حكاية·HIKOYA

مدينة النحاس

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy7 bob56 daqiqa
مدينة النحاس
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.
  3. 3.
  4. 4.
  5. 5.
  6. 6.
  7. 7.

الفصل الأول

(۱) هُبُوبُ الْعَاصِفَةِ

هَبَّتِ الْعَاصِفَةُ شَدِيدَةً عاتِيَةً، وَتَعالَتْ أَمْواجُ البَحْرِ هَادِرَةً صاحِبَةً، تُهَدِّدُ السَّفِينَةَ بِالغَرَقِ بَيْنَ لَحظَةٍ وَأُخْرَى، وَاسْتَولَى الخَوْفُ عَلَى رُكَّابِ السَّفِينَةِ وَمَلَّاحِيهَا وَرُبَّانِهَا، وَخارَتْ مِنْهُمُ الْقُوَى، وَكادَ اليَأْسُ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ، لَوْلا ما بَعَثَهُ أَمِيرُهُم «إقبال» الشُّجَاعُ مِنْ أَمَل فِي نُفُوسِهِمْ، بِفَضْل مَا أُوتِيَ مِنْ ثَباتِ قَلْبٍ، وَقُوَّةِ عَزِيمَةٍ ، وَبَراعَةِ حيلةٍ. وَالشَّجَاعَةُ تُعْدِي كَما يُعْدِي الخَوْفُ، وَتَنْتَقِلُ مِن شَخْصٍ إِلَى آخَرَ كَمَا يَنْتَقِلُ الْمَرَضُ.

وَكَانَ «إقبال» مِنْ أَفْدَانِ الرِّجالِ الَّذِينَ تَزِيدُهُمُ الشَّدائِدُ صَلابَةً وَقُوَّةً، فَراحَ يُصْدِرُ إِلَيْهِمْ أَوَامِرَهُ تِباعًا - فِي بَراعَةٍ وَحَنْكَةٍ وَذَكاءِ - حَتَّى كُتِبَتْ لَهُمُ السَّلَامَةُ، بَعْدَ أَنْ تَعرَّضُوا لِلْهَلاكِ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ، كَانَتِ العَواصِفُ تُهَدِّدُهُمْ - فِي خِلالِهِما – بِالْغَرَقِ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْفَيْنَةِ.

فَلَمَّا جَاءَ اليَوْمُ الثَّالِثُ سَكَنَتِ الرِّيحُ الْعاصِفَةُ، وَهَدَأَتِ الأَمْواجُ الثَّائِرَةُ، وَنَجَتْ سَفِينَةُ الأَميرِ، كَمَا نَجَتْ سفائنُ أَتْبَاعِهِ وَحَاشِيَتِهِ مِنَ الْغَرَقِ.

(۲) حِوَارُ الأَمِيرِ وَالرُّيَّانِ

وَمَا إِنْ تَبَيَّnَ الرُّبَّانُ مَوْقِعَ السَّفِينَةِ مِنَ البَحْرِ حَتَّى صَرَخَ مُتَأَلَّمًا، وَقَالَ: «لَقَدْ نَجَوْنَا يا سَيِّدِي الأَمِيرِ مِنَ الْغَرَقِ، وَلَكِنَّنَا لَمَّا نَنْجُ مِنَ الهَلاكِ.»

فَسَأَلَهُ الأَمِير: «ماذا تَعْنِي؟»

فَقالَ الرُّبَّانُ: «لَقَدْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ؛ فَما نَعْلَمُ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ الدُّنْيَا طَوَّحَتْ بِنا الْعاصِفَةُ ؟ وَما يَدْرِي أَحَدٌ : أَيْتاحُ لِسَفَائِنِنا (مراكبنا ) أَنْ تَرْسُوَ عَلَى البَرِّ، أَمْ كُتِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْضِي مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِنَا فِي الحَياةِ هائِمينَ عَلَى سَطْحِ المَاءِ حَتَّى يَنْفَدَ مَا مَعَنا مِنْ طَعَامٍ وَشَرابِ فَنَهْلِكَ جُوعًا وَعَطَشًا ، بَعْدَ أَنْ نَجَوْنَا مِنَ الْمَوْتِ غَرَقًا؟»

فقال الأميرُ الشَّجَاعُ: «لا تَجْزَعْ ولا يهِنَّ مِنْكَ العَزْمُ، فَإِنَّ عِنايَةَ اللَّهِ الَّتِي يَسَّرَتْ لَنا طَرِيقَ الخَلاصِ مِنْ خَطَرِ العاصِفَةِ، قادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُيَسِّرَ لَنا طَرِيقِ النَّجَاةِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ - قَدْ كَتَبَ عَلَيْنا أَنْ نَمُوتَ فِي هَذِهِ الرِّحلَةِ فَلا حِيلَةَ لِأَحَدٍ فِيمَا قَضَى اللَّهُ. وَمَا أَجْدَرَنا أَنْ نُواجِهُ المَوْتَ - كَما نُواجِهُ الحَياةَ - باسمِين غَيْرَ هَيَّابِينَ وَلَا خَائِفِينَ. وَلَيْسَتْ هذه أوّل عاصِفَةٍ نَلْقاها في رحلاتنا ، وَمَا أَحْسَبُها آخِرَ عَاصِفَةٍ تُكْتَبُ لَنَا السَّلَامَةُ – بِإِذْنِ الله – مِنْ أَهْوالِها.»

(۳) الرَّاحَةُ بَعْدَ التَّعَبِ

وهكذا رَدَّ الأَمِيرُ الشَّجَاعُ الطُّمَأْنِينَةَ إِلَى قُلُوبِ أَصْحَابِهِ. وَسَارَتْ سَفَائِنُ الأَمِيرِ تَحْمِلُهُ مَعَ حاشِيَتِهِ وَجُنُودِهِ فِي البَحْرِ عَلَى غَيْرِ هُدًى خَمْسَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ. ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ فِي اليَوْمِ السَّادِسِ عَلَى السَّاحِلِ، فَخَرَجَ الأَمِيرُ وَرِفاقُهُ إِلَى البَرِّ آمِنِينَ شَاكِرِينَ الله حَامِدِينَ، وَجَلَسُوا يَلْتَمِسُونَ الرَّاحَةَ مِنْ عَناءِ السَّفَرِ، بَعْدَ أَنْ كَابَدُوا فِي رِحْلَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ الشَّاقَّةِ ما كَابَدُوا مِنْ أَهْوال.

وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمُ الْمُقَامُ رَأَوْا مِنْ دَلائِلِ الخِصْبِ وَالخَيْرِ الْعَمِيمِ مَا مَلَأَ نُفُوسَهُمْ بَهْجَةً وَإِعْجَابًا، حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ حَلُّوا فِي جَنَّةٍ مِنْ جَنَّاتِ الفِرْدَوسِ ذاتِ أَنْهَارٍ وَأَشْجَارٍ، وَرِياضٍ تَحْفِلُ بِأَطايبِ الثَّمَارِ وَالأَزْهَارِ!

ولَبِثُوا أَيَّامًا يَتَرَقَّبُونَ أَنْ يَرَوْا إِنْسَانًا يَسْأَلُونَهُ عَنِ اسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي حَلُّوا بِهِ، فَلَمْ يَجِدُوا أَحْدًا.

(٤) المَدِينَةُ الْمُوصَدَةُ

وَذَا صَبَاحٍ خَرَجَ الأَمِيرُ يَرْتادُ تِلكَ الأَنْحَاءَ لِيَتَعَرَّفَ شَيْئًا عَنْهَا، فَانْتَهَى بِهِ السَّيْرُ إِلَى جَبَلٍ عالٍ، فَقَصَدَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَعَّدَ فِيهِ، وَما زالَ مُصَدِّدًا فِيهِ حَتَّى بَلَغَ قِمَّتَهُ.

فَرَأَى عَلَى مَسافَةٍ قريبةٍ مِنْهُ سُورَ مَدِينَةٍ عَالِيَةٍ، فَأَيْقَنَ بِقُرْبِ الْفَرَجِ، وَأَسْرَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ يُخْبِرُهُمْ بِما رَأَى وَكانَ الْمَساءُ قَدِ اقْتَرَبَ، فَباتُوا لَيْلَتَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَاسْتَأْنَفُوا السَّيْرَ فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي حَتَّى بَلَغُوا ذِرْوَةَ الْجَبَلِ، ثُمَّ هَبَطُوا إِلَى سَفْحِهِ الآخَرِ، وَاسْتَرَاحُوا يَوْمَهُمْ، مُسْتَأْنِفِينَ فِي صَباحِ اليَوْمِ التَّالِي سَيْرَهُمْ ، فَرَأَوْا عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُمْ مَدِينَةً عَالِيَةَ البُنْيَانِ، مُشَيَّدَةَ الأَرْكَانِ، يَحُفُّ بِها سُورٌ عالٍ مِنْ كُلِّ جِهاتِها، وَرَأَوْا أَبْوابَها النُّحَاسِيَّةَ مُغْلَقَةً قَدْ أُحْكِمَ رِتاجُها بِالْمَتارِيسِ وَالأَقْفالِ، فَاسْتِحالَ الدُّخُولُ إِلَيْهَا، وَلاحَ لَهُمْ فِي أَعْلَى السُّورِ بِرُوجٌ مُحَصَّنَةٌ، أَبْوَابُها مِنَ النُّحَاسِ، أُتْقِنَتْ نُقُوشُها وَزَخَارِفُها أَيَّمَا إِثْقَانٍ، فَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ يُدَبِّرُونَ الحِيلَةَ فِي دُخُولِها ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلى وَسِيلَة تُمَكِّنُهُمْ مِنْ تَحْقِيقِ رَغْبَتِهِمْ.

(٥) السُّلَّمُ الكَبِيرُ

فَأَشَارَ عَلَيْهِمُ الأَمِيرُ أَنْ يَعْمَلُوا سُلَّمًا كَبِيرًا يُسامِتُ ذِرْوَةَ سُورِها العالي لِيُمَكِّنَهُمْ مِنْ فَتْحِ أَبْوابِها، وَتَعَرُّفِ خَبَرِها وَعَجَائِبِها، وَسُؤَالِ أَهْلِها عَنِ اسْمِهَا، وَمَكَانِهَا مِنَ الدُّنْيَا.

فَقَالُوا: «نِعْمَ مَا أَشَارَ بِهِ الأَميرُ.»

وَمَا لَبِثُوا أَنْ أَتَمُّوا صُنْعَ السُّلَّمِ الكَبِيرِ ، ثُمَّ تَعاوَنُوا عَلَى رَفْعِهِ حَتَّى أَقَامُوهُ وَأَلْصَقُوهُ بِالسُّورِ الْعالِي، فَجَاءَ مُساوِيًا لَهُ، كَأَنَّهُ قَدْ عُمِلَ عَلَى قَدِّهِ وَارْتِفَاعِهِ.

(٦) السَّبَّاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ

فَشَكَرَ لَهُمُ الأَمِيرُ جُهُودَهُمْ وَتَوْفِيقَهُمْ، وَقَالَ: «بارَكَ اللهُ فِيكُمْ. لَقَدْ كَلَّلَ اللَّهُ مَسْعاكُمْ بِالنَّجَاحِ، فَكَأَنَّمَا قِسْتُمُ السُّلَّمَ عَلَى ارْتِفاعِ سُورِ الْمَدِينَة.»

ثُمَّ سَأَلَهُمْ: «أَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْتَقِيَ هَذا السُّلَّمَ الْعَالِيَ حَتَّى يَبْلُغَ ذِرْوَةَ السُّورِ، ثُمَّ يَحْتَالَ لِنُزُولِهِ إِلَى أَرْضِ المَدِينَةِ لِيَفْتَحَ لَنَا مَغَالِيقَ هَذَا الْبَابِ؟»

فَقَالَ أَحَدُهُمْ، وَقَدْ طَمَحَتْ نَفْسُهُ إِلَى الظُّفَرِ بِتَحقِيقِ رَغْبَةِ الأَميرِ: «أَنَا أَصْعَدُ عَلَيْهِ أَيُّهَا الأميرُ، وَأَتَكَفَّلُ بِفَتْحِ أَبْوابِ المَدِينَةِ.»

فَقَالَ الأمير «إقبال»: «اصْعَدْ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ.»

فَصَعِدَ الفَارِسُ أَدْراجَ السُّلَّم حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَعْلاهُ.

وَمَا كادَ يَرْتَقِي سُورَ المَدِينَةِ، وَتَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَماهُ حَتَّى شَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: لَبَّيْكِ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكِ ، هأنذا حاضِرٌ إِلَيْكِ، مَائِلٌ بَيْنَ يَدَيْكِ.»

ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ إِلَى دَاخِلِ المَدِينَةِ مِنْ ذلِكَ العُلُوّ الشَّاهِقِ، فَدُقَّتْ عُنْقُهُ، وَانْهَرَسَ لَحْمُهُ وَعَظْمُهُ.

فقال الأميرُ «إقبال»: «إذا كانَ هذا فِعْلَ العاقِلِ ، فَماذا يَصْنَعُ الْمَجْنُونُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَفْنَينَّ أَصْحابُنَا جَمِيعًا إِذا اقْتَدَوْا بِفِعْلِ هذا الرَّائِدِ الأَحْمَق . ارْجِعُوا ، فَلا حَاجَةَ بِنَا لِدُخُول هذهِ المَدِينَةِ المَسْحُورَةِ ، وَلا خَيْرَ فِي البَقاءِ هُنا حَتى لا نُعَرِّضَ أَصْحَابَنَا لِلرَّدَى، وَلَا نُلْقِيَ بِهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.»

فَقَالَ فَارِسٌ جَرِيءٌ: «أَتِحْ لِيَ يا مَوْلاي فُرْصَةً ماجدَةً، لَعَلِّي أَثْبَتُ قَلْبًا مِنْ صَاحِبِي، وَأَرْجَحُ عَقْلًا، فَإِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثْنِي أَنَّنِي قَادِرٌ عَلَى فَتْحِ أَبْوابِ هذِهِ المَدِينَةِ مَتَى أَذِنَ لِيَ الأَمِيرُ.»

فَقالَ الأمير «إقبال»: «أَخْشَى أَنْ يَنالَكَ ما نالَ صَاحِبَكَ.» ثُمَّ أَذِنَ لَهُ.

وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ عَلَى السُّورِ، حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الخَبَلِ مِثْلُ مَا ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَصَفَّقَ بَكَفَّيْهِ، وَصاحَ صَيْحَةَ رَفِيقِهِ الأَوَّلِ: لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ، ها أنا ذا حاضِرٌ إِلَيْكِ، وَمَائِلٌ بَيْنَ يَدَيْكِ.» ثُمَّ قَذَفَ بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ السُّورِ، وَهَوَى إِلَى أَرْضِ الْمَدِينَةِ، فَاخْتَلَطَ لَحْمُهُ بِعَظْمِهِ مِنْ فَوْرِهِ.

فَلَمْ يَثْنِ مَصْرَعُهُما مِنْ عَزْمِ إِخْوانِهِما عَنْ مُتابَعَتِهما. وَتَهَافَتُوا وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ، يُلْحِفُونَ فِي إِنْجَازِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُمْ، وَكُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَقْدَرُ مِمَّنْ سَبَقَهِ، وَأَجْدَرُ بِالْفَوْزِ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى هَلكَ مِنْهُمْ جُمْهُورٌ كَبِيرٌ. وَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى السُّورِ إِلَّا بِمِقْدارِ ما لَبِثَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَلْقَى مَصْرَعَهُ مِنْ فَوْرِهِ.

(۷) قائِدُ الجَيْشِ

فَانْبَرَى قَائِدُ الجَيْشِ قائلًا: «ما لهذا الأَمْرِ غَيْرِي أَيُّها الأَمِيرُ. وَلَنْ تَرَى مِنِّي – إِنْ شَاءَ اللَّهُ - غَيْرَ مَا يَسُرُّكَ.»

فَقالَ لَهُ الأَمِيرُ «إِقْبال»، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْجَزَعُ: «هَيْهاتَ أَنْ آذَنَ لَكَ بِذلِكَ. كَلَّا، لَنْ أُمَكِّنَكَ مَنْ هَذِهِ المُحاوَلَةِ الجَريئةِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ لَكَ عاقِبَتُها . وَأَنْتَ قَائِدُ الجَيْشِ وَمُرْشِدُهُ، وَلَنْ يُطَاوِعَنِي قَلْبِي عَلَى أَنْ أُعَرِّضَكَ لِلْمَوتِ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتَ مَصارِعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسانِنَا الْمُدَرَّبِينَ.»

وَطالَ الحِوارُ وَالجَدَلُ بَيْنَ الأَميرِ وَقائِدِ الجَيْش ، ثُمَّ انْتَهَى رَأَيُّ الأَمِيرِ إِلَى إِجَابَةِ القَائِدِ؛ ثِقَةً بِحَرَامِةِ أَمْرِهِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ، وَرَباطَةِ جَأْشِهِ.

وَارْتَقَى الْقَائِدُ السُّلَّمَ، وَقَلْبُهُ مُمْتَلِئُ يَقِينًا وَإِيمانًا بِنَجاحٍ مَسْعَاهُ، حَتَّى بَلَغَ أَعْلَى السُّورِ. وَما كادَ يَفْعَلُ حَتَّى شَخَصَ بِبَصَرِهِ، وَبَدَتْ عَلَيْهِ أماراتُ الاضْطِرابِ، وَصاحَ كَما صاحَ أَصْحَابُهُ مِنْ قَبْلُ: «لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ ، لَبَّيْكِ، ها أنا ذا حاضِرٌ إِلَيْكِ، وَمَائِلٌ بَيْنَ يَدَيْكِ.» ثُمَّ قَذَفَ بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ السُّورِ، وَهَوَى إِلَى الأَرْضِ كَمَا هَوَى أَصْحَابُهُ مِنْ قَبْلُ.

الفصل الثاني

(۱) فاتِحُ الْمَدِينَةِ

فَلَمَّا رَأَى الأَمِيرُ «إقبال» مَصارِعَ أَتْباعِهِ، وَهَلاكَ قائِدِ جَيْشِهِ ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُحاوَلَتِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «ما لهذا الأَمْرِ غَيْرِي.»

فارْتاعَ أَصْحَابُ الأَميرِ وَجَزِعُوا وَتَفَزَّعُوا مِمَّا سَمِعُوا وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ صَارِعِينِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ هَذهِ المُخاطَرَةِ، وَقَالُوا لَهُ مُسْتَعْطِفِينَ: تَرَفَّقْ بِنا أَيُّها الأميرُ، فَإِنَّ حَياتَنَا رَهْنٌ بِحَياتِكَ، وَلا سَبِيلَ لَنا إِلَى البَقاءِ بَعْدَكَ، فَأَنْتَ دَلِيلُنا وَرَائِدُنَا، وَهادِينَا وَمُرْشِدُنا.»

فَقَالَ الأَمِيرُ: «لَقَدْ عَرْمْتُ عَلَى أَنْ أُدْرِكَ هذهِ الغَايَةَ أَوْ أَهْلِكَ دُونَهَا، وَلَنْ يُثْنِيَنِي عَنْ بُلُوغِهَا شَيْءٌ إِنْ شَاءِ اللَّهُ.»

فَلَمَّا رَأَوْا إِصْرَارَ الأَميرِ عَلَى عَزْمِهِ، وَعَجْزَهُمْ عَنْ مُقاوَمَةِ إِرَادَتِهِ، كَفُّوا عَنْ إِلْحَافِهِمْ، واتَّجَهُوا إِلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِمْ وَرَجائِهِم.

وَارْتَقَى الأَميرُ دَرَجَاتِ السُّلَّمِ العالي حَتى بَلَغَ ذِرْوَتَهُ. وَما كَادَ يَسْتَقِرُّ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ حتى اسْتَخَفَّهُ الفَرَحُ ، فَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ إِعْجَابًا، وَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى الفِضاءِ مُتَأَمِّلًا، فَجَزِعَ أَصْحَابُهُ مِمَّا رَأَوْا، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ أَمِيرَهُمْ سَيَلْحَقُ بِمَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْهَالِكِينَ، وَحَسِبُوا أَنَّهُ قاذِفٌ بِنَفْسِهِ مِنْ أَعْلَى السُّورِ الشَّاهِقِ، فَتَعَالَى صُراخُهُمْ، وَانْطَلَقُوا يَصِيحُونَ مَذْعُورِينَ: «رُحْمَاكَ اللَّهُمَّ رُحْمَاكَ! تَرَفَّقْ بِنا أَيُّها الأميرُ ، وَلا تُلْقِ بِنَفْسِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَنُصْبِحَ بَعْدَكَ مِنَ الْهالِكِينَ.»

وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، وَتَغَلَّبَتِ الْحِكْمَةُ عَلَى الطَّيْشِ ، وانْتَصَرَ الْعَقْلُ عَلَى السِّحْرِ، فَجَلَسَ الأميرُ ساعَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ نَهَضَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فِي لَهْجَةِ الْوَائِقِ الثَّابِتِ العَزْمِ:

لا تَخافُوا عَلَيَّ، وَلا تَهِنْ عَزَائمُكُمْ أَيُّها الرّفاقُ، وَلَنْ تَرَوْا إِلَّا مَا يَسُرُّكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَقَدْ صَرَفَ اللَّهُ عَنِّي كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَمَكْرَهُ.»

وَجَلَسَ الأَميرُ قَلِيلًا يُفَكِّرُ فِي فَتْحِ أَبْوابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ نَهضَ قَائِمًا.

(۲) الْجَوارِي الْعَشْرُ

أَيُّها الصَّدِيقُ الصَّغِيرُ ، أَتَعْرِفُ ماذا رَأَى الأَميرُ حِينَ وَقَفَ عَلَى سُورِ المَدِينَةِ؟

لَقَدْ شَهِدَ مَا لَمْ يَشْهَدْهُ إِنْسانٌ، وَرَأَى أَعْجَبَ ما وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنَانِ، وَسَمِعَ أَغْرَبَ ما سَمِعَتْهُ أُذُنانِ: رَأَى عَشْرَ جَوارِ، كَأَنَّهُنَّ الأَقْمَارُ، يُشِرْنَ بِأَيْدِيهِنَّ إِلَيْهِ، وَيَنادِينَهُ قَائِلاتٍ: «تعال إلينا أيُّها الأميرُ العَظِيمُ!»

وخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ تَحْتَهُ بَحْرًا مِنَ الماءِ دانِيًا مِنْهُ (قَرِيبًا ) ، فَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ مَنْ سَبَقَهُ، فَرَأَى أَصْحَابَهُ صَرْعَى، فَتَابَ إِلَيْهِ رُشْدُهُ ، وَأَدْرَكَ أَنَّ ما يَرَاهُ خِداعُ سَاحِرٍ، فَاسْتَمْسَكَ، وَاعْتَصَمَ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يُلْقِ بِنَفْسِهِ.

وَهَكَذَا رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطانِ وَفِتْنَتَهُ، وَتَجَلَّى لَهُ أَنَّ ما رَآهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَكِيدَةً دَبَّرَها ساحر بارِعٌ ، لِيَرُدَّ عَنِ الْمَدِينَةِ كُلَّ مَنْ يُحَاوِلُ اقْتِحامَها ، وَيَرُومُ الوُصُولَ إِلَيْهَا. وهكذا رُفِعَتِ الغِشَاوَةُ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَتَكَشَّفَ لَهُ هَوْلُ ما كانَ مُقْدِمًا عَلَيْهِ. وَزَالَ عَنْهُ كَيْدُ الكَائِدِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ - عَلى ما أَنارَ لَهُ مِنْ طَرِيق، وَيَسَّرَ لَهُ مِنْ رُشْدٍ وَتَوْفِيقِ؛ فَقَدْ شَاءَتْ رَحْمَتُهُ بالأَمِيرِ أَنْ يُبَدِّرَهُ بِمَوْقِعِ الخَطَرِ، فَاعْتَبَرَ بِمَصْرَعِ أَصْحَابِهِ. وَالسَّعِيدِ مَنْ وعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ وُعِظَ بِنَفْسِهِ!

(۳) الطَّلَّسْمُ

وَمَشَى الأَمِيرُ عَلَى السُّورِ بِضْعَ خُطُواتٍ، فَرَأَى بُرْجًا عاليًا مِنَ النُّحَاسِ، لَهُ بِابٌ مِنَ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ (الخالِص)، مَفْتُوحٌ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. وَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَهُ فَرَأَى فِي وَسْطِ الْبَابِ صُورَةَ فارِسٍ مِنْ نُحَاسٍ، لَه كَلٌّ مَمْدُودَةٌ كَأَنَّما تُشِيرُ إِلَى لَوْحٍ مَكْتُوبِ، فَقَرَأَهُ الأَمِيرُ فَإِذَا فِيهِ:

مَرْحَبًا بِكَ أَيُّها الأميرُ العَظِيمُ . مَرْحَبًا بِكَ يا مُخَلِّصَ مَدِينَةِ النُّحَاسِ، وَوَاهِبَ الحُرِّيَّةِ لِمَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ.

تَأَمَّلِ الزُّنْبُرُكَ الَّذِي تَراهُ فِي صَدْرِ الفارِسِ، وَأَدِرْهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَوْرَةً، ثُمَّ افْرُكِ السَّمَارَ اللُّولَبِيَّ الَّذِي بِجَانِبِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً.

(٤) مَفَاتِيحُ الْمَدِينَةِ

فَتَعَجَّبَ الأَمِيرُ مِمَّا رَأَى وَما إِنْ أَتَمَّ قِراءَةَ وَصِيَّةِ الطَّلَّسْمِ حَتَّى انْفَتَحَ أَمَامَهُ بَابٌ صَغِيرٌ فِي الْحَالِ، سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ حَافِتٌ، فَدَخَلَ مِنْهُ سالِكًا دِهْلِيزًا طَوِيلًا. انْتَهَى بِهِ إِلَى سُلَّمٍ نُحَاسِيٌّ صَغِيرِ الدَّرَجِ، فَهَبَطَ مِنْهُ بِضْعَ دَرَكاتٍ، فَرَأَى رُدْهَةً اصْطَفَّتْ فِيها الأرائكُ، يَجْلِسُ عَلَيْها حُرَّاسٌ أَشِدَّاءُ أَقْوِياءُ كامِلو العتادِ ، في أَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ المُرْهَفَةُ، والقِسِيُّ الْمُوَتَّرَةُ، وَالسِّهامُ الْمُفَوَّقَةُ، فَابْتَدَأَهُمْ بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَحَسِبَهُمْ نَائِمِينَ، وقالَ فِي نَفْسِهِ: «لَعَلَّ مَفاتِيحَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ هَؤُلاءِ.»

ثُمَّ أَدارَ لِحاظهُ، فَرَأَى رَجُلًا مَهِيبَ الطَّلْعَةِ ، رائعَ السَّمْتِ، بادِيَ الفُتُوَّةِ، شَدِيدَ البَأْسِ وَالقُوَّةِ، وَهُوَ عَلَى أَرِيكَةٍ عَالِيَةٍ، فَقالَ الأَمِيرُ: «لَعلَّ هذا صاحِبُ مَفاتِيحِ الْمَدِينَةِ.» وَحَيَّاهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ.

وحانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَى عَلَى قيدِ (مَسافَةِ) خُطُواتٍ مِنْهُ أَرِيكَةً عَلَيْهَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، وَفِي ذِراعِهِ سِلْسِلَةٌ مِنَ النُّحاسِ الأَصْفَرِ، فِيها أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِفْتاحًا، فَعَرَفَ أَنَّهُ بَوَّابُ الْمَدِينَةِ، فَدَنَا مِنْهُ الأَميرُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثَانِيَةً وَثَالِثَةٌ، فَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَقالَ مُتَعَجِّبًا: «ما بالي لا أَسْمَعُ مِنْ أَحَدٍ رَدَّ تَحِيَّتِي أَنائِمٌ أَنْتَ كَأَصْحَابِكَ أَمْ أَصَمُّ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَتَأَمَّلَهُ الأَمِيرُ فَاحِصًا؛ فَإِذَا هُوَ تِمثَالُ مِنَ النُّحَاسِ لا حَرَاكَ بِهِ.

فَقالَ الأَمِيرُ: «هذا أَعْجَبُ ما رَأَيْتُ إِنَّهُ تِمْثالُ رَائِعُ الصُّنْعِ، لِإِنْسَانِ يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ، وَلا يُعْوِزُهُ غَيْرُ النُّطْقِ. وَما أَظُنُّ أَصْحَابَهُ إِلَّا كَذلِكَ.»

ثُمَّ أَخَذَ المَفاتِيحَ مُيَمِّمًا بِابَ المَدِينِةِ، وَفَتَحَ الأَقْفالَ ، وَرفَعَ المَزالِيجَ، وَأَزَاحَ المَتارِيسَ، وَجَذَبَ البابَ جَذْبةً قَوِيَّة، فَانْفَتَحَ فِي جَلَبَةٍ وَقَعْقَعَةٍ.

فَفَرِحَ جُنُودُهُ بِنَجَاحِهِ، وَتَعالَتْ صَيْحَاتُ الإِعْجَابِ والإِكْبار، والفَرَحِ والاسْتِبْشَارِ، بِما ظَفِرَ بِهِ الأَميرُ مِنْ فَوْزِ كَبِيرٍ، حَامِدِينَ اللَّهَ عَلَى نَجَاحِ مَسْعَاهُ.

الفصل الثالث

(۱) بَيْنَ الجَيْشِ وَأَمِيرِهِ

وَخَشِيَ الأَمِيرُ أَنْ يَتَعرَّضَ جَيْشُهُ لِلْخَطَرِ إِذا دَخَلَ هَذِهِ المَدِينَةَ الْمَسْحُورَةَ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بها؛ فَأَمَرَ جَيْشَهُ بِالْبَقاءِ خارِجَ المَدِينَةِ حَتَّى يَرْتادَ أَسْواقَها ، وَيَتَعَرَّفَ خَباياها وَأَسْرَارَها، فَإِذَا اطْمَأَنَّ عَلَى سَلامَةِ جَيْشِهِ أَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ. وَخَشِيَ أَصْحابُ الأمير أَنْ يَتَعَرَّضَ أَمِيرُهُمْ لِلْخَطَرِ إِذا دَخَلَ هَذِهِ المَدِينَةَ المَسْحُورَةَ. وَضاعَفَ مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَيْهِ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ مَصَارِعِ إِخْوانِهِمْ وَقَائِدِهِمْ ، فَراحُوا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ أَنْ يكُفَّ عَنْ مُحاوَلَتِهِ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ - أَوْ لِمَنْ يَخْتارُهُ مِنْهُمْ - فِي ارْتِيادِ المَدِينَةِ قَبْلَهُ لِيُجَنِّبَهُ الأَخْطَارَ. ولكِنَّ الأَمِيرَ أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَصَمَّ أُذُنَيْهِ عَنْ رَجَائِهِمْ، وَأَبَى إِلَّا أَنْ يَفْدِيَ جَيْشَهُ بِنَفْسِهِ؛ فَلَمْ يَسَعْهُمْ غَيْرُ الخُضُوعِ لِرَأْيِهِ.

(۲) فِي طُرُقاتِ الْمَدِينَةِ

ومَشَى الأَمِيرُ في طُرُقاتِ المَدِينَةِ بِضْعَ خُطُواتٍ، فَرَأَى رَجُلًا واقفًا عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ويَمُدُّ يَدَهُ بِالتَّحِيَّةِ فِي بَشَاشَةٍ ولُطْفٍ؛ فَأَسْرَعَ الأميرُ إلى تَحِيَّتِهِ، ومَدَّ إِلَيْهِ يَدَهُ، فَوَجَدَهُ جَامِدًا لا يَتَحَرَّكُ. وتَأَمَّلَهُ فَإِذَا هُوَ تِمْثَالُ مِنَ النُّحَاسِ.

وَمَشَى الأَمِيرُ خُطُواتٍ قَلِيلَةً، فَرَأَى جَمَاعَةً يَتَشاجَرُونَ، وَقَدْ أَمْسَكَ بَعْضُهُمْ بِتَلَابِيبِ رَجُلٍ، فَأَسْرَعَ إِلَيهِمْ، لِيُخَلِّصَهُ مِنْهُمْ، فَوَجَدَهُمْ جَمِيعًا تَمَاثِيلَ جَامِدةً.

ثُمَّ مَشَى فِي المَدِينَةِ بِضْعَ خُطُوَاتٍ، فَرَأَى رَجُلًا واقفًا فِي عُرْضِ الطَّرِيقِ، فَدَنَا مِنْهُ لِيَتأَمَّلَهُ، فَإِذَا هُوَ تِمْثَالٌ لا حَرَاكَ بِهِ، فَاشْتَدَّ بِالأَميرِ العَجَبُ، وَاسْتَأْنَفَ سَيْرَهُ فِي شَوَارِع المَدِينَةِ، فَرَأَى كُلَّ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِمْ عَيْناهُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يَتحَرَّكُونَ. وَقَابَلَ عَجُوزًا عَلَى رَأْسِهَا أَثْوَابٌ اشْتَرَتْهَا مِنْ دُكَّانِ ثَوَّابِ، فَدنَا مِنْهَا، وَتَأَمَّلَها ، فَلَمْ يَرَ أَمَامَهُ غَيْرَ تِمْثَالِ. وَرَأَى جَمْهَرَةً مِنْ نِسَاءٍ وَصِبْيانٍ وَأَطْفَالِ، وَشَبابِ وكُهُولٍ، وَصَبايَا وَعَجَائِزَ لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَحَرَّكُ أَوْ يَتكَلَّمُ، فَهُمْ تَمَاثِيلُ لا تُشِيرُ بِطَرْفٍ بِعَيْنٍ)، ولا تَنْطِقُ بِحَرْفٍ.

(۳) أَسْواقُ الْمَدِينَةِ

واستأنف الأميرُ سَيْرَهُ، فَوَجِدَ أسْواقًا أَرْبَعًا ، فَدَخَلَها - وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى – فَوَجَدَ كُلَّ مَنْ فِيهَا مِنْ حَيَوان وناسٍ، تَمَاثِيلَ مَصْبُوبَةً مِنَ النُّحاس.

هذِهِ دَكاكينُ الصُّنَّاعِ والتَّجَّارِ مَفْتُوحَةَ الأَبْوابِ، مَعْرُوضَةَ السِّلَعِ، مَصْفُوفَةَ البَصَائِعِ، مُعَلَّقَةَ المَوازِينِ، أَصْحابُها وزائِرُوها تَماثِيلُ لَا تَعِي ولا تَنْطِقُ.

هذا حَدَّادٌ فَارِعُ الطُّولِ، مفْتُولِ السَّاعِدَيْنِ، يَفِيضُ نَشاطًا وقُوَّةً، وَقَدْ رَفَعَ مِطْرَقَتْهُ لِيَهْوِيَ بها عَلَى السِّنْدَانِ، فَبَقِيَتْ ذِراعُهُ مَمْدُودَةً، ومِطْرَقَتْهُ مُعَلَّقَةً فِي الفَضاءِ، وأَمامَه صَبِيُّهُ نافِخُ الكِيرِ، جَامِدٌ كَمُعَلِّمِه.

وهذا نَجَّارٌ يَشُقُّ لَوْحًا كَبِيرًا بِمِنْشَارِهِ، وقَدْ بَلَغَ مُنْتَصَفَهُ، وَوَقَفَ حَيْثُ هُوَ لا حَرَاكَ به.

وذَاكَ زَيَّاتٌ نَصَبَ مِيزَانَهُ، وأَمامَهُ البَضَائِعُ مِنْ جُبْنٍ وزَيْتُونِ، وما إلى ذلِكَ، هامدًا لا يَتَحَرَّكُ. وهذا تَيَّانٌ يَبِيعُ التِّينَ ، وتَمَّارٌ يَبِيعُ التَّمْرَ (البَلَحَ ) وعَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُما فَاكِهَانِيٌّ يَبِيعُ الفَاكِهَةَ، يَلِيهِ دَقِيقِيٌّ يَبِيعُ الدَّقِيقَ.

ومَشَى خُطُواتٍ قَلِيلَةً فَرَأَى جَدَّالًا يَبيعُ الطُّيُورَ ، وجَزَارًا يَبِيعُ اللَّحْمَ، وَرَبَّاسًا يَبِيعُ الرُّءُوسَ، وسَمَّانًا يَبِيعُ السَّمْنَ ، ودَهَانًا يَبيعُ الدُّهْنَ ، وبَيَّاضًا يَبِيعُ البَيْضَ، وجَبَّانًا يَبِيعُ الجُبْنَ، وَعَسَّالًا يَبِيعُ العَسَلَ، وخَبَّارًا يَبِيعُ الخُبْزَ.

ثم سار الأمير إلى سُوقٍ ثانِيَةٍ، فَرَأَى دَكاكينَ البَزَّازِينَ والتَّوَّابِينَ مَمْلُوءَةً بِأَنْواعِ الثَّيابِ، مِنَ القُطْنِ والكَتَّانِ، والخَرِّ والحَرِيرِ ، والدِّيباج المَنْسُوجِ بالذَّهَبِ الأَحْمَرِ والفِضَّةِ البَيْضَاءِ، ومَا إِلَيْهَا مِنْ مُخْتَلِفِ الثَّيابِ.

ورَأَى الفَرَّائِينَ يَبِيعُونَ الفِرَاءَ، والوَشَّائِينَ يَعْمَلُونَ الوَشْيَ، والرَفَّائِينَ يَرْفَأُونَ الثَّيابَ، والهَدَّابِينَ يَفْتِلُونَ الخَيْطَ ، والنَّجَّادِينَ يَخِيطُونَ الفُرُشَ والوَسائِدَ ، والكَوَّائِينَ يَكْوُونِ الثَّيابَ، والأَبَارِينَ يَصْنَعُونَ الإِبَرَ، والنَّسَّاجِينَ يَنْسُجُونَ الثَّيابَ، والحَذَّائِينَ يَصْنَعُونَ الْأَحْذِيَةَ، وإلى جَانِبِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ الصَّبَّاغِينَ والدَّبَّاغِينَ.

ثُمَّ انْتَقَلَ الأَمِيرُ إلى سوق ثالِثَةِ، فَرَأَى جَمَاعَةً مِنَ الصُّيَّاغِ وتُجَّارِ اللُّؤْلُةِ وأَمامَهُمْ نَفَائِسُ الأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ كَالْيَاقُوتِ والزُّمُرُّدِ والمَرْجَانِ صِغَارِ اللُّؤْلُةِ)، وكُلُّهُمْ - بَيْنَ وَاقِفِ وجالس – ساكِنُ لا يَتَحَرَّكُ ولا يَنْطِقُ.

وَرَأَى الزَّجَّاحِينَ يَصْنَعُونَ الزُّجاجَ ، والخَزَّافِينَ يَبيعُونَ الخَزَفَ، وَالفَخَّارِينَ يَصْنَعُونَ أَوَانِيَ الفَخَّارِ ، والجَلَّائِينَ يَجْلُونَ الإِنيَةَ ، والعَوَّاجِينَ يَبيعُونَ العاج، والسَّكَّاكِينَ يَعْرِضُونَ السكاكين، والشَّعَابِينَ يُصْلِحُونَ مَا تَصَدَّعَ مِنَ الأَوَانِي.

وَمَشَى خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً فَرَأَى صَيْدِليًّا يَبيعُ الأَدْوِيَةَ، وَإِلى جِوَارِهِ مُجَبَّرًا يَجْبُرُ العِظامَ المَكْسُورَةَ. وَانْتَهَى بِهِ المَطَافُ إِلى السُّوقِ الرَّابِعَةِ حَيْثُ وَجَدَ النَّخَاسِينَ يَبِيعُونَ الدَّوابَّ: فَهَذَا مَعَازٌ يَصْحَبُ مَعِيزَهُ، وذَاكَ كَلَّابٌ مَعَهُ كِلابُهُ ، ومِنْ بَعْدِهما شائِيٌّ يَصْحَبُ شَاءَهُ ونِعَاجَه.

وما زالَ الأَمِيرُ يَنْتَقِلُ مِنْ سُوقٍ إلى سُوقٍ، ومِنْ طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ، فَلَا يَرَى إِلَّا رَوَائِعَ مِنَ التَّماثيل النُّحاسِيَّةِ، حَيوانيَّةً وإنسانيَّةً.

(٤) حَيْرَةُ الأَمِيرِ

شَدَّ ما أَدْهَشَهُ وحَيْرَ عَقْلَهُ أَلَّا يَرَى فِي المَدِينَةِ كُلِّها أَحَدًا مِنَ الأَحْيَاءِ! وا عَجَبًا أَلَيْسَ فِيها مَنْ يَنْطِقُ أَوْ يُجِيبُ!

يا لَغَرَابَةِ مَا يَشْهَدُ! حتَّى الكِلابُ والقِطَطَةُ وَسائِرُ الطُّيُورِ والحَيَوَانِ كُلُّها تَمَاثِيلُ هامِدَةٌ مِنَ النُّحاسِ، فَاقِدَةُ الحَياةَ! يا لَهَوْلِ ما تَرَاهُ عَيْناهُ أَكُلُّ مَا فِي المَدِينَةِ تَماثيل لا حَرَكَةَ بِها ولا حِسَّ، لا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَباتِهَا نَفَسٌ؟!

تُرَى: أَيُّ سَاحِرٍ غَضِبَ عَلَى هَذِهِ المَدِينَةِ فَسَلَّطَ نِقْمَتهُ عَلَى أَهْلِيها، وَمَسَخَ سَاكِنيها؛ فَحَوَّلَ أَجْسَادَ مَنْ فِيهَا مِنْ حَيَوَانٍ وناسٍ، تَمَاثِيلَ مُبْدَعَةً مِنَ النُّحَاسِ، تُخَيَّلُ لِرَائِيها أنَّها تَنْبِضُ بِالْحَياةِ. ولكِنَّ أَصْحابَها لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَتَكَلَّمُونَ، يُسائِلُهُمْ فَلَا يُجِيبُونَ، ويُحاوِرُهُمْ فَلَا يَنْطِقُونَ.

الفصل الرابع

(۱) في القَصْرِ الْمَلَكِيَّ

وَما زالَ الأَمِيرُ يَتَنَقَّلُ مِنْ مَكانٍ إِلَى مِكانٍ حَتَّى انْتَهى بِهِ السَّيْرُ إِلَى قَصْرٍ عَالِي الْبُنْيَانِ، رائِعِ التَّصَاوِيرِ، فَلَمَّا دَخَلَهُ رَأَى جَمَاعَةً مِنَ الجُنْدِ وَالحَرَسِ يَقِفُونَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَخَلْفَهُمْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى جَالِسِينَ عَلَى أَرَائِكَ فَاخِرَةٍ، صُفَّتْ عَلَيْهَا الوَسائِدُ الحَرِيرِيَّةُ، مُوَشَّاةً بِأَجْمَلِ النُّقُوشِ، وَقَدِ ارْتَدَوْا أَبْهَى الثَّيابِ؛ يُخَيَّلُونَ إِلَيْكَ أَنَّ دَمَ الحَياةِ يَجْرِي فِي عُرُوقِهِمْ، فَإِذَا دَانْيتَهُمْ وَجَدْتَهُمْ تَمَاثِيلَ جَامِدَةً.

وَمَشَى فِي جَنَباتِ القَصْرِ، فَرَأَى قاعَةً فَسِيحةً يَجْلِسُ عَلَيْهَا وُزَرَاءُ الدَّوْلَةِ وَأُمَرَاؤُها. وحانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ فَأَبْصَرِ فِي صَدْرِ المَجْلِسِ كُرْسِيًّا مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مُرَصَّعًا بِأَنْفَسِ الحِجَارَةِ الكَرِيمَةِ، وَقَدْ جَلَسَ فِيهِ الْمَلِكُ فِي أَفخَمِ حُلَلِهِ، وَرَأَى عَلَى مَفْرِقِهِ تاجًا مُكَلَّلًا بِنَفيس الدُّرِّ وَثَمِينِ اللَّالِئِ، تَشُعُ مِنْهَا الأَضْوَاءُ، فَتُحِيلُ الظَّلامَ نُورًا.

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى قَاعَةٍ أُخْرَى، فَرَأَى طَائِفَةً مِنَ الجَوارِي وَالوَصائِفِ، حَوْلَ مَلْيكَتِهِنَّ، لتلقي إشارَتِها، مُتَأَهّباتٍ لِتَنْفِيذِ رَغْبَتِها.

وَعَجِبَ الأَمِيرُ مِنْ بَراعَةِ الْمُهَنْدِسِينَ، وَافْتِنَانِهِمْ فِي هَنْدَسَةِ القَصْرِ وَنَقْشِهِ، وَتَنْسِيقِ أَثاثِهِ وَفَرْشِهِ، وَرَوْعَةِ تَصَاوِيرِه، وَسَنا مَصابِيحِهِ البَللُّورِيَّةِ، وَثُرَيَّاتِهِ الْمُتَأَلِّقَةِ بِنَفَائِسَ مِنَ الدُّرِّ اليَتِيمِ (النَّادِرِ).

(۲) حوار الأميرَيْنِ

وَاسْتَأْنَفَ سَيْرَهُ مُتَنَقِّلًا مِنْ عَجَبٍ إِلى عَجَبٍ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَاعَةٍ فَاخِرَةٍ، فَرَأَى فَتاةً جَمِيلَةَ المُحَيَّا، مُشْرِقَة الطَّلْعَةِ تَقْرَأُ فِي كِتابٍ، وَما إِنْ لَمَحَتْهُ حَتَّى خَفَّتْ إِلَيْهِ تَسْتَقْبِلُهُ، وَتَبْتَدِرُهُ بِالتَّحِيَّةِ فِي أَدَبِ وَاحْتِرَامٍ، وَتُنادِيهِ بِاسْمِهِ مُرَحِّبَةً بِهِ ، فَرْحانَةً بِمَقْدَمِهِ، فَاشْتَدَّ عَجَبُ الْأَمِيرِ مِمَّا رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ لَهَا مَدْهُوشًا: «كَيْفَ عَرَفْتِنِي، وَنَادَيْتِنِي بِاسْمِي؟»

فَقَالَتْ لَهُ مُبْتَسِمَةً: «لا تَعْجَبْ مِمَّا تَرَى وَتَسْمَعُ؛ فَأَنا أَتَرقَّبُ قُدُومَكَ مُنْذُ زَمَنِ طَوِيلٍ.»

فَقَالَ لَها مُتَحَيِّرًا: «تَتَرقَّبِينَ قُدُومِي ؟ كَيْفَ وَمَنْ أَنْبَأَكِ عَنِّي؟ وَمَا بَالُ هَذِهِ المَدِينَةِ قَدْ مُسِخَ ساكنوها، وَتَحَوَّلَ قَاطِنُوها تَماثِيلَ مِنَ النُّحاسِ، وَبَقِيتِ أَنْتِ وَحْدَكِ سَالِمَةً بِنَجْوَةٍ مِمَّا لَحِقَ أَهْلِيهَا مِنَ الْمَسْخِ !؟ أَيَّ أَلْغازِ أَرى وَأَحاجِيَّ !؟»

فَقالَتْ لَهُ الفَتاةُ مُتَلَطَّفَةً: «ها أَنَا ذِي أُفْضِي إِلَيْكَ بِما تُرِيدُ مِنْ أَنْبَاءٍ إِذا تَفَضَّلْتَ بِالْجُلُوسِ، وَأَعَرْتَنِي سَمْعَكَ وَانْتِباهَكَ.»

فَقالَ لَها: «ما أَشْوَقَنِي إِلَى تَعَرُّفِ أَسْرَارِ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَلْغَازِ وَمُعَمَّياتٍ!»

(۳) حَدِيثُ «رائعة»

فَأَنْشَأَتِ الفَتاةُ تَقُولُ: «تَسْأَلْنِي مَنْ أَكُونُ؟ وَكَيْفَ عَرَفْتُ اسْمَكَ، وَتَرقَّبْتُ قُدُومَكَ؟ وَمَا سِرُّ هَذِهِ المَدِينَةِ؟ وَلِماذا مُسِخَ أَهْلُوها وَبَقِيتُ وَحْدِي ناجِيةً مِنَ السِّحْرِ؟ فَاعْلَمْ – يا سيدي الأميرَ الجَلِيلَ - أَنَّنِي «رائعَةُ) بِنْتُ مَلِكِ هَذِهِ المَدِينَةِ. وَلَعَلَّكَ رَأَيْتَ أَبِي وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَدْرِ دِيوانِهِ، وَأَنْتَ سَائِرٌ فِي طَرِيقكَ إِلَيَّ. وَقَدْ كانَ ذائعَ الصِّيتِ بَيْنَ مُلُوكِ «الهِنْدِ»، وكانَ لَنا جَارٌ اسْمُهُ «مَرْمُوشُ» يَعْبُدُ الأَصْنَامَ، فَمَرَّ بِحَاضِرَةِ مُلْكِهِ – ذاتَ يَوْمٍ – ناسِكٌ مِنْ كِبَارِ النُّسَاكِ الْمَعْرُوفِينَ بِالقَناعَةِ والزُّهْدِ، وَرَجَاحَةِ العَقْلِ وَسَعَةِ العِلْمِ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِي إِرْشَادِ النَّاسِ وتَنْوِيرِ بَصَائِرِهِمْ، وَلَمْ يَأْلُ جُهْدًا فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ خَالِق الكائناتِ، وَتَنْفِيرِهِمْ مِنْ عِبادَةِ الأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعًا وَلا ضُرَّا، فَالْتَفَّ حَوْلَهُ النَّاسُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمُرِيدُونَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عُرِفَ أَمْرُهُ، وَذاعَ صِيتُهُ، حَتى وَصَلَ إلى سَمْعِ الْمَلِكِ، فَأَمَرَ بِاسْتِدْعَائِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَأَلَهُ عَمَّا نَمَى إِلَيْهِ، فَلَمْ يَكْتُمُهُ النَّاسِكُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَتَلطَّفُ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَالإِقْلاعِ عَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ.

فَغَضِبَ الْمَلِكُ مِمَّا سَمِعَ، وَتَعَجَّبَ مِنْ جُرْأَةِ النَّاسِكِ، وَتَوَعَّدَهُ بِالعِقَابِ إِذا لَمْ يَكُفَّ عَنْ هَذَيانِهِ، وَيُقْلِعْ عَنْ عِنادِهِ، فَلَمْ يَسْتَجِبِ النَّاسِكُ لِوَعِيدِهِ، وَلَمْ يُبالِ بِتَهْدِيدِهِ.

فاشْتَدَّ غَضَبُ «مَرْمُوشِ» عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِسِجْنِهِ ، وَإِعْدادِ العُدَّةِ لِإِحْرَاقِهِ حَيًّا. وَهَيَّأَ لَهُ نَارًا جاحِمَةً وَسْطَ الْمَيْدَانِ الكَبِيرِ، لِيَشْهَدَ النَّاسُ جَزاءَهُ عَلى ما أَبْدَاهُ مِنْ صِدْقِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِي دَعْوَتِه. ودَاعَتْ قِصَّةُ النَّاسِكِ فِي أَنْحَاءِ المَدِينَةِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِيَرَوْا مَصْرَعَهُ، فَلَمَّا سُعِّرَتِ النَّارُ وتَهيَّأُ الجُنْدُ، وَاسْتَعَدُّوا لِإِلْقاءِ النَّاسِكِ فِي أَتُونِها المُلْتَهبِ، عَامَتِ السَّمَاءُ فَجْأَةً، وَبَرَقَ البَرْقُ، وَجَلْجَلَ الرَّعْدُ، ثُمَّ هَمَتِ الأَمْطار سيولاً ، فَأَطْفَأتِ النَّارَ ، وَسادَ الهَرْجُ وَالْمَرْجُ، وَتَدافَعَ النَّاسُ إِلى بُيُوتِهِمْ حَتَّى لا تُغْرِقَهُمُ السُّيُولُ المُتَدَفِّقةُ. وَهكَذا أُتِيحَتِ الفُرْصَةُ لِلنَّاسِكِ الصَّالِحِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنَ الفِرَارِ.

وَبَعْدَ ساعاتٍ صحا الجَمُّ وانْقَشَعَ المَطَرُ، وَبَحَثَ الجُنُودُ عَنِ النَّاسِكِ، فَلَمْ يَعْثِرُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ. وَمَشَى النَّاسِكُ في طَرِيقِهِ إِلى بِلادِ التُّبَّتِ» يُواصِلُ السَّيْرَ لَيْلَ نَهَارَ حَتَّى بَلَغَ مَدِينَتَنا وَكانَ أَبِي يَسْمَعُ بِصَلاحِهِ، وَيُعْجَبُ بِتَقْوَاهُ، فَلَمَّا أَفْضَى إلى أبي بِقِصَّتِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنَ اسْتِقْبَالِ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَكْرَمَ مَثْواهُ. فَلَبِثَ النَّاسِكُ عِنْدَنا أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ أَبِي في استئناف السَّفَرِ عَائِدًا إلى بَلِدِهِ.

فَتَشَبَّثَ بِهِ أَبِي، وَأَلَحٌ عَلَيْهِ فِي البَقاءِ عِنْدَهُ، فَتَلَطَّفَ النَّاسِكُ فِي الاعْتِذَارِ إِلَيْهِ، وَمَا زَالَ يُلْحِفُ فِي الرَّجَاءِ، حَتَّى أَذِنَ لَهُ أبي فِي السَّفَرِ ، عَلَى كُرْهِ مِنْهُ. وَكَأَنَّمَا خَشِيَ النَّاسِكُ أَنْ تَهْتَدِيَ إلى مكانِهِ عُيُونُ الْمَلِكِ «مَرْمُوشِ» فَيَشْتَبِكَ كِلاهُما فِي حَرْبٍ طَاحِنَةٍ مِنْ جَرَّائِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ مَا خَشِيَهُ النَّاسِكُ، فَلَمْ يَنْقَضِ عَلَى سَفَرِهِ زَمَنٌ قَلِيلٌ حَتَّى وَفَدَ عَلَى أَبِي رَسُولٌ مِنْ «مَرْمُوشِ» عابِدِ الأَصْنَامِ، يَتَوَعَّدُهُ فِيهِ بِالحَرْبِ إِذا لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ النَّاسِكَ الَّذِي حَلَّ بِمِدِينَتِهِ ضَيْفًا. وَغَضِبَ أبي منْ جُرْأَةِ جارِه ، وَطَرَدَ رَسُولَهُ شَرَّ طَرْدَةٍ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ مَلِيكَهُ أَنَّ النَّاسِكَ قَدْ سَافَرَ مُنْذُ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عِنْدَهُ لَما قَبِلَ أَنْ يُسلِّمَهُ إِلَيْهِ.

وكَانَ أَبِي يَعْرِفُ قُوَّةَ «مَرْمُوشٍ وَشِدَّةَ بِأْسِهِ ، فَأَعَدَّ لِلِقَائِهِ عُدَّتَهُ، وَحَصَّنَ مَدِينَتَهُ، وَغَلَّقَ أَبْوابَها العاليةَ، وَأَعَدَّ العُدَّةَ لِرَدِّ عُدْوَانِ الغُزاةِ.

وَذَا صَبَاحٍ سَمِعْتُ صَوْتَ بُوقٍ عاليًا يُدَوِّي في الفَضاءِ، فَيكَادُ يُصِمُّ الآذان.

فخُيِّلَ إِلَيَّ - لِهَوْلِ مَا سَمِعْتُ - أَنَّ آخِرَةَ العَالَمِ قَدْ حَانَتْ وَخَرَجْتُ أَمْشِي فِي أَنْحَاءِ القَصْرِ هائِمةً، فَوَجَدْتُ كلَّ مَنْ رَأَيْتُ - مِنْ وَصائِفَ وَوَصِيفاتٍ، وَنِساءٍ وَفَتِياتٍ – تَمَاثِيلَ صُمًّا مِنَ النُّحَاسِ. فَأَسْرَعْتُ إِلى دِيوانِ أَبِي أَسْتَجْلِي الخَبَرَ ، فَرَأَيتُهُ جَالِسًا مَعَ حَاشِيَتِهِ وَسَراةِ مَمْلَكَتِهِ، وَكُلُّهُمْ تَماثيل نُحاسِيَّةٌ. وَانْدَفَعْتُ في طُرُقاتِ المَدِينَةِ وَأَسْواقِهَا، فَلَمْ تَقَعْ عَيْنَايَ إِلَّا عَلَى تَماثيلَ نُحَاسِيَّةٍ. وَلَعَلَّكَ رَأَيْتَ مِصْدَاقَ ما أقُولُ ، وَشَهِدْتَ بِعَيْنِكَ وَأَبْصَرْتَ بِناظِرِك: كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الكِلابُ والقِطَطَةُ وَالجِرْدَانُ وَالطُّيُورُ ، تَماثِيلَ صُمًّا لا تَسْمَعُ وَلَا تَتَحَرَّكُ!

وَقَضَيْتُ يَوْمًا راعِبًا، وَلَيْلَةً ساهِرَةً ، لِهَوْلِ ما رَأَيْتُ. ثُمّ غَلَبَنِي النَّوْمُ لِطُولِ مَا كَابَدْتُ مِنَ الضَّنَى وَالسَّهَرِ، فَرَأَيْتُ النَّاسِكَ يَزُورُني في عالَمِ الأَحْلامِ، وَيُرَبِّتُ كَتِفِي مُتَلَطَّفًا، وَيَقُولُ لِي مُبْتَسِمًا: «لا تخافي يا رائعة» ولا تَحْزَنِي، فَلَنْ يُصِيبَكِ سُوءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسَيكُونُ خَلاصُكِ وَخَلاصُ كلِّ مَنْ فِي المَدِينَةِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ صالحٍ شُجاع، اسْمُهُ الأَمِيرُ إِقْبالُ»، وَسَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَخُوكِ الأَمِيرُ «فاضِل»، في كَشْفِ الغُمَّةِ وَزَوَالِ السِّحْرِ عَن المَدِينَةِ وساكنيها، فَاصْبِرِي عَلَى قَضاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَلا تَخْشَيْ أَنْ تَهْلِكِي جُوعًا؛ فَقَدْ بَقِيَتْ لَكِ مِنْ بَيْنَ أَشْجَارِ الحَدِيقَةِ شَجَرَتا تِينٍ وَتُفَّاحٍ ، لَمْ تُمَسًا بِسُوءٍ، فَكُلِي مِنْهُما كُلَّما جُعْتِ، وَاشْرَبِي مِنَ النَّبْعِ الصَّافِي الَّذِي يَسْقِيهما، واشْكُرِي اللهَ عَلَى مَا هَيَّأَ لَكِ مِنْ سَلامَةٍ وفَوْزِ بِالسَّعادَةِ، وَاتَّجِهي إِلَيْهِ، وَأَخْلِصِي في عِبادَتِهِ.»

وَكَانَ فِي قَصْرِنَا مَكْتَبَةٌ حافِلَةٌ بِنَفَائِسِ المَخْطُوطَاتِ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهَا – وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ المِحْنَةُ قَدْ أَصابتها - فوَجَدْتُها كَما هِيَ ، وَالحَمْدُ للهِ ، فَكانَ لِي فِي القِراءَةِ خَيْرٌ عَرَاء.»

فَلَمَّا سَمِعَ الأَمِيرُ «إِقْبالُ» حَدِيثَ الأَمِيرَةِ اشْتَدَّ بِهِ العَجَبُ، وَسَأَلَها مُتَحَيّرًا: «وَكَيْفَ نَجَوْتِ وَحْدَكِ مِنْ سِحْرِ السَّاحِرِ ، فَلَمْ تَتَحَوَّلِي تِمْثالًا مِنَ النُّحاسِ، كَمَا تَحَوَّلَ مَنْ فِي المَدِينَةِ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوانِ وَنَاسٍ؟»

(٤) فَتاةُ الجِنِّ

فَقَالَتِ الفَتاةُ: «لِذلِكَ نَبَةٌ عَجِيبٌ ، أَنا أَقُصُّهُ عَلَى سَيِّدِي بَيْنما كَانَتْ أُمِّي تَسِيرُ ذاتَ يَوْمٍ في أحَدِ المُرُوجِ المُحِيطَةِ بِقَصْرِنا الرِّيفِي إِذْ رَأَتْ عَلَى مَسافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْها حَيَّةً بَيْضَاءَ، تَجِدُّ مُسْرِعَةً في الهَرَبِ، وَخَلْفَها ثُعبانٌ أَسْوَدُ يَجْرِي فِي أَثَرِها مُسْرِعًا فِي الطَّلَبِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يُدْرِكَها وَيُمْسِكَ بِرَأْسِها ، وَيَلْفَّ ذَيْلَهُ عَلَى ذَيْلِها، وَيُوشِكَ أَنْ يَفْتِكَ بِها.

فَأَسْرَعَتْ أُمِّي إِلَى نَجْدَةِ الحَيَّةِ البَيْضَاءِ، وَقَذَفَتِ النُّعْبَانَ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَحَطَّمَتْ رَأْسَهُ وَقَتَلَتْهُ عَلَى الفَوْرِ. وَمَا كَانَ أَشَدَّ دَهْشَتَها حِينَ رَأَتِ النُّعْبانَ الأَسْودَ يَتَحَوَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ كومَةً مِنْ رَمَادٍ، وَتَنْتَفِضُ الحَيَّةُ البَيْضاءُ، فَإِذَا هِيَ فَتاةٌ رَائِعَةُ الجَمالِ، في رَيْعانِ صباها، وَمُقْتَبَل شَبابِها ، ثُمَّ تَقُولُ لِأُمِّي شَاكِرَةً: «هَيْهاتَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدِي يَا مَلِيكَةً الإِنْسِ، مَا أَسْدَيْتِ إِلَيَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَما أَنْسَ لا أَنْسَ أَنَّكِ أَنْقَذْتِنِي مِنْ عَدُوِّيَ اللَّدُودِ بَعْدَ أَنْ أَوْشَكَ أَنْ يُهْلِكَنِي. وَلَعَلَّ اللَّهَ يُقْدِرْنِي عَلَى رَبِّ الجَمِيلِ إِلَيْكِ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ.»

ثمَّ أَشَارَتْ فَتاةُ الجِنِّ بِيَدِها ، فَانْشَقَّتِ الأَرْضُ، وَسُرْعانَ مَا غَاصَتْ فِيهَا وَاسْتَخْفَتْ عَنِ الأَنْظارِ، وَعادَتِ الْأَرْضُ كَمَا كَانَتْ.

(٥) هَدِيَّةُ الجِنِّيَّةِ

وَمَرَّتْ عَلَى ذلِكَ الحَادِثِ أَعْوام، ثُمَّ حَضَرَتْ فَتاةُ الجِنِّ إِلَى أُمِّي يَوْمَ وَلَدَتْ أَخِي «فَاضِلًا»، وَأَهْدَتْ إِلَى أُمِّي قَارُورَةً صَغِيرَةً مَلأَتْها مِنْ نَهْرِ عَبْقَرَ»، وَأَوْصَتْها أَنْ تَمْزُجَ بِلَبَنِها قَطَرَاتٍ مِنْ مائِها ، ثُمَّ تَسْقِيَ وَلِيدَها هذا المزاج، فَلَنْ تَفْرُغَ الزُّجاجَةُ حَتَّى يُصْبِحَ الوَلِيدُ آمَنَّا مِنْ سِحْرِ كُلِّ سَاحِرٍ، وَكَيْدِ كُلِّ كَائِدٍ.

فَشَكَرَتْ لَها أُمِّي هَدِيَّتها، وَاتَّبَعَتْ نَصِيحَتها.

ثُمَّ جَاءَتْ فَتاةُ الجِنِّ يَوْمَ وَلَدَتْنِي أُمِّي، فَأَحْضَرَتْ لَها مِثْلَ القَارُورَةِ الصَّغِيرَةِ التي أَحْضَرَتْها يَوْمَ وُلِدَ أَخِي، وَأَوْصَتْها أَنْ تَسقِيَنِي مِنْها كَمَا سَقَتْ أَخِي مِنْ قَبْلُ.

وَقَدْ صَدَقَتْ فَتاة الجِنِّ فِيما قالَتْ ؛ فَقَدْ مُسِخَ كُلُّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ إِنْسَانٍ، وَطَيْرٍ وَحَيَوانِ، وَنَجَوْتُ وَحْدِي مِنَ المَسْخِ؛ بِفَضْلِ ما شَرِبْتُ مِنْ ماءِ «عَبْقَرَ».»

وَمَا إِنْ أَتَمَّتِ الأَميرَةُ حَدِيثَها حَتَّى أَقْبَلَ شابٌ بادي القُوَّةِ، لَمْ يَشُلَّ الأَمِيرُ حِينِ رَآهُ، أَنَّهُ شَقِيقُ الفَتاةِ.

الفصل الخامس

(۱) شَقِيقُ الأَمِيرَةِ

وَابْتَدَرَهُما الفَتَى مُحيّيًا فِي ابْتِسَامٍ، وَأَدَبِ وَاحْتِرَامٍ ، مُرَحّبًا بِالْأَمِيرِ «إِقْبَالِ»، مُهَنَّنَّا شَقِيقَتَهُ عَلَى زِيارَةِ الضَّيْفِ العَظِيمِ، فَتَعَجَّبَ الأَميرانِ مِمَّا رَأَيا وَسَمِعا، وَسَأَلَاهُ: «كَيْفَ عَرَفْتَ اسْمَ الأَمِيرِ؟ وَمَنْ أَنْبَأَكَ بِقُدُومِهِ؟»

فَقَالَ لَهُما: «لَقَدْ عَرَفْتُ الكَثيرَ مِنْ أَخْبَارِهِ، وَبَقِيَ أَنْ تَعْرِفا طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِي!»

فقال الأميران: «ما أَشْوَقَنَا إِلَى حَدِيثِكَ!»

فَقَالَ الأَمِيرُ: «لَقَدْ أَبْحَرْتُ - كَما تَعْلَمُ أُخْتِي العَزِيزَةُ - فِي نُخْبَةٍ مِنْ أَصْحَابِي لِزِيارَةِ عَمِّي تَلْبِيَةً لِدَعْوَتِهِ الكَرِيمَةِ، وَاشْتَرَكْتُ مَعَهُ فِي الاحْتِفالِ بِزَواجِ ابْنَتِهِ.

وَكَانَتِ الرَّحْلَةُ سَعِيدَةً مُوَفَّقَةً، وَأَقَمْنَا فِي ضِيافَتِهِ، وَكُنَّا كُلَّما هَمَمْنَا بِالْعَوْدَةِ شَدَّدَ عَلَيْنَا فِي البَقَاءِ، فَلَبِثْنَا فِي ضِيافَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَنا بِالسَّفَرِ عَلَى كُرْهِ مِنْهُ، وَزَوَّدَنَا بِما مَلاً سَفِينَتَنا مِنْ هَدايَاهُ. وَأَوْدِعَنا تَحِيَّةً لَكِ وَلأَبِينَا وَشَعْبِهِ الكَرِيمِ. ثُمَّ قَفَلْنا عَائِدِينِ، فَقَضَيْنا عِدَّةَ أَيَّامٍ فِي جَوِّ طَيِّبٍ وَرِيحٍ مُعْتَدِلَةٍ، فَلَمَّا جَاءَ اليَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ تَغَيَّرَتِ الرِّيحُ فَجْأَةً، وَهَبَّتِ العَاصِفَةُ شَدِيدَةً عاتِيَةً تُنْذِرُنا بِالغَرَقِ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ دَبَّ اليَأْسُ إلى نُفُوسِنا، فَتَرَكْنَا السَّفِينَةَ تَحْتَ رَحْمَةِ الرِّياحِ الهُوجِ، وَالأمْواجِ الثَّائِرَةِ. وَلَا تَسْأَلا – أَيُّها العَزِيزان - عَنْ دَهْشَتِنا حِينَ كُتِبَتِ السَّلامَةُ لِسَفِينَتِنا وَما نَدْرِي بِأَيَّةِ مُعْجِزَةٍ نَجَوْنَا مِنَ الغَرَقِ، فَبَلَغْنَا البَرَّ آمِنِينَ.

(۲) نَصِيحَةُ المَلَّاحِ

وَمَا إِنْ حَلَلْنَا بِالسَّاحِلِ، حَتَّى بَدا لَنا المكانُ مِقْفِرًا لا أَنِيسَ بِهِ وَلَا دَيَّارَ، فَمَشَيْنا نَرْتادُ الجَزِيرَةَ حَتَّى بَلَغْنا غابَةً كَثِيفَةً. وَكَانَ مَعَنا مَلَّاحٌ هَرِمٌ تَعَوَّدَ السَّفَرِ كَثِيرًا إِلَى شَواطِئِ الهِنْدِ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ، فَحَذَّرَنا مِنَ البَقاءِ، وَنَصَحَنا بِالإسْراعِ فِي تَرْكِ هَذِهِ الجَزِيرَةِ الْمُوحِشَةِ، وَحَدَّثَنَا أَنَّ سُكَّانَها طَائِفَةٌ مِنَ الهَمَجِ يَعْبُدُونَ ثُعْبانًا هَائِلَ الحَجْمِ، وَقَدْ تَعَوَّدُوا أَنْ يُقدِّمُوا لَهُ كُلَّ مَنْ يُوقِعُهُ سُوءُ الحَظِّ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الغُرَباءِ ، فَيَلْتَهِمَهُ طَعَامًا سَائِعًا شَهِيًّا.

وَقَدْ نَصَحَنا المَلاحِ الْمُجَرِّبُ أَنْ نُعَجِّلَ بِتَرْكِ الجَزِيرَةِ الرَّاعِبَةِ قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَنا أَهْلُها قُربانًا لِمَعْبُودِهِمُ النُّعْبَانِ.

وَلَمَّا كَانَ «كاشِفْ» رُبَّانُ سَفِينَتِنا يَثِقُ بِذلِكَ المَلَّاحِ، وَلا يَشُلُّ فِي خِبْرَتِهِ وَدُرْبَتِهِ، وَصِدْقِ مَعْرِفَتِهِ بِمَسالِكِ البِحارِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي قَبُولِ نُصْحِهِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ السَّيْرَ فِي صَبَاحٍ غَدٍ. وَكَانَ نِعْمَ الرَّأْيُّ لَوْ سَافَرْنَا فِي الحَالِ وَلَمْ نُؤَجِّلَ الرَّحِيلَ إِلَى الصَّبَاحِ، إِذَنْ لَسَلِمَتْ سَفِينَتُنا، ونجا راكِبُوها . وَلكِنْ لا حِيلَةَ لِأَحَدٍ فِي رَبِّ عَادِيَةِ القَضاءِ.

(۳) سُلْطانُ الهَمَجِ

وخَرَجْتُ أَرْتَادُ الجَزِيرَةَ فِي فَجْرِ اليَوْمِ التَّالِي، فَرَأَيْتُ زَنْجِيَّةً مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، وَمَا إِنْ وَقَعَتْ عَلَيَّ عَيْناها حَتَّى أَسْرَعَتْ بِالفِرارِ، فَلَمْ أُعِرْها انْتِباهَا ، ورجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَلَبِثْتُ أَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، رَيْثَمَا أَعْدَدْنَا العُدَّةَ لِلسَّفَرِ. وكادَ يَتِمُّ لَنا مَا أَرَدْنَا لَوْ لَمْ يَذْهَمْنَا أَهْلُ الجَزِيرَةِ وَيُحِيطُوا بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَيُقَيِّدُونَا بِالسَّلاسِلِ والأَغْلالِ. وَقَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَى سَفِينَتِنا عَنْوَةً، وَانْتَهبُوا كُلَّ ما تَحْوِيهِ مِنْ هَدايا وطُرَفٍ.

وَحَمَلَنَا الهَمَجُ إِلى سُلْطَانِ الجَزِيرَةِ أَسْرَى، فَشَهِدْنا بُيُوتَهُمْ أَشْبَهَ بِالْأَلْوانِ والأَعْشَاشِ مِنْها بِالبُيُوتِ. ورَأَيْنا سُلْطَانَهُمْ هِمْلاجَةَ»، وهذا هُوَ اسْمُهُ، مُسْتَوِيَا عَلَى عَرْشِ مَبْنِيٌّ بالحِجَارَةِ، مُزَخْرَفٍ بِالأصْدافِ، وهُوَ عِمْلاقٌ فَارِعُ الطُّولِ، ضَخْمُ الجُنَّةِ، مَدِيدُ القَامَةِ، عَظِيمُ الهامَةِ ، بَشِعُ المَنْظَرِ، دَمِيمُ السَّحْنَةِ ، أَشْبَهُ بِشَيْطَانٍ مِنْهُ بِإِنْسَانٍ. وكانَتْ بِنْتُهُ الأَمِيرَةُ «هُسْنارا»، وهي أَقْبَحُ مِنْ أبِيهَا سَحْنَةً، وَأَضْخَمُ مِنْهُ جُنَّةَ، جَالِسَةً بِجَانِبِهِ، وَلَمْ تَكُنْ تَزيدُ عَلَى الثَّلاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا. وَقَدِ اضْطَرَّنا وزِيرُ الهَمَجِ، حِينَ مَثَلُنَا بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانِهِ أَنْ نُقَدِّمَ وافر الاحترام.

ثُمَّ قَصَّ الوَزِيرُ عَلَى السُّلْطَانِ وَبِنْتِهِ: كَيْفَ عَثَرَتِ الجَارِيَةُ عَلَيْنَا، وَاهْتَدَتْ إِلَيْنَا.

(٤) طَعَامُ النُّعْبَانِ

فَابْتَهَجَ السُّلْطَانُ ، وشَكَرَ لِوَزِيرِهِ وَجَارِيَتِهِ وَأَعْوانِه، ما وُفِّقُوا إِلَيْهِ مِنْ صَيْدٍ ثَمِينٍ. ثُمَّ أَمَرَ بِحَبْسِنَا فِي مَغَارَةِ الأَسْرَى لِيُقَدَّمَ وَاحِدٌ مِنَّا فِي صَبَاحٍ كُلِّ يَوْمٍ قُرْبَانًا لِمَعْبُودِهِمُ الْأَفْعُوَانِ العَظِيمِ.

فَأَطاعَ الوَزِيرُ أَمْرَ سُلْطَانِهِ، وذَهَبَ بِنا إلَى المَغارَةِ، حَيْثُ قَدَّمُوا لَنا – وَفْقَ تَقالِيدِهِمْ - أَلْوانًا مِنَ الطَّعَامِ، أَلِفُوا أَنْ يُسَمِّنُوا بِها الضحايا والقَرابِينَ، قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمُوهَا لِلأَفْعُوَانِ المَعْبُودِ.

وَمَرَّتْ بِنا الأَيَّامُ؛ يُقَدَّمُ - فِي كُلِّ يَوْمٍ - واحِدٌ بَعْدَ آخَرَ، وَيَتَناقَصُ عَدَدُنا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى هَلَكَ رُكَّابُ السَّفِينَةِ ومَلَّاحُوها ، ولَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُ «كاشِفَ» رُبَّانِ السَّفِينَةِ، فَسَهِرْنَا لَيْلَتَنا نَتَرَقَّبُ مَصْرَعَ أَحَدِنا فِي صَبَاحٍ غَدٍ كَما صُرِعَ أَصْحَابُنَا مِنْ قَبْلِنَا، وَنَنْتَظِرُ حُضُورَ العِمْلاقَيْنِ لِيُفَرِّقانا إِلَى الأَبَدِ.

(٥) وَدَاعُ الرُّيَّانِ

وَلَمَّا دَنا المَوْعِدُ نَظَرَ إِلَيَّ «كاشِفٌ مَحْزُونًا ، وَقالَ: «لَقَدْ فَقَدْنا كُلَّ أَمَلٍ فِي النَّجَاةِ وَا حَسْرَتاهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِنَا فِي الحَياةِ غَيْرُ يَوْمَيْنِ اثْنَيْنِ. وَلَيْسَ لِي أُمْنِيَّةٌ إِلَّا أَنْ يُقَدَّمَ يَوْمُ مَصْرَعِي عَلَى مَصْرَعِ سَيِّدِي الأَمِيرِ؛ فَما أَطِيقُ أَنْ أَرَى مَوْلايَ الأَميرَ يُساقُ إِلى المَوتِ وَأَنا عَاجِزٌ عَنْ نُصْرَتِهِ.»

فَقُلْتُ لِـ «كاشِفَ»: «ما أَتْعَسَ حَظَّكَ أَيُّها الصَّدِيقُ العَزِيزُ لَقَدْ بَذَلْتُ جُهْدِي فِي إِقْنَاعِكَ بِالْعُدُولِ عَنْ مُصاحَبَتِي فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ. وَلَكِنَّ سُوءَ حَظِّكَ أَبَى إِلَّا أَنْ تُلِحَّ فِي مُصاحَبَتِي. وَلَوْلا إلحافُكَ لَنَجَوْتَ مِنْ هَذا المَصْرَعِ الْمُفَزِّعِ !»

وَمَا إِنْ أَتْمَمْتُ كَلامِي حَتَّى أَقْبَلَ العِمْلاقانِ، وَأَمَرَانِي أَنْ أَتْبَعَهُما.

فَلَمْ أَجْزَعْ لِذلِكَ، وَلَمْ أَتَهَيَّبْ هذا المَصِيرَ؛ فَقَدْ كُنْتُ أَتَرَقَّبُهُ وَأَتأَهَّبُ لَهُ، فَالْتَفَتُّ إِلى الرُّبَّانِ أُوَدِّعُهُ الوَداع الأخيرَ الأَبَدِيَّ، فَاشْتَدَّ جَزَعُهُ عَلَيَّ، وَتَمَنَّى لَوْ قُدِّمَ قَبْلِي قُرْبَانًا لِلنُّعْبَانِ.

(٦) أَمِيرَةُ الهَمَجِ

ثُمَّ صَحِبَنِي العِمْلاقانِ إِلى خَيْمَةٍ فَسِيحَةٍ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّنِي مُلَاقٍ فِيهَا مَعْبُودَهُمُ الْأَفْعُوَانَ، وَلكِنْ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسْبَانٍ، فَقَدْ رَأَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الهَمَجِ تُقْبِلُ عَلَيَّ بِاسِمَةً، وَتَقُولُ لِي مُطَمْئِنَةً: «لا تَخَفْ أَيُّها الفَتَى، وَلا تَحْزَنْ، فَلَنْ يُصِيبَكَ ما أصابَ أَصْحَابَكَ. لَقَدْ كَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّكَ أَنَّ مَوْلاتِيَ الأَمِيرَةَ «هُسْنارا» رَضِيَتْ عَنْكَ، وَادَّخَرَتْ لَكَ حَظًّا سَعِيدًا؛ فَهَنِيئًا لكَ مَا ظَفِرْتَ بِهِ. وَلَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِأَكْثَرَ مِمَّا قُلْتُ، فَإِنَّها سَتُفاجِبُّكَ بِمَا ادَّخَرَتْهُ لَكَ مِنْ سَعادَةٍ. وَلا تَنْسَ أَنَّنِي مُسْتَشارةُ الأَميرَةِ وَجَارِيتُها الْمُخْتارَةُ. وَقَدْ أَذِنَتْ لِي مُتَفَضَّلَةً فِي أَنْ أُتِيحَ لَكَ شَرَفَ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْها ، فَطِبْ نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا فَإِنَّكَ مُلَاقِيها بَعْدَ لَحَظاتٍ.»

وَانْصَرَفَ الخَادِمانِ، وَأَمْسَكَتْ جَارِيَةٌ «هُسْنارا» بِيَدِي، وَقادَتْنِي إِلى مَخْدَعِ الأَمِيرَةِ، فَرَأَيْتُها تَجْلِسُ وَحْدَها عَلَى إِحْدَى الأَرائِكِ الْمُغَطَّاةِ بِجُلُودِ النُّمُورَةِ وَالْأُسُودِ وَالفُهُودِ. وَرَأَيْتُ لَها وَجْهَا زَيْتُونِيَّ اللَّوْنِ، تَبْرُقُ فِيهِ عَيْنَانِ ضَيِّقَتانِ، يَتَخَلَّلُهُما أَنْفُ كَبِيرٌ أَفْطَسُ، رُكَّبَ عَلَى شَفَتَيْنِ غَلِيظَتَيْنِ، تَنْطبقانِ عَلَى فَمٍ واسِعٍ، وَتَنْفَرِجانِ عَنْ أَسْنَانٍ كَبِيرَةِ الحَجْمِ، عَنْبَرِيَّةِ اللَّوْنِ. وَيَعْلُو رَأسَها شَعْرٌ قَصِيرٌ جَعْدٌ فِي مِثْلِ لَوْنِ الأَبَنُوسِ أَوْ هُوَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْهُ، وَفَوْقَهُ فَلَنْسُوَةٌ صَفْراءُ مُطَرَّزَةٌ بِخَيْطٍ أَحْمَرَ . وَفِي جِيدِها ( رَقَبَتِها) عِقْدٌ مِنَ الخَرَزِ كَبِيرُ الحَجْمِ، يَزِينُهُ رِيشُ مُخْتَلِفُ الأَلْوانِ، بَعْضُهُ أَزْرَقُ، وَبَعْضُهُ أصْفَرُ. وَقَدِ ارْتَدَتْ ثَوْبًا صَافِيًا مِنْ فِرَاءِ النُّمُورَةِ، يُغَطِّي جِسْمَها مِنْ كَتِفَيْها إلى قَدَمَيْها.

وكَانَ مَنْظَرُ «هُسْنارا» يُذَكِّرُنِي - كُلَّما تَمَثَّلْتُها - بِصُورَةِ الشَّيْطَانِ كَمَا أَتَخَيَّلُهُ، وَرُبَّما أَشْبَهَتِ القُرُودَ فِي سَماجَةِ هَيْئَتِها ، وَإِنْ خالَفَتْها في خِفَّتها، وَرَشَاقَةِ حَرَكَتِها.

وَمَا إِنْ رَأَتْنِي حَتَّى ابْتَدَرَتْنِي قَائِلَةً: «لا عَلَيْكَ أَيُّها الفَتَى طِبْ نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا؛ فَلَنْ تَلْقَى عِنْدِي إِلَّا خَيْرًا. تَعَالَ فَاجْلِسْ إِلَى جَانِبِي، لِأَسْمِعَكَ ما أَعْدَدْتُهُ لَكَ مِنْ بُشْرَيَاتٍ لَقَدْ أَقْبَلَتْ عَلَيْكَ السَّعادَةُ، فَيَسَّرَتْ لَكَ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ، وَالخَلاصِ مِمَّا لَقِيَهُ أَعْوانُكَ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ.»

ثُمَّ صَمَتَتْ «هُسْنارا» قَلِيلًا، وَاسْتَأْنَفَتْ قائلةً: «حَسْبُكَ سَعادَةً أَنَّنِي أُعْجِبْتُ بِمَا رَأَيْتُهُ مِنْ شَجَاعَتِكَ، وَرَباطَةِ جَأْشِكَ ثَباتِ قَلْبِكَ) ، واسْتِهانَتِكَ بِالمَوْتِ ، فَعَزَمْتُ عَلَى مُكَافَأْتِكَ عَلَى ما تَمَيَّزْتَ بِهِ مِنْ خِلالٍ نَبِيلَةٍ، وَشَمَائِلَ عَالِيَةٍ، وَضاعَفْتُ لَكَ الجَزَاءَ، وَأَجْزَلْتُ العَطَاءَ، فَلَمْ أَقْتَصِرْ عَلَى إِنْقاذِكَ مِنَ المَوْتِ ، بَلِ اخْتَرْتُكَ زَوْجًا لِوَلِيَّةِ العَهْدِ «هُسْنارا» أَمِيرَةِ البَحْرِ. أَعَرَفْتَ أَيَّ مُفاجَأَةٍ سارَّةٍ أَعْدَدْتُها لَكَ، أَيُّها المحْظُوظُ السَّعِيدُ ؟ سَتُصْبِحُ سُلْطَانَ هَذِهِ الجَزِيرَةِ بَعْدَ وَفاةِ أَبِي أَرَأَيْتَ كَيْفَ آثَرْتُكَ (فَضَّلْتُكَ) عَلَى صَفْوَةِ خَاصَّتِي، وَسَراةِ مَمْلَكَتي؟»

(۷) مَادُبَةُ الهِرَّةِ

أَيُّ نَبَأَ هَائِلٍ سَكَتْ أُذُنِي بِهِ؟ بَلْ أَيُّ شَقاءٍ أَعَدَّتْهُ لِي ؟ إِنَّ المَوْتَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ الخَاتِمَةِ الْمُفَزِّعَةِ. إِنَّ بَدَنِي لَيَقْشَعِرُّ كُلَّمَا طَافَتْ بِرَأْسِي ذِكْرَياتُ ذلِكَ الصَّبَاحِ المَشْئُومِ. وَسُرْعَانَ ما تَمَثَّلْتُ تِلْكَ الطُّرْفَةَ الَّتِي قَصَّها عَلَيْنَا مُعَلِّمُنَا، وَنَحْنُ طِفْلانِ.

فَسَأَلَتْهُ أُخْتُهُ: «أَيَّ طُرْفَةٍ تَعْنِي؟ فَما أَكْثَرَ ما أَمْتَعَنا بِهِ مُعَلِّمُنَا مِنْ طَرَائِفَ وَمُلَحٍ!»

فَقالَ: «أَلَا تَذْكُرِينَ قِصَّةَ الهِرَّةِ القِطَّةِ) التي كانَ سَيِّدُها يُكْرِمُها، وَيُوالِي بِرَّهُ بِها، وعَطْفَهُ عَلَيْها، بما يُقَدِّمُهُ لَها مِنْ دَجَاجٍ وبَطٌ وحَمامٍ، وَما إِلَى ذلِكَ مِنْ لَذِيذِ الطَّعَامِ، فَلَمْ تَجِدْ وَسِيلَةً لِشُكْرِهِ عَلَى مَا غَمَرَها بِهِ مِنْ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ تُكَافِئَهُ بِفَأَرَةٍ اصْطَادَتْها، لِيَنْعَمَ بضيافةِ الهِرَّةِ كَما نَعِمَتْ بِضِيافَتِهِ ما أَشْبَهَ ما صَنَعَتْهُ الهِرَّةُ بِمَا صَنَعَتْ «هُسْنارا»! كِلْتَاهُما لا تَعْرِفُ أَنَّ لَحْمَ الفِئرانِ لا يَصْلُحُ طَعَامًا لِلإِنْسانِ!

(۸) غُرُورُ «هُسْنارا»

وَكَانَ خَوْفِي مِنْ غَضَبِ هَذِهِ الحَمْقَاءِ يَحُولُ دُونَ مُكاشَفَتِها بِما مَلَأَ نَفْسِي مِنْ نُفُورٍ واحتقارٍ، وَما أَنْعَمَ قَلْبِي مِنْ كَرَاهِيَةٍ وَاشْمِتْرَازِ، فَآثَرْتُ الصَّمْتَ جَوابًا.

فَقَالَتْ «هُسْنارا»: «ما بالك صامتًا لا تَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ َواحِدَةٍ؟ لا رَيْبَ أَنَّ مَا فَاجَأْتُكَ بِهِ مِنْ سَعادَةٍ لا تَخْطُرُ بِالْبالِ ، قَدْ أَذْهَلَكَ وعَقَدَ لِسَانَكَ مَنْ فَرْطِ السُّرُورِ الحَقُّ مَعَكَ، فَمَا كَانَ يَدُورُ بِخَلَدِكَ أَنْ يَقَعَ اخْتِيارُ بِنْتِ سُلْطَانِ الجَزِيرَةِ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِكَ، فَتُكْتَبَ لَهُ السَّلَامَةُ مِنْ مَصْرَعٍ وَخِيمٍ، وَيَتَبَدَّلَ شَقاؤُهُ بِحَظٍّ عَظِيمٍ. إِنَّ صَمْتَكَ دَلِيلُ إِخْلَاصِكَ وَاعْتِرَافِكَ بِمَا أَسْدَيْتُ إِلَيْكَ مِنْ جَمِيلٍ.»

وَلَمَّا أَتَمَّتْ هَذِهِ الكَلِمَاتِ قَدَّمَتْ لِي إِحْدَى يَدَيْهَا لِأُقَبِّلَها ، فَقَبَّلْتُها عَلَى مَضَضٍ. وَكَان اقْتِناعُها بِجمالها، وَثِقَتُها بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَراها سيُفَضِّلُها عَلَى نِساءِ العَالَمِ قاطِبَةً، أَشْبَهَ بِاقْتِنَاعِ تِلْكَ الهِرَّةِ بِأَنَّ لَحْمَ الفِئرانِ أَشْهَى غِدَاءٍ وَأَلَذُّ طَعَامٍ.

وَقَدْ خَيَّلَ لَهَا غُرُورُها أَنَّ مَا رَأَتْهُ عَلَى وَجْهِي مِنْ أَماراتِ الحَيْرَةِ والسُّخْطِ والاشْمِثْزانِ، دليلٌ نَاطِقٌ عَلَى فَرْطِ إِعْجَابِي بِحُسْنِها ، وَافْتِتاني بِجَمالِها وَسُرْعَانَ مَا أَقْبَلَتْ جَارِيتَانِ، وَفَرَشَنَا عَلَى الْأَرْضِ نَفَائِسَ مِنْ فِراءِ النُّمُورةِ وَالسِّباعِ وَالفُهُود. ثُمَّ جَاءَتْ جَوارٍ ثَلاثُ بِمائِدَةٍ عَلَيْهَا صِحَافٌ مَمْلُوعَةٌ بِشَرَائِحِ اللَّحْمِ المَغْمُورِ في العَسَلِ، وَما إلى ذلِكَ مِنْ غَرِيبِ ما أَلِفُوهُ مِنْ أَلْوانِ الأَطْعِمَةِ.

ثُمَّ أَشَارَتِ الأَميرَةُ إِلَيَّ أَنْ أَجْلِسَ إِلى جانبها عَلَى فَرْوَةِ نَمِرٍ لِأَشْرَكَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَذْعَنْتُ لأَمرِها كارِهَا، وَازْدَرَدْتُ لُقَيْماتٍ. وكانَتِ الأَمِيرَةُ تُشَجِّعُنِي عَلَى الاسْتَزادَةِ مِنْ طَعَامِها، وَتَقُولُ لِي بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ : «ماذا بِكَ أَيُّها الفتى ؟ ما بالك لا تُقْبِلُ عَلَى الطَّعَامِ؟ لَا رَيْبَ أَنَّ ما فَاجَأْتُكَ بِهِ مِنْ بُشْرَيَاتٍ قَدْ شَغَلَكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَما أَراكَ إِلَّا مُتَعَجِّلًا تَحْقِيقَ وَعْدِي. الحَقُّ مَعَكَ يا فتى، فَخَيْرُ البَرِّ عاجِلهُ ، ها أَنَا ذِي مُسْرِعَةٌ إلى مُقابَلَةِ أَبِي لِأَرْجُوَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَ لِي حَياتَكَ وَحَياةَ صَاحِبِكَ الَّذِي اخْتارَتْهُ جَارِيَتي الوَفِيَّةُ «مَهْرقيا» زَوْجًا لَها.»

وَلَمَّا أَتَمَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَذِنَتْ لِي بِالْخُرُوجِ ، وقالَتْ لِي وَهِي تُوَدِّعُنِي: «عُدْ إِلى خَيْمَتِكَ أيُّها الفتى، ونَبِّئُ صَاحِبَكَ أَنَّ السَّعادَةَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِ، وأَنَّ زَوَاجَهُ بِوَصِيفَتِي الْمُخْتَارَةِ مَهْرَقْيَا» سَيَتِمُّ مَعَ زَوَاجِكَ بِي. عَجِّلْ إِلَيْهِ بِهَذِهِ البُشْرَى، َواشْكُرِ الحَظَّ السَّعِيدَ الَّذِي أَفْرَدَكُما مِنْ بَيْنِ إِخْوانِكُما بالنَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ، وَأَتاحَ لِكِلَيْكُما أَنْ تَنْعَما بالسَّعادَةِ الكاملة. طيبا نَفْسًا، وَقَرًّا عَيْنًا؛ فَإِنِّي مُحَقِّقَةٌ لَكُما رَجاءَ كما ، وَمُبَلِّغَتُكُما أُمْنِيَّتَكُما، وَسَتَتَعَشَّيانِ مَعِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ حِينَ تَكُفُّ شُعْلَةُ النَّهَارِ عَنْ إِضاءَةِ الجَزِيرَةِ السَّعِيدَةِ. وَلْيُبارِكْ مَعْبُودُنَا الأَفْعُوَانُ العَظِيمُ فِي حَياتِنا الْمَدِيدَةِ.»

فَتَظَاهَرْتُ بِشُكْرِ «هُسْنارا» أَمِيرَةِ الهَمَجِ، عَلى ما أَسْدَتْهُ مِنْ فَضْلٍ عَمِيمٍ، وَأَنا أَلْعَنُها فِي نَفْسِي، وَأُفَضّلُ المَوْتَ عَلَى الزَّوَاجِ بِهِذِهِ الشَّيْطَانَةِ. ثُمَّ نَادَتِ الْأَمِيرَةُ بَعْضَ خَدَمِها لِيَذْهَبَ بي إلى خَيْمَتي.

(۹) مُناقَشَةٌ حَزِينَةٌ

وَلا تَسَلْ عَنْ فَرَحٍ «كاشِفَ حِينَ رآني قادِمًا عَلَيْهِ بَعْدَ يَأْسٍ مِنْ تَلاقِينَا، فَقَدْ عَاوَدَهُ الأَمَلُ في النَّجاةِ، بَعْدَ أَنْ يَئِسَ مِنَ الحَياةِ، فَقالَ: «ما أَسْعَدَها مُفاجَأَةً! وا فَرْحَتَاهُ! ها أَنْتَ ذا يا أَمِيرِيَ العَزِيزَ، لا تَزالُ عَلى قَيْدِ الحَياةِ، فَهَلْ أَطْمَعُ فِي نَجَاتِكَ مِنَ الْأَفْعُوَانِ وَعَوْدَتِكَ إِلى مَمْلَكَتِكَ ؟!»

فقلتُ لَهُ مَحْزُونًا: «لَقَدْ كُتِبَتْ لِي السَّلامَةُ مِنَ الهَلاكِ، وَالنَّجَاةُ مِنَ الخَاتِمَةِ الفَاجِعَةِ الَّتِي انْتَهَتْ بِها حَياةُ رِفاقِنَا الأَعِزَّاءِ. وَلكن ...»

فَقاطَعَنِي قائلا: «يا لَها مِنْ مُفَاجَأَةٍ سَعِيدَةٍ وَلكنْ خَبِّرْنِي: أَوَائِقٌ أَنْتَ مِمَّا تَقُولُ؟ أَتُراكَ نَجَوْتَ مِنَ الأَفْعُوَانِ؟ حَبَّذَا لَوْ صَدَقَتِ الْأَمَانِيُّ وَصَحَّتِ الْأَحْلامُ!»

فَأَجَبْتُهُ مُتَجَهَّمَ الوَجْهِ عَابِسًا: «لَيْتَكَ تُصْغِي إِلى بَقِيَّةِ الحَدِيثِ قُلْتُ لَكَ: إِنَّنِي نَجَوتُ مِنَ الأَفْعُوَانِ، وَلَكِنَّ تَحْقِيقَ هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ سَيُكَلِّفُنِي أَفْدَحَ الأثمانِ. وَسَتَرَى كَيْفَ يَتَبَدَّلُ سُرُورُكَ حُزْنًا إِذا عَرَفْتَ أَنَّ فِقْدانَ الحَياةِ أَيْسَرُ مِنْ أَداءِ هذا الثَّمَنِ!»

فَقالَ لِي «كاشِفٌ مُتَعَجِّبًا: « شَدَّ ما غَلَوْتَ يا سَيِّدِي الأَمِيرَ وَأَسْرَفْتَ وَهَلْ فِي الدُّنْيا أَثْمَنُ مِنَ الحَيَاةِ؟»

فَقُلْتُ لَهُ: «لا تَعْجَلْ بِحُكمِكَ.» وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ ما فاجَأَتْني بِهِ الْأَمِيرَةُ مِنْ رَغْبَةٍ فِي الزواج بي.

فَقَالَ لِي مُؤَسِّيًا: «لا رَيْبَ أَنَّكَ عَلى حَقٌّ. وَلكنَّ الحَياةَ جَمِيلَةٌ عَلَى كُلِّ حالٍ. وَعَزِيزٌ عَلَى الإِنْسانِ أَنْ يَمُوتَ فِي مُقْتَبَلِ شَبابِهِ، فَجَاهِدْ فِي التَّعَلُّبِ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْعِنْ لِحُكْمِ الضَّرُورَةِ. وَلا تَنْسَ أَنَّ الحازِمَ هُوَ مَنْ يُوازِنُ بَيْنَ الْمُصِيبَتَيْنِ، فَيَخْتارُ أَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ!»

فَصِحْتُ بِهِ قَائِلًا: «أَيُّ نَصِيحَةٍ هَذِهِ الَّتِي تُقَدِّمُها لِي ؟ هَلْ يَدُورُ بِخَلَدِكَ أَنَّني أَسْتَطِيعُ اتِّباعَها وَالعَملَ بِهَا؟ سَنَرَى ماذا أَنْتَ صانع ؟ وَهَلْ سَتَتِبِعُ الرَّأْيَ الَّذِي تُشِيرُ بِهِ عَلَيَّ، حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ مَهْرَفْيا» وَصِيفَةَ «هُسْنارا» قَدِ اخْتارَتْكَ زَوْجًا لَها ، وَجَعَلَتْ ذِلِكَ ثَمِنَّا لِخَلاصِكَ منَ الهَلاكِ ؟ فَماذا أَنْتَ قَائِلٌ ؟ لَقَدِ اخْتارَتْكَ وَهِيَ لَيْسَتْ أَكْثَرَ جَمالًا مِنْ مَوْلاتِها. أَتْرَاكَ مُسْتَعِدًا لانْتِهازِ هَذِهِ الفُرْصَةِ الذَّهَبِيَّةِ النَّادِرَةِ؟»

وَسُرْعَانَ ما انْتَفضَ «كاشِفٌ مُتَفَزِّعًا ، وامْتُقِعَ لِهَوْلِ ما يَسْمَعُ، فَابْتَدَرَنِي قَائِلًا: «وا حَسْرَتاهُ يا لَهُ مِنْ خَبَرٍ صَاعِقٍ أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْلايَ جادًا فِيمَا يَقُولُ؟ إِنَّ لِقاءَ الأَفْعُوَانِ أَهْوَنُ عَلَى نَفْسِي مِنْ لِقَاءِ هَذِهِ الغُولِ بَلْ إِنِّي لأُفَضّلُ أَنْ يَكُونَ لِي أَلْفُ نَفْسٍ – يَلْتَهِمُها الشُّعْبانُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى - عَلَى أَنْ أُبْتَلَى بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ!»

فَقُلْتُ لَهُ مُداعِبًا ساخِرًا : ما أَعْجَبَ أمْرَكَ وَما أَسْرَعَ ما نَسِيتَ نَصِيحَتَكَ وَتَنَكَّرْتَ لِرَأْيِكَ! أَلَمْ تَقُلْ لِي: إِنَّ الحَياةَ جَمِيلَةٌ عَلَى أَيِّ حالٍ، وَإِنَّ بَعْضَ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ، وإنَّ الحازِمَ الفَطِنَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْتارُ بَيْنَهُما ؟ فَإِذا كانَ الْمَوْتُ لا يُخِيفُكَ، فَكَيْفَ تُرِيدُنِي عَلَى أَنْ أَخافَهُ؟ أَنَسِيتَ ما قالَهُ الحَكِيمُ العَظِيمُ بُزُرْ جَمِهْرُ لِمَلِيكِهِ، حِينَ سَأَلَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: «ما الذي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الحَياةِ؟ وَمَا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ؟ أَتَعْرِفُ بِماذا أَجَابَهُ؟»

فَقَالَ «كاشِفْ»: «أَمَّا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ المَوْتِ فَهُوَ الزَّواجُ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّيْطَانَةِ فَكَيْفَ قالَ الحَكِيمُ ؟»

فَقُلْتُ لَهُ: «كَانَ نِصْفُ جَوابِهِ قَرِيبًا مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؛ فَقَدْ قَالَ لِمَلِيكِه: «أَمَّا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الحَياةِ فَهُوَ ما لا تَطِيبُ الحَياةُ إِلَّا بِهِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ فَهُوَ مَا يُتَمَنَّى الَمَوْتُ مِنْ أَجْلِهِ!»

فَقالَ لي «كاشف»: «ما أَصْدَقَ ما قال!»

(١٠) الفِرارُ مِنَ الجَزِيرَةِ

وَلَبِثْتُ مَعَ «كاشِفَ نُقَلِّبُ آراءَنَا عَلَى كُلِّ وَجْهِ، حَتَّى أَحْكَمْنَا خُطَّةً لِلْفِرارِ مِنَ الْجَزِيرَةِ المَشْئُومَةِ. وَسَنَحَتْ لَنا الفُرْصَةُ لِتَحْقِيقِ مَا أَرَدْنا بَعْدَ أَنْ وَثِقَتْ بِنا الأميرَةُ وَمُسْتَشارَتُها، وَأَطْلَقَتانا مِنَ الأَسْرِ، وَأَذِنَتا لَنا فِي التَّجْوالِ، وَارْتِيادِ أَنْحاءِ الجَزِيرَةِ كَمَا نَشَاءُ. وَسَاعَفَنا الحَضُّ بَعْدَ ساعاتٍ، فَوَجَدْنا زَوْرَقًا صَغِيرًا مِنْ زَوَارِقِ الصَّيَّادِينَ مَرْبُوطًا إِلَى وَتِدٍ بِحَبْلٍ مَتِينٍ، فَحَلَلْنَاهُ وَانْطَلَقْنَا بِهِ فِي عُرْضِ البَحْرِ مُسْرِعَيْنِ، وَما إِنْ بَعْدْنَا عَنِ الشَّاطِئِ حَتَّى فَطَنَ بَعْضُ الهَمَجِ إلى فرارنا ، فانْدَفَعُوا إلى الشَّاطِئِ غاضبين، وَراحُوا يَتَوَكَّدُونَنَا مُزَمْجِرِينَ. وَسَمِعْنَا وَزِيرَ الهَمَجِ يُبْرْطِمُ وَيَرْطُنُ، فَلَمْ نُبَالِ بِوعِيدِهِ، وَلَمْ نَعْبَأُ بِتَهْدِيدِهِ بَعْدَ أَنْ أَوْغَلْنا فِي البَحْرِ، وَأَصْبَحْنَا بِمَنْجَاةٍ مِنْ شَرِّ الهَمَجِ. وعِنْدَما أَقْبَلَ اللَّيْلُ كَانَتِ الجَزِيرَةُ قَدْ غابَتْ عَنْ ناظرينا.

فَشَكَرْنا الله – سُبْحانَهُ وَتَعالى - لِنَجَاتِنا، وَشَعَرْنا بِسُرُورٍ عَظِيمٍ. وَشَغَلَنَا فَرَحْنَا بِالخَلاصِ مِنَ الهَمَجِ عَمَّا يُواجِهُنا مِنْ نَفادِ الزَّادِ وَأَخْطَارِ البَحْرِ وَثَوْرَةِ الأَمْواجِ، وَمَا يَتَهَدَّدُ زَوْرَقَنا مِنَ الْغَرَقِ بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ.

وَلا عَجَبَ فِي ذلِكَ؛ فَقَدْ كانَ المَوْتُ غَرَقًا أَيْسَرَ عَلَيْنَا ، وَأَبْهَجَ لِقَلْبَيْنَا، مِنْ إِلْقَائِنَا بَيْنَ فَكَّيِ النُّعْبانِ، أَوْ مُصاهَرَتِنَا لِذلِكَ السُّلْطَانِ.

الفصل السادس

(۱) جَنَّةُ البَحْرِ

وانْطَلَقَ بِنَا الزَّوْرَقُ فِي عُرْضِ البَحْرِ عَلَى غَيْرِ هُدًى حَتَّى لاحَتْ لَنا تَبَاشِيرُ الصُّبْحِ، فَحَلَلْنا جَزِيرَةً كَثِيرَةَ الأَنْهَارِ، وَارِفَةَ الأَشْجارِ ، دَانِيَةَ الثَّمارِ ، تكادُ غُصُونُها تَمَسُّ الأَرْضَ لِوَفْرَةِ مَا تَحْمِلُ مِنْ ناضِج الفَاكِهَةِ. وَكَانَتْ تُخَيَّلُ لِمَنْ يَراها أَنَّها جَنَّةٌ مِنْ جَنَّاتِ الْأَرْضِ. وَكَانَ الجوعُ والعَطَشُ قَدْ جَهَدانا وبَرَّحَا بِنا، فَأَكَلْنا مِنْ لَذائِذِ فَاكِهَتِهَا، وَارْتَوَيْنَا مِنْ عَذْبِ مَائِها، وَحَمِدْنَا اللَّهَ الَّذِي أَطْعَمَننَا مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَنَا مِنْ خَوْفٍ.

وَجَلَسْنَا نَعْرِضُ مَا مَرَّ بِنا مِنْ أَحْداثِ وأَهْوالٍ، فَنَضْحَكُ مُتَفَكِّهِينَ، بَعْدَ أَنْ نَجَوْنَا مِنَ الخَطَرِ وَضَمِنَّا السَّلامَة.

وعَجِبْنَا كَيْفَ خَلَتْ هَذِهِ الجِنَّةُ النَّاضِرَةُ مِنَ النَّاسِ، فَقُلتُ لِصاحِبِي: «لِأَمْرٍ مَا أَقْفَرَتْ هَذِهِ الجَزِيرَةُ، فَلَمْ يَعْمُرُها أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَما أَظُنُّنا أَوَّلَ مَنْ حَلَّ بِأَرْضِهَا، وَأُعْجِبَ بِاعْتِدال جَوِّهَا وَلَذِيذِ فَاكِهَتِها.»

فَقَالَ: «الرَّأْي ما رَأَيْتَ. وَلَوْلا ذلِكَ، لَما خَلَتْ مِنْ أَهْلِيها، وَأَقْفَرَتْ مِنْ سَاكِنِيها.» وَكَأَنَّمَا أَجْرَى القَدَرُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلَى لِسانِ صاحِبي عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِمَا يَخْبَؤُهُ لَهُ مِنْ أَحْداثِ. وَقَضَيْنا نَهارَنا ولَيْلَنا فِي مَرَحٍ وابْتِهاجِ. وجَلَسْنَا نَسْمُرُ فِي ضَوْءِ البَدْرِ، ثُمَّ نِمْنَا عَلَى الحَشائِشِ الخُضْرِ الْمُحَلَّاةِ بِالأَزْهَارِ ذاتِ الأَريج الفَوَّاحِ . وغَلَبَنِي التَّعَبُ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظُ إِلَّا فِي الضُّحَى. وَلَمْ أَجِدْ صَاحِبِي مَعِي، فَنَادَيْتُهُ مَرَّاتٍ، فَلَمْ أَظْفَرُ بِغَيْرِ رَجْعِ الصَّدَى. وَبَحَثْتُ عَنْهُ أَسْبُوعَيْنِ فِي أَنْحَاءِ الجَزِيرَةِ، فَلَمْ أَعثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ، فَأَيْقَنْتُ أَنَّ كَارِثَةَ حَلَّتْ بِهِ، وَيَئِسْتُ مِنْ لِقائِهِ.

وكُنْتُ أَتَمَنَّى لَوْ أَسْتَطِيعُ فِدَاءَهُ مِمَّا لَحِقَ بِهِ مِنَ المَكارِهِ، لَوْ كَانَ يُجْدِي الفداء. وا أسفًا عَلَيْهِ! لَقَدْ فَقَدْتُ فِيهِ صَدِيقًا وَفِيًّا وأمينًا مُخْلِصًا، طالما شارَكَني هُمُومِي وآلامي، وأَعانَنِي فِي حِلِّي وتَرْحالِي، وَحَمَلَ عَنِّي ما أَنُوءُ بِهِ مِنْ أَثْقَالِ الحَياةِ، فَأَيُّ كَارِثَةٍ فَرَّقَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ، بَعْدَ أَنْ نَجَوْنَا مِنْ كُلِّ ما تَعَرَّضْنَا لَهُ مِنْ فَوادِحِ الكَوارِثِ؟

ولاحَتْ لِعَيْنَيَّ في - اليَوْمِ الخَامِسَ عَشَرَ - غابةٌ كَثِيفَةٌ، فَيَمَّمْتُها، ورُحْتُ أَجُوسُ خِلالَ أَشْجارِها ، فَاعْتَرَضَني قَصْرٌ لَمْ أَرَ لَهُ شَبِيهَا بَيْنَ قُصُورِ الْمُلُوكِ، تُحِيطُ بِهِ خَنادِقُ عَمِيقَةٌ واسِعَةٌ مَمْلُوعَةٌ ماءً. ورَأَيْتُ عَلَى أَحَدِها مَعْبَرًا مُتَحَرِّكًا أَسْلَمَنِي إِلى مَيْدَانٍ فَسِيحٍ مُبَلَّطٍ بِالرُّحَامِ الأَبْيَضِ، يُواجِهُ بابَ القَصْرِ. وَفِي وَسَطِهِ فَتاةٌ بَهِيَّةُ الطَّلْعَةِ نَائِمَة عَلَى سَرِيرٍ فاخِرٍ، تَرْتَدِي ثَوْبًا حَرِيرِيًّا مُطَرَّزًا بِنَفِيسِ اللَّالِئِ، وَعَلَى رَأْسِهَا تَاجٌ مِنَ الذَّهَبِ مُرَصَّعٌ بِاليَواقِيتِ والزُّمُرُّدِ والْماسِ ، وَفِي رَقَبَتِها عِقْدٌ مِنَ الياقُوتِ النَّادِرِ، وفِي وَسَطِهِ دُرَّةٌ كَبِيرَةٌ لا تُقَوَّمُ بِمَالٍ. ولُؤْلُؤَتَانِ يَشِدُّ مِنْهُما نُورٌ بَاهِرٌ.

وقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ - حِينَ رَأَيْتُها - أنَّها تَتَأمَّلُني وتُنْعِمُ نَظَرَها فِيَّ. وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِي أَنَّهَا تمثال صامتٌ لا حَراكَ بِهِ، ولا حَياةَ فِيهِ، كَيْفَ وجَمالُها مُشْرِقٌ، وحُسْنُها زَاهِرٌ، وخَدَّاها مُوَرَّدانِ يُؤَكدانِ لِمَنْ يَراهُما أَنَّ دَمَ الحَياةِ يَجْرِي فِي عُرُوقِ الفتاةِ مُتَدَفِّقًا.

وكَانَ بَرِيقُ عَيْنَيْهَا يُخَيِّلُ لِمَنْ يَرَاهُ كَأَنَّمَا يُحَرِّكُهما الهُدْبُ، فَتَرْمِشُ بِهِمَا، فَلا يَتَمالَكُ أَنْ يَبْدَأَها بِالتَّحِيَّةِ.

يا لَلْعَجَبِ ! أهذا تِمْثالُ فاقدُ الحَياةِ؟ تُرَى أَيُّ مَثَّالٍ أَبْدَعَهُ؟ أَمَّا السَّرِيرُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الفَتاةُ فَلَهُ دَرَجٌ، وَعَلَى الدَّرَجِ خادِمانِ : أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ، وَبِيَدِ أَحَدِهِمَا رُمْحٌ مِنَ الفُولانِ، وَبِيَدِ الْآخَرِ سَيْفٌ ماضٍ يَكادُ سَناهُ يَخْطَفُ الأَبْصارَ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِمَا لَوْحٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مِفْتَاحٌ ذَهَبِي.

وَدَنَوْتُ مِنَ اللَّوْحِ، فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ نَقْشًا بَدِيعًا مَكْتُوبًا فِي وَسَطِهِ: «مَنْ قَدِمَ عَلَى هَذِهِ الجَزيرَةِ، وَيَسَّرَ اللهُ لَهُ دُخُولَ هَذِهِ الغَابَةِ، وَكَتَبَ لَهُ الوُصُولَ إِلَى هذا المَكانِ، وَأَرَادَ أَنْ يَظْفَرَ بالقَصْرِ السَّعِيدِ، فَلْيَأْخُذْ هذا المفتاحَ دُونَ أَنْ يَمَسَّنِي أَوْ يَمَسَّ مِنْ حَالِيَتِي وَلَآلِئِي شَيْئًا، فَإِذَا وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُخالِفَ هذا النُّصْحَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وَخَسِرَ سَعادَتَهُ وَحَياتَهُ جَمِيعًا.»

(۲) قَنَاعَةُ الأَمِيرِ

وَكان مِنْ حُسْنِ حَظِّي أَنِّي تَعَوَّدْتُ - مُنْذُ نَشأَتِيَ - الطَّاعَةَ، وَرُضْت نَفْسِي عَلَى القَناعَةِ، فاتَّبَعْتُ النُّصْحَ الَّذِي قَرَأْتُهُ، وَصَعِدْتُ الدَّرَجَ، وَأَخَذْتُ مِفْتاحَ القَصْرِ مِنْ عُنُقِ الفَتاةِ، دُونَ أنْ يُساوِرَنِي الطَّمَعُ في أَخْذِ ما عَداهُ. ثُمَّ تَقدَّمْتُ إِلَى بابِ القَصْرِ، وَهُوَ مَصْنُوعٌ مِنْ خَشَبِ السَّرْوِ، وبِهِ نَقْشُ بَارِزُ يُمَثَّلُ طَائِفَةً مُخْتَلِفَةً مِنَ الطَّيْرِ ، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ كَبِيرٌ مِنَ الذَّهَبِ عَلَى هَيْئَةِ أَسَدٍ، فَمَا إِنْ وضَعْتُ المِفْتَاحَ فِي القُفْلِ حَتَّى انْفَتَحَ قَبْلَ أَنْ أُدِيرَ فِيهِ المِفْتَاحَ، فَتَعَجَّبْتُ مِمَّا رَأَيْتُ. ولاحَتْ مِنِّي التفاتةٌ، فَأَبْصَرْتُ سُلَّمًا مِنَ الرُّخامِ الأَسْوَدِ، فَصَعِدْتُهُ وَدَخَلْتُ بَهْوًا كَبِيرًا مُزَيَّنَّا بِالثَّرَيَّاتِ البَللُّورِيَّةِ والطَّنافِسِ الحَرِيرِيَّةِ المُذَهَّبَةِ، وَبِهِ أَرَائِكُ مِنَ الدِّيباج الْمُذَهَّبِ، فَأَسْلَمَنِي إِلى حُجْرَةٍ أُخْرَى ثَمِينَةِ الأَثاث. ونَظَرْتُ فَإِذا سَيَّدَةٌ فِي مُقْتَبِلِ شَبَابِها، نائِمَةٌ عَلَى إحْدَى الأَرَائِكِ، مُسْنِدَةٌ رَأْسَها إِلَى وِسادَةٍ حَرِيرِيَّةٍ، وَقَدِ ارْتَدَتْ أَنْفَسَ الثَّيابِ، وَإِلَى جَانِبِها نَضَدٌ مِنَ الْمَرْمَرِ.

واقْتَرَبْتُ مِنْهَا، فَرَأَيتُها مُغْمَضَةَ العَيْنَيْنِ. واسْتَمَعْتُ إلى أنفاسها الخافِتَةِ، فَتَبَيَّنَ لِي أَنَّها لا تَزالُ عَلَى قَيْدِ الحَياةِ. وعَجِبْتُ لِوجُودِها وحْدَها في هذا القَصْرِ الْمُنْفَرِدِ فِي تِلْكَ الجَزِيرَةِ الْمُقْفِرَةِ. وخَطَرَ لِي أَنْ أُوقِظَها مِنْ نَوْمِها، ولكِنَّنِي أَحْجَمْتُ حَتَّى لَا أُنَفِّصَ عَلَيْهَا صَفْوَ راحَتِها، وأُكَدِّرَ عَلَيْهَا هَناءَ رَقْدَتِها ، فَغَادَرْتُ القَصْرَ، مُعْتَزِمًا عَوْدَتِي إِلَيْهِ بَعْدَ ساعات.

(۳) عَجَائِبُ الجَزِيرَةِ

ثُمَّ اسْتَأْنَفْتُ تَجْوالِي فِي الجَزِيرَةِ، فَرَأَيْتُ عَجائِبَ مِنْ طَيْرِها وَحَيَوانِها وَحَشَراتِها لم أَرَ لَها مَثِيلًا فِي غَيْرِها ، فَقَدْ شَهِدْتُ مِنْ غَرَائِبها مَخْلُوقاتٍ لا أَدْرِي كَيْفَ أُسَمِّيها، فَهِي تَبْدُو فِي هَيْئَةِ النَّمْلِ وَحَجْمِ النَّمِرَةِ. وَقَد حَسِبْتُها - أَوَّلَ ما رأيتُها - مُفْتَرِسَةً، فَتَأَهَّبْتُ لَصِراعها. وَلَكِنَّها أَسْرَعَتْ بِالفِرارِ حِينَ رَأَتْنِي. وَلَقِيتُ أَنْواعًا أُخْرَى مِنْ مُخْتَلِفِ الحَيَوانِ، تَبْعَثُ هَيْئَتُهَا عَلَى الرُّعْبِ وَالفَزَعِ. وَلَكِنَّها سُرْعَانَ ما نَفَرَتْ مِنِّي، وَحادَتْ عَنْ طَرِيقِي، دُونَ أَنْ تَمَسَّنِي بِأَنَّى. وَعُدْتُ إِلَى القَصْرِ بَعْدَ سَاعَةٍ ، فَرَأَيْتُ الفَتاةَ لا تَزالُ غارِقَةً فِي نَوْمِها.

(٤) انْتِباهُ الأَمِيرَةِ

واشْتَدَّتْ رَغْبَتَي في مُحادَثَتِها، لأتَعرَّفَ طَرَفًا مِنْ قِصَّتِها؛ فَأَثَرْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّجِيجِ، وَسَعَلْتُ مَرَّاتٍ، فَلَمْ تَسْتَيْقِظُ، فَدَنَوْتُ مِنْها وَحَرَّكْتُها بِيَدِي ، فَلَمْ تَشْعُرْ وَلَمْ تَتَحَرَّكْ، فَاشْتَدَّ عَجَبِي وَساوَرَنِي الشَّلُّ فِي أَمْرِها ، وقَلْتُ فِي نَفْسِي: «لَعَلَّها مَسْحُورَةٌ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إيقاظها مِنْ سُباتها؟»

وانْتابَنِي اليَأْسُ مِنْ تَحْقِيقِ هَذِهِ الغَايَةِ، فَهَمَمْتُ بِالعَوْدَةِ. وَحَانَتْ مِنِّي التِفَاتَةٌ فَرَأَيْتُ عَلَى المَائِدَةِ المَرْمَرِيَّةِ - الكَلِماتِ التَّالِيَةَ:

مَرْحَبًا بِكَ أَيُّهَا الأَمِينُ. لَقَدْ بَرَّأَكَ اللهُ مِنَ الطَّمَعِ، فَظَفِرْتَ بِالقَصْرِ السَّعِيدِ فَاهْمِسْ فِي أُذُنِ الفَتاةِ بِاسْمِكَ واسم أَبِيكَ وَجَدِّكَ، تَسْتَيْقِظْ عَلَى الفَوْرِ مِنْ نَوْمِهَا العَمِيقِ.

فَأَذْعَنْتُ لِمَا أُمِرْتُ. وما إِنْ نَطَقْتُ بِاسْمِي واسْمَيْ أَبِي وَجَدِّي حَتَّى تَنَفَّسَتِ الفَتاةُ الصُّعَداءَ، ثُمَّ فَتَحَتْ عَيْنَيْها وانْتَبَهَتْ. وَلَمْ تَكْنُ دَهْشَتُها لِرُؤْيَتِي بِأَقَلَّ مِنْ دَهْشَتِي لِرُؤْيَتِها، فَابْتَدَرَتْني قَائِلَةً: «يا لَكَ مِنْ مِقْدامٍ شُجاعِ القَلْبِ، كَرِيمِ النَّفْسِ. وَلَوْلا ذِلِكَ لَما تَخَطَّيْتَ العَوائِقَ والمَغْرِياتِ الَّتِي أَهْلَكَتْ غَيْرَكَ مِمَّنْ حاوَلُوا دُخولَ القَصرِ. وَهِي – بِلا رَيْبِ - فَوْقَ مَقْدُورِ الأَناسِي تُرَى مَنْ تَكُونُ؟ أَجِنِّيٌّ أَنْتَ أَمْ مَلَكٌ؟»

فَقُلْتُ لَها: «كَلَّا يا سَيِّدَتِي، ما أنا بِجِنِّي وَلا مَلَكٍ، بَلْ أَنَا إِنْسَانٌ عَادِيٌّ، قَدِمَ عَلَى هذِهِ الجَزِيرَةِ مُصادَفَةً ، وَساقَتْهُ قَدَماهُ - عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ - إِلَى هذا القَصْرِ الَّذِي تَسْكُنِينَ، وَأَظْفَرَهُ الحَظُ السَّعِيدُ بِمِفْتَاحِهِ فِي غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلَا عَناءٍ.»

فَقالَتِ الفَتاةُ: «لَنْ يَتِمَّ هذا إِلَّا لِأَمِيرٍ فَاضِلٍ كَرِيمٍ لا يُخامِرُ نَفْسَهُ الطَّمَعُ، وَلَا تَفْتِنُهُ الْمُغْرِياتُ، فَمَنْ تَكُونُ؟»

فَرَوَيْتُ لَها ما لَقِيتُ فِي رِحْلَتِي مِنْ غَرَائِبِ الأحْداثِ ، وَكاشَفْتُها بِمَا شَعَرْتُ بِهِ مِنْ حُزْنٍ عَمِيقٍ لِفَقْدَانِ صَدِيقِي «كاشِفٍ بَعْدَ أَنْ نَجا كِلانا ممَّا تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ مُهْلِكَاتٍ.

(٥) حَدِيثُ البَبَّغاءِ

وَهُنا سَمِعْتُ صَوْتًا يَهْتِفُ قَائِلًا: «لا تَأْسَفْ عَلَى صَاحِبِكَ وَلَا تَحْزَنْ، فَقَدْ أَهْلَكَهُ الطَّمَعُ. وَلَوْ خَلَصَتْ نَفْسُهُ مِنَ الجَشَعِ، كَما خَلَصَتْ مِنَ الخَوْفِ؛ لَكَانَ جَدِيرًا مِثْلُكَ بِدُخُولِ هذا القَصْرِ السعيد.»

وَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ بَبَّغاءَ فَصِيحَةَ اللِّسانِ تَنْطِقُ بِهذا الكلام، فَسَأَلْتُهَا مُتَعَجِّبًا: «خَبِرِينِي - بِاللَّهِ - كَيْفَ أَهْلَكَ الطَّمَعُ صَدِيقِي «كاشِفًا»؟»

فَقَالَتِ البَبَّغاءُ: «كُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ الطَّمَعَ وَمُخالَفَةَ النُّصْحِ هُمَا اللَّذَانِ انْتَهَيَا بِصَاحِبِكَ إِلَى الهَلاكِ؛ فَقَدْ رَأَى تِمْثَالَ الفَتاةِ كَما رَأَيْتَهُ، وَأَغْراهُ الطَّمَعُ بِانْتِرَاعِ العِقْدِ اللُّؤْلُئِي مِنْ جِيدِ الفتاةِ، وَما كادَ يَلْمسُهُ حَتَّى ضَرَبَهُ أَحَدُ الحَارِسَيْنِ بِسَيْفِهِ، وَطَعَنَهُ الْآخَرُ بِرُمْحِهِ، فَقُتِلَ مِنْ فَوْرِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ حَشَرَاتُ الجَزِيرَةِ وَحَيَوانُها فَأَكَلَتْهُ ، وَلَمْ تُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا، كَمَا أَكَلَتْ غَيْرَهُ مِنْ رُوَّادِ هَذِهِ الجَزِيرَةِ الطَّامِعِينَ. وَلَوْ طَمِعْتَ مِثْلَهُ وَفَعَلْتَ فِعْلَهُ لَلَقِيتَ مِثْلَ مَصْرَعِهِ، فَقَدْ عُنِي مُبْدِعُ هذا التَّمْثالِ بِاخْتِبارِ مَنْ يَفِدُ عَلَى هذا القَصْرِ ، فَنَثَرَ اللَّالِيَّ وَالْأَحْجَارَ الكَرِيمَةَ حَوْلَ التَّمْثالِ لِيتَعَرَّفَ الطَّباعَ، بَعْدَ أَنْ نَقَشَ عَلَى اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَهُ إِلَى جَانِبِ التَّمْثَالِ تَحْذِيرَهُ لِلطَّامِعِينَ وَإِنْدَارَهُ لِلْمُغامِرِينَ، فَإِذا شَغَلَتِ النَّفائِسُ أَحَدَ الرُّوَّادِ عَنْ مِفْتَاحِ القَصْرِ كَانَ غَيْرَ جَدِيرٍ بِالسَّعادَةِ، فَاحْمَدِ اللهَ عَلَى خُلُوصِ نَفْسِكَ مِنَ الطَّمَعِ فِيمَا لَيْسَ لَكَ، وَصَفَاءِ قَلْبِكَ مِمَّا تَعَرَّضَ لَهُ صَاحِبُكَ مِنَ الهَلاكِ، فَقَدْ وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَاسْتَجَابَ لَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «أَمِنْ أَجْلِ هذا التَّحْذِيرِ السَّخِيفِ أَتْرُكُ هَذِهِ النَّفائِسَ ؟ وَلِمَنْ أَتْرُكُها؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْرِمَنِي إِيَّاها ؟ وَهَلْ يَقْدِرُ تِمْثالُ عَاجِزٌ عَنِ الحَرَكَةِ أَنْ يُعاقِبَ أَحَدًا؟»

(٦) فِي أَجْوازِ الفَضاءِ

فَلَمَّا انْتَهَتِ البَبَّغاءُ مِنْ كَلامِها تَمَلَّكَنِي العَجَبُ مِمَّا سَمِعْتُ، وَاشْتَدَّ بِي الأَسَفُ لِمَصْرَعِ صاحِبِي «كاشِفَ» الَّذِي أَوْرَدَهُ الحِرْصُ مَوْرِدَ الهَلاكِ.

وَسَأَلْتُ الفَتاةَ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِقِصَّتِها، وَكَيفَ حَلَّتْ بِهذا القَصْرِ، فَقَالَتِ الفَتاةُ: «لِذلِكَ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ إِنَّهَا مُفاجَأَةٌ لَمْ تَكُنْ لِي فِي الحِسْبانِ وَلَمْ تَخْطُرْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِي عَلَى بَالٍ، فَقَدْ وَهُنا شَعَرْتُ أَنَّ يَدًا رَفِيقَةً تَرْفَعُنِي إِلَى السَّمَاءِ، وَتَحْمِلْنِي مُحَلِّقَةً بِي فِي أَجْوَازِ الفَضاءِ. وَسُرْعَانَ مَا اسْتَخْفَى القَصْرُ والفَتَاةُ عَنْ نَاظِرَيَّ، وَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَأَيْتُنِي هَابِطًا إِلَى الْأَرْضِ أَمَامَ بابِ المَدِينَةِ، دُونَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لِي : أَيُّ قُوَّةٍ خَفِيَّةٍ نَقَلَتْنِي مِنَ القَصْرِ السَّعِيدِ إِلَى أَرْضِ الوَطَنِ فِي مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ ؟

وَرَأَيْتُ جَيْشَ ضَيْفِنَا العَزِيزِ مُرَابِطًا حَوْلَ المَدِينَةِ، فَسَأَلْتُهُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يُخْفُوا عَنِّي شَيْئًا.»

(۷) مفاجَأَةٌ جَدِيدَةٌ

وَأَرَادَ الأَمِيرُ أَنْ يُواصِلَ حَدِيثَهُ، لَوْلا أَنَّ مُفاجَأَةً جَدِيدَةً عَقَدَتْ لِسَانَهُ عَنِ الكَلام.

يَالَلْعَجَبِها هِي ذِي فَتاةُ القَصْرِ السَّعِيدِ تَبْدُو ماثِلَةً أَمَامَهُ فَمَا إِنْ يَرَاهَا الْأَمِيرُ «إقبال» حَتَّى يَخِفَّ إِلَى لِقَائِها في لَهْفَةٍ وَشَوْقٍ، وَلا يَتَمَالَكَ أَنْ تَنِدَّ مِنْهُ صَرْخَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ: «رَبَّاهُ مَرْحَبًا بِكِ يَا وَادِعَةٌ» وَا فَرْحَتَاهُ مِنْ أَيْنَ قَدِمْتِ يَا أُخْتَاهُ؟ وَكَيْفَ كُتَبِتْ لَكِ النَّجَاةُ؟»

فَقَالَ الأَمِيرُ «فَاضِلٌ»: «مَا أَعْجَبَ مَا أَرَى وَأَسْمَعُ أَلا مَا أَسْعَدَنِي بِلِقَاءِ الْأَخَوَيْنِ وَاجْتَمَاعِ الشَّتِيتَيْنِ.»

وَأَسْرَعَتْ رَائِعَةُ» إِلَى ضَيْفِها وَادِعَةَ» تُعانِقُها، وَتُرَرِّبُ بِها، وتُهَنَّتَها بِسَلَامَتِها وَاجْتِمَاع شَمْلِها بِأَخِيها.

(۸) قِصَّةُ الأَمِيرَةِ

وَاشْتَدَّ الشَّوْقُ إِلَى تَعَرُّفِ قِصَّتِهَا ، فَابْتَدَرَها أَخُوها قَائِلًا: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُكِ يَا وَادِعَةُ» حَتَّى كَادَ يَدِبُّ اليَأْسُ إِلَيْنَا مِنْ عَوْدَتِكِ بَعْدَ أَنْ أَعْيَانَا البَحْثُ عَنْكِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَا تَسْأَلِي عمَّا انْتَابَ أَبَاكِ المَلِكَ عَاصِمًا» مِنَ الأَلَمِ، فَقَدْ بَرَّحَ بِهِ الحُزْنُ، وَأَلَحٌ عَلَيْهِ الأَسَى؛ فَأَسْلَمَاهُ إلى المَرَضِ.

ثُمَّ زَارَنِي فِي نَوْمِي شَيْخٌ مَهِيبُ الطَّلْعَةِ، رَائِعُ السَّمْتِ، فَابْتَدَرَنِي بِالتَّحِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أُسْرِعَ بِالرَّحِيلِ مَعَ نُخْبَةٍ مِنْ جَيْشِي، لِأَنَّ مُفَاجَأَةً سَعِيدَةً تَنْتَظِرُنِي بَعْدَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا قُمْتُ مِنْ نَوْمِي حَسِبْتُ مَا رَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ أَضْغَاثَ أَحْلامٍ ، ثُمَّ تَكَرَّرَتِ الرُّؤْيَا فِي اليَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ، فَلَمَّا قَصَصْتُها عَلَى أَبِي أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى مِثْلَ هَذِهِ الرُّؤْيَا فِي ثَلاثِ اللَّيَالِي المَاضِيَة: أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ وَأَوَّلَ مِنْ أَمْسِ، وَسَمِعَ الشَّيْخَ يَأْمُرُه أَنْ يُعِدَّ السَّفَائِنَ لِتَرْحِيلِ وَلَدِهِ، فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُسْتَطَاعٍ، وَيُبَشِّرُهُ بِمُفَاجَأَةٍ سَعِيدَةٍ تَنْتَظِرُهُما فِي نِهَايَةِ هَذِهِ الرَّحْلَةِ.

فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي، وَارْتَاحَ بَالِي لِمَا سَمِعْتُهُ مِنْ أبِي ، وَأَبْحَرْتُ فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي مَعَ نُخْبَةٍ مِنْ أَصْفِيائِي، وَانْتَهَتِ الرَّحْلَةُ العَاصِفَةُ بِهذهِ الخَاتِمَةِ السَّعِيدَةِ، فَخَبِرِينِي يَا أُخْتَاهُ، مَاذَا حَجَبَكِ عَنَّا طُولَ هذا الوَقْتِ؟»

فَقَالَتْ: «كُنْتُ نَائِمَةً فِي مَخْدَعِي بِحَدِيقَةِ قَصْرُ الرَّبِيعِ الْمُطِلَّةِ عَلَى البَحْر، وكانت اللَّيْلَةُ قَمْراءَ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِي إلا في أصِيلِ اليَوْمِ التَّالِي. ولا تَسَلْ عَنْ دَهْشَتِي حِينَ رَأَيتُ جَمَاعَةً مِنَ الغُرَباءِ يُحِيطُونَ بِي، وَيَتَلَطَّفُونَ فِي تَسْكِينِ ثائِرَتي، ولا يَأْلُونَ جُهْدًا فِي جَلْبِ الطُّمَانِينَةِ إِلَى نَفْسِي. ثُمَّ يَقُولُ لِي كَبِيرُهُمْ مُتَوَدِّدًا: «لا تَخْشَيْ أَيَّتُهَا الأَمِيرَةُ، ولا تَيثَسِي، فَلَنْ يَنالَكِ أَذًى ولا سُوءُ إِنَّ السَّعادَةَ لَتَنْتَظِرُكِ، فَقَدِ اخْتارَكِ مَوْلانا «مَرْمُوشُ» مَلِيكُ الهِنْدِ الأَعْظَمُ لِتَكُونِي عَرُوسَهُ، فَلَمَّا ضَنَّ عَلَيْهِ أَبُوكِ بِتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ عَرَضَ الأَمْرَ عَلَى وَزِيرِهِ «أُنْبُوشِ» فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِاخْتِطَافِكِ. ولَنْ تَلْقَيْ عِنْدَ مَلِيكِنَا غَيْرَ السَّعادَةِ والهَناء.»

فَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوني إلى أبي، فَلَمْ يُصْغِ إلى رَجَائِي أَحَدٌ، فَأَعْمَلْتُ الحِيلَةَ لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَني وجْهَ الصَّوابِ، ويُنْجِيَنِي مِنْ أَسْرِ هَؤُلاءِ الغَاصِبِينَ.

وسارَتْ بِنا السَّفِينَةُ فِي البَحْرِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ حَلَّتْ في صَباحِ اليَوْمِ التَّالِي بِشَاطِئِ جَزِيرَةٍ نائِيَةٍ، فَاقْتَرَح أَحَدُهُمْ أَنْ نَسْتَرِيحَ فِيها قَلِيلًا ، ثُمَّ نَسْتَأْنِفَ سَيْرَنا فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي. وقَضَيْنَا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ تَفَرَّقَ فِيهَا أُولَئِكَ الرِّجالُ يَجُوبُونَ أَنْحَاءَ الجَزِيرَةِ، وَبِقِيتُ مُنْفَرِدَةً إِلَى المَساءِ دُونَ أَنْ يَعُودَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَصَعِدْتُ إِلَى شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَنِمْتُ بَيْنَ أَغْصَانِهَا إِلَى الصَّباح وأنا أُفَكِّرُ فِي وسِيلَةٍ لِلْهَرَبِ مِنْها وَلَبِثْتُ في الجَزِيرَةِ أَيَّامًا آكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ مائِها، وأنامُ فَوْقَ أَشْجَارِها ، وأجُوسُ في أنحائِها، حَتَّى سَاقَتْنِي قَدَمَايَ – ذاتَ يَوْمٍ - إلى غابةٍ كَبِيرَةٍ انْتَهَى بِيَ السَّيْرُ فِيهَا إِلَى القَصْرِ السَّعِيدِ.»

(۹) تَرْحِيبُ البَبَّغاءِ

وَهُنا حَدَّثَتْهُمُ الأَمِيرَةُ عَنْ تِمْثالِ الفَتاةِ حَدِيثًا يَكادُ لا يَخْتَلِفُ عَمَّا حَدَّثَهُمْ بِهِ الأَمِيرُ «فَاضِلٌ»، وَقَصَّتْ عَلَيْهِمْ كَيْفَ أَخَذَتْ مِفْتاحَ القَصْرِ السَّعِيدِ ، دُونَ أَنْ يُغْرِيَهَا الطَّمَعُ بِاغْتِصابِ حُلِيِّها وَانْتِهابِ لَآلِئِها ، وَكَيْفَ فُتِحَ لَها بابُ القَصْرِ السَّعِيدِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَكَيْفَ اسْتَقْبَلَتْهَا البَبَّغاءُ «صَبِيحَةُ» حارِسَةُ القَصْرِ ، فَرْحانَةً بِمَقْدَمِها ، وَكَيْفَ أَفْضَتْ إِلَيْهَا بِمَا لَقِيَهُ خَاطِفُوهَا مِنْ جزاء عادل.

قالَتِ البَبَّغاءُ: «كَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّكِ أَنْ يُعَرِّجَ أَعْوانُ مَرْمُوش» عَلَى هَذِهِ الجَزِيرَةِ، بَعْدَ أَنْ نَثَرُوا فِي حُجْرَةِ نَوْمِكِ عِطْرًا مُرْقِدًا (مُنَوِّمًا) ثُمَّ خَطَفُوكِ مِنْ قَصْرِ الرَّبِيعِ، دُونَ أَنْ يَفْطْنَ إِلَى خَدِيعَتِهِمْ أَحَدٌ، لِيُقَدِّمُوكِ هَدِيةً لِلْمَلِكِ «مَرْمُوشِ » فَسَأَلْتُ البَبَّغاءَ: «وَمَاذَا كَانَ مَصِيرُ الخَاطِفِينَ؟»

فَقالَتْ صَبِيحَةُ»: «تَفَرَّقُوا يَتَنَزَّهُونَ فِي أَرْجَاءِ الجَزِيرَةِ، وَشَغَلَهُمْ طِيبُ جَوِّهَا، وَجَمالُ هَوائِها ، وَلَذِيذُ ثِمَارِهَا ، عَنِ العَوْدَةِ إِلى بِلادِهِمْ. وَساقَهُمْ سُوءُ حَظْهِمْ - وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ – إِلَى تِمْثالِ الفَتاةِ، فَشَغَلَتْهُمْ حُلِيُّها وَنَفَائِسُها عَنْ مِفْتَاحِ القَصْرِ، وَأَنْسَتْهُمْ مَا قَرَءُوا مِنْ نَذِيرٍ وَتَحْذِيرٍ، فَقَتَلَهُمُ الحارسانِ، وَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِمُ الضَّوارِي (الوُحُوشُ الْمُفْتَرِسَةُ) وَالحَشَراتُ، فَالْتَهَمَتْهُمْ فِي لَحَظاتٍ وَهكَذَا هَلَكُوا مُتَفَرِّقِينَ، دُونَ أَنْ يَفْطُنَ أَحَدُهُمْ لِمَصْرَعِ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الطَّامِعِينَ.»

وَسَأَلْتُ البَبَّغاءَ: «كَيْفَ يُتاحُ لِي الخُرُوجُ مِنْ هَذِهِ الجَزِيرَةِ؟» فَقَالَتْ: «لِكُلِّ شَيْءٍ أَوانٌ، وَلِكُلِّ زَرْعٍ إِبَّانٌ (وَقْتُ). وَسَيَتِمُّ خَلاصُكِ مِنْ كُرْبَتِكِ، وَإِيقاظُكِ مِنْ نَوْمَتِكِ، عَلَى يَدِ أَمِيرٍ فاضل شُجاع، سَيِّدٍ مُطاع، كرِيمِ الأَصْلِ، راجِحِ العَقْلِ، فَاصْبِرِي يَا فَتاةُ، وَمَا صَبْرُكِ إِلَّا بالله.»

(۱۰) نَوْمٌ وَيَقَظَةٌ

وَهُنا شَعَرْتُ بِحاجَةٍ إِلَى النَّوْمِ، فَأَلْقَيْتُ بِجِسْمِي المَجْهُودِ عَلَى سَرِيرٍ قَرِيبٍ. وَأَسْلَمْتُ جَفْنَيَّ لِلرُّقادِ، وَما زِلتُ نائِمَةً حَتَّى أَيْقَظَنِي هذا الأَميرُ الفَاضِلُ مِنْ سُبَاتِيَ العَمِيق.»

ثُمَّ قَصَّتِ الفَتاةُ ما دَارَ بَيْنَها وَبَيْنَ الأَمِيرِ «فاضِل» مِنْ حِوارٍ، وَكَيْفَ اسْتَخْفَى عَنْ عَيْنَيْها وَغابَ عَنْ ناظِرَيْها ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْها النَّوْمُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْتَبَهَتْ مِنْ رُقادِها، رَأْتِ القَصْرَ السَّعِيدَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى هَذِهِ المَدِينَةِ بِجِوارِ القَصْرِ الْمَلَكَّيِّ، وَسَمِعَتِ البَبَّغاءَ «صَبِيحَةَ» تُنادِيها ، وَتَرْجُوها أَنْ تُسْرِعَ إِلى لِقاءِ أَخِيها وَتَدْعُوَهُ - مَعَ جُنْدِهِ وَأَصْحَابِهِ – لِزِيارَةِ القَصْرِ السَّعِيدِ ، لِيَتِمَّ عَلَى أَيْدِيهِمْ مَا بَدَءُوهُ مِنْ صَنِيعٍ مَجِيدٍ.

الفصل السابع

(۱) أَسْمَاءُ الأَمَراءِ

كانَ القَصْرُ السَّعِيدُ - كما رآه زائِرُوهُ - آيةً مِنْ آيَاتِ الفَنِّ العالي والذَّوْقِ السَّلِيمِ، فَلا عَجَبَ إِذا دَهِشَ الأمراء والجُنْدُ حِينَ ارْتادُوا حَدَائِقَهُ وأَبْهَاءَهُ، وَشَهِدُوا أَضْوَاءَهُ وَلَأَلَاءَهُ. وَلَا تَسَلْ عَنِ ابْتِهاجِهِمْ بِمَا شَهِدُوهُ مِنْ جَمالِ تَصَاوِيرِهِ، وَبَراعَةِ هَنْدَسَتِهِ. وَقَدْ قَضَى الأَمْراءُ أَمْسِيَّةٌ حافِلَةً بِجالِباتِ البَهْجَةِ، وَباعِثاتِ السُّرُورِ ، وَقَدْ حَفَلَتْ مَوائِدُهُمْ بِمَا لَذَّ وَطابَ، مِنْ طَعَامٍ وَشَرابِ، فَظَلَّ الأُمَرَاءُ يَسْمُرُونَ جانبًا مِنْ اللَّيْلِ.

تَسْأَلُني : أَيُّ حَدِيثٍ كَانَ مَوْضُوعَ حِوارِهِمْ، وَمَدَارَ سَمَرِهِمْ؟ وَمَا أَحْسَبُكَ إِلَّا عَارِفًا بِجَوابِ سُؤَالِكَ، فَلَنْ يَغِيبَ عَنْ فِطْنَتِكَ أَنَّ حِوارَهُمْ لَمْ يَعْدُ الحَدِيثَ عَمَّا لَاقَوْهُ فِي سَفَرِهِمْ مِنْ مُدْهِشَاتٍ وَغَرَائِبَ ، وَما تَعَرَّضُوا لَهُ فِي رِحْلَتِهِمْ مِنْ كَوارِثَ وَمَصَائِبَ، وَكَيْفَ اجْتَمَعَ الشَّمْلُ الشَّتِيتُ، بَعْدَ أَنْ طَوَّحَتْ بِهِمُ الأَقْدارُ في مَطارِحِ الأَرْضِ ؛ فَنَسُوا بِذِلِكَ كُلَّ مَا اعْتَرَضَهُمْ مِنْ مصائِبَ وَمِحَنٍ. ثُمَّ عَرَّجُوا عَلَى ما أَصابَ مَدِينَةَ النُّحاسِ، وَمَا لَحِقَ بِساكِنِيهَا مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوانِ وَناسِ. وَراحُوا يُقَلِّبُونَ الأَمْرَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى سَبَبٍ يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، أَوْ تَعْلِيل تَرْتاحُ عُقُولُهُمْ إِلَيْهِ.

(۲) كَشْفُ السِّتار

وَهُنا قَالَتِ البَبَّغاءُ صَبِيحَةُ»: «عِنْدِي جَوابُ ما تَسْأَلُونَ، فَهَلْ أَنْتُمْ لِمَا أَقُولُ سَامِعُونَ؟»

فقالوا لها في شَوْقٍ ولَهْفَةٍ: «آذانُنَا لِحَدِيثِكِ سامِعَةٌ، وَقُلُوبُنَا لِمَا تَقُولِينَ وَاعِيَةٌ.»

فَقَالَتِ البَبَّغاءُ: «لَعَلَّ الأَمِيرَيْنِ فَاضِلا» وَأُخْتَهُ رائِعَةَ» لا يَعْرِفانِ الكَثِيرَ عَنِ الْمَلِكِ «فُرْهُودٍ» جَدِّهِمَا لِأَبِيهِما ، وَلا عَنِ ابْنِ عَمِّهِ الأَمِيرِ سَوْدَل» جَدِّهِمَا لِأُمِّهِما. وَقَدْ آنَ لَهُمَا أَنْ يَعْرِفا ما كانَ لِجَدِّهِما «فُرْهُودٍ مِنْ شَأْنٍ عَظِيمٍ، وفَضْلٍ عَمِيمٍ، فَقَدْ دَاعَ صِيتُهُ فِي البِلادِ، بِمَا عُرِفَ عَنْهُ مِنْ عَدْلٍ وَحَزْمٍ وَرَشَادٍ. وَكَانَ مَوْضِعَ إِجْلالِ مُلُوكِ عَصْرِهِ قَاطِبَةً، وَكَانَ مِنَ الْمُعَمَّرِين.

(۳) رُؤْيا «فُرْهُودٍ»

وَقَدْ رَأَى فِي نَوْمِهِ قُبَيْلَ وَفاتِهِ دابَّةٌ غَرِيبَةَ الشَّكْلِ، لَها ذَيْلٌ ثُعْبَانٍ وَجِسْمُ سَمَكَةٍ، وَجَنَاحًا نَسْرٍ، وَوَجْهُ بُومَةٍ. وَشَهِدَها تَطِيرُ في الفَضاءِ حَتَّى تَبْلُغَ ذِرْوَةَ الجَبَلِ، ثُمَّ تَعُودُ مُنْدَفِعَةً إِلَى المَدِينَةِ، وَتَحُلُّ فِي حَدِيقَةِ قَصْرِهِ، فَتَنْعَبُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَسَمِعَ لتَنْعَابِها الكَرِيهِ صَوْتًا يُصِمُّ الآذانَ. وَرَأَى الحَدِيقَةَ قَدْ ذَوَتْ أَزْهارُها ، وَصُوِّحَ نَبْتُها ، وَتَهاوَى طَيْرُهَا، وَدَبَّ الْمَوْتُ فِي أرجائها.

فَانْتَبَهَ المَلِكُ فُرْهُودٌ مِنْ نَوْمِهِ مَذْعُورًا ، وَدَعا ابْنَ عَمِّهِ الأَميرَ سَوْدَلًا»، وَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْياهُ فَقالَ لَهُ سَوْدَلٌ »: «لا مَعْدَى لَنا عَنِ اسْتِشَارَةِ صَفْصَافَةَ الحَكِيمِ، فَعِنْدَهُ تَأْوِيلُ هذِهِ الرُّؤْيا، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ الرَّاجِحِ.»

وَكَانَ صَفْصَافَة سَاحِرَ عَصْرِهِ. وَكان المَلِكُ «فُرْهُودٌ» يُصْفِيهِ الوُدَّ مُنْذُ طُفُولَتِهِمَا إِلَى أَنْ بَلَغَا سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ، فَلَمَّا قَصَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ أَطْرَقَ صَفْصَافَةٌ مُتَجَهَّمًا، وقالَ لِمَلِيكِه: «يا لَهُ مِنْ حُلْمٍ خَطِيرٍ، يَحْمِلُ فِي ثَنايَاهُ أَفْدَحَ النَّكَباتِ. وَلا مَعْدَى لَنا عَنِ التَّجَمُّلِ والصَّبْرِ، حَتى يَنْفُذَ قَضاءُ اللهِ فِينَا، وَتَجْرِيَ أَحْكَامُهُ عَلَى ذَوِينا. وَلَنْ يُثْنِيَنِي عَائِقٌ عَنِ السَّعْيِ فِي تَهْوِينِ وَقْعِهِ الأَلِيمِ، وَتَخْفِيفِ ضَرَرِهِ الجَسِيمِ، ما وَسِعَني الجُهْدُ وَسَاعَفَنِي العِلْمُ، فَأَمْهِلْنِي شَهْرَيْنِ، لَعَلِّي أُوَفَّقُ فِي مَسْعَايَ.»

وَغَابَ صَفْصَافَةٌ» عَنْ مَلِيكِهِ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ عادَ إِلَيْهِ، وَقالَ لَهُ فِي لَهْجَةِ الْمُطْمَئِنَّ الواثِقِ: «كُلُّ شَيْءٍ حَسَنٌ إِذا حَسُنَتْ نِهَايَتُهُ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الكارِثَةَ الَّتِي تَحُلُّ بِهِذِهِ الْمَدِينَةِ لَنْ يَزِيدَ عُمْرُها عَنْ عَامٍ وَنِصْفِ عامٍ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى أَهْلِيها الأَمْنُ والسَّلامُ، بَعْدَ أَنْ يَتَعَرَّضَ ثَلَاثَةٌ مِنْ كِرامِ الأُمَرَاءِ لِلحِمامِ لِلْمَوْتِ) . وَقَدْ بَذَلْتُ ما في وُسْعِي لِتَأْمِينِ المَدِينَةِ فِي خِلالِ هَذِهِ المِحْنَةِ مِنْ كُلِّ طَامِع في غَزْوها، أَوْ مُتَطَلِّعٍ لِنَهْبِها وَسَلْبِها ، فَلا يُساوِرْكَ الهَمُّ، وَلا يُبَرِّحْ بِكَ الغَمُّ وَفَوِّضُ أَمْرَكَ لِخَالِقِ الأَرْضِ وَالسَّماءِ، وَرازِقِ الطَّيْرِ في الهَواءِ؛ فَهُوَ أَبَرُّ بِنا وَأَرْحَمُ، وَأَرْفَقُ عَلَيْنَا وَأَكْرَمُ.»

فَسَأَلَهُ «فُرْهُودٌ»: «أَقَرِيبَةٌ هَذِهِ المِحْنَةُ أَمْ بَعِيدَةٌ؟»

فَأَجَابَهُ صَفْصَافَةٌ»: «لَنْ تَقَعَ هذه المِحْنَةٌ في عَهْدِكَ، بَلْ فِي عَهْدِ «أُسَامَةَ» وَلَدِكَ.»

(٤) فَضْلُ صَفْصَافَةَ»

وَقَدْ صَدَقَ صَفْصَافَةُ فِيما قالَ، وَبَرَّ بِما وَعَدَ، وَكَانَ لِبَراعَتِهِ أَحْمَدُ الأَثَرِ فِي تَأْمِينِ الطَّرِيقِ، وَأَكْبَرُ الجُهْدِ فِي تَهْيئَةِ الوَسائِلِ لاجتِماعِ الشَّمْلِ، فَقَدْ كَانَ لَهُ الفَضْلُ فِي إِقَامَةِ سُورِ هَذِهِ المَدِينَةِ العالِي، وَتَزْوِيدِهِ بِما نَقَشَهُ مِنْ طَلاسِمَ وَأَرْصاد، لِصَدِّ الغُرَاةِ وَالرُّوَّادِ، وَمَا أَعَدَّهُ مِنْ فاتِناتِ الجَوارِي الَّتِي تَلُوحُ لِكُلِّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِاقْتِحامِ السُّورِ، فَيَنْدَفِعُ نَحْوَهُنَّ، وَتُدَقُّ عُنْقُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِنَّ وَبِهذا ضَمِنَ أَلَّا يَفْتَحَ المَدِينَةَ إِلَّا مَاجِدٌ كَرِيمٌ، جَدِيرٌ بِتَفْرِيجِ كُرْبَتِها، وَتَخْلِيصِها مِنْ مِحْنَتِها.

وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى هذا الصُّنْعِ المَجِيدِ؛ فَأَنْشَأَ فِي تِلْكَ الجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ هذا القَصْرِ السَّعِيدَ، وَأَقامَنِي وَإِخْوَتِي مِنَ الجِنِّ فِيهِ، لِنَتَوَلَّى حِراسَتَهُ، فكانَ مَوْئِلًا لِلأَمِيرَيْنِ مَكِينًا، وَحِصْنًا حَصِينًا. وَقَدْ وَضَعَ فِيهِ تِمْثَالَ الفتاةِ الحَسْناءِ الَّتي رآها الأميرانِ، وَنَثَرَ حَوْلَها نَفِيسَ اللُّؤْلُؤِ وَالمَرْجَانِ، لِتُغْرِيَ الطَّامِعِينَ، حَتَّى لا يَدْخُلَ القَصْرَ إِلَّا مُخْلِصُ أَمِينٌ.»

وَلَمَّا انْتَهَتْ صَبِيحَةٌ مِنْ حَدِيثِها سَأَلَها الأَمْراءُ الأَرْبَعَةُ مُتَلَهِّفِينَ: «وَكَيْفَ وَقَعَتِ الواقِعةُ ؟ وَأَيُّ سَاحِرٍ دَبَّرَ هَذِهِ الفَاجِعَةَ؟»

فَقَالَ الأَمِيرُ «فَاضِل»: «لا رَيْبَ أَنَّهُ المَلِكُ «مَرْمُوشُ الحَقُودُ وَوَزِيرُهُ «أُنْبُوشُ»، فَكِلاهُما عَدُوٌّ لَنا لَدُودٌ، وَهُما بِأَمْثَالِ هَذِهِ الدَّسَائِسِ أَخْبَرُ، وَبِتَدْبِيرِ هَذِهِ الْمَكَايِدِ أَبْصَرُ، وَعَلَى تَنْفِيذِهَا أَقْدَرُ!»

فَقالَتْ صَبِيحَةٌ»: «لَوِ اسْتَطَاعَ «مَرْمُوشُ» ذلِكَ لَما تَوانَى وَلَا قَصَّرَ، وَلَا تَرَدَّدَ وَلا تَأَخَّرَ، وَلكِنَّهُ أَعْجَزُ عَنْ بُلُوغ هذِهِ الغايَةِ وَأَصْغَرُ ، وَأَقَلُّ وَأَحْقَرُ. كَلَّا أَيُّهَا الإِخْوانِ، فَلَيْسَ لهُ في هَذِهِ النَّكْبَةِ شَأنٌ، وَلا طَاقَةَ لَهُ بِتَدْبِيرِها وَلا يَدانِ؛ بَلْ هِي مِحْنَةٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدَةٍ وَلَا مَقْصُودَةٍ. وَلَوْلا لُطْفُ اللَّهِ لَضاعَ كُلُّ أَمَلٍ فِي انْفِراجِ الأَزْمَةِ، وَكَشْفِ الغُمَّةِ.»

فَسَأَلَها الأَمْرَاءُ مَدْهُوشِينَ: كَيْفَ تَقُولِينَ؟ وَماذا تَعْنِينَ؟ بِرَبِّكِ إِلَّا مَا أَفْصَحْتِ عَمَّا أَلْغَزْتِ، وَأَوضَحْتِ لَنا مَا أَبْهَمْتِ.»

(٥) السَّاحِرُ «عَوْسَجَةُ»

فَقَالَتْ صَبِيحَةُ»: «كانَ صَفْصَافَةُ» في عَصْرِهِ ساحِرَ الهِنْدِ الأَكْبَرَ، كَمَا أَسْلَفْتُ لَكُمُ القَوْلَ، فلما ماتَ ظَهَرَ سَاحِرٌ آخَرُ لا يَقِلُّ عَنْ صَفْصَافَةَ» قُدْرَةً وَمَهارَةً، وَخِبْرَةً بِالسِّحْرِ وَبَصَارَةً. إِنَّهُ «عَوْسَجَةُ» السَّاحِرُ. وَكَانَ أَبُوهُ وَزِيرَ المَلِكِ صَلْدَم». وَكانَ هذا المَلِكُ كَمَا تَعْلَمُونَ خَادِعًا ماكِرًا، مُسْتَبدًّا جَائِرًا، لَمْ يَتَوَرَّعْ عَنِ اغْتِيالِ وَزِيرِهِ النَّاصِحِ الأَمِينِ، بَعْدَ أَنْ أَخْلَصَ لَهُ النُّصْحَ وَأَصْفاهُ الوُدَّ. وَقَدْ شَهِدَ عَوْسَجَةُ» - وَهُوَ فِي مُقْتَبَلِ صباهُ - كَيْفَ صَرَعَ «صَلْدَمٌ» الغَادِرُ أَبَاهُ، فَهَرَبَ «عَوْسَجَةٌ» إِلَى بِلادِ التَّبَّتِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى الانْتِقامِ مِنْ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَمَا زَالَ يُواصِلُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ حَتَّى بَرعَ فِي فُنُونِ السِّحْرِ، وَفاقَ أَساتِذَتَهُ وَمُعَلِّمِيهِ، فَأَصْبَحَ بَعْدَ مَوْتِ صَفْصَافَةَ سَاحِرَ الهِنْدِ الأَوْحَدَ.

(٦) بُوقُ «عَوْسَجَةَ»

فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ المَنْزِلَةَ عَكَفَ عَلَى تَدْبِيرِ وَسِيلَةٍ لِلانْتِقامِ مِنْ قاتِلِ أَبِيهِ، فَلَبِثَ عِشْرِينَ عَامًا كامِلَةً عَاكِفًا عَلَى صُنْعِ بُوقِهِ الذَّهَبِي الصَّغِيرِ، حَتَّى إِذَا أَتَمَّهُ أَعَدَّ العُدَّةَ لِلسَّفَرِ إِلَى مَدِينَةِ «صَلْدَمٍ» قاتِلِ أَبِيهِ . وَما زالَ يُواصِلُ سَيْرَهُ حَتَّى بَلَغَ مُنْتَصَفَ طَرِيقِهِ إِلَيْهِ. وَشَاءَتِ الْأَقْدَارُ أَنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ المَقامُ عَلَى سَاحِلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، فَيَسْتَمِعَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ التُجَّارِ قَدِمُوا مِنْ بِلادِ عَدُوِّهِ، فَيَتَعَرَّفَ مِنْ حَدِيثِهِمْ مَصْرَعَ صَلْدَمٍ»، وَكَيْفَ زَلَّتْ قَدَمُهُ وَهُوَ يُطَارِدُ أَحَدَ الغزلان، فَهَوَى مِنْ قِمَّةِ الجَبَلِ، وتنَاثَرَتْ أَشْلاءُ جِسْمِهِ ، واخْتَلَطَ لَحْمُهُ بِعَظْمِهِ. وَهُنَا زَالَ غَضَبٌ «عَوْسَجَةَ» وانْصَرَفَتْ نَفْسُهُ عَنْ الانْتِقامِ، وَخَشِيَ أَنْ يَقَعَ البُوقُ الذَّهَبِيُّ الْمَسْحُورُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَيُسِيءَ بِهِ - عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ - إِلَى الْآمِنِينَ، فَأَلْقَى بِهِ إِلَى البَحْرِ، وَكَرَّ إِلَى وَطَنِهِ رَاجِعًا، فَمَاتَ في طريقه.

(۷) خَصَائِصُ البُوقِ

فَسَأَلَها الأَمْراءُ: «فَأَيُّ سِرِّ أَوْدَعَهُ السَّاحِرُ في هذا البوقِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِينْتَقِمَ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةُ»: «لَقَدْ أَوْدَعَ فِيهِ مِنْ ضُرُوبِ السِّحْرِ ما لا يَتَخَيَّلُهُ العَقْلُ، فَقَدْ يَسَّرَ لِنَافِخِهِ مِنْ فُنُونِ الانْتِقامِ ما لا يَخْطُرُ عَلَى البالِ، وَأَتاحَ لَهُ القُدْرَةَ عَلَى النَّسْخِ وَالْمَسْخِ والفَسْخِ والرَّسْخِ.»

فَسَأَلَها الأمراء مُتَحْرِينَ: «أَفْصِحِي بِرَبِّكَ عَمَّا تَقُولِينَ، فَمَا نَحْنُ عَلَى فَهْمِ أَلْغَازِكِ بِقادِرِينَ: ماذا تَعْنِينَ بِالنَّسْخِ وَالمَسْخِ وَالفَسْخِ وَالرَّسْخِ؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةٌ»: «فِي المَرْتَبَةِ الأُولَى يَنْتَقِلُ الآدَمِيُّ مِنْ صُورَتِهِ إِلَى صُورَةٍ أَعْلَى وَأَشْرَفَ. وفي الثَّانِيَةِ يَنْتَقِلُ إِلَى صُورَةِ إِحْدَى البَهَائِمِ. وَفِي الثَّالِثَةِ يَنْتَقِلُ إِلَى صُورَةِ بَعْضِ الحَشَراتِ. وفي الرَّابِعَةِ يَتَحَوَّل نَبَاتًا أَوْ جَمَادًا.»

فَصَرَحْ الأُمْراءُ مَدْهُوشِينَ: «وَكَيْفَ يَتِمُّ ذَلِكَ لِمَنْ يَنْفُخُ فِي البُوقِ؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةٌ»: «حَسْبُهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ الصُّورَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ إِلَيْهَا مَنْ يَشَاءُ، أَوْ يَذْكُرَ عَلَى لِسانِهِ اسْمَ حَيَوانٍ أَوْ نَباتٍ أَوْ مَعْدِنِ – خَسِيسًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا - فَلا تَنْقَضِي لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ فِي البُوقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى يَبْلُغَ النَّافِخُ مُرادَهُ، وَيَتِمَّ لَهُ ما أَرادَهُ.»

فَقالَ «إقبال»: «لَقَدْ أَخْبَرْتِنَا أَنَّ عَوْسَجَةَ قَذَفَ البُوقَ فِي البَحْرِ، فَمَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذلك ؟»

فَقالَتْ صَبِيحَةُ»: «بَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ ، وَجاءَ صَيَّادٌ فَاصْطادها . وَمَرَّ بِالصَّيَّادِ نَسْرٌ، فَانْتَهَزَ مِنَ الصَّيَّادِ غَفْلَةً، فَخَطِفَ السَّمَكَةَ ، ثُمَّ طارَ بها إلَى قِمَّةِ الجَبَلِ، فَرَأَى ثُلَّةٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْ عُشْهِ ، فَعادَ بِها أَدْراجَهُ ، واسْتَقَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ فِي حَدِيقَةِ الْمَلِكِ، فَأَكَلَ السَّمَكَةَ وَتَرَكَ البُوقَ، وَلَمْ يَلْبَثِ البُوقُ أَنْ سَقَطَ إِلَى الأَرْضِ. وَجَاءَ وَلَدُ البُسْتانِي فِي اليَوْمِ التَّالِي فَرَأَى البُوقَ الذَّهَبِي الصَّغِيرَ، فَأُعْجِبَ بِمَنْظَرِهِ، وَنَفَخَ فِيهَ - عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِذا كُلُّ مَنْ بِالْمَدِينَةِ تَمَاثِيلُ مِنَ النُّحَاسِ.»

فَسَأَلَتْها «رائِعَةٌ »: « وَلِماذا تَحوَّلُوا نُحاسًا وَلَمْ يَتَحَوَّلُوا شَيْئًا آخَرَ؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةٌ»: «كَانَ وَلَدُ البُسْتانِي يَحْسَبُ البُوقَ الذَّهَبِي بُوقًا مِنَ النُّحَاسِ، فَاتَّجَهَ ذِهْنَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْدِنِ.»

فَقَالَ «فاضِل»: «الآنَ ظَهَرَ أَنَّ مَرْمُوشًا » لا يَدَ لَهُ فِي هَذِهِ النَّكْبَةِ.»

فَقالَتْ صَبِيحَةٌ»: «بَلْ كَانَ لَهُ يَدٌ فِي تَأْمِينِ المَدِينَةِ وَسَلَامَتِها.»

فَقَالَتْ «وادِعَةٌ»: «وَكَيْفَ كَانَ ذلِكِ؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةُ»: «لَولا قُدُومُ جَيْشِهِ اللَّجِبِ لِغَزْوِ المَدِينَةِ لَما فَكَّرَ أَحَدٌ فِي إِغْلاقِ أبوابها، لِرَدِّ عُدْوَانِ مَنْ يُفَكِّرُ فِي غَزْوِها وانْتِهَابِ كُنوزِهَا، فَقَدْ حَاوَلَ «مَرْمُوشُ» أَنْ يَدْخُلَ المدينَةَ فَعَجَزَ عَنْ ذلِكَ وَرَجَعَ خَائِبًا مَدْحُورًا. وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ غَيْرُ الأَمِيرِ «إِقْبَالِ» عَلَى اقْتِحَامِ سُورِهَا العَالِي، وَفَتْحِ بَابِهَا الْمَنِيعِ.»

فَقَالَتْ رَائِعَةٌ»: «رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٌ.»

وَقَالَ «إقبال»: «أَلا سبيلَ إِلَى تَخْلِيصِ المَدِينَةِ مِنْ مِحْنَتِهَا؟ وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِها؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةٌ»: «بَلَى، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الأَسْبَابُ، وَحَانَتِ الفُرْصَةُ لإِنْجَازِ هذا المُهِمَّ العظيم.»

فَقَالَ «إقبال»: «وَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى ذلك؟»

فَقَالَتْ صَبِيحَةُ»: «لَمْ يَبْقَ عَلَى كَشْفِ هَذِهِ المِحْنَةِ غَيْرُ ساعاتٍ وَدَقائق، ثُمَّ يَنْجَلِي لِأَعْيُنِكُمْ صِدْقُ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنْ حَقَائِقَ.»

وَأَرَادَ الأَمْرَاءُ أَنْ يَتَمَادَوْا فِي أَسْئِلَتِهِمْ، لَوْلا أَنَّ سِنَةً مِنَ النَّوْمِ طَافَتْ بِأَجْفَانِهِمْ، فَأَسْلَمَتْهُمْ إِلَى الرُّقادِ.

فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ اسْتَيْقَظَ الأَمِيرُ «إقبال» فَجَالَ فِي جَنَباتِ القَصْرِ، وَقَدْ شَغَلَهُ التَّفْكِيرُ في إنقاذ المَدِينَةِ عَنْ كُلِّ ما يَحْوِيهِ مِنْ نَفَائِسَ وَتُحَفٍ، فَمَثَى إِلَى حَدِيقَةِ القَصْرِ، فَرَآهَا قَدْ اتَّصَلَتْ بِحَدِيقَةِ القَصْرِ المَلَكِي فَوَاصَلَ سَيْرَهُ قَلِيلًا، وَحانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةُ، فَرَأَى البُوقَ الذَّهَبِي الصَّغِيرَ ، فَالْتَقَطَهُ وَعادَ بِهِ أَدْرَاجَهُ، لِيُحدِّثَ أَصْحَابَهُ بِمَا رَآهُ.

(۸) خاتِمَةُ القِصَّةِ

وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ حُجْرَتِهِمْ رَأَى بُوقَ «عَوْسَجَةَ» يَنْجَذِبُ إِلَى شَفَتَيْهِ؛ فَلَمْ يَتَمالَكْ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَ، وَهُوَ مَشْغُولُ البالِ بِرَدِّ الحَياةِ إِلَى التَّماثِيلِ الجَامِدَةِ، فَما إِنْ أَتَمَّ نَفْخَهُ مَرَّاتٍ ثَلاثًا حَتَّى تَحَقَّقَتِ الآمالُ عَلَى يَدَيْهِ، وَدَبَّتِ الحَرَكَةُ فِي تَماثِيلِ النُّحاسِ، وَعادَ إِلَى الحَياةِ كُلُّ ما في المَدِينَةِ مِنْ حَيَوانِ وَطَيْرٍ وَنَاسٍ. وَاسْتَيْقَظَ الأَمْراءُ الثَّلَاثَةُ مِنْ نَوْمِهِمْ مِدْهُوشِينَ.

فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ «رَائِعَةُ لِلأَمِيرَيْنِ «إقبال» و «وَادِعَةَ»: «ما أَشْبَهَ هَذا الصَّوْتَ بِمَا سَمِعْتُهُ مُنْذُ عَامٍ وَنِصْفِ عامٍ.»

لَقَدْ صَدَقَتْ رَائِعَةُ». وَلكِنْ شَتَّانَ بَيْنَ هذا وَذاكَ، شَتَّانَ بَيْنَ الصَّوْتَيْنِ: صَوْتِ اليَوْمِ وَصَوْتِ الأَمْسِ. هذا يَجْلِبُ السَّعادَةَ وذَاكَ يَجْلِبُ النَّحْسَ، هذا يُعِيدُ الحَياةَ وَذَلِكَ يَدْفَعُ إِلَى الرَّمْسِ (القَبْرِ)!

وَهَمَّتْ رَائِعَةُ» أَنْ تُسْرِعَ إِلَى لِقاءِ أَبِيها ، فَرَأَتْهُ ماثلًا أمَامَها قَبْلَ أَنْ تَنْقُل قَدَمًا، فَقَدْ أَحْضَرَتْهُ الجِنِّيَّةُ صَبِيحَةُ» إِلَى القَصْرِ السَّعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخُ الأَمِيرُ فِي البُوقِ بِلَحَظاتٍ، فَلَمَّا عادَتْ إِلَيْهِ الحَياةُ سَمِعَ ابْنَيْهِ فِي الحُجْرَةِ التَّالِيَةِ، فَانْتَقَلَ إِلَيْهِمَا، وَعَقَدَتْ دَهْشَةُ الفَرْحَةِ أَلْسِنَتَهُمْ جَمِيعًا؛ فَبَكَوْا فَتْرَةً مِنْ فَرْطِ السُّرُورِ. وكانَتْ َساعَةً بَهِيجَةً يَتَضَاءَلُ أَمَامَها العُمْرُ كُلُّهُ. وَأَقْبَلَ الأَمِيرَانِ يَبْسُطَانِ لِلمَلِكِ تَفْصِيلَ ما حَدَثَ وَما إِنْ بَلَغُوا مِن القِصَّةِ نِهَايَتَها حَتَّى رَأَوُا المَلِكَ عَاصِمًا» وَالِدَ الأَمِيرَيْنِ وادِعَة» و «إقبال» واقفًا أَمَامَهُما. وَمَا إِنْ رَآهُ وَلَدَاهُ، حَتَّى أَسْرَعا يُرَتِّبانِ بِهِ وَيُعانِقانِهِ، وَيَسْأَلانِهِ: كَيْفَ اهْتَدَى إِلَى مَكَانِهِما؟

فَأَسْرَعَتْ صَبِيحَةُ» إِلَى إِجابَتِهِما ، وَقَالَتْ لَهُما: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ البَهْجَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِحُضُورِ الْمَلِكَيْنِ، لِيَشْهَدا زَوَاجَ الأَمِيرَيْنِ بِالْأَمِيرَتَيْنِ.»

وَهَكَذَا أُقِيمَتِ الأَفْرَاحُ، وَابْتَهَجَ الشَّعْبُ كُلُّهُ أَيَّمَا ابْتِهَاجِ.

وَكَانَ يَجُرُّ المَرْكَبَةَ المَلَكِيَّةَ جَوَادَانِ كَبِيران، لا نَظِيرَ لَهُما فِي الخَيْلِ رَوْعَةً وَفَخَامَةً، وَحُسْنًا وَقَسامَةً ، أَحْضَرتْهُما البَبَّغاءُ لِيَتِمَّ بِهِما البَهْجَةُ والرُّوَاءُ. وَلَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْمَلِكَيْنِ والأَمْراءِ حِينَ أَخْبَرَتْهُما صَبِيحَةُ أَنَّ الجَوادَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْضَرَتْهُما لِيَجْرًا مَرْكَبَةَ الزِّفَافِ هُمَا المَلِكُ «مَرْمُوشُ» وَوَزِيرُهُ «أُنْبُوشُ اللَّذَانِ أَسْرَفًا فِي إِساءَتِهما، وتماديا في اعْتِدائِهِما، وَتَفَنَّنا فِي أَذِيَّةِ جِيرَانِهِما ، وَلَمْ يَتَوانَيا عَنْ إِلْحَاقِ الأَذَى بِالبَرِيَّةِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَعْبَدا ثَلاثَةَ أَرْبَاعِ المَمالِكِ الهِنْدِيَّةِ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH