسِنٌ بَارٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَيْسَ لِي مَا أُكَافِتُكَ بِهِ - بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ – إِلَّا الدُّعَاءَ لَكَ، بَارَكَ اللهُ فِيكَ وَأَطَالَ عُمْرَكَ وَمَتَّعَكَ بِثَرْوَتِكَ وَصِحَّتَكَ». فَهُشَّ لَهُ السِّنْدِبَادُ» وقَرَّبَهُ إِلَيْهِ ومَنَحَهُ مِائَةَ دِينَارٍ أُخْرَى، وطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ كُلَّ يَوْمٍ. واتخَذَهُ «السِّنْدِبَادُ صَاحِبًا لَهُ فَأَغْنَاهُ بَعْدَ فَقْرِهِ، وأَصْبَحَ الْهِنْدِبَادُ» – مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ - مِنْ خِيرَةِ أَصْفِيَاءِ «السِّنْدِبَادِ» وَنُدَمَائِهِ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.