كنز الشمردل


Ochishجدول المحتويات
الفصل الأولالسَّمَكَتَانِ الْحَمْرَاوَانِ
(۱) الْأَخَوَانِ الْغَادِرَانِ
كَانَ التَّاجِرُ «عُمَرُ» مَعْرُوفًا بَيْنَ جِيرَانِهِ وَعُمَلَائِهِ بِالنَّزَاهَةِ وَالاسْتِقَامَةِ وَكَرَمِ النَّفْسِ. فَرَاجَتْ تِجَارَتُهُ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ، وَعَاشَ فِي حَيَاتِهِ رَاضِيًا مَسْرُورًا. وَقَدْ أَنْجَبَ أَوْلَادًا ثَلَاثَةً، وَهُمْ: «سَالِمٌ» و«سَلِيمٌ» وَ«جَابِرٌ». أَمَّا «سَالِمٌ» وَ«سَلِيمٌ» فَكَانَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ أَصْغَرِهِمْ «جَابِرٍ» فِي كُلِّ شَيْءٍ.
كَانَ الْأَخُ الْأَكْبَرُ وَالْأَخُ الْأَوْسَطُ مَعْرُوفَيْنِ بِالْأَنَانِيَّةِ وَحُبِّ النَّفْسِ، كَمَا كَانَا مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي الشَّرَهِ وَالْغَدْرِ.
أَمَّا «جَابِرٌ» أَخُوهُمَا الْأَصْغَرُ، فَكَانَ صُورَةً صَادِقَةً لِأَبِيهِ التَّاجِرِ «عُمَرَ». كَانَ «جَابِرٌ» مِثَالًا نَادِرًا لِلنَّزَاهَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَكَرَمِ النَّفْسِ؛ فَلَا تَعْجَبْ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ - إِذَا قُلْتُ لَكَ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يُحِبُّهُ لِذَلِكَ حُبًّا عَظِيمًا.
وَكَانَ التَّاجِرُ «عُمَرُ» يَخْشَى عَلَى وَلَدِهِ «جَابِرٍ» مَكْرَ أَخَوَيْهِ الْغَادِرَيْنِ اللَّذَيْنِ غَلَبَ عَلَيْهِمَا الشَّقَاءُ وَالتَّعَاسَةُ؛ فَقَسَّمَ أَمْوَالَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَعْطَى أُمَّهُمْ نَصِيبَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ. فَلَمَّا حَانَتْ وَفَاتُهُ مَاتَ قَرِيرَ الْعَيْنِ، بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ عَلَى وَلَدِهِ «جَابِرٍ» وَأُمِّهِ «صَفِيَّةَ» وَدَعَا اللهُ لَهُمَا بِالتَّوْفِيقِ، كَمَا دَعَا لِوَلَدَيْهِ الْغَادِرَيْنِ بِالْهِدَايَةِ.
وَلَمْ يَمْضِ عَامٌ وَاحِدٌ حَتَّى بَاعَ أَخَوَاهُ كُلَّ مَا وَرِثَاهُ مِنْ مَالِ أَبِيهِمَا، وَأَنْفَقَاهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُ. ثُمَّ أَفْنَيَا ثَرْوَةَ أُمِّهِمَا؛ فَلَمْ يُبْقِيَا مِنْهَا شَيْئًا. أَمَّا «جَابِرٌ» فَقَدِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُنَمِّيَ ثَرْوَتَهُ بِجِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ؛ فَرَبِحَتْ تِجَارَتُهُ وَنَمَتْ. وَلَمْ يَمْضِ عَامٌ وَاحِدٌ حَتَّى أَصْبَحَتْ ثَرْوَتُهُ ضِعْفَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. فَطَمِعَ أَخَوَاهُ فِي غِنَاهُ، وَأَقْبَلَا عَلَيْهِ مُتَوَدِّدَيْنِ. وَلَمْ يَبْخَلْ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ يَمْلِكُهُ، وَقَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَيْهِ وَأُمِّهِ بِالسَّوِيَّةِ وَخَرَجَ «جَابِرٌ» يَتَّجِرُ - عَلَى عَادَتِهِ – بَعْدَ أَنِ اسْتَأْمَنَ أَخَوَيْهِ عَلَى ثَرْوَتِهِ، وَعَهِدَ إِلَيْهِمَا بِالْإِشْرَافِ عَلَى تِجَارَتِهِ.
وَمَا انْتَهَى الْعَامُ الثَّانِي، حَتَّى ظَفِرَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِأَرْبَاحٍ طَائِلَةٍ، فَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى وَطَنِهِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ «جَابِرٌ» مِنْ بَلَدِهِ، خَرَجَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ؛ فَنَهَبُوا تِجَارَتَهُ وَسَلَبُوهُ كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ. ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ، فَرَأَى أَخَوَيْهِ لَمْ يُبْقِيَا لَهُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا؛ فَقَدْ بَدَّدَا ثَرْوَتَهُ، كَمَا بَدَّدَا مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا مُنْذُ عَامَيْنِ. وَهَكَذَا أَصْبَحَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ وَأُمُّهُمْ فُقَرَاءَ لَا يَمْلِكُونَ قُوتَ يَوْمِهِمْ. وَهَرَبَ الْأَخَوَانِ «سَالِمٌ» وَ«سَلِيمٌ» بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تُطَالِبَهُمَا «صَفِيَّةٌ» بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
(۲) وَفَاءُ «جَابِرٍ»
فَلَمَّا رَأَى «جَابِرٌ» مَا جَلَبَهُ أَخَوَاهُ مِنَ الشَّقَاءِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفْسَيْهِمَا، وَمَا أَلْحَقَاهُ مِنَ الْأَذِيَّةِ بِأُمِّهِمَا، اعْتَصَمَ بِالصَّبْرِ، وَأَسْلَمَ أَمْرَهُ لِلَّهِ وَاسْتَقْبَلَ مَا حَلَّ بِهِ مِنَ الشَّقَاءِ بِنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ رَاضِيَةٍ. وَلَمْ يَتَسَرَّبِ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِ «جَابِرٍ»؛ فَاسْتَأْنَفَ حَيَاتَهُ مِنْ جَدِيدٍ، وَأَخَذَ شَبَكَةً يَصْطَادُ بِهَا السَّمَكَ، ثُمَّ يَبِيعُهُ وَيَقْتَاتُ - هُوَ وَأُمُّهُ «صَفِيَّةٌ» – بِثَمَنِ مَا يَصْطَادُهُ. وَظَلَّ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حَتَّى انْقَضَى الْعَامُ الثَّالِثُ.
وَضَاقَتِ الدُّنْيَا بِأَخَوَيْهِ، فَعَادَا إِلَى بَيْتِ أُمِّهِمَا يَشْكُوَانِ حَالَهُمَا. فَرَقَّتْ لَهُمَا وَعَفَتْ عَنْ إِسَاءَتِهِمَا، وَطَيَّبَتْ خَاطِرَهُمَا، ثُمَّ قَدَّمَتْ لَهُمَا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الطَّعَامِ.
وَإِنَّهُمَا لَيَأْكُلَانِ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا «جَابِرٌ» أَخُوهُمَا. وَكَانَ – كَمَا قُلْتُ لَكَ – مِثَالًا لِطِيبَةِ الْقَلْبِ، وَكَرَمِ الْخُلْقِ. فَلَا عَجَبَ إِذَا تَنَاسَى كُلَّ مَا أَلْحَقَاهُ بِهِ مِنَ الْأَذِيَّةِ وَالضَّرَرِ، وَقَابَلَ إِسَاءَتَهُمَا بِالصَّفْحِ، وَغَدْرَهُمَا بِالْغُفْرَانِ، وَاسْتَقْبَلَهُمَا فَرْحَانَ بِلِقَائِهِمَا، بَعْدَ أَنْ شَعَرَ بِالْوَحْشَةِ لِطُولِ غِيَابِهِمَا.
وَلَمْ يُقَصِّرْ «جَابِرٌ» فِي الْحَفَاوَةِ بِأَخَوَيْهِ وَإِظْهَارِ شَوْقِهِ إِلَيْهِمَا. فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَخَوَاهُ أَنْ قَالَا لَهُ: «مَا أَكْرَمَكَ - يَا أَخَانَا - وَأَعْظَمَ عَفْوَكَ، فَقَدْ أَخْجَلَنَا - وَاللَّهِ – مَا أَلْحَقْنَاهُ بِكَ مِنَ الْخَسَائِرِ وَالْمَتَاعِبِ. وَلَكِنَّنَا جِئْنَا إِلَيْكَ الْيَوْمَ نَادِمَيْنِ تَائِبَيْنِ.»
فَقَالَ لَهُمَا هَاشًّا بَاشًّا: «إِنَّ الْأَخَ لَا يُفَرِّطُ فِي أَخِيهِ. وَلَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِيشَ بَعِيدًا عَنْكُمَا، وَلَنْ أُقَصِّرَ فِي أَدَاءِ مَا تَسْتَوْجِبُهُ عَلَيَّ حُقُوقُ الْأُخُوَّةِ لَكُمَا.»
وَمَا زَالَ يُؤْنِسُهُمَا وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمَا حَتَّى أَنْسَاهُمَا مَا كَانَا يَشْعُرَانِ بِهِ مِنَ الانْقِبَاضِ وَالْوَحْشَةِ. وَعَاشَتِ الْأُسْرَةُ كُلُّهَا فِي عَامِهَا الرَّابِعِ عِيشَةً رَاضِيَةً.
(۳) أَيَّامُ الشَّقَاءِ
وَظَلَّ «جَابِرٌ» يَذْهَبُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْبَحْرِ. فَمَا إِنْ يُلْقِي شَبَكَتَهُ فِيهِ حَتَّى تَمْتَلِئَ سَمَكًا. فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ بَاعَ مَا اصْطَادَهُ مِنَ السَّمَكِ، وَأَنْفَقَ ثَمَنَهُ عَلَى أُمِّهِ وَعَلَى أَخَوَيْهِ الْغَادِرَيْنِ، دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ أَحَدٌ مِنْهُمَا فِي مُعَاوَنَتِهِ يَوْمًا وَاحِدًا.
فَلَمَّا جَاءَ الْعَامُ الْخَامِسُ وَقَفَ «جَابِرٌ» عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ لِيَصْطَادَ السَّمَكَ. وَرَمَى الشَّبَكَةَ - عَلَى عَادَتِهِ - ثُمَّ جَذَبَهَا؛ فَلَمْ تَصْطَدْ شَيْئًا. فَرَمَى الشَّبَكَةَ ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً وَرَابِعَةً؛ فَلَمْ يَكُنْ حَظُّهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَانْتَقَلَ «جَابِرٌ» إِلَى مَكَانٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ وَرَابِعٍ؛ وَهَكَذَا حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَلَمْ يَصْطَدْ لِسُوءِ الْحَظِّ سَمَكَةً وَاحِدَةً. وَبَيْنَا هُوَ عَائِدٌ إِلَى بَيْتِهِ مُتَأَلِّمًا مَحْzُونًا، لَقِيَهُ الشَّيْخُ «مَهْرَانُ» - وَكَانَ صَدِيقًا مُخْلِصًا لِأَبِيهِ – فَسَأَلَهُ عَنْ مَصْدَرِ هَمِّهِ، وَسَبَبِ حُزْنِهِ وَغَمِّهِ. فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَهُ فِي يَوْمِهِ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْإِخْفَاقِ. فَهَوَّنَ عَلَيْهِ، وَطَيَّبَ خَاطِرَهُ، وَأَقْرَضَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ؛ فَاشْتَرَى بِهِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أُسْرَتُهُ مِنَ الْقُوتِ.
وَجَاءَ الْيَوْمُ الثَّانِي، فَلَقِيَ «جَابِرٌ» فِيهِ مِثْلَ مَا لَقِيَ فِي أَمْسِهِ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ «مَهْرَانُ» صَاحِبُ أَبِيهِ، يَسْأَلُهُ عَمَّا ظَفِرَ بِهِ مِنَ الرِّزْقِ فِي يَوْمِهِ. فَلَمَّا عَلِمَ «مَهْرَانُ» بِمَا لَقِيَهُ «جَابِرٌ» مِنَ الْخِذْلَانِ، أَقْرَضَهُ مِنْ مَالِهِ مِثْلَ مَا أَقْرَضَهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ. وَلَازَمَتِ الْفَتَى أَيَّامُ النَّحْسِ شَهْرًا كَامِلًا.
(٤) رَاكِبُ الْبَغْلَةِ
فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي، دَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُبَدِّلَ عُسْرَهُ يُسْرًا، وَأَنْ يَفْتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الرِّزْقِ.
وَمَا أَتَمَّ «جَابِرٌ» دُعَاءَهُ، حَتَّى أَبْصَرَ شَيْخًا هَرِمًا طَاعِنًا فِي السِّنِّ، يَرْتَدِي أَفْخَرَ الثَّيَابِ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَغْلَةٍ فَاخِرَةٍ، وَعَلَيْهَا خُرْجٌ نَفِيسٌ.
وَلَمْ يَكَدِ الشَّيْخُ يَرَاهُ حَتَّى بَدَأَهُ بِالتَّحِيَّةِ، وَنَادَاهُ بِاسْمِهِ قَائِلًا: «يَا جَابِرُ بْنَ عُمَرَ: إِنَّ لِي رَجَاءً لَا يُكَلِّفُكَ أَقَلَّ عَنَاءٍ. فَهَلْ أَنْتَ مُحَقِّقٌ لِي مَا أَرْجُوهُ؟»
فَقَالَ لَهُ «جَابِرٌ»: «قُلْ مَا تَشَاءُ، فَإِنِّي سَامِعٌ مُطِيعٌ. وَلَعَلَّ اللَّهَ يُعِينُنِي عَلَى قَضَاءِ مَا تُرِيدُ.»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «سَأُلْقِي بِنَفْسِي فِي عُرْضِ هَذَا الْبَحْرِ. فَإِذَا كُتِبَتْ لِيَ السَّلَامَةُ وَالتَّوْفِيقُ، كَانَ عَلَامَةَ ذَلِكَ أَنْ أُخْرِجَ يَدَيَّ إِلَيْكَ مِنَ الْمَاءِ!
فَإِذَا رَأَيْتَ هَذِهِ الْعَلَامَةَ، فَأَسْرِعْ إِلَيَّ، وَلَا تُضِعْ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَأَلْقِ عَلَيَّ شَبَكَتَكَ فِي الْحَالِ، لِتُنْقِذَنِي مِنَ الْغَرَقِ. وَإِذَا كُتِبَتْ عَلَيَّ الْخَيْبَةُ وَالْإِخْفَاقُ كَانَ عَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ تَظْهَرَ قَدَمَايَ! فَإِذَا رَأَيْتَ هَذِهِ الْعَلَامَةَ فَتَرَحَّمْ عَلَيَّ، وَاعْلَمْ أَنَّنِي هَلَكْتُ وَانْتَقَلْتُ إِلَى عَالَمِ الْأَمْوَاتِ. فَإِذَا قُسِمَتْ لِيَ الْحَيَاةُ، أَغْنَيْتُكَ وَمَلَأْتُ أَيَّامَكَ سَعَادَةً وَسُرُورًا. وَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ نَصِيبِي، فَهَنِيئًا لَكَ هَذِهِ الْبَغْلَةُ، فَهِيَ مِلْكٌ لَكَ بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ مِنَ نَفَائِسَ وَذَخَائِرَ.»
ثُمَّ صَعِدَ الشَّيْخُ إِلَى صَخْرَةٍ عَالِيَةٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْبَحْرِ. وَلَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهَا حَتَّى أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى «جَابِرٍ» مُوَدِّعًا. ثُمَّ أَلْقَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ الْأَمْوَاجِ الثَّائِرَةِ، وَغَابَ عَنْ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا، ثُمَّ ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَاصَ إِلَى الْقَرَارِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ. فَأَدْرَكَ «جَابِرٌ» أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ غَرِقَ، وَلَمْ تُكْتَبْ لَهُ النَّجَاةُ. فَعَادَ بِبَغْلَتِهِ إِلَى السُّوقِ، وَبَاعَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى «مَهْرَانَ» صَاحِبِ أَبِيهِ، فَرَدَّ لَهُ دَيْنَهُ، بَعْدَ أَنْ شَكَرَ لَهُ عَطْفَهُ وَمُرُوءَتَهُ.
وَرَجَعَ «جَابِرٌ» إِلَى بَيْتِهِ مَسْرُورًا، وَمَعَهُ مَا شَاءَ مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَاكِهَةِ، وَأَعْطَى أُمَّهُ كُلَّ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ.
(٥) الْأَخُ الثَّانِي
فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي، ذَهَبَ «جَابِرٌ» إِلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَلَمْ يَكَدْ يَهُمُّ بِإِلْقَاءِ الشَّبَكَةِ حَتَّى أَبْصَرَ شَيْخًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ إِنْسَانٍ بِالشَّيْخِ الَّذِي لَقِيَهُ أَمْسِ، وَقَدْ رَكِبَ بَغْلَةً مِثْلَ بَغْلَتِهِ، وَعَلَيْهَا خُرْجٌ مِثْلُ خُرْجِهِ، مُطَرَّزٌ بِالْحَرِيرِ، مُوَشًّى بِالْقَصَبِ. فَأَدْرَكَ «جَابِرٌ» مِنَ النَّظْرَةِ الْأُولَى أَنَّهُ شَقِيقُ الشَّيْخِ الَّذِي غَرِقَ أَمْسِ. وَقَدْ بَدَأَ الشَّيْخُ بِالتَّحِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَخُوهُ.
فَعَجِبَ «جَابِرٌ» مِنْ جُنُونِ الرَّجُلِ، كَمَا دَهِشَ مِنْ جُنُونِ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ. فَظَلَّ يُحَذِّرُ الشَّيْخَ - كَمَا حَذَّرَ أَخَاهُ - عَاقِبَةَ مَا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ، وَيُبَصِّرُهُ بِمَا لَقِيَهُ شَقِيقُهُ مِنَ الْهَلَاكِ. فَلَمْ يَسْتَمِعْ إِلَى نَصِيحَتِهِ، وَلَمْ يُضِعْ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ؛ فَأَسْرَعَ إِلَى الصَّخْرَةِ الْعَالِيَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى «جَابِرٍ» مُوَدِّعًا، ثُمَّ قَذَفَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَعْلَى الصَّخْرَةِ، فَابْتَلَعَهُ الْمَوْجُ. وَلَمْ يَنْقَضِ عَلَيْهِ زَمَنٌ حَتَّى ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ. وَبَاعَ «جَابِرٌ» بَغْلَتَهُ – كَمَا بَاعَ بَغْلَةَ أَخِيهِ - بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَى بِدِينَارٍ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَيْتُ مِنْ طَعَامٍ وَفَاكِهَةٍ، ثُمَّ أَعْطَى أُمَّهُ الدَّنَانِيرَ الْبَاقِيَةَ.
(٦) الْأَخُ الثَّالِثُ
فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، رَأَى «جَابِرٌ» شَيْخًا ثَالِثًا؛ هُوَ أَشْبَهُ إِنْسَانٍ بِصَاحِبَيْهِ اللَّذَيْنِ لَقِيَهُمَا أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ. فَعَرَفَ مِنْ هَيْئَتِهِ أَنَّهُ شَقِيقُهُمَا الثَّالِثُ؛ فَبَذَلَ لَهُ مِنَ النُّصْحِ مِثْلَ مَا بَذَلَ لِأَخَوَيْهِ؛ فَأَعْرَضَ عَنْهُ كَمَا أَعْرَضَا، وَأَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ كَمَا أَصَرَّا. وَأَسْرَعَ الشَّيْخُ إِلَى الصَّخْرَةِ الْعَالِيَةِ - بَعْدَ أَنْ أَوْصَاهُ بِمِثْلِ مَا أَوْصَيَاهُ بِهِ - ثُمَّ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى الْبَحْرِ؛ فَابْتَلَعَتْهُ الْأَمْوَاجُ. فَأَيْقَنَ «جَابِرٌ» أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ هَلَكَ وَلَحِقَ بِأَخَوَيْهِ. وَلَكِنْ شَدَّ مَا أَدْهَشَهُ – وَهُوَ يَهُمُّ بِالْعَوْدَةِ - أَنْ رَأَى صَاحِبَهُ وَقَدْ ظَهَرَتْ يَدَاهُ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ؛ فَاسْتَبْشَرَ بِنَجَاتِهِ، فَأَلْقَى بِشَبَكَتِهِ عَلَيْهِ وَجَذَبَهُ مُتَرَفِّقًا بِهِ، حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى السَّاحِلِ سَالِمًا مِنْ كُلِّ سُوءٍ.
وَنَظَرَ «جَابِرٌ» إِلَى صَاحِبِهِ، فَرَأَى فِي يَدَيْهِ سَمَكَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، أَمْسَكَ بِإِحْدَاهُمَا فِي يُمْنَاهُ، وَبِالْأُخْرَى فِي يُسْرَاهُ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنْ «جَابِرٍ» أَنْ يُحْضِرَ لَهُ مِنْ خُرْجِهِ صُنْدُوقَيْنِ صَغِيرَيْنِ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُمَا، وَضَعَ فِي كُلِّ صُنْدُوقٍ مِنْهُمَا سَمَكَةً، ثُمَّ أَقْفَلَهُ عَلَيْهَا بِقُفْلٍ مُحْكَمٍ مَتِينٍ. وَلَمَّا اطْمَأَنَّ الشَّيْخُ إِلَى نَجَاحِهِ، الْتَفَتَ إِلَى «جَابِرٍ» شَاكِرًا لَهُ مُرُوءَتَهُ وَنَجْدَتَهُ، ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «أَلْفُ شُكْرٍ لَكَ، يَا «جَابِرُ بْنَ عُمَرَ». لَقَدْ أَنْقَذْتَ حَيَاتِي مِنَ التَّلَفِ، وَيَسَّرْتَ لِي مَا أُرِيدُ. وَلَوْلَا مَا بَذَلْتَهُ لِي مِنْ مَعُونَةٍ، لَمَا فُتِحَ أَمَامِي بَابُ النَّجَاحِ. وَلَقَدْ كُنْتُ فِي عِدَادِ الْغَارِقِينَ، لَوْ لَمْ تُسْرِعْ إِلَى نَجْدَتِي، وَتُلْقِ عَلَيَّ شَبَكَتَكَ». فَسَأَلَهُ «جَابِرٌ» مُتَعَجِّبًا:
«أَلَسْتَ مَاهِرًا فِي السِّبَاحَةِ؟» فَأَجَابَهُ: «بَلْ أَنَا مِنْ أَمْهَرِ خَلْقِ اللَّهِ فِي السِّبَاحَةِ، وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى الْعَوْمِ. فَقَدْ أَلِفْتُ الْبَحْرَ - كَمَا أَلِفَهُ أَخَوَايَ – مُنْذُ زَمَنِ الطُّفُولَةِ.
وَلَكِنَّ مَنْ يَقْبِضُ عَلَى هَاتَيْنِ السَّمَكَتَيْنِ الْحَمْرَاوَيْنِ الْمَسْحُورَتَيْنِ، تُصِيبُهُ رِعْدَةٌ مُفَاجِئَةٌ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ، وَيَنْتَكِسَ رَأْسُهُ إِلَى أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ إِلَى أَعْلَى، ثُمَّ يَهْوِي فِي الْحَالِ إِلَى قَرَارِ الْمَاءِ.
وَلَنْ يَظْفَرَ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ كَيْفَ يَجْمَعُ شَجَاعَتَهُ فِي مُجَابَهَةِ الْخَطَرِ، وَانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى.
وَأَوَّلُ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ النَّجَاحِ أَلَّا يُنْسِيَهُ فَرَحُهُ بِالْحُصُولِ عَلَى السَّمَكَتَيْنِ وَاجِبَ الْإِسْرَاعِ بِإِخْرَاجِ يَدَيْهِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يَبْطُلَ السِّحْرُ. وَمَتَى كُتِبَ لَهُ التَّوْفِيقُ فِي اجْتِيَازِ هَذَا الْمَأْزِقِ الْحَرِجِ، ظَفِرَ بِالسَّلَامَةِ وَالسَّعَادَةِ جَمِيعًا.»
(۷) قِصَّةُ الْأَخَوَيْنِ
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «إِنَّ لِي رَجَاءً عِنْدَكَ، فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبِي إِلَيْهِ؟»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «لَكَ مِنِّي مَا تُرِيدُ.»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ قِصَّةَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ غَرِقَا – أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ – فِي هَذَا الْمَكَانِ.»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «نَحْنُ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: «عَبْدُ السَّلَامِ» وَ«عَبْدُ الْوَاحِدِ»، وَأَصْغَرُنَا «عَبْدُ الصَّمَدِ»، وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبُكَ الْآنَ وَيَقُصُّ عَلَيْكَ حَدِيثَ أَخَوَيْهِ. وَقَدْ كَانَ لَنَا وَالِدٌ مَاهِرٌ فِي السِّحْرِ يُسَمَّى: «عَبْدَ الْوَدُودِ».
وَقَدْ عَلَّمَنَا كَثِيرًا مِنْ أَبْوَابِ السِّحْرِ وَفُنُونِهِ، وَدَرَّبَنَا عَلَيْهَا مُنْذُ طُفُولَتِنَا. وَكَانَ مِمَّا تَعَلَّمْنَاهُ مِنْهُ فَتْحُ الْكُنُوزِ، وَتَسْخِيرُ مُلُوكِ الْجِنِّ لِخِدْمَتِنَا وَإِنْجَازِ أَغْرَاضِنَا. وَقَدْ خَلَّفَ لَنَا الْوَالِدُ - بَعْدَ مَوْتِهِ - أَكْدَاسًا مِنَ الْأَمْوَالِ الطَّائِلَةِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؛ فَقَسَّمْنَاهَا بَيْنَنَا بِالسَّوِيَّةِ.
(۸) أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وَكَانَ لِأَبِينَا مَكْتَبَةٌ حَافِلَةٌ بِنَفَائِسِ الْكُتُبِ؛ فَجَعَلْنَاهَا مِلْكًا شَائِعًا لَنَا، وَحَرَصْنَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَرْجِعًا لَنَا وَلِأَبْنَائِنَا وَحَفَدَتِنَا مِنْ بَعْدِنَا.
وَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَكْتَبَةِ النَّادِرَةِ مَخْطُوطٌ فَرِيدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ - فِي نَفَاسَتِهِ – بَيْنَ كُتُبِ الْعَالَمِ كُلِّهِ، اسْمُهُ: «أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ».
وَكَانَ أَبِي يَحْرِصُ عَلَى هَذَا الْمَخْطُوطِ، وَلَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا فِي الْحَيَاةِ.
وَلَعَلَّكَ تُدْرِكُ قِيمَةَ هَذَا الْكِتَابِ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ مُؤَلَّفَهُ الْعَظِيمَ قَدْ بَيْنَ فِيهِ مَوَاقِعَ كُنُوزِ الْعَالَمِ كُلِّهَا، وَطَرِيقَ الاهْتِدَاءِ إِلَيْهَا وَفَتْحِهَا وَالانْتِفَاعِ بِمَا تَحْوِيهِ مِنْ نَفَائِسَ وَتُحَفٍ، وَأَسْمَاءَ حُرَّاسِهَا مِنْ أَذْكِيَاءِ الْجِنِّ وَزُعَمَاءِ الْعَفَارِيتِ.
وَقَدْ عَلَّمَنَا وَالِدُنَا: «عَبْدُ الْوَدُودِ» - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ - كَيْفَ نَحُلُّ رُمُوزَ السِّحْرِ، وَنَفُكُّ طَلَاسِمَهُ وَمُعَمَّيَاتِهِ الَّتِي يَزْخَرُ بِهَا ذَلِكَ الْكِتَابُ.
فَلَمَّا مَاتَ الْوَالِدُ، أَصْبَحَ هَذَا الْمَخْطُوطُ النَّفِيسُ مَطْمَحَ أَنْظَارِنَا جَمِيعًا، وَحَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، وَيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
وَاشْتَدَّ بَيْنَنَا الْخِلَافُ، حَتَّى كَادَتْ كَلِمَتُنَا تَتَفَرَّقُ؛ فَلَجَأْنَا إِلَى الشَّيْخِ «الْأَبْطَشِ»، وَهُوَ شَيْخٌ هَرِمٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ، كَانَ أُسْتَاذَ أَبِينَا قَبْلَ أَنْ نُولَدَ، وَقَدْ عَلَّمَ أَبَانَا كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ فُنُونِ السِّحْرِ.
فَلَمَّا أَخْبَرْنَا «الْأَبْطَشَ» بِقَضِيَّتِنَا، طَلَبَ مِنَّا أَنْ نُحْضِرَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ، وَقَالَ لَنَا بَاسِمًا:
أَنْتُمْ أَبْنَاءُ أَخِي. وَلَيْسَ يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمْ بِالْعَدْلِ.»
فَقُلْنَا لَهُ: «إِنَّ عَدَالَتَكَ مَعْرُوفَةٌ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الشَّكُّ.»
فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا قَائِلًا: «لَوْ أَنَّكُمْ قَرَأْتُمْ مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ، لَمَا بَقِيَتْ لَكُمْ حَاجَةٌ لِلاحْتِكَامِ إِلَيَّ.»
فَقُلْنَا لَهُ مُتَعَجِّبِينَ: «لَقَدْ شُغِلْنَا بِقِرَاءَةِ فُصُولِهِ عَنْ مُقَدِّمَتِهِ».
فَقَالَ الشَّيْخُ «الْأَبْطَشُ»: «لَقَدْ شَغَلَتْكُمْ أَوْصَافُ الْكُنُوزِ عَنْ مَفَاتِيحِهَا. وَلَوْ قَرَأْتُمُ الْمُقَدِّمَةَ، لَرَأَيْتُمْ فِيهَا الْحَلَّ الْعَادِلَ لِقَضِيَّتِكُمُ الَّتِي طَالَ نِزَاعُكُمْ فِيهَا.»
(۹) الْعَجَائِبُ الْأَرْبَعُ
ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا الشَّيْخُ «الْأَبْطَشُ» مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ، وَتَلَا مِنْهَا الْأَسْطُرَ التَّالِيَةَ: «لَا يَمْلِكُ هَذَا الْكَنْزَ النَّفِيسَ إِلَّا فَتًى مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَفْذَاذِ، الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ الْمَصَاعِبَ وَالْأَهْوَالَ، فِي سَبِيلِ الْحُصُولِ عَلَى جَلَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَلَا يَظْفَرُ بِهِ إِلَّا بَارِعٌ مِنْ أَصْحَابِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ، وَالْآرَاءِ النَّاصِحَةِ، الَّذِينَ لَا تُفْلِتُ مِنْهُمْ فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ.
فَإِذَا نَقَصَتْهُ مَزِيَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْمَزَايَا الْعَالِيَةِ، فَلَا أَمَلَ وَلَا رَجَاءَ فِي الْحُصُولِ عَلَى «كَنْزِ الشَّمَرْدَلِ» وَالظَّفَرِ بِأَنْفَسِ مُحْتَوَيَاتِهِ، وَهِيَ: الْخَاتَمُ وَالسَّيْفُ وَالْمُكْحُلَةُ وَدَائِرَةُ الْفَلَكِ.»
فَدَهِشْنَا مِمَّا سَمِعْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ قِيمَةَ هَذِهِ الْكُنُوزِ.
فَلَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهَا، قَرَأَ عَلَيْنَا الْأَسْطُرَ التَّالِيَةَ:
«أَمَّا «خَاتَمُ الشَّمَرْدَلِ» فَلَهُ خَادِمٌ مِنَ الْجِنِّ، اسْمُهُ «الْقَاصِفُ»، وَهُوَ أَقْوَى مُلُوكِ الْجِنِّ فِي هَذَا الْعَصْرِ. وَلَيْسَ فِي طَوَائِفِهِمْ - عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ - مَنْ يَعْصِي لَهُ قَوْلًا، أَوْ يُخَالِفُ لَهُ أَمْرًا.
وَأَمَّا «سَيْفُ الشَّمَرْدَلِ» فَإِنَّهُ يَكْفِي مَنْ يَمْلِكُهُ عَنَاءَ الْحَرْبِ. فَهُوَ سَيْفٌ مَسْحُورٌ، إِذَا جَرَّدَهُ صَاحِبُهُ عَلَى أَكْبَرِ جَيْشٍ هَزَمَهُ - فِي الْحَالِ - وَشَتَّتَ شَمْلَهُ. فَإِذَا أَمَرَ السَّيْفَ أَنْ يُفْنِيَ الْجَيْشَ كُلَّهُ، خَرَجَ مِنْهُ بَرْقٌ يَكَادُ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ، يَصْحَبُهُ رَعْدٌ يَكَادُ دَوِيُّهُ يُصِمُّ الْآذَانَ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ يَكَادُ لَهِيبُهَا يَصِلَ إِلَى السَّحَابِ، ثُمَّ تَهْوِي أَلْسِنَةُ اللَّهَبِ عَلَى الْجَيْشِ، وَتَنْدَلِعُ النِّيرَانُ فِي صُفُوفِهِ، وَتَتَقَاذَفُهُمُ الْحُمَمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَلَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. وَلَا تَنْقَضِي لَحْظَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ جَيْشُ الْأَعْدَاءِ - بِكُلِّ مَا يَحْوِيهِ مِنْ ذَخِيرَةٍ وَعَتَادٍ - طَعَامًا لِلنَّارِ.
أَمَّا «دَائِرَةُ الْفَلَكِ»، فَإِنَّ مَنْ يَظْفَرُ بِهَا يَرَى – وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَانِهِ – مَا يَشَاءُ مِنْ بِلَادِ الْعَالَمِ وَجِبَالِهِ وَوِدْيَانِهِ وَصَحَارِيهِ وَبِحَارِهِ وَجَزَائِرِهِ، وَيَشْهَدُ كُلَّ مَا تَحْوِيهِ الدُّنْيَا - مِنْ مَشْرِقِ الْأَرْضِ إِلَى مَغْرِبِهَا - دُونَ أَنْ يَنْقُلَ قَدَمًا وَاحِدَةً.
فَإِذَا غَضِبَ مَالِكُ هَذِهِ الدَّائِرَةِ عَلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْمُدُنِ، وَأَرَادَ إِحْرَاقَهَا، فَلَنْ يُكَلِّفَهُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُوَجِّهَ مِرْآةَ الدَّائِرَةِ إِلَى قُرْصِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يُسَلِّطَ أَشِعَّتَهَا عَلَى الْمَدِينَةِ. فَلَا تَلْبَثُ تِلْكَ الْمَدِينَةُ أَنْ تَحْتَرِقَ فِي الْحَالِ، بِكُلِّ مَا تَحْتَوِيهِ مِنْ دَابَّةٍ وَإِنْسَانٍ، وَنَبَاتٍ وَحَيَوَانِ، وَمَصَانِعَ وَدُورٍ، وَحَدَائِقَ وَقُصُورٍ.
وَأَمَّا «مُكْحُلَةُ الشَّمَرْدَلِ» فَإِنَّهَا تُرِي مَنْ يَتَكَحَّلُ بِهَا كُلَّ مَا فِي جَوْفِ الْأَرْضِ وَقَاعِ الْبِحَارِ مِنْ لَآلِئَ وَكُنُوزِ!»
(۱۰) أَهْوَالُ الْكُنُوزِ
فَلَمَّا انْتَهَى الشَّيْخُ «الْأَبْطَشُ» مِنْ قِرَاءَةِ الْمُقَدِّمَةِ، الْتَفَتَ إِلَيْنَا قَائِلًا:
«إِنَّ امْتِلَاكَ الْكُنُوزِ - أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ الْأَعِزَّاءُ - لَيْسَ بِالْهَيِّنِ الْمَيْسُورِ. وَلَوْ كَانَ إِدْرَاكُهَا سَهْلًا لَتَهَافَتَ عَلَيْهَا كُلُّ إِنْسَانٍ. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَنَالَهَا مُتَرَدِّدٌ جَبَانٌ، أَوْ يَظْفَرَ بِهَا مُتَقَاعِدٌ كَسْلَانُ. فَلَمْ تُخْلَقِ الْكُنُوزُ إِلَّا لِمِقْدَامٍ جَسُورٍ، ثَابِتٍ صَبُورٍ، لَا يُفَزِّعُهُ مَا يَلْقَاهُ فِي سَبِيلِهَا مِنْ مَصَاعِبَ وَأَهْوَالٍ، وَلَا يَثْنِيهِ عَنْ بَذْلِ كُلِّ مُرْتَخَصٍ وَغَالٍ.»
ثُمَّ خَتَمَ الشَّيْخُ «الْأَبْطَشُ» حَدِيثَهُ قَائِلًا:
«وَلَقَدْ حَاوَلَ أَبُوكُمُ الشَّيْخُ «عَبْدُ الْوَدُودِ» - فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِهِ – أَنْ يَفْتَحَ «كَنْزَ الشَّمَرْدَلِ»؛ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكُمْ، وَضَاعَتْ جُهُودُهُ بِلَا فَائِدَةٍ.
وَقَضَى مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ فِي مُطَارَدَةِ الْمَرَدَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِحِرَاسَةِ الْكَنْزِ، مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ حَتَّى هَرَبُوا إِلَى صَخْرَةِ الْمَرْجَانِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى شَطِّ الْحِيتَانِ. وَكَانَتِ الشَّيْخُوخَةُ قَدْ أَعْجَزَتْ «عَبْدَ الْوَدُودِ» عَنِ الْحَرَكَةِ؛ فَكَفَّ عَنْ مُطَارَدَةِ الْمَرَدَةِ.
وَاشْتَدَّ بِهِ أَلَمُ الْخَيْبَةِ وَالْإِخْفَاقِ؛ فَجَاءَنِي ذَاتَ يَوْمٍ، وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ أُصَبِّرُهُ وَأُهَوِّنُ عَلَيْهِ مَا يُكَابِدُهُ مِنْ أَلَمٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ:
«إِذَا فَاتَكَ الْحُصُولُ عَلَى هَذَا الْكَنْزِ الْعَظِيمِ، لَمْ يَفُتْ أَحَدَ أَبْنَائِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَدْ قَرَأْتُ - فِيمَا قَرَأْتُ مِنْ كُتُبِ الْحُكَمَاءِ - أَنَّ «كَنْزَ الشَّمَرْدَلِ» لَنْ يُفْتَحَ إِلَّا عَلَى يَدِ فَتًى كَرِيمِ الْخِلَالِ، مَحْمُودِ الْخِصَالِ، يُدْعَى «جَابِرَ بْنَ عُمَرَ».
وَلَنْ يَسْتَطِيعَ هَذَا الْفَتَى أَنْ يُعَاوِنَ طَالِبَ الْكَنْزِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَظْفَرَ بِصَيْدِ الْمَارِدَيْنِ الْمُخْتَبِئَيْنِ بِالْقُرْبِ مِنْ صَخْرَةِ الْمَرْجَانِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى شَطِّ الْحِيتَانِ.»
ثُمَّ مَاتَ «عَبْدُ الْوَدُودِ» بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ.
وَلَا يَزَالُ الْأَمَلُ كَبِيرًا فِي أَنْ يُكَلَّلَ سَعْيُ أَحَدِكُمْ بِالنَّجَاحِ، وَأَنْ يَظْفَرَ بِأَسْرِ هَذَيْنِ الْمَارِدَيْنِ أَوْفَرُكُمْ حَظًّا، وَأَقْوَاكُمْ عَزِيمَةً.»
(۱۱) عَلَامَةُ النَّصْرِ
ثُمَّ صَمَتَ الشَّيْخُ «الْأَبْطَشُ» بُرْهَةً، وَاسْتَأْنَفَ قَائِلًا:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَيْنِ الْمَارِدَيْنِ هُمَا وَلَدَا حَارِسِ الْكَنْزِ. وَقَدْ تَحَوَّلَا سَمَكَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ. وَهُمَا مَارِدَانِ قَوِيَّانِ، شَدِيدَا الْبَأْسِ عَنِيدَانِ.
فَإِذَا انْتَصَرَا عَلَى طَالِبِ الْكَنْزِ، فَعَلَامَةُ انْتِصَارِهِمَا أَنْ يُنَكَّسَ رَأْسُهُ إِلَى الْقَاعِ، وَتَطْفُوَ رِجْلَاهُ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ.
وَإِذَا انْتَصَرَ عَلَيْهِمَا، فَعَلَامَةُ انْتِصَارِهِ أَنْ تَظْهَرَ يَدَاهُ. وَمَتَى أَسْرَعَ «جَابِرُ بْنُ عُمَرَ» بِإِلْقَاءِ شَبَكَتِهِ عَلَيْهِ، كُتِبَتْ لَهُ النَّجَاةُ فِي الْحَالِ.»
فَاتَّفَقْتُ مَعَ أَخَوَيَّ عَلَى الْحُضُورِ إِلَيْكَ فِي أَيَّامٍ مُتَعَاقِبَةِ، وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ، لَعَلَّ التَّوْفِيقَ يُحَالِفُ وَاحِدًا مِنَّا.
وَقَدَ هَلَكَ أَخَوَايَ دُونَ غَايَتِهِمَا، وَفَتَكَتْ بِهِمَا السَّمَكَتَانِ الْحَمْرَاوَانِ، ثُمَّ نَصَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَكُتِبَتْ لِي السَّلَامَةُ مِنْ شَرِّهِمَا، بِفَضْلِ مَا بَذَلْتَهُ لِي مِنْ مُسَاعَدَةٍ. وَقَدْ لَقِيَ أَخَوَايَ مَصْرَعَهُمَا - كَمَا رَأَيْتَ – أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ.
وَقَدْ أَظْفَرَنِي اللهُ بِالْمَارِدَيْنِ. وَمَكَّنَنِي مِنَ الانْتِقَامِ لِأَخَوَيَّ مِنْهُمَا.
وَهَا هُمَا ذَانِ مَحْبُوسَانِ فِي الصُّنْدُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِحَبْسِهِمَا.»
(۱۲) الْخُطْوَةُ الْأُولَى
فَقَالَ لَهُ «جَابِرٌ»: «أَتَعْنِي أَنَّ هَاتَيْنِ السَّمَكَتَيْنِ جِنِّيَّانِ؟»
فَقَالَ لَهُ «عَبْدُ الصَّمَدِ»: «لَا شَكٍّ فِي ذَلِكَ. فَهُمَا مَارِدَانِ مِنَ الْجِنِّ؛ وَقَدْ سَكَنَا هَذِهِ الْمِنْطَقَةَ الْمَسْحُورَةَ مِنَ الْبَحْرِ، بَعْدَ أَنْ هَرَبَا مِنْ مُطَارَدَةِ أَبِي، ثُمَّ تَحَوَّلَا سَمَكَتَيْنِ، وَاتَّخَذَا قَاعَ الْبَحْرِ مَلْجَأً لَهُمَا؛ لِيَسْتَخْفِيَا عَنْ أَعْيُنِ طَالِبِي الْكَنْزِ، وَيَسْتَرِيحَا مِنْ مُطَارَدَتِهِمْ إِيَّاهُمَا.
وَقَدْ أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمَا؛ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ بَارِقَةٍ مِنَ الْأَمَلِ فِي النَّجَاحِ، وَأَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي سَبِيلِ كَشْفِ الْكَنْزِ، وَالظُّفَرِ بِمَا يَحْوِيهِ مِنَ النَّفَائِسِ.»
الفصل الثانيفَاتِحُ الْكَنْزِ
(۱) أَرْصَادُ «الشَّمَرْدَلِ»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «هَنِيئًا لَكَ مَا ظَفِرْتَ بِهِ، وَبَارَكَ اللَّهُ فِي سَعْيِكَ.»
فَقَالَ السَّاحِرُ: «لَنْ يُكَلِّلَ اللهُ سَعْيِي بِالنَّجَاحِ، إِلَّا إِذَا صَحِبْتَنِي إِلَى مَقَرِّ الْكَنْزِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ.»
فَحَاوَلَ «جَابِرٌ» أَنْ يَعْتَذِرَ لَهُ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَقَالَ:
«إِنَّ أَرْصَادَ الْكَنْزِ قَدْ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ الْكَنْزَ لَا يَفْتَحُهُ غَيْرُكَ، وَلَا يَفُضُّ أَقْفَالَهُ سِوَاكَ. فَإِذَا صَحِبْتَنِي إِلَيْهِ ظَفِرْنَا بِخَيْرٍ عَمِيمٍ، وَنَجَاحٍ عَظِيمٍ. فَلَا تُحْجِمْ عَنْ فَضْلٍ سَاقَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ.» فَقَالَ لَهُ «جَابِرٌ»: «إِنَّنِي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَسْعَى طُولَ يَوْمِي جَاهِدًا لِأَحْصُلَ عَلَى قُوتِ أُمِّي وَأَخَوَيَّ. فَكَيْفَ أَتْرُكُهُمْ نَهْبَ الْفَاقَةِ، وَفَرِيسَةَ الْجُوعِ؛ وَلَيْسَ لَهُمْ عَائِلٌ سِوَايَ؟»
فَقَالَ السَّاحِرُ: «مَا أَهْوَنَ مَا طَلَبْتَ يَا «جَابِرُ بْنَ عُمَرَ»! هَاكَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَهِيَ - بِلَا شَكٍّ – كَافِيَةٌ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّرْفِيهِ عَنْهُمْ، فِي أَثْنَاءِ غَيْبَتِكَ. وَلَنْ يَنْقَضِيَ عَلَى سَفَرِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى تَعُودَ إِلَيْهِمْ وَمَعَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالنَّفَائِسِ مَا يُغْنِيكَ وَيُغْنِيهِمْ وَيُغْنِي أَوْلَادَكُمْ وَحَفَدَتَكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.»
فَلَمْ يَتَرَدَّدْ «جَابِرٌ» فِي إِجَابَةِ السَّاحِرِ إِلَى طِلْبَتِهِ. وَأَسْرَعَ إِلَى دَارِهِ، فَأَخْبَرَ أُمَّهُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ، وَأَعْطَاهَا أَلْفَ الدِّينَارِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهَا فِي السَّفَرِ.
فَاسْتَوْحَشَتْ أُمُّهُ لِفِرَاقِهِ. وَخَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَخْطَارِ الطَّرِيقِ، وَحَاوَلَتْ جُهْدَهَا أَنْ تَثْنِيَهُ «تَرْجِعَهُ» عَنِ السَّفَرِ؛ فَلَمْ تَجِدْ مِنْهُ إِلَّا إِصْرَارًا عَلَى تَنْفِيذِ عَزْمَتِهِ، وَتَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ.
وَطَالَ الْحِوَارُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ انْتَهَى بِاقْتِنَاعِهَا، حِينَ خَتَمَ «جَابِرٌ» حَدِيثَهُ قَائِلًا: «لَقَدْ وَعَدْتُ الرَّجُلَ - يَا أُمَّاهُ - بِالسَّفَرِ مَعَهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَقْضِ الْوُعُودِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَعْمَارَ بِيَدِ اللهِ. وَهَذِهِ فُرْصَةٌ نَادِرَةٌ لَا تَحْدُثُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِضَاعَتِهَا. وَطَالَمَا سَمِعْتُ مِنْكِ وَمِنْ أَبِي: أَنَّ الْفُرْصَةَ إِذَا ضَاعَتِ انْقَلَبَتْ غُصَّةً.
وَمَهْمَا تَعَظَّمِ الْعَقَبَاتُ فَلَنْ تَرُدَّ طَالِبَ الْكَنْزِ عَنْ غَايَتِهِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْمَجْدِ غَالٍ – كَمَا تَعْلَمِينَ - وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ تَكَالِيفِهِ إِلَّا شَمَرْدَلٌ، فَتًى كَرِيمُ الْخُلُقِ، مِنَ الْأَبْطَالِ ذَوِي الْهِمَمِ مِنْ أَفْذَاذِ الرِّجَالِ.» فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «لَكَ مَا تَشَاءُ. فَاذْهَبْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.»
ثُمَّ شَيَّعَتْهُ بِالدَّعَوَاتِ الصَّالِحَاتِ.
وَلَمَّا عَادَ «جَابِرٌ» إِلَى صَاحِبِهِ السَّاحِرِ، ابْتَدَرَهُ سَائِلًا:
«هَلْ أَذِنَتْ لَكَ أُمُّكَ بِالسَّفَرِ؟»
فَأَجَابَهُ «جَابِرٌ»: «لَقَدْ طَالَ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدُهَا، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى الْمُوَافَقَةِ. وَقَدْ بَارَكَتْ رِحْلَتِي، وَزَوَّدَتْنِي بِدَعَوَاتِهَا.»
(۲) الْخُرْجُ الْمَسْحُورُ
فَأَرْكَبَهُ السَّاحِرُ بَغْلَتَهُ مَعَهُ، وَسَارَا فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الْعَصْرِ؛ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمَا التَّعَبُ، فَجَلَسَا يَسْتَرِيحَانِ.
وَاشْتَدَّ بِـ «جَابِرٍ» الْجُوعُ، وَلَكِنَّهُ خَجِلَ أَنْ يُفَاتِحَ صَاحِبَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَدْرَكَ السَّاحِرُ مَا كَانَ يَدُورُ بِخَاطِرِهِ، فَقَالَ لَهُ: «لَقَدِ اشْتَدَّ بِنَا الْجُوعُ، يَا ابْنَ أَخِي. فَمَاذَا تَخْتَارُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ؟» فَقَالَ «جَابِرٌ» لَهُ:
«لَمْ أَتَعَوَّدْ أَنْ أَخْتَارَ طَعَامًا فِي حَيَاتِي، وَقَدْ أَلِفْتُ - مُنْذُ نَشْأَتِي - أَنْ أَرْضَى بِمَا قَسَمَهُ لِيَ اللَّهُ مِنْ زَادٍ. وَطَالَمَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي: أَنَّ الْعَاقِلَ يَأْكُلُ لِيَعِيشَ، وَالْجَاهِلَ يَعِيشُ لِيَأْكُلَ؛ فَاتَّخَذْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَثَلِ الْحَكِيمِ شِعَارِي وَدَيْدَنِي!»
فَأُعْجِبَ السَّاحِرُ بِقَنَاعَةِ «جَابِرٍ» وَأَصَالَةِ رَأْيِهِ، وَصِدْقِ حُجَّتِهِ. وَأَخْرَجَ مِنْ خُرْجِهِ صُنْدُوقًا حَافِلًا بِمَا لَذَّ وَطَابَ.
وَدَهِشَ «جَابِرٌ» مِمَّا رَآهُ عَلَى مَائِدَةِ السَّاحِرِ مِنْ دَجَاجٍ مَقْلِيٍّ بِالسَّمْنِ، وَفَطَائِرَ وَقَطَائِفَ مَحْشُوَّةٍ بِالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ، فِي صُحُونٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ.
وَأَكَلَ «جَابِرٌ» حَتَّى شَبِعَ، وَاشْتَدَّ بِهِ الْعَجَبُ فَسَأَلَ صَاحِبَهُ مُتَحَيِّرًا:
«كَيْفَ وَسِعَ الْخُرْجُ كُلَّ هَذِهِ الْأَطْبَاقِ الذَّهَبِيَّةِ، الْحَافِلَةِ بِلَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ؟ وَكَيْفَ بَقِيَ مَا فِيهَا سَاخِنًا إِلَى الْآنِ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنَ الْفُرْنِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ؟» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «إِنَّهُ خُرْجٌ مَسْحُورٌ وَرِثْتُهُ مِنْ أَبِي.»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «مَا أَعْجَبَ مَا يَحْوِيهِ هَذَا الْخُرْجُ الْمَسْحُورُ، عَلَى صِغَرِهِ! فَإِنَّ فِيهِ - عَلَى مَا أَرَى - مَطْبَخًا وَطَبَّاخِينَ، قَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِثْلُهُمْ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ.» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «صَدَقْتَ يَا جَابِرُ، فَهُوَ يُخْرِجُ لِصَاحِبِهِ كُلَّ مَا يُرِيدُ مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.»
ثُمَّ أَخْرَجَ السَّاحِرُ مِنْ خُرْجِهِ إِبْرِيقًا ثَمِينًا مِنَ الذَّهَبِ، فَشَرِبَا مِنْهُ حَتَّى ارْتَوَيَا مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ، ثُمَّ غَسَلَا أَيْدِيَهُمَا وَرَكِبَا الْبَغْلَةَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَا سَيْرَهُمَا؛ حَتَّى إِذَا حَانَ اللَّيْلُ، تَرَجَّلَا، وَجَلَسَا يَسْتَرِيحَانِ، ثُمَّ اسْتَسْلَمَا لِلنَّوْمِ إِلَى الصَّبَاحِ، بَعْدَ أَنْ تَعَشَّيَا. وَمَا كَادَتِ الشَّمْسُ تَنْشُرُ ضَوْءَهَا فِي الْآفَاقِ، حَتَّى أَكَلَا فَطُورَهُمَا.
(۳) بَغْلَةُ السَّاحِرِ
ثُمَّ اسْتَأْنَفَا السَّيْرَ إِلَى الْمَسَاءِ. وَظَلَّا عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، حَيْثُ انْتَهَيَا إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، بَعْدَ أَنْ قَطَعَا – فِي أَيَّامِهِمَا الْأَرْبَعَةِ – مَا يَعْجِزُ الْحِصَانُ السَّرِيعُ عَنْ قَطْعِهِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ. وَدَهِشَ «جَابِرٌ» حِينَ عَرَفَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؛ وَلَكِنَّ دَهْشَتَهُ زَالَتْ حِينَ أَخْبَرَهُ الشَّيْخُ «عَبْدُ الصَّمَدِ» أَنَّ تِلْكَ الْبَغْلَةَ لَيْسَتْ - عَلَى الْحَقِيقَةِ - إِلَّا مَارِدًا مِنَ الْجِنِّ.
وَلَمَّا وَصَلَ السَّاحِرُ إِلَى بَلَدِهِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ سَرَاةِ الْقَوْمِ وَأَعْيَانِهِمْ، يُهَنِّئُونَهُ بِسَلَامَةِ الْعَوْدَةِ. فَأَدْرَكَ «جَابِرٌ» - مِنْ إِقْبَالِهِمْ عَلَيْهِ، وَإِجْلَالِهِمْ لَهُ – عُلُوَّ مَكَانَتِهِ، وَرِفْعَةَ مَنْزِلَتِهِ. وَرَأَى قَصْرَ السَّاحِرِ مُؤَثَّثًا بِأَفْخَرِ الرِّيَاشِ، وَأَبْدَعِ الْأَثَاثِ؛ فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَصْرٌ لِمَلِكٍ أَوْ سُلْطَانٍ.
وَاسْتَبْقَى السَّاحِرُ ذَلِكَ الْخُرْجَ، ثُمَّ أَمَرَ الْبَغْلَةَ بِالانْصِرَافِ، بَعْدَ أَنْ شَكَرَ لَهَا صَنِيعَهَا الْجَمِيلَ. وَلَمْ يَكَدِ السَّاحِرُ يَلْفِظُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ حَتَّى انْشَقَّتِ الْأَرْضُ بِهَا وَغَاصَتْ، ثُمَّ عَادَتِ الْأَرْضُ كَمَا كَانَتْ.
وَمَكَثَ «جَابِرٌ» فِي ضِيَافَةِ «عَبْدِ الصَّمَدِ» عِشْرِينَ يَوْمًا كَامِلَةً. فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ قَالَ لَهُ: «هَلُمَّ فَاصْحَبْنِي - يَا «جَابِرُ بْنَ عُمَرَ» – فَقَدْ جَاءَ الْيَوْمُ الَّذِي لَا يُفْتَحُ «كَنْزُ الشَّمَرْدَلِ» إِلَّا فِيهِ.»
(٤) عَهْدُ الْمَارِدَيْنِ
وَأُعِدَّتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَغْلَةٌ فَاخِرَةٌ؛ فَرَكِبَا وَسَارَا يَتْبَعُهُمَا خَادِمَانِ مِنَ الزِّنْجِ. وَمَا زَالَا يَجِدَّانِ فِي السَّيْرِ إِلَى الْكَنْزِ، حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ؛ فَأَشْرَفَا عَلَى نَهْرٍ كَبِيرٍ قَدْ غُرِسَتِ الْأَشْجَارُ عَلَى جَانِبَيْهِ. فَتَرَجَّلَا بِالْقُرْبِ مِن شَاطِئِهِ. ثُمَّ أَشَارَ السَّاحِرُ إِلَى الزِّنْجِيَّيْنِ، فَذَهَبَا بِالْبَغْلَتَيْنِ وَغَابَا عَنْهُ زَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ عَادَا إِلَيْهِ وَمَعَهُمَا خَيْمَةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَبْسِطَةٌ وَفُرُشٌ وَمِخَدَّاتٌ فَاخِرَةٌ. ثُمَّ أُعِدَّتْ لِغَدَاءِ السَّاحِرِ وَضَيْفِهِ مَائِدَةٌ حَافِلَةٌ، عَلَيْهَا لَذَائِذُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الْفَاخِرَةِ، فَتَغَدَّيَا مَعًا. ثُمَّ أَعْطَاهُ أَحَدُ الزِّنْجِيَّيْنِ الصُّنْدُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ حَبَسَ فِيهِمَا السَّمَكَتَيْنِ الْحَمْرَاوَيْنِ. فَجَمْجَمَ السَّاحِرُ قَوْلًا مِنَ السِّحْرِ غَيْرَ مَفْهُومٍ، سَاعَةً مِنَ الزَّمَنِ. وَإِذَا بِالصُّنْدُوقَيْنِ يَنْفَتِحَانِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُمَا مَارِدَانِ مُقَيَّدَانِ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ بِالسَّاحِرِ وَيَصْرُخَانِ، طَالِبَيْنِ مِنْهُ السَّلَامَةَ وَالْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُمَا: «لَكُمَا مَا تُرِيدَانِ، إِذَا عَاهَدْتُمَانِي – أَيُّهَا الْمَارِدَانِ - عَلَى فَتْحِ هَذَا الْكَنْزِ الَّذِي تَرَيَانِ.» فَقَالَا لَهُ: «لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِ مَا تُرِيدُ، إِلَّا إِذَا جَاءَ مَعَكَ «جَابِرٌ» الصَّيَّادُ، ابْنُ التَّاجِرِ «عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ». فَإِنَّ الْكَنْزَ - كَمَا تَعْلَمُ - لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُ «جَابِرِ بْنِ عُمَرَ»، وَلَا يُفْتَحُ بَابُهُ إِلَّا إِذَا حَضَرَ.»
فَقَالَ لَهُمَا السَّاحِرُ: «هَا هُوَ ذَا «جَابِرٌ» يَسْمَعُ مَا تَقُولَانِ، فَحَقِّقَا مَا وَعَدْتُمَانِي بِهِ.» فَأَقْسَمَ لَهُ الْجِنِّيَّانِ إِنَّهُمَا لَنْ يَتَأَخَّرَا عَنْ تَحْقِيقِ طِلْبَتِهِ، وَإِجَابَتِهِ إِلَى رَغْبَتِهِ. فَلَمَّا اسْتَوْثَقَ مِنْهُمَا وَاطْمَأَنَّ إِلَى وَفَائِهِمَا بِمَا عَاهَدَاهُ عَلَيْهِ وَتَثَبَّتَ مِنْ إِخْلَاصِهِمَا لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي إِطْلَاقِ سَرَاحِهِمَا.
(٥) تَحْذِيرٌ وَتَنْبِيهُ
ثُمَّ أَخْرَجَ السَّاحِرُ مِنَ الْخُرْجِ مَوْقِدًا صَغِيرًا، وَأَلْقَى فِيهِ أَعْوَادًا مِنَ الْقَصَبِ، وَأَلْوَاحًا مِنَ الْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ. ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهَا قَلِيلًا مِنَ الْفَحْمِ، وَنَفَخَ فِي الْقَصَبَةِ؛ فَاشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي الْمَوْقِدِ. وَأَمْسَكَ فِي يَدَيْهِ بِحُفْنَةٍ مِنَ الْبَخُورِ.
وَقَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا فِي الْمَوْقِدِ الْتَفَتَ إِلَى «جَابِرٍ» قَائِلًا:
«اعْلَمْ يَا ابْنَ أَخِي، أَنَّنِي مَتَى أَلْقَيْتُ الْبَخُورَ فِي الْمَوْقِدِ وَبَدَأْتُ السِّحْرَ، عَجَزْتُ عَنِ الْكَلَامِ مَعَ أَيِّ إِنْسَانِ. فَاحْذَرْ أَنْ تُحَدِّثَنِي حِينَئِذٍ حَتَّى لَا تَشْغَلَنِي عَنْ مُرَاقَبَةِ حُرَّاسِ الْكَنْزِ وَأَرْصَادِهِ. وَهَأَنَذَا أَشْرَحُ لَكَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِتُنْجِزَ هَذَا الْعَمَلَ الْجَلِيلَ. فَأَقْبِلْ عَلَيَّ بِسَمْعِكَ، وَأَعِرْنِي انْتِبَاهَكَ، وَلَا تَنْسَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِمَّا أَقُولُهُ لَكَ، وَإِلَّا خَابَ سَعْيُنَا، وَرُبَّمَا تَعَرَّضْنَا لِلْهَلَاكِ مَعًا.»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «لَنْ أُخَالِفَ لَكَ رَأْيًا. وَلَنْ تَرَى مِنِّي إِلَّا سَامِعًا مُطِيعًا. قُلْ، فَأَنَا أَسْمَعُ.»
(٦) أَسْرَارُ الْكَنْزِ
فَقَالَ السَّاحِرُ: «سَتَرَى أَنِّي مَتَى أَطْلَقْتُ الْبَخُورَ جَفَّ مَاءُ النَّهْرِ كُلُّهُ، وَكُشِفَ أَمَامَنَا - فِي الْحَالِ - بَابٌ مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ الْخَالِصِ»، يُخَيَّلُ إِلَى مَنْ يَرَاهُ أَنَّهُ بَابُ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ. ذَلِكَ: هُوَ بَابُ «كَنْزِ الشَّمَرْدَلِ»، وَفِيهِ حَلْقَتَانِ مِنَ الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ. فَإِذَا بَلَغْتَ هَذَا الْبَابَ، فَأَمْسِكْ بِالْحَلْقَةِ الْأُولَى، وَاطْرُقْهُ بِهَا طَرْقَةً خَفِيفَةً. ثُمَّ اصْبِرْ دَقِيقَتَيْنِ، وَاطْرُقْهُ بِالْحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ طَرْقَةً أَثْقَلَ مِنَ الْأُولَى. ثُمَّ اطْرُقْهُ بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ بِكِلْتَا الْحَلْقَتَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
وَلَنْ تَنْتَهِيَ مِنَ الدَّقَّةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَسْمَعَ صَائِحًا يَسْأَلُكَ: «مَنْ أَنْتَ، يَا طَارِقَ الْكَنْزِ؟ هَلَكْتَ إِذَا عَجَزْتَ عَنْ فَلِّ الطَّلَسْمِ وَحَلِّ الرُّمَزِ.»
فَبَادِرْهُ بِالْجَوَابِ فِي غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا خَوْفٍ، وَقُلْ لَهُ بِصَوْتٍ فَصِيحِ اللَّهْجَةِ، وَاضِحِ النَّبَرَاتِ: «لَبَّيْكَ يَا سَيِّدَ التَّوَابِعِ، وَأَمِيرَ الزَّوَابِعِ، أَنَا جَابِرُ الصَّيَّادُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ.» فَإِذَا سَمِعَ قَوْلَكَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْكَنْزِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. ثُمَّ يَظْهَرُ أَمَامَكَ مَارِدٌ قَبِيحُ الْخِلْقَةِ، مُشَوَّهُ السَّحْنَةِ، فِي مِثْلِ ارْتِفَاعِ الْمِئْذَنَةِ. فَلَا يَكَادُ الْمَارِدُ يَرَاكَ حَتَّى يَشْمَخَ بِأَنْفِهِ، مُتَظَاهِرًا بِاحْتِقَارِكَ وَإِنْكَارِكَ. فَلَا تَكْتَرِثْ بِهِ، وَلَا تَأْبَهُ لَهُ. فَإِذَا رَآكَ مُعْرِضًا عَنْهُ، نَظَرَ إِلَيْكَ فِي صَلَفٍ وَكِبْرِيَاءَ، وَسُخْرِيَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ، وَقَالَ لَكَ فِي تَهَكُّمٍ وَازْدِرَاءٍ: «أَأَنْتَ جَابِرُ الصَّيَّادُ؟» فَأَجِبْهُ فِي الْحَالِ، وَأَتْمِمْ لَهُ مَا قَالَ: «نَعَمْ: أَنَا جَابِرٌ الصَّيَّادُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ.» فَيَسْأَلُكَ: «مَا اسْمُ حَارِسِ الْكَنْزِ؟» فَقُلْ لَهُ: «عَنْزٌ يَصْحَبُهُ عَنْزٌ.»
فَيَقُولُ مُتَظَاهِرًا بِالدَّهْشَةِ: «أَهُمَا حَارِسَانِ؟» فَقُلْ لَهُ: «إِنَّهُمَا عَنْزَانِ، لِكَنْزِ الشَّمَرْدَلِ حَارِسَانِ.» فَيَقُولُ: «أَتَعْنِي مَاعِزَيْنِ، تَعِيشَانِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، تَرْعَيَانِ الْحَشَائِشَ، وَتَقْتَاتَانِ النَّبَاتَ فِي الْبَرِّ؟» فَتَقُولُ: «بَلْ هُمَا سَمَكَتَانِ كَبِيرَتَانِ، تَأْكُلَانِ اللَّحْمَ، وَتَلْتَهِمَانِ السَّمَكَ فِي قَاعِ الْيَمِّ (الْبَحْرِ) فَيَقُولُ:
«فَمَا هَذَانِ الْعَنْزَانِ؟» فَتَقُولُ: «الْعَنْزَانِ سَمَكَتَانِ هَائِلَتَانِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِهِمَا فَارِسَانِ، وَيَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِمَا ثَوْرَانِ، وَيَنُوءُ بِهِمَا بَغْلَانِ.»
فَيَقُولُ: «أَسَوْدَاوَانِ هُمَا؟» فَتَقُولُ: «وَلَا بَيْضَاوَانِ.» فَيَقُولُ: «هُمَا إِذَنْ خَضْرَاوَانِ!» فَتَقُولُ: «وَلَا زَرْقَاوَانِ.» فَيَقُولُ: «فَبِأَيِّ الْأَلْوَانِ تَظْهَرَانِ؟» فَتَقُولُ: «هُمَا سَمَكَتَانِ حَمْرَاوَانِ.» فَيَقُولُ: «فَأَيْنَ تَسْكُنَانِ؟»
فَتَقُولُ: «فِي قَاعِ الْبَحْرِ مُخْتَبِئَتَانِ، عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ صَخْرَةِ الْمَرْجَانِ.»
فَيَقُولُ: «هَلْ مَاتَ فِي سَبِيلِهِمَا إِنْسَانٌ؟» فَتَقُولُ: «هَلَكَ مِنْ أَجْلِهِمَا أَخَوَانِ شَقِيقَانِ، وَنَجَا ثَالِثُهُمَا بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ، كَادَ يَنْتَهِي بِهَلَاكِهِ، لَوْ لَمْ تُدْرِكْهُ عِنَايَةُ اللَّهِ، وَتَظْهَرْ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ يَدَاهُ. وَلَوْلَا شَبَكَةُ «جَابِرِ بْنِ عُمَرَ»، لَهَلَكَ مِنْ فَوْرِهِ عَلَى الْأَثَرِ.» فَيَقُولُ: «لَقَدْ نَجَحْتَ فِي حَلِّ الطَّلَاسِمِ وَفَكِّ الْأَلْغَازِ، وَلَمْ يَبْقَ أَمَامَكَ إِلَّا عَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ.» فَتَقُولُ: «إِنَّ طَالِبَ الْكَنْزِ لَا تَثْنِيهِ عَنْ بُلُوغِهِ الْعَقَبَاتُ، وَلَا تُخِيفُهُ الْمُزْعِجَاتُ.» فَيَقُولُ: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَزْعُمُ، فَامْدُدْ إِلَيَّ رَقَبَتَكَ لِأَقْطَعَهَا بِهَذَا الْخِنْجَرِ.» فَلَا تَخَفْ شَيْئًا، وَلَا يَتَزَعْزَعْ إِيمَانُكَ وَصَبْرُكَ. وَامْدُدْ لَهُ عُنُقَكَ؛ فَإِنَّهُ مَتَى ضَرَبَهَا بِالْخِنْجَرِ هَلَكَ، وَسَقَطَ أَمَامَكَ فِي الْحَالِ هَامِدًا لَا حَرَاكَ بِهِ، وَهَوَى إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ زَايَلَتْهُ الْحَيَاةُ، دُونَ أَنْ يَنَالَكَ مِنْهُ أَذًى، أَوْ يَلْحَقَ بِكَ مَكْرُوهُ.
وَلَنْ تَشْعُرَ بِضَرْبَةِ الْخِنْجَرِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الْوَرَقِ اللَّامِعِ، وَقَدْ صَاغَهُ سَاحِرُ الْكَنْزِ لِيَخْتَبِرَ بِهِ جُرْأَتَكَ، وَيَمْتَحِنَ بِهِ صَبْرَكَ عَلَى الشَّدَائِدِ وَشَجَاعَتَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجِنِّيَّ لَا يَقْتُلُهُ غَيْرُ الطَّاعَةِ وَالامْتِثَالِ؛ فَإِذَا تَرَدَّدْتَ - فِي طَاعَتِهِ - لَحْظَةً وَاحِدَةً مَكَّنْتَهُ مِنْ قَتْلِكَ فِي الْحَالِ.
فَإِذَا دَخَلْتَ، وَجَدْتَ بَابًا مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، مُرَصَّعًا بِأَثْمَنِ الْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ. فَاطْرُقِ الْبَابَ طَرْقَةً خَفِيفَةً، يَنْفَتِحْ لَكَ، وَيَظْهَرْ أَمَامَكَ فَارِسٌ فَتِيٌّ، عَلَى فَرَسٍ مِنْ أَكْرَمِ الْخَيْلِ، وَمَعَهُ رُمْحٌ طَوِيلٌ. فَإِذَا لَوَّحَ لَكَ الْفَارِسُ بِرُمْحِهِ الطَّوِيلِ، وَسَأَلَكَ: «مَنْ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ دَخَلْتَ الْكَنْزَ؟»
فَاصْمُتْ، وَلَا تُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وَلَا تُبَالِ بِهِ. بَلِ افْتَحْ لَهُ صَدْرَكَ بَاسِمًا، وَتَلَقَّ ضَرْبَتَهُ بِعَزِيمَةِ الرِّجَالِ، وَشَجَاعَةِ الْأَبْطَالِ. فَلَنْ يُتِمَّ الْفَارِسُ ضَرْبَتَهُ حَتَّى يَنْخَلِعَ قَلْبُهُ، وَيَقَعَ صَرِيعًا فِي الْحَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا تَرَدَّدْتَ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي إِجَابَةِ مَطْلَبِهِ، أَوْ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِكَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْجُبْنِ، أَطْمَعْتَهُ فِيكَ، وَجَرَّأْتَهُ عَلَيْكَ، وَمَكَّنْتَ سِحْرَهُ مِنْكَ؛ فَنَفَذَ سِنَانُ الرُّمْحِ إِلَى قَلْبِكَ فَأَرْدَاكَ.
أَمَّا إِذَا اعْتَصَمْتَ بِالْجُرْأَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّمْتِ؛ فَإِنَّ الرُّمْحَ يَرْتَدُّ إِلَى صَدْرِ صَاحِبِهِ، فَيَقْتُلُهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَثَمَّ يَنْفَتِحُ أَمَامَكَ بَابٌ ثَالِثُ؛ فَادْخُلْهُ.
وَمَتَى اجْتَزْتَ الْوَصِيدَ «مَتَى تَخَطَّيْتَ الْعَتَبَةَ»؛ اعْتَرَضَكَ عِمْلَاقٌ طُوَّالٌ «شَدِيدُ الطُّولِ»، وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَسِهَامٌ. فَإِذَا صَوَّبَ إِلَيْكَ الْعِمْلَاقُ سَهْمَهُ لِيَقْتُلَكَ، فَلَا تَجْزَعْ وَلَا تَكْتَرِثْ لَهُ، وَلَا يَتَزَعْزَعْ إِيمَانُكَ وَثِقَتُكَ. وَتَلَقَّ سَهْمَهُ كَمَا تَلَقَّيْتَ سَابِقَيْهِ، بِمَوْفُورِ شَجَاعَتِكَ، وَرَحَابَةِ صَدْرِكَ؛ فَلَنْ يَنْطَلِقَ سَهْمُهُ حَتَّى يَرْتَدَّ إِلَى صَدْرِهِ فَيَصْرَعَهُ، وَيُلْقِيَهُ أَمَامَكَ، وَيَسْقُطَ عَلَى أَرْضِ الْكَنْزِ جِسْمًا هَامِدًا بِلَا رُوحٍ.
فَإِذَا تَمَّ لَكَ ذَلِكَ، فَعَرِّجْ عَلَى يَسَارِ الْكَنْزِ، يَظْهَرْ أَمَامَكَ بَابٌ رَابِعٌ.
فَلَا تُضِعْ مِنْ وَقْتِكَ شَيْئًا، وَاطْرُقْهُ طَرْقَةً خَفِيفَةً، يَنْفَتِحْ لَكَ الْبَابُ.
وَثَمَّ يُقْبِلُ عَلَيْكَ أَسَدٌ هَائِلُ الْمَنْظَرِ، كَرِيهُ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ فَاتِحٌ فَمَهُ لِابْتِلَاعِكَ. فَاثْبُتْ لِلِقَائِهِ وَلَا تَخَفْ، وَلَا يَتَزَعْزَعْ إِيمَانُكَ بِالنَّجَاحِ وَالْفَوْزِ. وَحَذَارِ أَنْ يَتَسَرَّبَ الْجُبْنُ إِلَى قَلْبِكَ فَيُغْرِيَكِ بِالْهَرَبِ، فَتَهْلِكَ عَلَى الْأَثَرِ. وَمَتَى اقْتَرَبَ الْأَسَدُ مِنْكَ، فَنَاوِلْهُ يَدَكَ مُصَافِحًا. وَلَا تَخْشَ أَنْ يَفْتِكَ بِكَ؛ فَإِنَّ أَنْيَابَهُ - عَلَى حِدَّتِهَا - عَاجِزَةٌ عَنْ أَنْ تَنَالَ مِنْكَ، أَوْ تُلْحِقَ بِكَ أَيَّ أَذًى.
وَسَتَرَى مِصْدَاقَ ذَلِكَ حِينَ يَهُمُّ بِافْتِرَاسِكَ؛ فَلَا تَلْمَسُ شَفَتَاهُ يَدَكَ، حَتَّى يَخِرَّ صَرِيعًا مُجَدَّلًا عَلَى الْأَرْضِ، دُونَ أَنْ يَنَالَكَ مِنْهُ سُوءٌ.
فَإِذَا تَمَّ لَكَ ذَلِكَ فَعَرِّجْ عَلَى يَمِينِ الْكَنْزِ، يَنْفَتِحْ لَكَ الْبَابُ الْخَامِسُ، ثُمَّ يَخْرُجُ لَكَ مِنْهُ زِنْجِيٌّ قَصِيرٌ، ضَخْمُ الْجُثَّةِ، مَا إِنْ يَرَاكَ حَتَّى يَصْرُخَ فِيكَ غَاضِبًا: «مَنْ أَنْتَ، أَيُّهَا الطَّارِقُ الْجَرِيءُ؟ وَكَيْفَ سَوَّلَتْ لَكَ نَفْسُكَ الْكَذُوبُ أَنْ تَقْتَحِمَ هَذَا الْمَكَانَ الَّذِي لَا يَجْرُؤُ عَلَى اقْتِحَامِهِ كَائِنٌ كَانَ، مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ، وَلَا مِنْ أَبْنَاءِ الْمَرَدَةِ وَالْجَانِّ؟»
فَقَابِلْهُ بِقَلْبٍ شُجَاعٍ، وَعَاجِلْهُ بِجَوَابِ سُؤَالِهِ، غَيْرَ هَيَّابٍ وَلَا وَجِلٍ.
قُلْ لَهُ فِي أُسْلُوبٍ وَاضِحِ النَّبَرَاتِ: «أَنَا جَابِرٌ الصَّيَّادُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ.»
فَإِنَّهُ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْكَ، وَيَزُولَ غَضَبُهُ عَلَيْكَ، ثُمَّ يَقُولَ لَكَ، لِيُزِيلَ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ فِي نَفْسِهِ، وَيَتَثَبَّتَ مِنْ حَقِيقَتِكِ:
«إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَزْعُمُ، فَهَلُمَّ إِلَى الْبَابِ السَّادِسِ. فَإِذَا انْفَتَحَ لَكَ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَإِذَا اسْتَعْصَى عَلَيْكَ فَتْحُهُ صَرَعْتُكَ فِي الْحَالِ.»
(۷) الْحَظُّ السَّعِيدُ
فَقُلْ لِلزِّنْجِيِّ الْحَارِسِ: «لَبَّيْكَ يَا سَيِّدَ الزُّنُوجِ لَبَّيْكَ، وَسَتَرَى صِدْقَ مَا أَقُولُهُ لَكَ بِعَيْنَيْكَ.» ثُمَّ تَوَجَّهْ إِلَى الْبَابِ السَّادِسِ، وَلَا تَطْرُقْهُ - كَمَا طَرَقْتَ الْأَبْوَابَ السَّابِقَةَ – بَلْ قِفْ أَمَامَهُ لَحْظَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى أَعْلَى مُنَادِيًا: «أَيُّهَا الْحَظُّ السَّعِيدُ، الَّذِي يُقَرِّبُ الْأَمَلَ الْبَعِيدَ، وَيُحَقِّقُ لِصَاحِبِهِ كُلَّ مَا يُرِيدُ، فَيُذَلِّلُ لَهُ الْمُحَالَ، وَيُخْضِعُ لَهُ الْجَبَابِرَةَ وَالْأَبْطَالَ، وَيُدَكْدِكُ لَهُ شَوَامِخَ الْجِبَالِ. هَلُمَّ - أَيُّهَا الْحَظُّ السَّعِيدُ - فَحَطِّمِ الْأَقْفَالَ، وَبَلِّغْنِي مَا لَا يُنَالُ مِنَ الْآمَالِ!»
فَلَنْ تُتِمَّ نِدَاءَكَ حَتَّى يَنْفَتِحَ لَكَ الْبَابُ السَّادِسُ. فَتَمَهَّلْ قَلِيلًا، وَلَا تُسْرِعْ بِالدُّخُولِ، وَقِفْ بِضْعَ دَقَائِقَ عَلَى الْوَصِيدِ «الْعَتَبَةِ».
وَلَا تَتَلَفَّتْ خَلْفَكَ وَلَا عَنْ يَمِينِكَ، وَلَا عَنْ يَسَارِكَ، بَلِ انْظُرْ أَمَامَكَ تَجَدْ أَفْعَيَيْنِ. فَلَا تَخْشَ هَذَيْنِ الثُّعْبَانَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، وَلَا يَتَسَرَّبْ إِلَيْكَ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ، وَلَا تَبْرَحْ مَكَانَكَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ بِذَلِكَ. فَإِذَا اقْتَرَبَ الْأَفْعَيَانِ مِنْكَ، فَامْدُدْ يَمِينَكَ إِلَى الثُّعْبَانِ الْأَيْمَنِ، وَامْدُدْ يَسَارَكَ إِلَى الثُّعْبَانِ الْأَيْسَرِ، لِيَنْهَشَا يَدَيْكَ. فَإِنَّهُمَا مَتَى هَمَّا بِعَضِّهِمَا، مَاتَا فِي الْحَالِ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا جَزِعْتَ وَبَدَتْ عَلَيْكَ الْحَيْرَةُ وَالتَّرَدُّدُ، نَهَشَا لَحْمَكَ وَعَظْمَكَ، وَازْدَرَدَاهُمَا فَلَمْ يُبْقِيَا مِنْهُمَا شَيْئًا. وَسَتَسْمَعُ صَوْتًا يَهْتِفُ بِكَ قَائِلًا: «الْآنَ يُؤْذَنُ لِـ «جَابِرِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ عُمَرَ الصَّيَّادِ»، أَنْ يَسِيرَ إِلَى غَايَتِهِ الْبَعِيدَةِ؛ لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِتَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ الْمَجِيدَةِ.» فَامْضِ إِلَى غَايَتِكَ.
(۸) شَيْطَانَةُ الْكَنْزِ
وَلَنْ تُتِمَّ عِشْرِينَ خُطْوَةً، حَتَّى يَظْهَرَ أَمَامَكَ الْبَابُ السَّابِعُ. فَاطْرُقْهُ سَبْعَ طَرَقَاتٍ خَفِيفَاتٍ، تَخْرُجْ لَكَ امْرَأَةٌ أَشْبَهُ إِنْسَانَةٍ بِأُمِّكَ. فَاحْذَرْ أَنْ تَنْخَدِعَ بِأَمْرِهَا؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَتَرَدَّدَ - إِذَا رَأَيْتَهَا – فِي الاعْتِقَادِ أَنَّهَا أُمُّكَ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُصَدِّقَ مَا تَرَاهُ، وَرَاقِبْهَا فِي حَذَرٍ وَانْتِبَاهٍ؛ فَإِنَّهَا سَتَلْقَاكَ – مَتَى وَقَعَتْ عَيْنُهَا عَلَيْكَ - مُتَظَاهِرَةً بِالْفَرَحِ وَالابْتِهَاجِ، وَسَتُقْبِلُ عَلَيْكَ هَاشَّةَ بَاشَّةً. فَقَابِلْ فَرَحَهَا بِالانْقِبَاضِ، وَابْتِهَاجَهَا بِالتَّجَهُمِ، وَبَشَاشَتَهَا بِالْعُبُوسِ.
وَسَتَبْدَؤُكَ بِالتَّحِيَّةِ مُرَحِّبَةً بِقُدُومِكَ أَحْسَنَ تَرْحِيبٍ، فَقَابِلْهَا بِالاحْتِقَارِ.
وَسَتَمُدُّ يَدَهَا إِلَيْكَ مُحَاوِلَةً أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيْكَ، فَأَعْرِضْ عَنْهَا مُزْدَرِيًا عَابِسًا، وَاحْذَرْ أَنْ تَنْخَدِعَ بِتَرْحِيبِهَا وَثَنَائِهَا.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَمُدَّ إِلَيْهَا يَدَكَ، أَوْ تَهُمَّ بِالرَّدِّ عَلَى تَحِيَّتِهَا، وَإِلَّا عَرَّضْتَ حَيَاتَكَ لِلْخَطَرِ وَسَعْيَكَ لِلْإِخْفَاقِ. فَإِذَا أَلَحَّتْ عَلَيْكَ بِالرَّجَاءِ وَالاسْتِعْطَافِ، فَأَصِمَّ أُذُنَيْكَ عَنْ سَمَاعِ مَا تَقُولُ. وَأَغْمِضْ عَيْنَيْكَ؛ حَتَّى لَا تَتَأَثَّرَ بِرُؤْيَتِهَا بَاكِيَةً دَامِعَةَ الْعَيْنَيْنِ. وَمَهْمَا تَبْذُلْ مِنْ جُهْدٍ فِي مُخَادَعَتِكَ وَاسْتِعْطَافِكَ وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْكَ، وَمُنَاشَدَتِكَ أَنْ تَرْعَى حَقَّ الْأُمُومَةِ، وَعَهْدَ الرَّضَاعَةِ، وَفَضْلَ التَّرْبِيَةِ، وَوَاجِبَ الْبُنُوَّةِ؛ فَلَا تَنْخَدِعْ بِأَكَاذِيبِهَا؛ فَهِيَ شَيْطَانَةُ الْكَنْزِ.
وَقَدْ تَمَثَّلَتْ لَكَ فِي صُورَةِ أُمِّكَ لِتَعُوقَكَ عَنْ إِدْرَاكِ غَايَتِكَ الْجَلِيلَةِ، وَتَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الظَّفَرِ بِكَنْزِ الشَّمَرْدَلِ. وَهَذِهِ آخِرُ حِيلَةٍ يَلْجَأُ إِلَيْهَا حُرَّاسُ الْكَنْزِ، لِيُحَوِّلُوكَ عَنْ قَصْدِكَ؛ فَإِذَا نَجَوْتَ مِنْ كَيْدِ هَذِهِ الشَّيْطَانَةِ سَالِمًا، بَلَغْتَ غَايَتَكَ، وَأَدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ. وَسَتَرَى - إِلَى يَمِينِكَ - سَيْفًا مُعَلَّقًا عَلَى الْحَائِطِ؛ فَاقْبِضْ عَلَيْهِ، وَلَوِّحْ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، مُنْذِرًا مُخَوِّفًا، مُحَذِّرًا إِيَّاهَا أَنْ تَقْرُبَ مِنْكَ.
فَإِنَّهَا مَتَى رَأَتْكَ جَادًّا فِي عَزِيمَتِكَ، اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَوْفُ وَالرُّعْبُ فَأَسْرَعَتْ إِلَى الْهَرَبِ. فَلَا تَكَادُ تَهُمُّ بِالرُّجُوعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْ، حَتَّى تَهْوِي عَلَى الْأَرْضِ صَرِيعَةً، لَا رُوحَ فِيهَا وَلَا حَيَاةَ.
وَمَتَى أَنْجَزْتَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الْعَظِيمَةَ، أَصْبَحَ «كَنْزُ الشَّمَرْدَلِ» كُلُّهُ فِي قَبْضَةِ يَدِكَ، وَصَارَ مَا فِيهِ طَوْعَ أَمْرِكَ، وَرَهْنَ إِشَارَتِكَ. وَسَتَرَى أَكْوَامًا عَالِيَةً مِنَ الذَّهَبِ، وَأَكْدَاسًا لَا تُحْصَى مِنَ اللَّآلِئِ وَالْيَوَاقِيتِ؛ فَلَا تَحْفِلْ بِهَا، وَلَا تَأْبَهُ لَهَا، وَلَا تَشْغَلْكَ لَآلِئُ الْكَنْزِ وَيَوَاقِيتُهُ عَمَّا أَنْتَ بِسَبِيلِهِ.
وَسَتَرَى - عَلَى قِيدِ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْكَ - حُجْرَةً بَدِيعَةً فَاخِرَةً، عَلَيْهَا سِتَارٌ مِنَ السُّنْدُسِ الْأَخْضَرِ؛ فَاكْشِفِ السِّتَارَ تَرَ «أُسْتَاذَنَا الشَّمَرْدَلَ»: السَّاحِرَ الْعَظِيمَ - صَاحِبَ هَذَا الْكَنْزِ – مُضْطَجِعًا عَلَى سَرِيرٍ مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ الْخَالِصِ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ بَدِيعٌ، لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ بَيْنَ تِيجَانِ الدُّنْيَا كُلِّهَا نَفَاسَةً، وَفِي وَسَطِهِ دَائِرَةٌ تَلْمَعُ فِيهِ، كَمَا يَلْمَعُ الْبَدْرُ فِي لَيْلَةِ التَّمِّ.
هَذِهِ هِيَ الْمِرْآةُ الْعَجِيبَةُ الَّتِي حَدَّثْتُكَ بِهَا.
وَسَتَرَى – إِلَى جَانِبِ «الشَّمَرْدَلِ» - سَيْفَهُ الْقَاطِعَ، كَمَا تَرَى فِي إِصْبَعِهِ خَاتَمَهُ النَّفِيسَ، ثُمَّ تَرَى فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةً قَصِيرَةً مُعَلَّقَةً فِيهَا الْمُكْحُلَةُ. فَقِفْ أَمَامَ «الشَّمَرْدَلِ» دَقِيقَتَيْنِ، بَعْدَ أَنْ تَبْدَأَهُ بِالتَّحِيَّةِ وَالشُّكْرِ عَلَى مَا أَسْدَاهُ إِلَيْكَ مِنْ جَمِيلٍ حِينَ أَوْصَى لَكَ بِهَذَا الْكَنْزِ، مُكَافَأَةً لَكَ عَلَى طِيبَةِ قَلْبِكَ، وَبِرِّكَ بِأُمِّكَ.
ثُمَّ أَحْضِرْ هَذِهِ النَّفَائِسَ كُلَّهَا إِلَيَّ، وَاحْذَرْ أَنْ تَنْسَى مِنْهَا شَيْئًا.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُخَالِفَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِمَّا قُلْتُهُ لَكَ.
فَإِنَّكَ إِنْ تَهَاوَنْتَ فِي ذَلِكَ أَوْ نَسِيتَ، خَابَ سَعْيُكَ، وَضَاعَ تَعَبُكَ، وَانْتَهَتْ رِحْلَتُكَ بِالْإِخْفَاقِ وَالنَّدَمِ، وَرُبَّمَا عَرَّضْتَ حَيَاتَكَ لِلْخَطَرِ.»
(۹) فَضْلُ الشَّدَائِدِ
فَقَالَ لَهُ «جَابِرٌ»: «وَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى هَذِهِ الْمَكَارِهِ وَالْأَخْطَارِ، وَيَقْتَحِمَ كُلَّ هَذِهِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ؟»
فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «إِنَّ دَرْكَ الْعَظَائِمِ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ الْمَيْسُورِ. وَلَوْلَا الْمَشَقَّاتُ لَمَا تَفَاضَلَ النَّاسُ وَامْتَازَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَأَصْبَحُوا كُلُّهُمْ سَوَاءً.
وَلَا يَجُوزُ لِمِثْلِكَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْجَزَعُ، فَيَعُوقَاهُ عَنِ انْتِهَازِ هَذِهِ الْفُرْصَةِ، الَّتِي يَهُونُ الْمَوْتُ فِي سَبِيلِهَا. عَلَى أَنَّ حَظَّكَ السَّعِيدَ، وَمَا مَيَّزَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَجَاعَةٍ وَثَبَاتٍ، كَفِيلَانِ بِتَذْلِيلِ كُلِّ مَا تَلْقَاهُ فِي حَيَاتِكَ مِنْ حَوَاجِزَ وَعَقَبَاتٍ، وَشَدَائِدَ وَأَزَمَاتٍ، وَأَهْوَالٍ وَمُنَازَعَاتٍ.
وَلَا تَنْسَ أَنَّ كُلَّ مَا تَلْقَاهُ فِي طَرِيقِكَ، إِنَّمَا هُوَ أَوْهَامٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَأَشْبَاحٌ مِنَ الْوَرَقِ، صَاغَهَا «الشَّمَرْدَلُ» - صَاحِبُ الْكَنْزِ - وَأَعَدَّهَا، لِيَخْتَبِرَ شَجَاعَتَكَ، وَيَمْتَحِنَ بِهَا صَبْرَكَ عَلَى الْمَكَارِهِ وَجُرْأَتَكَ، وَيَضْمَنَ انْتِقَالَ كَنْزِهِ إِلَيْكَ وَحْدَكَ، بَعْدَ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْ كَيْدِ الطَّامِعِينَ.»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «لِيَكُنْ مَا تُرِيدُ، يَا عَمَّاهُ. وَهَأَنَذَا أَسْتَمِدُّ الْعَوْنَ مِنَ اللَّهِ.»
(۱۰) خَطَأٌ لَا يُغْتَفَرُ
ثُمَّ أَلْقَى السَّاحِرُ بِالْبَخُورِ، وَظَلَّ يُجَمْجِمُ أَقْوَالًا غَيْرَ مَفْهُومَةٍ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ مَاءُ النَّهْرِ أَنْ غَاضَ. وَرَأَى «جَابِرٌ» الصَّيَّادُ بَابَ الْكَنْزِ يَنْكَشِفُ أَمَامَهُ فِي قَاعِ النَّهْرِ، بَعْدَ أَنْ جَفَّ مَاؤُهُ. وَقَدْ وَعَى «جَابِرٌ» نَصِيحَةَ السَّاحِرِ فَلَمْ يَنْسَ مِنْهَا شَيْئًا؛ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبَابَ السَّابِعَ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاحِ إِلَّا خُطُوَاتٌ يَسِيرَةٌ، رَأَى الشَّيْطَانَةَ الَّتِي حَدَّثَهُ السَّاحِرُ عَنْهَا.
فَمَا إِنْ رَآهَا حَتَّى نَسِيَ كُلَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ نُصْحٍ وَتَحْذِيرٍ، وَخَيَّلَ إِلَيْهِ الْوَهْمُ أَنَّهَا لَا شَكَّ أُمُّهُ. وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ وَالارْتِبَاكُ.
وَانْتَهَزَتْ شَيْطَانَةُ الْكَنْزِ هَذِهِ الْفُرْصَةَ؛ فَأَسْرَعَتْ مُتَوَدِّدَةً إِلَيْهِ، مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنِ ابْتَهَجَ بِلِقَائِهَا، وَطَغَى عَلَيْهِ الْفَرَحُ؛ فَأَقْبَلَ مُتَشَوِّقًا، وَمَدَّ إِلَيْهَا يَدَهُ مُتَلَهِّفًا. وَلَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى صَرَخَتِ الشَّيْطَانَةُ الْخَبِيثَةُ صَرْخَةً مُفَزِّعَةً، وَنَادَتْ حُرَّاسَ الْكَنْزِ بِأَعْلَى صَوْتِهَا قَائِلَةً: «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْأَبْلَهِ الْغَبِيِّ، فَقَدْ وَقَعَ فِي خَطَأٍ لَا يُغْتَفَرُ. هَلُمُّوا – يَا حُرَّاسَ الْكَنْزِ - إِلَى الْأَحْمَقِ فَأَدِّبُوهُ، وَعَلَى جُرْمِهِ الْفَظِيعِ فَعَاقِبُوهُ.»
فَانْهَالَ عَلَيْهِ خَدَمُ الْكَنْزِ ضَرْبًا وَلَكْمًا؛ حَتَّى كَادُوا يُسْلِمُونَهُ إِلَى الْهَلَاكِ. ثُمَّ قَذَفُوا بِهِ إِلَى خَارِجِ الْكَنْزِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَوْتِ مِنْهُ إِلَى الْحَيَاةِ. وَسُرْعَانَ مَا أُغْلِقَ بَابُ الْكَنْزِ، وَعَادَ مَاءُ النَّهْرِ كَمَا كَانَ.
(۱۱) عِتَابُ السَّاحِرِ
وَرَأَى السَّاحِرُ مَا حَلَّ بِـ «جَابِرٍ»؛ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْزُونٌ لِمَا أَصَابَهُ، وَبَذَلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ لِإِيقَاظِهِ مِنْ إِغْمَاءَتِهِ، حَتَّى أَفَاقَ مِنْ غَيْبُوبَتِهِ.
وَسَأَلَهُ السَّاحِرُ عَمَّا صَنَعَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ «جَابِرٌ» كُلَّ مَا حَدَثَ لَهُ.
فَعَاتَبَهُ السَّاحِرُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ النَّصَيحَةَ قَائِلًا: «لَقَدْ تَخَطَّيْتَ – يَا «جَابِرُ بْنَ عُمَرَ» - كُلَّ مَا لَقِيتَهُ مِنَ الْعَقَبَاتِ، وَكُنْتَ عَلَى وَشْكِ النَّجَاحِ.
فَمَا بَالُكَ – يَا ابْنَ أَخِي - تُضِيعُ فِي الْخُطْوَةِ الْأَخِيرَةِ كُلَّ مَا كَسَبْتَهُ فِي الْمَرَاحِلِ السَّابِقَةِ؟ أَلَا لَيْتَكَ وَعَيْتَ النُّصْحَ فَبَلَغْتَ كُلَّ مَا تُرِيدُهُ.
لَقَدْ أَخَّرْتَنَا بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ – عَنْ بُلُوغِ غَايَتِنَا – عَامًا كَامِلًا. وَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى فَتْحِ «كَنْزِ الشَّمَرْدَلِ» إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ.»
ثُمَّ صَفَّقَ السَّاحِرُ بِيَدَيْهِ وَنَادَى الزِّنْجِيَّيْنِ؛ فَرَفَعَا الْفُسْطَاطَ الَّذِي أَقَامَاهُ، وَسَارَا بِهِ حَتَّى تَوَارَيَا عَنْ أَنْظَارِهِمَا، ثُمَّ عَادَا إِلَيْهِمَا بَعْدَ قَلِيلٍ، وَمَعَهُمَا الْبَغْلَتَانِ، فَرَكِبَهُمَا السَّاحِرُ وَصَاحِبُهُ، وَمَا زَالَا يَجِدَّانِ السَّيْرَ حَتَّى بَلَغَا الدَّارَ.
(۱۲) بَعْدَ عَامٍ
وَلَمَّا انْقَضَى الْعَامُ، عَادَ السَّاحِرُ إِلَى الْكَنْزِ.
وَحَاوَلَ أَنْ يُذَكِّرَ «جَابِرًا» بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي.
فَقَالَ لَهُ «جَابِرٌ» مُتَحَمِّسًا: «كَلَّا يَا عَمِّ كَلَّا، لَا تَخْشَ عَلَيَّ النِّسْيَانَ. فَمَا تَزَالُ آثَارُ الضَّرْبِ ظَاهِرَةً عَلَى جَسَدِي إِلَى الْيَوْمِ، وَلَا تَزَالُ ذِكْرَاهَا عَالِقَةً بِذِهْنِي مَا حَيِيتُ. وَلَنْ تَرَى مِنِّي - فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ - إِلَّا مَا يَسُرُّكَ.»
فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «تَذَكَّرْ مَا قُلْتُهُ لَكَ مِنْ قَبْلُ، حِينَ تَرَى شَيْطَانَةَ الْكَنْزِ مُتَمَثِّلَةً أَمَامَكَ فِي شَكْلِ أُمِّكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَخْدَعَكَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ كَمَا خَدَعَتْكَ مِنْ قَبْلُ. وَلَا تَنْسَ أَنَّهَا شَبَحٌ مِنَ الْأَشْبَاحِ الَّتِي أَعَدَّهَا «الشَّمَرْدَلُ» - صَاحِبُ الْكَنْزِ - لِيَخْتَبِرَ مِقْدَارَ امْتِثَالِكَ وَطَاعَتِكَ، وَثَبَاتِكَ وَشَجَاعَتِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا أَخْطَأْتَ - فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ - لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْكَنْزِ سَالِمًا، فَقَدِ اعْتَزَمَ حُرَّاسُ الْكَنْزِ أَنْ يَقْتُلُوكَ إِذَا أَخْفَقْتَ فِي سَعْيِكَ.»
فَأَجَابَهُ «جَابِرٌ»: «إِذَا لَمْ يَتَّعِظِ الْإِنْسَانُ بِمَا رَأَى، كَانَ الْمَوْتُ بِهِ أَوْلَى. وَلَنْ أَقَعَ فِي الْخَطَإِ مَرَّتَيْنِ! وَسَتَرَى مَا يَسُرُّكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.»
(۱۳) الْبَابُ السَّابِعُ
وَاجْتَازَ «جَابِرٌ» أَبْوَابَ الْكَنْزِ السِّتَّةَ - كَمَا اجْتَازَهَا فِي الْعَامِ السَّابِقِ – حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبَابَ السَّابِعَ ظَهَرَتْ أَمَامَهُ شَيْطَانَةُ الْكَنْزِ، وَوَقَفَتْ تَعْتَرِضُهُ - كَمَا اعْتَرَضَتْهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي - وَتُوهِمُهُ أَنَّهَا أُمُّهُ «صَفِيَّةٌ»، وَتَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهَا وَيَرْحَمَهَا. فَلَمْ يَنْخَدِعْ بِمَا سَمِعَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، بَلْ زَجَرَهَا عَابِسًا مُنْذِرًا، وَأَقْصَاهَا عَنْهُ مُتَوَعِّدًا مُحَذِّرًا.
ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى سَيْفِ «الشَّمَرْدَلِ» وَمَا قَبَضَ عَلَيْهِ، حَتَّى هَمَّتِ الشَّيْطَانَةُ بِالْهَرَبِ؛ وَلَمْ تَخْطُ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ حَتَّى سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ مَيِّتَةً فِي الْحَالِ.
(١٤) الذَّخَائِرُ الْأَرْبَعُ
فَتَوَجَّهَ «جَابِرٌ» إِلَى صَاحِبِ الْكَنْزِ؛ فَنَزَعَ الْخَاتَمَ مِنْ إِصْبَعِهِ، وَالْمُكْحُلَةَ مِنْ صَدْرِهِ، وَالْمِرْآةَ مِنْ تَاجِهِ، وَأَبْقَى مَعَهُ سَيْفَ «الشَّمَرْدَلِ». ثُمَّ خَرَجَ بِتِلْكَ الذَّخَائِرِ الْأَرْبَعِ، وَعَادَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ السَّاحِرِ؛ فَسَمِعَ هُتَافَ حُرَّاسِ الْكَنْزِ وَثَنَاءَهُمْ عَلَى مَا أَظْهَرَهُ مِنْ شَجَاعَةٍ، وَمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ تَوْفِيقٍ، كَمَا سَمِعَ تَهْنِئَاتِهِمْ عَلَى مَا أَحْرَزَهُ مِنْ نَفَائِسِ الْكَنْزِ الَّتِي لَمْ يَفُزْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ. وَلَمَّا رَآهُ السَّاحِرُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ مُهَنِّئًا إِيَّاهُ بِمَا نَالَهُ - فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ – مِنْ نَجَاحٍ، بَعْدَ أَنْ لَقِيَ فِي سَبِيلِهِ الْأَهْوَالَ.
ثُمَّ وَاصَلَا سَيْرَهُمَا حَتَّى بَلَغَا الْبَيْتَ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمَا الْمُقَامُ، الْتَفَتَ إِلَيْهِ السَّاحِرُ قَائِلًا: «لَقَدْ أَتَمَّ اللهُ عَلَى يَدَيْكَ كُلَّ مَا تَمَنَّيْنَاهُ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ - بَعْدَ أَنْ أَشْكُرَكَ - إِلَّا أَنْ أُكَافِئَكَ عَلَى مَا بَذَلْتَ مِنْ جُهْدٍ وَأَسْدَيْتَ مِنْ مَعْرُوفٍ؛ فَخَبِّرْنِي أَيُّ أُمْنِيَةٍ تَتَمَنَّاهَا وَأَيُّ هَدِيَّةٍ تَخْتَارُهَا وَتَرْضَاهَا؟»
فَقَالَ «جَابِرٌ»: «لَوْ أَنَّنِي ظَفِرْتُ بِالْخُرْجِ، لَضَمِنْتُ قُوتِي وَقُوتَ أُسْرَتِي، طُولَ الْحَيَاةِ.»
فَأُعْجِبَ السَّاحِرُ بِقَنَاعَةِ «جَابِرٍ»، وَقَالَ لَهُ بَاسِمًا:
«مَا أَيْسَرَ مَا تَمَنَّيْتَ! وَلَكِنَّكَ اخْتَرْتَ هَدِيَّةً حَقِيرَةً لَا تَتَكَافَأُ مَعَ مَا قَدَّمْتَ لِي مِنْ نَفَائِسَ، لَا يَحْلُمُ بِامْتِلَاكِهَا السَّلَاطِينُ وَلَا الْمُلُوكُ.
وَلَا بُدَّ لِي مِنْ مُكَافَأَتِكَ عَلَى بَعْضِ مَا تَسْتَحِقُّ.»
(١٥) خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
وَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي رَأَى «جَابِرٌ» أَرْبَعِينَ بَغْلَةً مُحَمَّلَةً بِأَثْمَنِ اللَّآلِئِ وَالْيَوَاقِيتِ. وَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ وَهُوَ يُوَدِّعُهُ: «هَاكَ الْخُرْجَ الَّذِي طَلَبْتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ مَهْمَا تَأْخُذْ مِنْهُ لَا يَفْرُغْ. وَحَسْبُكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِيمَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُكَ، ثُمَّ تَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، وَتَمُدَّ يَدَكَ؛ فَتَنَالَ مِنَ الْخُرْجِ مَا تَشَاءُ.
وَلَنْ يَنْفَدَ مَا فِي الْخُرْجِ، وَلَوْ طَلَبْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ طَلَبٍ. وَهَاكَ أَرْبَعِينَ بَغْلَةً بِمَا حَمَلَتْ؛ مُكَافَأَةً لَكَ عَلَى مَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنْ نَجَاحٍ وَتَوْفِيقٍ.»
ثُمَّ وَدَّعَهُ السَّاحِرُ بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ لَهُ دَلِيلًا مَاهِرًا يَصْحَبُهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَوْصَاهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِسِرِّهِ فَيَكْتُمَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ؛ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ حَسَدِهِمْ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِأَذَاهُمْ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ وَصَلَ «جَابِرٌ» إِلَى دَارِهِ؛ فَوَجَدَ أُمَّهُ وَأَخَوَيْهِ فِي حَالٍ مِنَ الْفَقْرِ لَا تُوصَفُ. وَمَا إِنْ رَأَوْهُ حَتَّى ابْتَهَجُوا بِرُؤْيَتِهِ.
وَعَاشَ الْجَمِيعُ فِي سَعَادَةٍ وَهَنَاءَةٍ طُولَ الْحَيَاةِ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.