قاهر الجبابرة


الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(۱) سُلَيْمَانُ الْحَطَّابُ
كَانَ «سُلَيْمَانُ الْحَطَّابُ»: بَطَلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ يَعِيشُ فِي كُوحٍ صَغِيرٍ.
كَانَ يُحِيطُ بِكُوخِهِ الصَّغِيرِ مَرْجٌ نَضِيرٌ. كَانَ الْكُوخُ الصَّغِيرُ وَالْمَرْجُ النَّضِيرُ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْ غَابَةٍ كَثِيفَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالْأَشْجَارِ.
كَانَ «سُلَيْمَانُ الْحَطَّابُ» لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَقَرَةً وَحِمَارًا، وَبِضْعَ وَزَاتٍ وَبَطَّاتٍ، وَقَلِيلًا مِنَ الْخِرْفَانِ وَالنَّعْجَاتِ.
كَانَ الْحَطَّابُ وَزَوْجَتُهُ يَعِيشَانِ فِي هَنَاءٍ وَرَغَدٍ، لَا يُعَكِّرُ صَفْوَهُمَا أَحَدٌ.
(۲) الْعِمْلَاقُ الشَّرِسُ
بَعْدَ أَعْوَامٍ قَلِيلَةٍ، تَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ: جَفَّ مَاءُ النَّهْرِ. أَجْدَبَتِ الْحُقُولُ. تَعَرَّتِ الْأَشْجَارُ مِنَ الثَّمَارِ وَالْغُصُونِ. لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ نَبَاتٌ.
كَانَ سَبَبَ الْمَصَائِبِ وَمَصْدَرَ النَّكْبَاتِ، عِمْلَاقٌ جَبَّارٌ، هَائِلُ الحَجمِ طُوَّالٌ (مُفْرِطُ الطُّولِ)، يَجْمَعُ بَيْنَ الشَّرَاسَةِ وَالْقُوَّةِ.
وَفَدَ الْعِمْلَاقُ مِنَ الْغَابَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ الْآمِنَةِ. أَقَامَ بِالْقَرْيَةِ عِدَّةَ أَشْهُرٍ جَلَبَ عَلَى الْقَرْيَةِ ضُرُوبًا مِنَ الشَّقَاءِ وَالْخَرَابِ. أَكَلَ الْعِمْلَاقُ كُلَّ مَا يَحْوِي الْمَرْجُ النَّضِيرُ، مِنْ نَبَاتٍ وَثَمَرٍ.
أَتَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَم يُبْقِ وَلَمْ يَذَرْ.
هَكَذَا اسْتَطَاعَ الْجَبَّارُ الشَّرِسُ أَنْ يُشْقِيَ الْبَلَدَ الْآمِنَ، وَيُنَفِّصَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْرَةِ السَّعِيدَةِ حَيَاتَهَا، بَعْدَ أَنْ حَوَّلَ أَشْجَارَ الْقَرْيَةِ حَطَبًا، وَبَدَّلَهَا مِنْ رَخَائِهَا جَدْبًا، وَمِنْ أَمْنِهَا رُعْبًا.
لَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ.
إِنَّ الْبِلَادَ تَسْعَدُ وَتَشْقَى، كَمَا يَسْعَدُ سَاكِنُوهَا وَيَشْقَوْنَ.
كَذَلِكَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ: مِنْهُمْ مَنْ يَجْلِبُ السَّعَادَةَ حَيْثُمَا حَلَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْشُرُ الْبُؤْسَ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَيُشِيعُ الْفَاقَةَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَجُرُّ عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا كَوَارِثَ الْمِحْنَةِ وَالْبَلَاءِ، وَفَوَاجِعَ التَّعَاسَةِ وَالشَّقَاءِ.
(۳) الْجَبَلُ الْآدَمِيُّ
كَانَ النَّاسُ يُطْلِقُونَ عَلَى الْعِمْلَاقِ الْجَبَّارِ لَقَبَ «جَبَّارِ الْجَبَابِرَةِ».
كَانَ الْعِمْلَاقُ أَشْبَهَ بِالنَّخْلَةِ الْعَالِيَةِ.
كَانَ – عَلَى طُولِ قَامَتِهِ، وَارْتِفَاعِ هَامَتِهِ – أَصْفَرَ اللَّوْنِ، قَبِيحَ الصُّورَةِ، كَلِيلَ النَّظَرَاتِ.
كَانَ ظَمْآنَ، ظَمْآنَ دَائِمًا، ظَمْآنَ لَا يُرْوَى.
مَهْمَا يَشْرَبُ لَا يَنْطَفِئُ مِنْ جَوْفِهِ لَهَبُ الْعَطَشِ.
لَوْ شَرِبَ أَنْهَارَ الْعَالَمِ لَمْ يَبْرُدْ أُوَارُهُ، وَلَمْ يَهْدَأُ سُعَارُهُ.
كَانَ لَا يَفْتَأُ يَلْهَثْ، فَيُخْرِجَ لِسَانَهُ الْجَافَّ، وَيُمِرُّ بِهِ عَلَى شَفَتَيْهِ الظَّامِئَتَيْنِ الْمُلْتَهِبَتَيْنِ بِنَارِ الْعَطَشِ، ثُمَّ يَصِيحُ قَائِلًا: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ! أُرِيدُ أَنْ أَشْرَبَ. عَلَيَّ بِالْمَاءِ. أَيْنَ الْمَاءُ؟»
كَانَتْ هَذِهِ الصَّيْحَةُ تَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْغَابَةِ.
كَانَتِ الْأَرَائِبُ وَالْغِزْلَانُ تُذْعَرُ لِسَمَاعِ صَيْحَتِهِ. كَانَتِ الْفِيَلَةُ وَالْفُهُودُ وَالنُّمُورُ وَالْأُسُودُ تَفْزَعُ مِنْ صَيْحَتِهِ، وَتَهْرُبُ مِنْ صَرْخَتِهِ.
كَانَ إِذَا زَفَرَ أَوْ نَفَخَ، أَوْ تَحَدَّثَ أَوْ صَرَخَ، خَافَ النَّهْرُ، وَارْتَاعَتِ الْآبَارُ، وَذُعِرَتْ عُيُونُ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
كَانَتْ مَنَابِعُ الْمَاءِ كُلُّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الْجَبَّارَ لَنْ يُبْقِيَ مِنْهَا – بَعْدَ قَلِيلٍ – قَطْرَةً وَاحِدَةً لِإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ.
كَانَ دَائِمَ الْحَرَكَةِ، لَا يَسْكُنُ لَهُ بَالٌ، وَلَا يَقَرُّ لَهُ قَرَارٌ، وَلَا يَكُفُّ عَنِ السَّيْرِ لَيْلَ نَهَارَ.
كَانَ دَائِمَ الْبَحْثِ عَنِ الْمَاءِ. لَوِ اسْتَطَاعَ لَطَارَ إِلَيْهِ فِي الْهَوَاءِ، يُحَاوِلُ عَبَثًا أَنْ يَرْوِيَ ظَمَأَهُ الدَّائِمَ.
إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي نَبْعٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ بِئْرٍ، أَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَرْضِ، بَاسِطًا ذِرَاعَيْهِ، مَائِلًا بِرَأْسِهِ: يَجْرَعُ جُرْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَأْتِي عَلَى الْمَاءِ، لَا يَدَعُ مِنْهُ قَطْرَةً، وَلَا يُبْقِي مِنْهُ ذَرَّةً.
يَذْهَبُ إِلَى الْقَنَوَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَتَخَلَّلُ الْمُرُوجَ وَتُرْوِيهَا، فَيَشْتَفُّ مَا فِيهَا (يَشْرَبُهُ جَمِيعًا).
لَا يَنْتَهِي مِنَ الشَّرْبِ حَتَّى يَصْرُخَ مُتَهَدِّدًا، مُزَمْجِرًا مُتَوَعِّدًا: «ظَمْآنُ. ظَمْآنُ. وَيْلَاهُ! أُرِيدُ أَنْ أَشْرَبَ. تُرَى مَنْ يَسْقِينِي؟ أَرِيدُ أَنْ أَرْتَوِيَ. تُرَى مَنْ يُرْوِينِي؟»
(٤) حِوَارُ الزَّوْجَيْنِ
ذَاتَ لَيْلَةٍ قَالَتْ «سُعَادُ» لِزَوْجِهَا الْحَطَّابِ: «كَيْفَ نَصْبِرُ عَلَى هَذِهِ الْوَيْلَاتِ وَالْمَصَائِبِ؟ أَحْوَالُنَا تَسُوءُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمِ. الْفَقْرُ يَتَهَدَّدُنَا، وَالشَّقَاءُ يَزْدَادُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ. فِي الْعَامِ الْمَاضِي تَسَلَّفْنَا – مِنْ جَارِنَا الطَّحَّانِ – مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَاشِيَتُنَا وَدَوَاجِنُنَا مِنَ الْعَلَفِ. كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَ لَهُ دَيْنَهُ بَعْدَ عَامٍ. لَمْ نَسْتَطِعْ ذَلِكَ، وَا أَسَفَاه! هَا هُوَ ذَا الْعَامُ الْجَدِيدُ يُقْبِلُ. هَا هِيَ ذِي أَوَائِلُهُ تُنْذِرُنَا بِأَنَّهُ أَسْوَأُ مِنَ الْعَامِ الْمَاضِي وَأَشَدُّ جَدْبًا. قَلَّ الْعَلَفُ وَعَزَّ الْحُصُولُ عَلَيْهِ. أَصْبَحَ نَادِرَ الْوُجُودِ. ارْتَفَعَ ثَمَنُهُ ارْتِفَاعًا عَظِيمًا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. لَيْسَ لَدَيْنَا مَالٌ فَنَشْتَرِيَهُ. لَمْ يَبْقَ فِي قَرْيَتِنَا أَحَدٌ نَتَسَلَّفُ مِنْهُ قُوتَ مَاشِيَتِنَا فِي هَذَا الْعَامِ. لَا مَفَرَّ لَنَا مِنْ بَيْعِ الْوَزِّ وَالْبَطِّ وَالْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ، وَالنِّعَاجِ وَالْخِرْفَانِ. إِذَا لَمْ نُعَجِّلْ بِبَيْعِهَا هَلَكَتْ جُوعًا وَهَلَكْنَا مَعَهَا.»
قَالَ الْحَطَّابُ: «الْحَقُّ مَعَكِ. لَكِنْ صَبْرًا - يَا زَوْجَتِيَ الْعَزِيزَةَ - صَبْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.»
قَالَتْ سُعَادُ: «كَيْفَ يَعِيشُ أَوْلَادُنَا الْمَسَاكِينُ؟»
قَالَ الْحَطَّابُ: «كُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ فَرَجَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
لَا تَنْسَيْ أَنَّ الضَّائِقَةَ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَاهَا، كَانَ ذَلِكَ إِيذَانًا بِانْفِرَاجِهَا وَجَلَائِهَا، وَبَشِيرًا بِزَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا.
اصْبِرِي يَا عَزِيزَتِي، وَلَا تَيْأَسِي مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
اصْبِرِي يَا عَزِيزَتِي. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
مَاذَا يُجْدِينَا الْجَزَعُ وَالْهَلَعُ؟ أَيُّ فَائِدَةٍ نَجْنِيهَا إِذَا اسْتَسْلَمْنَا لِلْحُزْنِ وَالْأَلَمِ؟ لَنْ يَجْلُبَا عَلَيْنَا غَيْرَ الشَّقَاءِ وَالنَّدَمِ.
هَلْ يَنْفَعْنَا الْبُكَاءُ إِذَا بَكَيْنَا أَلْفَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ هَلْ يَجْلُبُ لَنَا حَبَّةَ شَعِيرٍ تَأْكُلُهَا دَوَابُّنَا؟ هَلْ يُنْبِتُ لَنَا سُنْبُلَةَ قَمْحٍ يَقْتَاتُ بِهَا أَوْلَادُنَا؟
لَيْسَ أَمَامَنَا غَيْرُ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.»
قَالَتْ سُعَادُ زَوْجَتُهُ: «مَاذَا أَنْتَ صَانِعُ الْآنَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ الْحَقْلُ وَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْمِنْجَلِ؟»
أَجَابَهَا الْحَطَّابُ: «لَا تَنْسَيْ أَنَّنِي كُنْتُ – إِلَى وَقْتٍ قَرِيبٍ – حَطَّابًا قَبْلَ أَنْ أَشْتَغِلَ بِالزِّرَاعَةِ وَأُعْنَى بِتَرْبِيَةِ الدَّوَاجِنِ وَالْمَاشِيَةِ.
لَا تَنْسَيْ أَنَّ الْغَابَةَ لَا تَزَالُ مِنَّا دَانِيَةً قَرِيبَةً. لَا تَنْسَيْ أَنَّ الْمِلْطَسَ (الْفَأْسَ) لَا يَزَالُ جَاهِزًا.
لَا بَأْسَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى حَيَاتِيَ الْأُولَى، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا.»
قَالَتْ زَوْجَةُ الْحَطَّابِ: «الرَّأْيُّ مَا تَرَاهُ. اصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. اخْرُجْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.»
حَمَلَ الْحَطَّابُ مِلْطَسَهُ. وَضَعَ الْحَطَّابُ كِسْرَةً مِنَ الْخُبْزِ فِي حَقِيبَتِهِ.
وَدَّعَ الْحَطَّابُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَاهُمْ بِالْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ وَالْوَزِّ وَالْبَطِّ وَالدَّجَاجِ وَالْخِرْفَانِ وَالنِّعَاجِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
(۱) حَارِسَةُ النَّهْرِ
لَمْ يَكُفَّ «الْجَبَلُ الْآدَمِيُّ» عَنْ صَرَخَاتِهِ الْمُرَوِّعَةِ، وَصَيْحَاتِهِ الْمُفْزِعَةِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ حَلَّ بِهِ.
كَانَتْ مَنَابِعُ الْمَاءِ – كَمَا عَلِمْتَ – غَاضَتْ وَجَفَّتْ. كَانَتِ الْحُقُولُ – بَعْدَ قُدُومِهِ – بَارَتْ وَيَبِسَتْ.
كَانَتِ الْقَرْيَةُ فِي كَرْبٍ وَعَنَاءٍ، وَبُؤْسٍ وَشَقَاءٍ، لَمْ يَسْبِقْ لَهَا بِمِثْلِهِمَا عَهْدٌ.
خَرَجَتْ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ حِينَ مَالَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ لِلْغُرُوبِ.
خَرَجَتِ الْفَتَاةُ تَبْحَثُ عَنِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ، وَعَنَاءٍ شَدِيدٍ، حَالَفَهَا التَّوْفِيقُ: ظَفِرَتْ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ فِي يَنْبُوعِ صَغِيرٍ. كَانَ الْيَنْبُوعُ مُشْرِفًا عَلَى الْجَفَافِ.
مَلَأَتِ الْفَتَاةُ الْحَسْنَاءُ جَرَّتَهَا الصَّغِيرَةَ الزَّرْقَاءَ.
كَانَتْ هَذِهِ الْفَتَاةُ حَارِسَةَ النَّهْرِ وَأَمِيرَةَ جِنِّيَّاتِهِ.
(۲) الْعِمْلَاقُ الْعَطْشَانُ
سَارَتِ الْفَتَاةُ فِي طَرِيقِهَا عَائِدَةً إِلَى بَيْتِهَا.
اعْتَرَضَ الْفَتَاةَ الْجَبَلُ الْآدَمِيُّ. سَدَّ عَلَيْهَا مَنَافِذَ الطَّرِيقِ. كَانَ يَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ.
سَأَلَهَا أَنْ تَمْنَحَهُ مَا فِي جَرَّتِهَا الصَّغِيرَةِ مِنَ الْمَاءِ.
تَفَزَّعَتْ أَمِيرَةُ الْجِنِّيَّاتِ مِمَّا رَأَتْ. قَفَزَتْ أَمِيرَةُ الْجِنِّيَّاتِ إِلَى الْوَرَاءِ. كَادَتِ الْجَرَّةُ تَسْقُطُ مِنْ يَدِهَا. أَدْرَكَهَا لُطْفُ اللَّهِ وَعِنَايَتُهُ؛ فَلَمْ تَسْقُطِ الْجَرَّةُ.
أَعَادَ الْجَبَّارُ صَيْحَتَهُ. كَرَّرَ الْجَبَّارُ قَوْلَتَهُ: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ! لَا بُدَّ مِنْ إِرْوَاءِ عَطَشِي. عَلَيَّ بِالْمَاءِ! أَسْرِعِي وَلَا تُبْطِئِي.»
قَالَتِ الْفَتَاةُ: «لَا سَبِيلَ إِلَى إِرْوَاءِ ظَمَئِكَ، أَيُّهَا الْعِمْلَاقُ الْعَظِيمُ.»
صَرَخَ الْعِمْلَاقُ: «كَيْفَ تَقُولِينَ؟ أَلَا تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تُطْفِئِي نَارَ ظَمَئِي؟ كَيْفَ تَمْتَنِعِينَ؟ إِنَّ جَوْفِي يَكَادُ يَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ.»
دَبَّ الْخَوْفُ إِلَى قَلْبِ الْفَتَاةِ. تَوَسَّلَتْ إِلَيْهِ ضَارِعَةً مُسْتَعْطِفَةً.
قَالَتْ لِلْعِمْلَاقِ: «كَانَ يُسْعِدُنِي أَنْ أَرْوِيَ ظَمَأَكَ، لَو أَسْتَطِيعُ.»
دوَّى صَوْتُ الْعِمْلَاقِ مُجَلْجِلًا فِي الْفَضَاءِ. كَانَ صَوْتُهُ يُدَوِّي كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ. قَالَ لِلْفَتَاةِ غَاضِبًا: «أَعْطِينِي هَذِهِ الْجَرَّةَ الصَّغِيرَةَ.»
تَوَسَّلَتْ إِلَيْهِ الْفَتَاةُ. قَالَتْ لَهُ ضَارِعَةً: «إِنَّ مَا تَحْوِيهِ الْجَرَّةُ مِنْ قَطَرَاتِ الْمَاءِ الْقَلِيلَةِ لَنْ يُرْوِيَ غَلِيلَكَ (حَرَارَةَ عَطَشِكَ)، وَلَنْ يُطْفِئَ نَارَ ظَمَئِكَ الْمُلْتَهِبَةَ.»
(۳) حِوَارُ الْفَتَاةِ
اشْتَدَّ غَيْظُ الْعِمْلَاقِ. كَادَ يَسْحَقُ الْفَتَاةَ بِقَدَمِهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ.
لَجَأَتِ الْفَتَاةُ إِلَى الْحِيلَةِ. أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ مُتَوَدِّدَةً. حَاوَلَتْ أَنْ تُرَوِّضَهُ كَمَا يُرَوِّضُ السَّائِسُ الْمَاهِرُ جَوَادَهُ حِينَ يُرَبِّتُ ظَهْرَهُ.
قَالَتْ لِلْعِمْلَاقِ مُسْتَعْطِفَةً: «أَشْفِقْ عَلَيَّ يَا سَيِّدِي الْعِمْلَاقُ. ارْحَمْ أُسْرَتِي الْمِسْكِينَةَ الْبَائِسَةَ. إِنَّ مَا تَحْوِيهِ الْجَرَّةُ – مِنْ قَطَرَاتِ الْمَاءِ – ضَرُورِيٌّ لِحَيَاتِهَا. لَوْ شَرِبْتَ مَا تَحْوِيهِ الْجَرَّةُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ هَلَكَتْ أُسْرَتِي عَطَشًا.»
اشْتَدَّ ظَمَأُ الْعِمْلَاقِ. لَمْ يَتْرُكِ الْعَطَشُ فِي قَلْبِهِ مَجَالًا لِلتَّفْكِيرِ فِي غَيْرِهِ.
أَصَرَّ الْعِمْلَاقُ عَلَى إِرْوَاءِ ظَمَئِهِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ فِي الدُّنْيَا.
صَاحَ الْعِمْلَاقُ مُرَدِّدًا: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ!»
رَفَضَتِ الْفَتَاةُ أَنْ تُجِيبَ الْعِمْلَاقَ إِلَى طِلْبَتِهِ.
قَالَتْ لَهُ فِي إِصْرَارٍ وَحَزْمٍ، وَثَبَاتٍ وَعَزْمٍ: «كَلَّا، لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ. لَوْ أَعْطَيْتُكَ جَرَّتِي، لَأَهْلَكْتُ أَسْرَتِي.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ مُتَوَعِّدًا: «أَيَّتُهَا النَّمْلَةُ الْجَرِيئَةُ، إِذَا خَالَفْتِ مَشِيئَتِي، وَلَمْ تُذْعِنِي لِإِرَادَتِي، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَسْحَقَ جِسْمَكِ بِقَدَمَيَّ.»
مَدَّ الْعِمْلَاقُ يَدَهُ الطَّوِيلَةَ لِيَخْطَفَ الْجَرَّةَ.
هَرَبَتِ الْفَتَاةُ مُسْرِعَةً إِلَى بَعْضِ أَشْجَارِ الْغَابَةِ الْقَرِيبَةِ.
اخْتَبَأْتِ الْفَتَاةُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ. انْدَفَعَ الْعِمْلَاقُ نَحْوَ الْفَتَاةِ. دَاسَ بِقَدَمِهِ شَجَرَةً تُجَاوِرُ الشَّجَرَةَ الَّتِي اخْتَبَأَتْ فِيهَا.
حَطَّمَ الْعِمْلَاقُ الشَّجَرَةَ.
كَانَ الْعِمْلَاقُ يَحْسَبُ الْفَتَاةَ مُخْتَبِئَةً بَيْنَ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ الَّتِي دَاسَهَا بِقَدَمِهِ.
نَجَتْ أَمِيرَةُ الْجِنِّيَّاتِ. حَمْدًا لِلَّهِ. لَوْلَا لُطْفُهُ لَهَلَكَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ.
لَوْ لَمَسَتْهَا قَدَمُ الْعِمْلَاقِ لَسَحَقَتْهَا، وَهَالَتْ عَلَيْهَا تُرَابَ الْغَابَةِ وَدَفَنَتْهَا.
نَدَّتْ مِنَ الْفَتَاةِ صَرْخَةٌ حَزِينَةٌ تَرِقُّ لَهَا الْقُلُوبُ.
قَالَتْ الْفَتَاةُ: «رُحْمَاكَ أَيُّهَا الْقَوِيُّ الْغَلَّابُ. أَشْفِقْ عَلَيَّ. لَا تَبْطِشُ بِي. بِرَبِّكَ إِلَّا رَحِمْتَنِي وَخَلَّيْتَ سَبِيلِي لِأَعُودَ إِلَى أُسْرَتِي، وَأَنْعَمَ بِلِقَاءِ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي. أَنَا فَتَاةٌ ضَعِيفَةُ الْحَوْلِ، لَا قُوَّةَ لِي وَلَا طَوْلَ.»
يَا لَقَسْوَةِ الْعِمْلَاقِ! كَرَّرَ صَيْحَتَهُ قَائِلًا: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ!»
قَالَتِ الْفَتَاةُ: «رِفْقًا بِي وَبِأُسْرَتِي. رُحْمَاكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ الْعَظِيمُ. إِنَّ جَدَّتِي مُشْرِفَةٌ عَلَى الْمَوْتِ.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ!»
قَالَتِ الْفَتَاةُ: «غَاضَ مَاءُ النَّهْرِ. جَفَّ مَاءُ الْعُيُونِ. نَضَبَ مَاءُ الْآبَارِ. يَبِسَ الزَّرْعُ. صَوَّحَتِ الْأَزْهَارُ! رُحْمَاكَ أَيُّهَا الْعِمْلَاقُ رُحْمَاكَ. أَشْرَفَ أَوْلَادِي عَلَى الْهَلَاكِ.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ!»
بَكَتِ الْفَتَاةُ. قَالَتْ لِلْعِمْلَاقِ: «مَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ، فَلَنْ أَكُونَ سَبَبًا فِي هَلَاكِ أُسْرَتِي مِنْ أَجْلِكَ.»
(٤) حِيلَةُ الْفَتَاةِ
طَالَ الْحِوَارُ بَيْنَ الْفَتَاةِ وَالْعِمْلَاقِ عَلَى غَيْرِ فَائِدَةٍ. لَمْ يُصْغِ الْعِمْلَاقُ إِلَى رَجَائِهَا. لَمْ يَرِقَّ لِبُكَائِهَا.
أَبَى إِلَّا أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْجَرَّةِ الْجَمِيلَةِ الزَّرْقَاءِ. أَوْشَكَ أَنْ يَخْطَفَهَا.
أَبْصَرَتِ الْفَتَاةُ بَطَلَ قِصَّتِنَا الْعَظِيمَ. رَأَتْ «سُلَيْمَانَ الْحَطَّابَ». كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ. كَانَ يَمْشِي فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا.
كَانَ يَحْمِلُ فَأْسَهُ فِي يَدِهِ، وَحَقِيبَتَهُ تَحْتَ إِبِطِهِ.
عَاوَدَ الْفَتَاةَ الرَّجَاءُ. رَأَتْ أَنْ تَلْجَأَ إِلَى الْحِيلَةِ.
رَأَتْ أَلَّا تُغْضِبَ الْعِمْلَاقَ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْفَرَجُ. أَرَادَتْ أَنْ تَكْسِبَ الْوَقْتَ. تَظَاهَرَتْ بِالِاقْتِنَاعِ.
تَوَدَّدَتْ إِلَى الْعِمْلَاقِ. تَظَاهَرَتْ بِالْإِذْعَانِ. خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّهَا لَنْ تُعَارِضَ فِي مَنْحِهِ الْجَرَّةَ لِيَرْوِيَ ظَمَأَهُ.
قَالَتْ لَهُ مُبْتَسِمَةً: «لَكَ مَا تَشَاءُ، عَلَى شَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: هِيَ أَلَّا تَكْسِرَ الْجَرَّةَ.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ: «ذَلِكَ لَكِ، أَيَّتُهَا الْفَتَاةُ.»
(٥) تَارِيخُ الْجَرَّةِ
قَالَتِ الْفَتَاةُ لِلْعِمْلَاقِ: «لَوْ عَرَفْتَ تَارِيخَ الْجَرَّةِ، لَعَرَفْتَ سَبَبَ حِرْصِي عَلَيْهَا، وَاحْتِفَاظِي بِهَا.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ: «دَعِيكِ مِنْ تَارِيخِ الْجَرَّةِ. إِنَّ الظَّمَأَ يَكَادُ يَقْتُلُنِي.»
قَالَتِ الْفَتَاةُ: «أَخِي فِي الرَّضَاعِ صَنَعَ لِي هَذِهِ الْجَرَّةَ. صَنَعَهَا مِنْ أَحْسَنِ أَنْوَاعِ الْفَخَّارِ، كَمَا تَرَى. لَا تَعْجَبْ مِمَّا تَسْمَعُ. كُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِمَّا أَقُولُ. حَذَارِ أَنْ يُخَامِرَكَ الشَّكُّ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. إِنَّنِي مَعْرُوفَةٌ بِالصِّدْقِ.
أَلَا تَعْرِفُ أَخِي؟! إِنَّهُ خَزَّافٌ كَبِيرٌ. إِنَّهُ صَنَّاعٌ بَارِعٌ.
بَذَلَ أَخِي فِي صُنْعِ هَذِهِ الْجَرَّةِ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْ جُهْدٍ وَمَالٍ وَفَنٍّ.
أَلَا تَرَى كَيْفَ لَوَّنَهَا أَخِي – بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ صُنْعَهَا – بِهَذَا اللَّوْنِ الْبَدِيعِ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ اسْتَعَارَ هَذَا اللَّوْنَ مِنْ زُرْقَةِ السَّمَاءِ.
هَيْهَاتَ أَنْ تَخْفَى بَرَاعَةُ أَخِي عَلَى فِطْنَتِكَ وَذَكَائِكَ وَحَصَافَتِكَ.
هَيْهَاتَ أَنْ يَغِيبَ عَنْ فَهْمِكَ مِقْدَارُ مَا بَذَلَهُ أَخِي فِي صُنْعِ هَذِهِ الْجَرَّةِ مِنْ أَنَاقَةٍ، وَدِقَّةٍ وَرَشَاقَةٍ، فِي تَثْبِيتِ أَصْبَاغِهَا الْفَاتِنَةِ، الَّتِي لَا يَمْحُو الزَّمَنُ نَضْرَتَهَا، وَلَا يُبْلِي الدَّهْرُ جِدَّتَهَا.
أَلَا تَرَى كَيْفَ صَوَّرَ أُذْنَيْهَا عَلَى لَوْنِ الْغَابِ الْأَخْضَرِ؟
بِرَبِّكَ إِلَّا مَا نَظَرْتَ إِلَى فِدَامِهَا (غِطَائِهَا) الرَّقِيقِ. أَلَا تَرَى كَيْفَ يُغَطِّي فُوَّهَةَ الْجَرَّةِ فِي بَرَاعَةٍ وَإِحْكَامٍ، وَدِقَّةٍ وَانْسِجَامٍ؟!
لَا تَضِنَّ عَلَيَّ بِرَأْيِكَ الْعَالِي.
بِرَبِّكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي فِي صَرَاحَةٍ وَجَلَاءِ: أَيُّ شَيْءٍ يُشْبِهُهُ؟
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى شَقَائِقِ النُّعْمَانِ؟
أَتَعْرِفُ كَمْ بَذَلَ أَخِي فِي صُنْعِهِ مِنْ جَهْدٍ وَفَنٍّ وَوَقْتٍ؟
لَا تَدْهَشْ إِذَا قُلْتُ لَكَ: إِنَّ أَخِي صَنَعَ هَذِهِ الْجَرَّةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ لَا تَنْقُصُ يَوْمًا وَلَا تَزِيدُ يَوْمًا.
لَعَلَّكَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ هَذِهِ الطُّرْفَةَ الْخَزَفِيَّةَ الثَّمِينَةَ هِيَ آخِرُ مَا صَنَعَهُ أَخِي.
لَكَ الْعُذْرُ يَا سَيِّدِي. إِنَّكَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ أَخِي، كَمَا لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ تَارِيخِ هَذِهِ الْجَرَّةِ وَصَانِعِهَا.
لَا يَفُوتُنِي أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّ هَذِهِ الْجَرَّةَ هِيَ آخِرُ مَا أَبْدَعَهُ أَخِي مِنْ بَدَائِعَ وَتُحَفٍ. نَعَمْ؛ هِيَ آخِرُ مَا أَبْدَعَهُ الصَّانِعُ الْمَوْهُوبُ.
شُكْرًا لِأَخِي! مَا أَبْدَعَ صُنْعَهُ، وَمَا أَرْوَعَ فَنَّهُ!
إِنَّ أَخِي سَيَبْتَهِجُ حِينَ أَحْمِلُ إِلَيْهِ إِعْجَابَكَ بِفَنِّهِ وَبَرَاعَتِهِ، وَثَنَاءَكَ عَلَى صِدْقِ أَصَالَتِهِ، وَتَفَوُّقِهِ وَأَلْمَعِيَّتِهِ.»
(٦) الْهَدْهَادُ
غَضِبَ الْعِمْلَاقُ. كَادَ الضَّجَرُ وَالسَّآمَةُ يَقْتُلَانِهِ. لَمْ يُطِقْ سَمَاعَ هَذِهِ الثَّرْثَرَةَ. قَاطَعَ الْفَتَاةَ قَائِلًا: «مَنْ أَخُوكِ هَذَا الَّذِي تَتَحَدَّثِينَ عَنْهُ؟
مَاذَا يَعْنِينِي مِنْ خَزَافٍ يَصْنَعُ الْجِرَارَ؟
خَبِّرِينِي: أَكَانَ أَخُوكِ سَقَّاءً يَرْوِي أَمْثَالِي مِنَ الظَّامِئِينَ؟
أَكَانَ تَاجِرَ مَاءٍ يَسْقِي الْعَطَاشَى الْهَائِمِينَ؟»
قَالَتِ الْفَتَاةُ: «كَلَّا، يَا سَيِّدِي الْعِمْلَاقَ، مَا كَانَ أَخِي سَقَّاءً وَلَا تَاجِرَ مَاءٍ. كَانَ أَخِي – فِي طُفُولَتِهِ – صَنَّاعًا بَارِعًا. كَانَ فَنِيًّا مَوْهُوبًا، مَرْضِيَّ الشَّمَائِلِ مَحْبُوبًا. كَانَتْ تَبْدُو النَّجَابَةُ عَلَى مُحَيَّاهُ (وَجْهِهِ)، لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ.
كَانَتْ سِيمَاهُ تُبَشِّرُ مَنْ يَرَاهُ، بِمُسْتَقْبَلٍ عَظِيمٍ فِي الْحَيَاةِ. لِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ لَقَبَ «الْوَاعِدِ».
كَبِرَ أَخِي. أَصْبَحَ فَتًى بَعْدَ أَنْ كَانَ طِفْلًا. اكْتَمَلَتْ مَوَاهِبُ الْفَتَى، تَجَلَّتْ لِلنَّاسِ شَمَائِلُهُ، وَبَهَرَتْهُمْ فَضَائِلُهُ.
كَانَ أَخِي يَتَمَيَّزُ بِأَلْمَعِيَّةٍ نَادِرَةِ الْمِثَالِ، وَعَبْقَرِيَّةٍ لَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ. كَانَ ذَا بَرَاعَةٍ فَائِقَةٍ، وَقُدْرَةٍ خَارِقَةٍ، عَلَى النَّفَاذِ إِلَى الدَّقَائِقِ، وَتَفَهُّمِ مَا صَعُبَ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَحَلِّ مَا تَعَقَّدَ مِنَ الْمَشَاكِلِ.
عَرَفَ النَّاسُ فِيهِ كُلَّ هَذِهِ الْمَزَايَا الْبَارِعَةِ، فَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَبَ الْهَدْهَادِ.»
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(۱) غَضَبُ الْعِمْلَاقِ
اشْتَدَّ غَضَبُ الْعِمْلَاقِ. قَالَ لِلْفَتَاةِ ثَائِرًا: «الْوَيْلُ لَكِ أَيَّتُهَا النَّمْلَةُ الْحَقِيرَةُ. كَيْفَ تَسْخَرِينَ مِنِّي بِهَذِهِ الْأَضَاحِيكِ وَالْخُزَعْبَلَاتِ؟ كَيْفَ تُضَيِّعِينَ وَقْتِي بِتِلْكَ الْأَبَاطِيلِ وَالتُّرَّهَاتِ. أَلَا تَكُفِّينَ عَنِ الثَّرْثَرَةِ وَالْهَذَيَانِ. هَاتِي الْجَرَّةَ. حَذَارِ أَنْ تَنْطِقِي بِكَلِمَةٍ أُخْرَى. صَهِ أَيَّتُهَا الْحَمْقَاءُ. مَهِ أَيَّتُهَا الْخَرْقَاءُ.»
كَانَ الْحَطَّابُ يُوَاصِلُ السَّيْرَ. هَا هُوَ ذَا يَقْتَرِبُ. أَصْبَحَ الْآنَ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ. هَا هِيَ ذِي تَسْمَعُ وَقْعَ أَقْدَامِهِ.
لَاحَ لِلْفَتَاةِ أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ. غَوَّثَتِ الْفَتَاةُ. خَرَجَتْ مُسْتَنْجِدَةً.
سَمِعَ الْحَطَّابُ صَيْحَتَهَا. سُرْعَانَ مَا اهْتَدَى الْحَطَّابُ إِلَى مَكَانِ الْفَتَاةِ.
(۲) بَيْنَ الْعِمْلَاقِ وَالْحَطَّابِ
أَسْرَعَتِ الْفَتَاةُ إِلَيْهِ مُسْتَنْجِدَةً بِهِ. طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَحْمِيَهَا مِنْ فَتْكِ الْعِمْلَاقِ الَّذِي لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلًا.
سَمِعَ الْعِمْلَاقُ شَكْوَاهَا وَاسْتِغَاثَتَهَا. اشْتَدَّ بِهِ الْغَضَبُ. كَادَ الشَّرَرُ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْهِ.
ضَرَبَ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْهِ ضَرْبَةً شَدِيدَةً؛ تَكَاثَفَتْ عَلَى أَثَرِهَا سُحُبُ الْعِثْيَرِ وَالْغُبَارِ. كَادَ التُّرَابُ الْمُثَارُ يَدْفِنُ الْفَتَاةَ حَيَّةً.
أَوْشَكَ الْحَطَّابُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى ظَهْرِهِ. كَادَ يُدْفَنُ مَعَ الْفَتَاةِ حَيًّا بَيْنَ كَوْمَاتِ التُّرَابِ الَّتِي أَثَارَهَا الْعِمْلَاقُ الْغَاضِبُ.
تَسَلَّلَتِ الْفَتَاةُ بَيْنَ سَاقَيِ الْعِمْلَاقِ هَارِبَةً.
(۳) شَجَاعَةُ الْحَطَّابِ
سُرْعَانَ مَا تَمَاسَكَ الْحَطَّابُ وَاعْتَصَمَ بِشَجَاعَتِهِ وَثَبَاتِهِ.
قَالَ لِلْعِمْلَاقِ فِي هُدُوءٍ وَاطْمِئْنَانٍ: «مَا شَأْنُكَ – أَيُّهَا الْعِمْلَاقُ – بِهَذِهِ الْفَتَاةِ الضَّعِيفَةِ. كَيْفَ تُرَوِّعُهَا؟ أَلَا تَرْثِي لِضَعْفِهَا؟ مَا بَالُكَ تُهَاجِمُهَا وَهِيَ لَا تَسْتَطِيعُ دَفْعَكَ، وَلَا تَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَتِكَ؟»
غَضِبَ الْعِمْلَاقُ مِمَّا سَمِعَ، دَمْدَمَ الْعِمْلَاقُ صَارِخًا: «ظَمْآنُ! لَا بُدَّ لِي مِنَ الرِّيِّ. أَكَادُ أَمُوتُ مِنَ الظَّمَأِ، وَالْمَاءُ فِي جَرَّتِهَا.»
أَجَابَهُ الْحَطَّابُ: «إِنَّ كُلَّ مَا تَحْوِيهِ الْجَرَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْمَاءِ قَطَرَاتٌ قَلِيلَةٌ لَا تُرْوِي ظَمَأَكَ.»
قَالَ الْعِمْلَاقُ صَارِخًا: «كَذَبْتَ وَافْتَرَيْتَ. مَا لَكَ وَمَا لِي؟ مَا أَنْتَ وَالْفَتَاةَ؟ كُفَّ عَنْ فُضُولِكَ، أَيُّهَا الثَّرْثَارُ.»
الْتَفَتَ الْعِمْلَاقُ إِلَى الْفَتَاةِ قَائِلًا: «هَاتِي الْجَرَّةَ – أَيَّتُهَا الْفَتَاةُ – وَإِلَّا سَاءَتِ الْعَاقِبَةُ.»
أَجَابَتْهُ الْفَتَاةُ مُتَحَمِّسَةً: «إِنَّ حَيَاةَ أُسْرَتِي رَهْنٌ بِهَذَا الْمَاءِ. إِذَا شَرِبْتَهُ أَنْتَ هَلَكْنَا جَمِيعًا.»
صَاحَ الْحَطَّابُ مُتَوَعِّدًا: «لَوْ أَسْتَطِيعُ لَحَوَّلْتُ هَذَا الْمَاءَ سُمًّا زُعَافًا، حَتَّى لَا تَشْرَبَ مِنْهُ قَطْرَةً وَاحِدَةً.»
صَاحَ الْعِمْلَاقُ غَاضِبًا مُتَوَعِّدًا: «تَبًّا لَكَ مِنْ غَبِيٍّ. الْوَيْلُ لَكَ أَيُّهَا الْفُضُولِيُّ. أَفِي الدُّنْيَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَجْرُؤُ عَلَى مُعَارَضَتِي؟!»
أَجَابَ الْحَطَّابُ فِي هُدُوءٍ وَثَبَاتٍ: «لَا تَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ. إِنَّ الْحَطَّابَ الْوَاقِفَ أَمَامَكَ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِ مَا يَقُولُ.»
(٤) سُخْرِيَةُ الْعِمْلَاقِ
تَضَاعَفَ غَضَبُ الْعِمْلَاقِ مِمَّا سَمِعَ.
رَفَعَ الْعِمْلَاقُ يَدَهُ الضَّخْمَةَ يُلَوِّحُ بِهَا فِي الْفَضَاءِ، وَيَشُقُّ الْهَوَاءَ. انْدَفَعَ إِلَى الْحَطَّابِ مُنْذِرًا مُتَوَعِّدًا بِتَحْطِيمِ رَأْسِهِ الصَّغِيرِ.
ارْتَجَفَتِ الْفَتَاةُ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَيْهِ.
لَمْ يُبَالِ الْحَطَّابُ الشُّجَاعُ بِوَعِيدِهِ.
أَجَابَ فِي ثِقَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ: «لَا بُدَّ مِنْ حِمَايَةِ الْفَتَاةِ، كَلَّفَنِي ذَلِكَ مَا كَلَّفَنِي. سَأُنْقِذُ الْفَتَاةَ مِنْكَ وَلَوْ كُنْتَ شَيْطَانَ الشَّيَاطِينِ، وَزَعِيمَ الْمَرَدَةِ الْأَبَالِسَةِ أَجْمَعِينَ.»
انْدَفَعَ الْحَطَّابُ نَحْوَ الْعِمْلَاقِ يُلَوِّحُ بِمِلْطَسِهِ مُنْذِرًا مُتَوَعِّدًا.
لَمْ يَتَمَالَكِ الْعِمْلَاقُ أَنْ يَضْحَكَ. لَهُ الْعُذْرُ فِي ذَلِكَ.
مَا أَعْظَمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقُوَّتَيْنِ! يَحَارُ الْعَقْلُ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَهُمَا.
(٥) مُبَارَاةُ الرُّمَاةِ
كَانَ الْحَطَّابُ – كَمَا حَدَّثْتُكَ – مَعْرُوفًا بَيْنَ النَّاسِ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالثَّبَاتِ وَالنَّجْدَةِ وَالْبَرَاعَةِ. لَمْ يَنْسَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مَا صَنَعَهُ – مُنْذُ عَامَيْنِ – فِي الْمُبَارَاةِ الَّتِي أَقَامَهَا أَمِيرُهُمْ.
كَانَتْ مُبَارَاةً عَجِيبَةً، حَشَدَ لَهَا الْأَمِيرُ أَبْرَعَ الرُّمَاةِ مِنْ جَبَابِرَةِ عَصْرِهِ، وَأَعَدَّ جَائِزَةً كَبِيرَةً لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصِيبَ بِسَهْمِهِ الْهَدَفَ عَلَى بُعْدِ خَمْسِينَ مِتْرًا.
بَذَلَ الرُّمَاةٌ جُهُودَهُمْ عَلَى غَيْرِ طَائِلٍ.
لَمْ يَظْفَرُ بِالْجَائِزَةِ أَحَدٌ مِنْهُمْ. اسْتَطَاعَ مِائَةٌ مِنْ جَبَابِرَةِ الرُّمَاةِ أَنْ تَقْتَرِبَ سِهَامُهُمْ مِنَ الْهَدَفِ؛ لَكِنَّهَا لَمْ تُصِبْهُ.
كَادَتِ الْمُبَارَاةُ تَنْتَهِي بِإِخْفَاقِ الرُّمَاةِ جَمِيعًا.
هُنَا أَقْبَلَ الْحَطَّابُ. اسْتَأْذَنَ الْأَمِيرَ فِي مُشَارَكَةِ الرُّمَاةِ.
أَذِنَ لَهُ الْأَمِيرُ فِي دُخُولِ الْمُبَارَاةِ.
وَقَفَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ جُرْأَةِ الْحَطَّابِ.
أَتُرَاهُ قَادِرًا عَلَى إِصَابَةِ الْهَدَفِ وَالظَّفَرِ بِالْجَائِزَةِ، بَعْدَ أَنْ أَخْفَقَ الرُّمَاةُ؟ مَنْ يَدْرِي. لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَفَ الْحَطَّابُ مُتَحَفِّزًا. سَدَّدَ فَأْسَهُ إِلَى الْهَدَفِ الْبَعِيدِ. قَذَفَ بِهَا فِي بَرَاعَةٍ وَسَدَادٍ. يَا لَلْبَرَاعَةِ! أَصَابَتْ فَأْسُهُ الْهَدَفَ فِي الصَّمِيمِ.
انْغَرَسَتْ فِيهِ. لَمْ تَحِدْ عَنْهُ قِيدَ (مَسَافَةَ) شَعْرَةٍ.
هَشَّ الْحَاضِرُونَ. تَعَالَتْ أَصْوَاتُهُمْ مُهَلِّلِينَ. صَفَّقُوا لَهُ مُعْجَبِينَ.
أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ وَالْمُتَبَارُونَ مُهَنِّئِينَ.
أَطْلَقُوا عَلَيْهِ – مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ – لَقَبَ «قَاهِرِ الْجَبَابِرَةِ».
أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ: لَعَلَّكَ عَرَفْتَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ «قَاهِرَ الْجَبَابِرَةِ» لَيْسَ بِالرَّجُلِ الضَّعِيفِ.
لَعَلَّكَ أَدْرَكْتَ أَنَّ بَطَلَ قِصَّتِنَا لَنْ يَكُونَ – عَلَى أَيِّ حَالٍ – لُقْمَةً سَائِغَةً يَزْدَرِدُهَا الْعِمْلَاقُ.
(٦) مَصْرَعُ الْعِمْلَاقِ
نَظَرَ الْعِمْلَاقُ إِلَى الْحَطَّابِ فِي احْتِقَارٍ وَاسْتِخْفَافٍ.
عَجِبَ مِنْ غُرُورِهِ وَحَمَاقَتِهِ، وَاعْتِدَادِهِ بِنَفْسِهِ وَجَرَاءَتِهِ.
أَغْرَقَ الْعِمْلَاقُ فِي الضَّحِكِ حِينَ رَأَى الْحَطَّابَ يُلَوِّحُ بِمِلْطَسِهِ وَيَهُمُّ يَقْذِفُهُ بِهِ، كَمَا تَعَوَّدَ أَنْ يَقْذِفَ شَجَرَةَ الْبَلُّوطِ الْكَبِيرَةَ.
اشْتَدَّتْ دَهْشَةُ الْعِمْلَاقِ حِينَ رَآهُ يَتَهَيَّأُ لِمُصَارَعَتِهِ وَالِاشْتِبَاكِ مَعَهُ.
كَيْفَ أَقْدَمَ الْحَطَّابُ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى تَفَاوُتِ الْقُوَّتَيْنِ، وَتَبَايُنِ الْجِسْمَيْنِ؟!
قَالَ الْعِمْلَاقُ ضَاحِكًا: «أَتَعْرِفُ أَنَّ صَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ يَدِي كَفِيلَةٌ أَنْ تَسْحَقَ مِائَةً مِنْ أَمْثَالِكَ، وَتُلْصِقَ أَجْسَادَهُمْ بِالتُّرَابِ؟»
أَجَابَهُ الْحَطَّابُ: «لَا تَغْتَرَّ بِقُوَّتِكَ. حَذَارِ أَنْ تَسْتَهِينَ بِي. إِنَّ الْمَطَرَ الْقَلِيلَ طَالَمَا سَكَّنَ الْعَاصِفَةَ الْهَوْجَاءَ.»
رَأَى الْحَطَّابُ يَدَ الْعِمْلَاقٍ تَمْتَدُّ إِلَيْهِ لِتَسْحَقَهُ. انْدَفَعَ الْحَطَّابُ مُتَحَمِّسًا.
سَدَّدَ مِلْطَسَهُ إِلَى قَلْبِ الْعِمْلَاقِ، كَمَا سَدَّدَ الْفَأْسَ مُنْذُ عَامَيْنِ إِلَى الْهَدَفِ.
عَاجَلَ الْعِمْلَاقَ بِضَرْبَةٍ سَرِيعَةٍ حَاسِمَةٍ، كَانَتْ لِحَيَاتِهِ خَاتِمَةً.
انْتَصَرَ الْحَطَّابُ الشَّجَاعُ. هَوَى الْعِمْلَاقُ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا تَهْوِي شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ الشَّامِخَةِ، بَعْدَ أَنْ تَقْتَلِعَهَا الْعَاصِفَةُ.
شَكَرَتِ الْفَتَاةُ لِقَاهِرِ الْجَبَابِرَةِ مَا أَسْدَى إِلَيْهَا مِنْ جَمِيلٍ.
انْطَلَقَتِ الْفَتَاةُ إِلَى بَيْتِهَا نَاجِيَةً. انْقَضَتْ عَلَى الصِّرَاعِ سَاعَةٌ. أَفَاقَ الْعِمْلَاقُ مِنْ إِغْمَاءَتِهِ.
نَهَضَ خَائِرًا مُضَعْضَعًا. كَانَ الدَّمُ يَنْزِفُ مِنْ وَجْهِهِ.
انْطَلَقَ يَجْرِي حَائِرًا. جَهَدَهُ الظَّمَأُ. اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ. دَوَّى صَوْتُهُ فِي الْفَضَاءِ مُجَلْجِلًا مُرَدِّدًا: «ظَمْآنُ! ظَمْآنُ! أَلَا مَنْ يُغِيثُ الْعَطْشَانَ!؟»
خَارَتْ قُوَّةُ الْعِمْلَاقِ. هَوَى إِلَى الْأَرْضِ صَرِيعًا. فَاضَ رُوحُهُ. ذَهَبَ إِلَى أَعْمَاقِ الْجَحِيمِ.
تَمَّ لِلْحَطَّابِ الْفَوْزُ وَالِانْتِصَارُ، عَلَى الشَّقِيِّ الْجَبَّارِ.
اسْتَرَاحَ الْجَمِيعُ مِنْ شَرِّ الْعِمْلَاقِ وَأَذَاهُ. حَمْدًا لِلَّهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
(۱) قَضَاءُ الدَّيْنِ
عَادَ الْحَطَّابُ إِلَى بَيْتِهِ. رَأَى زَوْجَتَهُ مَحْزُونَةً تَبْكِي. سَأَلَهَا عَنْ سَبَبِ حُزْنِهَا. قَالَتْ زَوْجَةُ الْحَطَّابِ: «حَضَرَ إِلَيْنَا جَارُنَا الطَّحَّانُ يُطَالِبُ الْيَوْمَ بِمَا تَسَلَّفْنَاهُ مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنَ الْعَلَفِ. كَانَ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى اسْتِرْدَادِ دَيْنِهِ.»
قَالَ الْحَطَّابُ: «الْحَقُّ مَعَهُ. لَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ بِالدَّيْنِ لِصَاحِبِهِ. اللَّهُ يَأْمُرُنَا بِرَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. مَا أَجْدَرَنَا أَنْ نَشْكُرَ جَارَنَا عَلَى مَا قَدَّمَ لَنَا مِنْ مَعْرُوفٍ.»
قَالَتْ «سُعَادُ»: «مَا بَالُ جَارِنَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْنَا حَتَّى تَنْفَرِجَ أَزْمَتُنَا، وَتَنْجَلِيَ ضَائِقَتُنَا؟»
قَالَ الْحَطَّابُ: «لَعَلَّهُ اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكِ اضْطِرَارًا. لَيْسَ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نَلُومَهُ، عَلَى أَيِّ حَالٍ. صَاحِبُ الدَّيْنِ حُرٌّ فِي أَنْ يَسْتَرِدَّ دَيْنَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَشَاءُ. لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا نَأْخُذُ، ثُمَّ نَغْضَبَ إِذَا طُولِبْنَا بِالْوَفَاءِ.»
قَالَتْ «سُعَادُ»: «صَدَقْتَ. لَمْ تَقُلْ إِلَّا حَقًّا. لَكِنْ خَبِّرْنِي: كَيْفَ تَعِيشُ الْبَقَرَةُ وَالْحِمَارُ وَالنِّعَاجُ وَالْخِرْفَانُ، إِذَا أَعْطَيْنَا جَارَنَا أَقْوَاتَهَا مِنَ الْعَلَفِ؟»
قَالَ الْحَطَّابُ: «سُوقُ الْقَرْيَةِ بَعْدَ غَدٍ. لَيْسَ لَنَا مَفَرٌّ مِنْ بَيْعِ مَا نَمْلِكُ مِنْ دَوَاجِنَ وَمَاشِيَةٍ، حَتَّى لَا تَهْلِكَ جُوعًا.»
(۲) أَثَرُ الدِّمَاءِ
شَافَتْ «سُعَادُ» زَوْجَهَا وَهُوَ يَضَعُ مِلْطَسَهُ فِي رُكْنِ الْحُجْرَةِ.
يَا لَدَهْشَتِهَا! مَاذَا رَأَتْ؟
صَاحَتْ مُتَوَجِّعَةً: «أَيُّ دَمٍ هَذَا! هَلْ جُرِحْتَ؟»
أَقْبَلَ عَلَيْهَا يُطَمْئِنُهَا وَيَقُصُّ عَلَيْهَا مَا حَدَثَ.
جَزِعَتِ الزَّوْجَةُ مِمَّا سَمِعَتْ. أَقْبَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا تَلُومُهُ لِتَعَرُّضِهِ لِلْأَخْطَارِ فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْحَطَّابُ: «أَكُنْتِ تَرْضَيْنَ أَنْ أَتْرُكَ الْعِمْلَاقَ يَفْتَرِسُ الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ؟»
قَالَتِ الزَّوْجَةُ: «مَا كَانَ أَجْدَرَكَ أَنْ تَذْكُرَ أَنَّ أَوْلَادَكَ وَزَوْجَتَكَ أَعَزُّ عَلَيْكَ، وَأَحَقُّ بِأَنْ تَسْتَبْقِيَ لَهُمَا حَيَاتَكَ؛ فَلَا تُعَرِّضَهَا لِلْهَلَاكِ فِي سَبِيلِ مَنْ لَا تَعْرِفُ مِنَ الْغُرَبَاءِ. مَا كَانَ أَجْدَرَكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَصْرِفَ جُهْدَهُ كُلَّهُ لِأُسْرَتِهِ وَحْدَهَا.»
أَجَابَهَا الْحَطَّابُ: «كَلَّا يَا عَزِيزَتِي. لَا تَنْدَمِنَّ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ. إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ ثَوَابَهُ. إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.»
(۳) السَّعَادَةُ بَعْدَ الشَّقَاءِ
جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي. خَرَجَ الْحَطَّابُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَرْجِ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ.
عَزَمَ الْحَطَّابُ عَلَى بَيْعِ دَوَاجِنِهِ وَمَوَاشِيهِ. وَدَّعَ الْحَطَّابُ حِمَارَهُ أَوَّلَ مَا وَدَّعَ. كَانَ الْحَطَّابُ شَدِيدَ الْحُزْنِ لِفِرَاقِ حِمَارِهِ. كَانَ بَيْنَ الْحَطَّابِ وَحِمَارِهِ صُحْبَةٌ جَمِيلَةٌ، وَأُلْفَةٌ طَوِيلَةٌ.
يَا لَدَهْشَةِ الْحَطَّابِ! هَا هِيَ ذِي قَدَمُهُ تَغُوصُ فِي أَرْضٍ رَطْبَةٍ.
نَظَرَ الْحَطَّابُ مُتَعَجِّبًا. قَالَ لِنَفْسِهِ مُتَحَيِّرًا: «تُرَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَاءُ؟»
يَا لَدَهْشَتِهِ! هَا هُوَ ذَا يَرَى أَرْضَهُ خَصْبَةً سَوْدَاءَ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَاوِيَةً جَدْبَاءَ، قَاحِلَةً بَيْضَاءَ.
تَلَفَّتَ الْحَطَّابُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً. كَانَ الْعَجَبُ آخِذًا مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ.
هَا هُوَ ذَا يَرَى النَّبَاتَ مُزْدَهِرًا، وَالْأَشْجَارَ مُورِقَةً مُثْمِرَةً.
هَا هُوَ ذَا يَرَى النَّهْرَ يَفِيضُ مَاءً عَذْبًا.
(٤) نَشِيدُ الْجِنِّيَّاتِ
كَانَ الْحَطَّابُ يَسْتَمِعُ إِلَى خَرِيرِ الْمَاءِ فَرْحَانَ مُبْتَهِجًا. كَانَ صَوْتُ الْمَاءِ عَلَى سَمْعِهِ أَعْذَبَ مِنَ الْمُوسِيقَى.
تَلَفَّتَ الْحَطَّابُ حَوْلَهُ. رَأَى جِنِّيَّاتِ الْمَاءِ مُجْتَمِعَاتٍ فِي حَقْلِهِ، سَاهِرَاتٍ عَلَى حِرَاسَتِهِ وَتَعَهُّدِ نَبَاتِهِ، مَاشِيَاتٍ عَلَى الْأَرْضِ حِينًا وَطَائِرَاتٍ فِي الْجَوِّ حِينًا، بَيْنَ مُجْتَمِعَاتٍ وَمُتَفَرِّقَاتٍ.
رَأَى الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَنْقَذَهَا مِنَ الْعِمْلَاقِ تَقُودُ أَتْبَاعَهَا مِنْ بَنَاتِ الْجِنِّ الظَّرِيفَاتِ. سَمِعَهَا تَشْدُو لِرَفِيقَاتِهَا مُتَرَنِّحَةً مِنَ الْفَرَحِ. كُنَّ يُرَدِّدْنَ شَدْوَهَا مُتَرَنِّحَاتٍ: «حَمِّلُوا الشَّجَرْ أَطْيَبَ الثَّمَرْ وَاسْكُبُوا الْمَطَرْ وَامْلَئُوا النَّهَرْ»
ظَلَّتِ الْجِنِّيَّاتُ يُصَفِّقْنَ لِمَلِيكَتِهِنَّ الشَّابَّةِ الْفَتِيَّةِ. كُنَّ شَدِيدَاتِ الْفَرَحِ بِنَجَاةِ أَمِيرَتِهِنَّ.
أَقْبَلَ الْحَطَّابُ الشُّجَاعُ عَلَى الْجِنِّيَّاتِ وَأَمِيرَتِهِنَّ شَاكِرًا لَهُنَّ مَا أَسْدَيْنَ إِلَيْهِ مِنْ مَعْرُوفٍ.
ارْتَفَعَتْ حَشَائِشُ الْمَرْجِ. أَصْبَحَتْ أَعْلَى مِنْ بُطُونِ الْبَقَرِ وَظُهُورِ النِّعَاجِ وَالْخِرْفَانِ.
أَسْرَعَ الْحِمَارُ إِلَى الْمَاءِ لِيَرْوِيَ ظَمَأَهُ. كَانَتِ الدَّوَاجِنُ وَالْمَوَاشِي هَانِئَةً سَعِيدَةً بِمَا تَشْرَبُهُ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ نَمِيرٍ.
حَمْدًا لِلَّهِ، عَلَى مَا أَوْلَاهُ. نَجَتِ الْقَرْيَةُ وَأَهْلُهَا مِنْ أَذَى الْعِمْلَاقِ الشِّرِّيرِ.
(٥) خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
أَقْبَلَتْ «سُعَادُ» عَلَى زَوْجِهَا تُهَنِّئُهُ بِمَا ظَفِرَ مِنْ ثَمَرَاتٍ وَخَيْرَاتٍ.
ابْتَهَجَتِ الْقَرْيَةُ كُلُّهَا بِمَا هَيَّأَهُ لَهَا «قَاهِرُ الْجَبَابِرَةِ» مِنْ خَيْرٍ عَمِيمٍ وَهَنَاءٍ مُقِيمٍ.
عَرَفَ الْأَهْلُونَ قِصَّةَ الْحَطَّابِ مَعَ الْعِمْلَاقِ وَأَمِيرَةِ الْجِنِّيَّاتِ.
أَقْبَلُوا عَلَيْهِ فَرْحَانِينَ. شَكَرُوا لَهُ مَا أَسْدَاهُ إِلَيْهِنَّ مِنْ جَمِيلٍ.
قَالَ الْحَطَّابُ لِمُوَاطِنِيهِ: «لَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ أَدَّيْتُ وَاجِبِي. لَا شُكْرَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ.»
قَالَتْ «سُعَادُ» لِزَوْجِهَا: «نَحْنُ أَدَّيْنَا لِجَارِنَا مَا تَسَلَّفْنَاهُ مِنَ الْعَلَفِ. لَا يَزَالُ لَدَيْنَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوَاتِ، وَالْفَاكِهَةِ وَالثَّمَرَاتِ. خَبِّرْنِي: أَيُّ أُعْجُوبَةٍ حَدَثَتْ لَنَا؟ أَيُّ مُعْجِزَةٍ سَمَاوِيَّةٍ حَلَّتْ بِأَرْضِنَا؟ أَيُّ قُوَّةٍ هَيَّأَتْ لَنَا هَذِهِ السَّعَادَةَ؟»
وَقَفَ الْحَطَّابُ وَهُوَ يُجِيلُ عَيْنَهُ الْحَالِمَةَ، تَارَةً فِي أَمْوَاجِ النَّهْرِ الْفِضِّيَّةِ الْمُتَدَفِّقَةِ، وَتَارَةً أُخْرَى فِي مِيَاهِ الْأَخَادِيدِ وَالْقَنَوَاتِ الزُّرْقِ الْجَارِيَةِ خِلَالَ الْمَرْجِ. قَالَ الْحَطَّابُ لِزَوْجَتِهِ «سُعَادَ»: «إِنَّنَا مَدِينُونَ بِهَذَا الْخَيْرِ كُلِّهِ لِأَمِيرَةِ الْجِنِّيَّاتِ، وَصَوَاحِبِهَا الْفُضْلَيَاتِ اللَّائِي قُمْنَ بِهَذَا الصَّنِيعِ الْجَلِيلِ، اعْتِرَافًا مِنْهُنَّ بِالْجَمِيلِ.»
الْقِصَّةُ التَّالِيَةُ: «الْأَمِيرُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ»
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.