حكاية·HIKOYA

ابن جبير في مصر والحجاز

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy4 bob36 daqiqa
ابن جبير في مصر والحجاز
Ochishجدول المحتويات
  1. 0.مُقدِّمةٌ
  2. 1.الفصل الأول من غرناطة إلى الإسكندرية
  3. 2.الفصل الثاني من الإسكندرية إلى القاهرة
  4. 3.الفصل الثالث من القاهرة إلى عيذاب

مقدمةمُقدِّمةٌ

بقلم كامل كيلاني أول يناير سنة ١٩٤٠م أيُّها الصبي العزيز: حَدَّثْتُكَ فِي مُقدِّمة القصَّةِ الأُولى من هذه المجموعة - بما اسْتَولَى على نفسي من التردُّد والحَيْرَةِ حينَ هَمَمْتُ بتقديم قصة «ابن يَقْظَانَ» التي يسَّرْتُها لك، وأدنَيْتُها إلى فهمك، فأقبلت عليها مبتهجا راضيًا. ولعلك تَذْكُر ، ما أَفْضَيْتُ به إِليكَ في مقدِّمَتِها، مِن أَنَّنِي وقفتُ حينئذ – طويلا، فلم أَدْرِ بأَيِّ المجموعتين أُلْحِقُها. أَبِالْقِصَصِ العلمية، أَمِ بِالْقِصَصِ العربية؟ ثُم انتهيت إلى إلحاقها بالقصص العربية؛ لأنها – كما قلتُ لك - عريقةٌ بتفكيرها وخيالها في العروبة. فلمَّا هَمَمْتُ بإظهار هذه الرّحلةِ لَكَ ، عَرَضَ لي مثل هذه الأسئلةِ، إِنَّ هذه الرحلة الشَّائِقَةَ هِيَ في مجموعها – من أبرع الكتب الجغرافيَّةِ وأَحْسَنِها طريقةً، وأهداها أُسلوبًا في ترغيب الناشِئَةِ، وتعريفهم تقويم البُلْدانِ. فهل أُلحِقُها بما أظهرته لك من القصص الجغرافية؟ وفيها كثير من الشَّبَهِ بِالْقِصَصِ العالَمِيَّةِ التي اخترتها لك، فهل ألحقها بمجموعة «أَشهر القصص»؟ وقد كانت حافِزَةً لابن بطوطة على إظهار رحلته الشائقة التي وعدتك بتلخيصها منذ أعوام، فلمَّا أَعدَدْتُها لك، لم أرَ بدا من إرجائها حتَّى تقرأ هذهِ الرَّحْلَةَ المعجِبَةَ التي أَلْهَمَتْ ابْنَ بَطُوطَةَ بدائع مِنْ معانيه الرائعة. وهي قد مثَّلَتْ عَصْرَ «صلاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ» وَصَوَّرَتْ نَواحِي تاريخيَّةً مِنْهُ، لا ينبغي أَن يَجْهَلَها طالبٌ في المدارس الثَّانَوِية - في مثل سنّكَ وثقافتِكَ – فهل أفتتح بها المجموعة التاريخية التي أعدَدْتُها لك؟ عَلَى أَنَّنِي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى إِلحاقها بالقصص العربيَّة؛ لأنَّها كسابقتها آية من روائع الفن العربي والتفكير العربي. وقد جَمَعتْ هذه الرّحلة في بعضِ فُصُولِها المُبْدَعةِ - إلى ما حدَّثْتُكَ به من المزايا – أَفَانِينَ مِن صدق التعبير، وبراعة التصوير، واستفاضة الوصف، وأَصَالَةِ التفكير، وطَوَّعَتْ من المعاني المُسْتَعْصِيَةِ ، وجَلَتْها في أحسنِ مَعْرِضٍ، وأَشْرَفِ صياغة، وافتنَّ فيها مُبْدِعُها ما وسِعَهُ طَبْعُهُ الْمَوْهُوبُ وخياله الخِصْبُ. وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّ هَذِهِ الرحْلَةَ سَتُكْسِبُكَ – إِن شَاءَ اللَّهُ قدرةً على البيان، وتمكنا من فن الإنشاء، وسَتَزْدَادُ ثقافتُكَ الفكرية والجغرافية والدِّينِيَّة والتاريخية واللُّغوية كُلَّما أَمْعَنْتَ النَّظَر، وأطلتَ الرَّوِيَّةَ في تَفَهُمِها ، واستيعابِ طُرَفِهَا الْمُسْتَمْلَحَةِ قراءة وتفكيرًا. وقد كتب هذه الرحلة المُعجِبَة «أبو الحُسَيْنِ محمدُ بنُ جُبَيْرٍ الأَندلسي»، وهو من «غرناطة» إِحْدَى حَواضِرِ الأَنْدلُسِ الَّتِي ازْدَانَتْ بِكَثِيرٍ مِنْ بَدائِعِ الآثارِ ، وَلَا سِيَّما قَصْرُ الْحَمْراءِ الَّذِي تَرى مَشْهَدًا مِنه في هذه الصُّورَةِ. وقد ابتدأ «ابْنُ جُبَيْرٍ» رِحْلَتَهُ هذهِ مِنْ غَرْناطة». وكانَ أَوَّلُ تقييده لها كما قال: «يوم الْجُمُعَةِ الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعينَ وخَمْسِ مئة على متن البحر. وقد كان إقبالك على القصَّة العربية السابقة «حيّ بنِ يَقْظانَ» حافِظًا لِي وَمُشَجِّعًا على إظهارِ هذه الرحلة – بعدَ أَنْ أَوْجَزْتُها وفَصَّلْتُها وَعُنِيتُ بِتَبْوِيبِها وَتَيْسِيرِ أسلوبها لك - حتى لا تَتَعثَّرَ - في أثناء مطالعتها - بما يَنْبُو عنه ذوقُكَ الغَضُّ من المعاني والعبارات المغلقة التي لا يكاد يَسْتَسِيعُها – في هذا العصر الحديث من كان في مِثْلِ سنّكَ. وقد حذفتُ الفضول منها ، وغَيَّرْتُ بعض ألفاظها وعِبارَاتِها حتى لا يتطَّرقَ السَّلَّمُ إِلى نفسك. ولكنَّنِي تَوَخَّيْتُ الاقتصاد في ذلك ما وسِعَني الجَهْدُ - فلم أَحُلْ بينك وبينَ أُسْلُوبِ الْمُؤلِّفِ إِلَّا قَلِيلًا. أما بعد، فقد انتقلتُ بِكَ - أيُّها الصبي العزيز - في هذا الكتاب وسابِقِهِ إِلى مَرْحلةٍ جديدة، راجيا أن تَأْلَفَ أُسلوب غيري من الكتّابِ والمُؤَلِّفِينَ، كما أَلِفْتَ أُسْلُوبِي - من قبل - في الأعوام الماضية. وفَّقَنِي الله إلى نفعك وتعليمكَ، ويسَّرَ الله لك سبيل الانتفاع والتَّعَلُّمِ، وَنَفَعَ اللَّهُ بِكَ وطَنَكَ ولُغَتَكَ، إِنَّهُ أَكرم مسئول.

من غرناطة إلى الإسكندريةالفصل الأول من غرناطة إلى الإسكندرية

(۱) بَدْءُ السَّفَرِ كان السَّفَرُ والاِنفِصَالُ من غَرْنَاطَةَ حَرسها الله للنِّيَّةِ الحِجازية – قرنها اللهُ بالتَّيْسِيرِ والتَّسْهِيلِ، والصُّنْعِ الجميل - أَوَّلَ ساعةٍ من يَوْمِ الخميس، الثَّامِنِ لِشَهْرِ شَوَّالٍ سَنةَ ثمانٍ وسَبْعِينَ وخَمْسِ مئة ، وَبِمُوافَقَةِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِشَهْرِ فَبِرايِرَ الأَعْجَمِي. (۲) إلى «سَبْتَةَ» وكانت مرحَلَتُنا إِلَى مَدينة «إِسْتِجَةَ» ، ثُمَّ مِنها إِلَى غَيْرِها ، حَتَّى يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي عُبُورِ البَحْرِ إِلَى قَصْر «مَصْمُودَةَ» - تَيْسِيرًا عجيبًا . ونَهَضْنا مِنْهُ إِلَى «سِبْتَةَ» غُدْوَةَ يَومِ الأَرْبِعَاءِ الثامن والْعِشْرِينَ من الشهر المُؤَرَّخِ. (۳) فِي مَرْكَبِ رُومِي وأَلْفَيْنَا بِها مَرْكَبًا رُومِيًّا لِبَعْضِ الأَهْلِينَ مِنْ سُكان «جَنَوَةَ»، وكانَ مُقْلِعًا إِلَى الإسكندرية، فَسهَّل الله علينا الرُّكوبَ فِيهِ، وأَقْلَعْنا ظُهْرَ يَوْمِ الخميس، وكان طريقنا في البحرِ مُحاذِيًا لِبَرِّ الأَنْدَلُسِ. وفي صبيحة يومِ الْجُمُعَةِ السَّابع لذي القَعْدَةِ، قابلنا بَرَّ جزيرة «يابسة»، ثُمَّ قَابَلْنَا يوم السبتِ بَعْدَه - بَرَّ جزيرة «مَيُورقة»، ثُمَّ يَوْمَ الأَحَدِ بعدَهُ قَابَلْنَا جَزِيرَةَ «مِنُورقة» ومن «سَبْتَةَ» إِلَيْهَا نَحو ثمانية مَجَارٍ (والمَجْرَى: مئة ميل). (٤) جزيرة «سردانية» وفارقنا بَرَّ هذه الجزيرة، وظَهَرَ لَنا برُّ جزيرة «سَرْدانِيةَ» أَوَّلَ ليلة الثلاثاء: الحادي عشَرَ من الشَّهْرِ - دفعةً واحدةً - على نحو ميل أو أَقَلَّ وَبَيْنَ الجزيرتين: «سَرْدانِية» و«مِنُورقة» نحو أَرْبَعِ مئة ميل، فكانَ قطعًا مُسْتَغْرَبًا فِي السُّرعة. وطَرأ علَيْنَا مِنْ مُقابَلَةِ الجزيرة - في الليل - هول عظِيمٌ، عَصَم الله منه بريحٍ أَرْسَلَها في ذلِكَ الْحِينِ - مِنْ تِلْقَاءِ البَرِّ - فَأَخْرَجَتْنَا الرِّيحُ عَنِ البَر، والحمد لله على ذلك. (٥) ضلال المَرْكَبِ وكنا في حال الوَحْشة وانغلاق الجهاتِ بِالْمَطر ، فلا نُمَيّزُ شَرْقًا من غَرْبِ، فَأَطْلَعِ اللَّهُ عَلَيْنا مَرْكَبا للرُّومِ، قَصَدَنا إلى أن حاذَانا، فَسُئِل عن مَقْصِدِهِ، فأخبر أَنَّهُ يُرِيدُ جزيرة «صِقِلْيَةَ» وأَنَّه من «قَرْطَاجَنَّةَ» - عَمَلِ «مُرْسِيَةَ» - وقد كُنَّا اسْتَقبلنا طريقَهُ الَّتِي جَاءَ منها مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَأَخَذْنَا عِند ذلك في اتِّباعِ أَثَرِه - والله الميَسِّرُ - فخرج علينا طرَفٌ من بَرِّ سَرْدانِيةَ» المذكور، فأَخَذْنا فِي الرُّجُوعِ عَوْدًا على بدء. (٦) عَاصِفَةُ الْبَحْرِ وفي لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ - التاسع عشر لذِي القَعْدَة - عصفَتْ علينا مِنْ أَوَّلِها، ريح هاج لها الْبَحْرُ وهال، وجاءَ معها مطَرُ أَرسلَتْهُ علينا الرِّياحُ بقُوَّة، فكأَنَّما أَمْطَرَتْنَا السَّمَاءُ سِهَامًا، فَعَظْمِ الخَطْبُ ، واشْتَدَّ الكَرْبُ ، وجاءَنَا الْمَوْجُ - من كلّ مكان – أمثال الجبال السائِرَةِ، فبقينا على تِلْكَ الْحَالِ اللَّيلَ كلَّه ، والْيَأْسُ قد بلغ مِنَّا مَبْلَغَه، وارتجَيْنَا – مع الصباح - فُرْجةً تُخَفِّفُ عَنَّا بَعْضَ ما نزَل بنا. فجاءَ النَّهارُ بما هو أَشدُّ هَوْلًا، وأعظمُ كَرْبًا، وزاد البحر اهْتِيَاجًا، وتغيَّمتِ السَّماءُ، واسْوَدَّتِ الآفاق، واشْتَدَّتِ الرِّيحُ والمَطرُ عُصوفًا ، حتى لم يثبت معها شراع، فلجأنا إِلَى استعمال الشُّرْعِ الصِّغَارِ، فأخذتِ الرِّيحُ شِراعًا مِنها ومزَّقَتْهُ وكَسَرتِ الخَشَبَةَ الَّتي ترتبط الشُّرعُ فيها، وهي المعروفة عِنْدَهم بِالْقَرِيَّةِ. فحينئذٍ تَمَكَّن اليأْسُ من النُّفوس، وارتفعت أيدي المسلمينَ بالدُّعاءِ إِلى اللهِ - عزَّ وجلَّ - وأقمنا عَلَى تلك الحال النهارَ كُلَّهُ. فلما جَنَّ الليل فترتِ الرِّيحُ بَعْضَ فُتور، وسرنا - في هذه الحال كُلها – سيرا سريعًا. (۷) زوال المحنة وفي ذلك اليوم حاذَيْنا جزيرة «صِقِلْيَةَ»، وبتنا تلك الليلةَ التَّالِيَةَ مَتَرَدِّدِين بين الرَّجاء والْيَأْس، فلمَّا أَسْفَرِ الصُّبْحُ نشَر اللهُ رَحْمَتَه ، وانْجَلَى الغَيْمُ، وأَقْشَعتِ السَّحابُ، وطابَ الْهَوَاءُ، وَأَضَاءَتِ الشَّمس، وأخَذَ الْبَحْرُ فِي السُّكون، فاستبشر النَّاس، وعاد الأَنْسُ وذهب اليأس، والحمدُ للهِ الذي أرانا عَظيمَ قُدْرته، ثم تَلافَى بجميل رحمته، ولطيفِ رَأْفَتِهِ، حَمْدًا يَكُونُ كِفَاءَ مِنَّتِهِ ونِعْمَتِهِ. وفي هذا الصَّباحِ ظهر لنا بَرُّ صِقِلّيَةَ» ، وقد اجْتَزْنا منه أكثرَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الأَقَلُّ. (۸) جَبلُ البُرْكان فلمَّا كَانَ عَصْرُ يوم الْجُمُعَة أَقْلَعْنَا من الموضع الذي كُنَّا أَرْسَيْنا فيه، وفارقنا البر – أَوَّلَ تلك الليلة - وأَصْبَحْنَا وبيننا وبينه مسافة بعيدة. وظهر لنا – إِذْ ذاك – الجبَلُ الذي كان فيه البركان، وهُو جَبلٌ عظيمٌ مُصَعّدٌ في جَوِّ السَّماءِ، قَدْ كساهُ الثَّلْجُ. وأُعْلِمْنَا أَنَّهُ يَظْهَرُ في البحر – مع الصَّحْوِ - عَلَى أَزْيَدَ مِن مئة ميلٍ ، وأَخَذْنَا نَخُوضُ الأَمْواجَ واللُّجَجِ خَوْضًا، وأَقْرَبُ ما نُؤَمِّلُه مِنَ البَرِّ إِلَيْنَا جَزيرةُ «إِقْريطِشَ وَهيَ منْ جزائرِ الرُّومِ التابعة لصاحب القُسْطَنْطَينِيَّةِ. (۹) ظهور المنار وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية، المعروفُ بِبَرِّ الْغَرب، وحاذَيْنَا مِنهُ موضِعًا بينَهُ وبينَ الإِسكندرية نحو أَرْبَعِ مئة ميل، عَلَى ما ذُكِرَ لنَا، فَأَخَذْنَا فِي السَّير، والْبَرُّ المَذْكُورُ مِنَّا يمينًا. وفي صبيحةِ السَّبْتِ التاسع والعشرين من الشهر، أطلع اللهُ عَلَيْنَا البُشْرَى بالسلامة، بظهور منار الإسكندريَّةِ عَلَى نحو العشرين ميلا، والحمد لله على ذلك. (۱۰) مِينَاءُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وفي آخر الساعة الخامسة مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ، كان إرساؤُنا بمُرْسَى البلد، ونُزولنا منهُ إِثر ذلك، فكانَتْ إقامتُنا عَلَى مَتْنِ الْبَحْرِ ثلاثين يومًا، ونزولنا في الحادي والثلاثين. وكان نُزُولنا بفندقٍ يُعْرَف بفُنْدُقِ الصَّفَّارِ»، بِمَقْرَبة مِنَ الصَّبَّانَةِ».

من الإسكندرية إلى القاهرةالفصل الثاني من الإسكندرية إلى القاهرة

(۱) أُمناء السلطان وكان أَوَّلُ شهر ذي الْحِجَّةِ هُوَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ الَّذِي حَلَلْنا فِيهِ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَا شَاهَدْنَا يومَ نُزولنا أَنْ طَلَع أُمناء إلى المَرْكَبِ - مِنْ قِبلِ السُّلطان – لتقييد جميع ما جُلِبَ فيه، فاستحضر مَنْ كانَ فيهِ من المُسْلِمِينَ جميعًا - واحدًا واحدًا – وكُتِبَتْ أَسماؤُهُم وصِفَاتُهم وأسماء بلادهم. (۲) تَعَسُّفُ الأُمناء وسُئِل كُلُّ وَاحِد مِنَّا عَمَّا لَدَيْهِ مِن سِلَعٍ لِيُؤَدِّيَ زَكَاةَ ذلكَ كُلِّهِ دُونَ أَنْ يُبْحثَ عَمَّا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكاةُ - مِنْ ذلك - وَمَا لَمْ تَجِبْ. وكَانَ أَكْثَرُهم مسافرينَ لأَداءِ الْفَرِيضَةِ، لَمْ يَسْتَصْحِبُوا سِوَى زادٍ لِطَريقِهِمْ، فَلَزموا أَداءَ زَكَاةِ ذَلِكَ كُلِّهِ. (۳) الأُحْدوثَةُ السَّيِّئَةُ وهذه لا مَحالَةَ مِنَ الأُمورِ الَّتِي أَخْفَوْا حقيقتها ، ولبَّسُوا أَمْرَهَا عَلَى السُّلْطَانِ الكبيرِ المَعروفِ بـ«صلاح الدِّينِ». ولَوْ عَلِم بذلك - عَلَى مَا يُؤْثَرُ عَنْهُ من العَدْلِ وإِيثَارِ الرِّفْق – لأزالَ ذلك، وكفى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ تِلك الْخُطَّةَ الشَّاقَةَ ، واسْتَأْدَوْا زَكَاتَهُمْ، فَأَدَّاها النَّاسُ عَلَى أَجْمَلِ الوُجُوهِ. وما لقينا ببلاد هذا الرَّجُلِ - مما تَقْبُحُ ذِكْراهُ - سِوَى هذهِ الأُحْدُوثَةِ التي هي من نتائج عُمَّالِ الدَّواوين. (٤) عجائب الإسكندرية وممَّا أُعْجِبْنَا به حُسْنُ وضْعِ البلد، واتّساعُ أَزْقَتِهِ ومبانيهِ، حَتَّى إِنَّنَا مَا شَاهِدِنَا بِلَدًا أَوْسَعَ مَسالِكَ مِنْهُ، ولا أَعْلَى مَبْنَى ولا أَحْسَنَ منْظَرًا، ولا أَحْفَلَ منه أَسْواقًا. ومِنَ الْعَجبِ في وضعه أَنَّ بِناءَه تَحْتَ الأَرْضِ كبنائه فوقها، وأَعْتَقُ وأَمْتَنُ، كَما أَنَّ الماءَ مِنَ النِّيل يخْتَرقُ جميع ديارها وأَرْقَتِها تَحْتَ الأَرْضِ ، فَتَتَّصِلُ الْآبَارُ - بَعْضُها بِبَعْضٍ ويُمِدُّ بعضُها بعضًا. وعاينا فيها أيضًا من سواري الرخام وأَلْواحِهِ - كَثْرَةً وعُلُوًّا وَاتِّسَاعًا وحُسْنًا – ما لا يُتَخَيَّلُ بِالْوَهم. (5) منار الإسكندرية ومن أَعْظَمِ ما شاهدناه من عجائبها «الْمَنَارُ»، وهو آيةٌ للمُتَوَكِّلِينَ وهِدايَةٌ لِلْمُسافِرِينَ، لَوْلاهُ ما اهْتَدَوْا فِي الْبَحْرِ إِلى برّ الإسكندرية. ويَظْهَرُ على أَزْيَدَ من سبعين ميلًا. ومبْنَاهُ في غاية العَتاقَةِ والوَثَاقَةِ - طُولًا وعَرْضًا - يُزَاحِمُ الْجَوَّ سُمُوا وارتفاعًا، وَيَقْصُرْ عَنْهُ الْوَصْفُ، وَيَنْحَسِرُ دُونَهُ الطَّرْفُ ذَرَعْنا أَحَدَ جوانبه الأَرْبَعِ، فَأَلْفَيْنَا فِيهِ خَمْسِينَ بَاعًا وَنَيِّفًا، ويُذْكَرُ أَنَّ فِي طُولِهِ أَكْثَرَ من مئة وخمسينَ قَامَةً ، وأَمَّا َداخِلَهُ فَمَرْأَى هَائِلُ اتَّسَاعُه: مَعارِجَ وَمَدَاخِلَ، وَكَثْرَةَ مَسَاكِنَ. (٦) العناية بالغرباء ومن مناقب هذا البلد ومفاخره - العَائِدَةِ في الحقيقة إِلَى سُلْطَانِهِ – المدارس التي أَنْشَأَها السلطان لأَهْل الطَّلبِ والتَّعبُّد، الذينَ يفدون من الأقطار النائية، فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه، ومدرسًا يعلمه الفنَّ الذي يريد تعلَّمَه ، وأَجْرًا يكفيه في جميع أحواله، ومحارس لحراسته وتأمينه. واتسعَ اعتناء السلطان بهؤلاءِ الغُرَباءِ الطارِئِينَ، حَتَّى أَمَر بتعيين حَمَّاماتٍ يَسْتَحِمُّون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لَهُمْ مُسْتَشْفَى لعلاج مَن مَرِضَ منهم، ووكل بهم أَطِبَّاءَ يتفقدون أحوالهم. وتحت أَيْدِيهِم خُدَّامٌ يَأْمُرُونَهم بالنظر في مصالحهم التي يُشيرون بها، مِنْ علاج وغذاء. وَقَدْ رُتِّبَ - أَيضًا - فيهِ أَقوامٌ بِرَسْمِ الزِّيَارَةِ لِلْمَرْضَى الَّذِينَ يَأْنَفُونَ مِنْ دُخُولِ ذلك المارَسْتانِ (المستشفى) - مِنَ الغُرَباءِ خاصَّةً - ويُنْهُون إِلى الأطباء أحوالهم، ليتكفلوا بمُعالَجَتِهم وهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ. ومنْ أَشْرف هذه المقاصدِ أَيضًا أَنَّ السلطانَ عَيَّنَ لأَبْناءِ السَّبِيلِ - مِنَ المَغارِبةِ - خُبْزَتين لِكُلِّ إنسان في كلَّ يَوْم، بالِغَا ما بلغُوا، ونَصَبَ لِتَفْرِيق ذلك كلَّ يَوْمٍ – إنسانًا أَمِينًا مِنْ قِبَله. ولهذا كُلِّهِ أَوقافٌ مِنْ قِبَلِهِ، حَاشَا مَا عَيَّنَهُ لَهُ مِن زَكَاةَ العَيْنِ. وَأَكَّدَ عَلَى المُتَوَلِّين لذلك - متى نقصهم من الأَمْوالِ والوظائف المَرْسُومَةِ شَيْءٌ - أَن يَرْجِعُوا إِلى صُلْبِ ماله. (۷) دسائس المتقرّبين وهذا السلطانُ الَّذِي سنَّ هذه السُّنَنَ المَحمودةَ ، ورسم هذه الرسوم الكريمة، هو «صلاح الدين أبو الْمُظَفَّرِ يوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ وصَلَ اللَّهُ صَلاحَهُ وَتوفيقَهُ. ومن أعجب ما اتفق للغرباء أَنَّ بعضَ من يُريد التَقرُّبَ بالنصائح إلى السلطان، ذكر: أنَّ أكثر هؤلاء يأخُذون جِرَايَةَ الْخُبْز، ولا حاجة لهم بها، لأنَّهم لا يَصِلُّونَ إِلَّا بِزَادٍ يَكْفِيهم، فكاد يُؤثر سعي هذا الْمُتَنَصِّحِ الْمُتَظَاهِرِ بِالْغَيْرِةِ. (۸) عدل صلاح الدين فلمَّا كانَ في أَحَدِ الأَيَّامِ خرج السُّلطانُ - عَلَى سبيلِ التَّطلُّع – خارج بلده، فتَلقَّى منهم جماعة قد لفظتهُم الصَّحْرَاءُ المُتَّصلة بطرابلس - وقد كادوا يَهْلِكُونَ عَطَشًا وجُوعًا – فسألهم عن وجْهَتهم، واستطلع ما لديهم، فأعلموه أنهم قاصدون إلى بيت الله الحرام وأنهم ركبوا البَرَّ ، وكابدوا مَشَقَّةَ الصَّحْراءِ. فقال: «لَوْ وَصل هؤلاء، وهُمْ قد اعْتَسفُوا هذه المجاهِلَ (سَارُوا فيها على غَيْرِ مَعْرِفَة ) وكابدُوا من الشَّقَاءِ ما كابَدُوا، وبيد كُلِّ واحد منهم زنته ذهبًا وفضةً، لوجب أَنْ يُسَاعَدُوا ولا يُقْطَعُوا عن العادة التي أجريناها ووقفناها عليهم، فالْعَجب مِمَّن يَسْعَى على مِثْل هؤلاء ويرومُ التقرُّبَ إِلَيْنا بِالسَّعي في قَطْعِ ما أَوجَبْناهُ - اللهِ عزَّ وَجَلَّ - خالصًا لَوَجْهِهِ». ومَآثِرُ هذا السُّلْطَانِ ومقاصده فِي الْعَدْلِ لَا تُحْصى كَثْرَةً. (۹) مَساجِدُ الإِسكندرية ومِنَ الْغَرِيبِ أَيْضًا - في أحوالِ هذَا البَلَدِ - تصرُّفُ النَّاسِ فيهِ بِاللَّيْلِ كَتَصرُّفهم بالنهار، في جَمِيعِ أَحْوالِهِمْ. وهو أَكْثَرُ بلادِ اللهِ مساجِدَ، حَتَّى لَيَكُونُ مِنْهَا الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ فِي مَوضع. ورُبَّما كَانَ لَها أَئِمَّةٌ مُرَتَّبُونَ مِنْ قِبَلِ السُّلطانِ. فَمِنْهُم مَنْ لَهِ خَمْسَةٌ دَنَانِيرَ مَصْرِيَّةٍ في الشَّهْرِ، وَمِنْهُم مَنْ لَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَنْ لَهُ دُونَهُ. (۱۰) مدينة «دمنهور» ثُمَّ كَان الانفصال عنِ الإِسكَنْدرِيةِ - عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وحُسْنِ عَوْنِهِ - صَبِيحةَ يَوْمِ الْأَحَدِ الثَّامِنِ لِذِي الْحِجَّةِ، فَكَانَتْ مَرْحَلَتُنَا مِنْهُ إِلَى مَوضِعٍ يُعْرَفُ بـ«دمَنْهُورَ»، وهوَ بَلَدٌ مُسَوَّرٌ فِي بَسِيط - مِنَ الْأَرْضِ – أَفْيَحَ فَسِيحٍ رَحْبٍ) ، وهذا البسيط مُتَّصِلٌ مِنَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى مِصْرَ ، والْبَسِيطُ كُلُّه مُحَرَّثٌ مَزْرُوعٌ) يعمُّهُ النِّيلُ بِفَيْضِهِ ، والْقُرَى فِيهِ – يمينا وشمالا - لا تُحْصَى كَثْرَةً. (11) مدينة «طنطا» ثُمَّ أَجَزْنَا النِّيلَ فِي مَرْكَبِ تَعْدِيَةٍ. واتَّصَلَ سَيْرُنا إِلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بـ«بَرْمَةَ»، فَكانَ مَبِيتُنا بِها. وهي قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ فيها السُّوقُ وجَمِيعُ الْمَرافِقِ. ثُمَّ بَكَرْنا مِنْها يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وهو يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ من سِنَةِ ثَمانٍ وسَبْعِينَ وخَمْسِ مئة، فَشاهَدْنا الصَّلاةَ بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بـ«طَنْدَتا» وهي مِنَ الْقُرَى الفَسِيحَةِ الآهِلَةِ. (12) مدينة «القاهرة» واتَّصَلَ سَيْرُنا إِلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بـ«سَبْكٍ»، وكانَ مَبِيتُنا بها. واجْتَزْنا ذلك اليَوْمَ عَلَى مَوْضِعٍ حَسَنٍ يُعْرَفُ بـ«مَلِيجٍ»، والعِمارَةُ مُتَّصِلَةٌ، والْقُرَى مُنْتَظِمَةٌ في طَرِيقِنا كلِّها. ثُمَّ بَكَرْنا مِنْها يَوْمَ الأَرْبِعاءِ بَعْدَهُ. فَمِنْ أَحْسَنِ بَلَدٍ مَرَرْنا عليهِ، مَوْضِعٌ يُعْرَفُ بـ«قَلْيُوبَ»، عَلَى سِتَّةِ أَمْيالٍ من «الْقَاهِرَةِ»، فيهِ الأَسْواقُ الجَمِيلَةُ، ومَسْجِدٌ كَبِيرٌ. ثُمَّ مِنْها إِلى «الْقَاهِرَةِ» — وهي مدينةُ السُّلْطانِ الحَفِيلَةُ الْمُتَّسِعَةُ — ثُمَّ مِنْها إِلى مِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ. ثُمَّ اجْتَزْنا القِسْمَ الثانِيَ من النِّيلِ في مَرْكَبِ تَعْدِيَةٍ أَيضًا، وكانَ نُزُولُنا في مِصْرَ بِفُنْدُقِ «أَبِي الثَّناءِ»، في «زُقاقِ القَنادِيلِ» بِمَقْرَبَةٍ من جامعِ «عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ». (۱۳) المسجد الحسيني ومن الآثارِ الَّتِي شَهدناها بمدينة «الْقَاهِرَةِ» ، ذلك المَشْهَدُ العظيم، حيثُ رأس «الحسين بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالب» - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وهُوَ في تابوتِ فِضَّةٍ مَدْفُونٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، قَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ بُنْيانٌ رَائِعٌ، يَقْصُرِ الوَصْفُ عَنْهُ، ولا يُحِيطُ الإِدراك به، مُجَلَّلٌ بِأَنْوَاعِ الدِّيباج، محفوفٌ بِأَمْثَالِ الْعَمَدِ الكِبارِ : شَمْعًا أَبْيَضَ، ومنْهُ ما دُونَ ذلك، قَدْ وُضِعَ أَكْثَرُهَا فِي أَتْوَارِ - أَعْنِي أَوانِيَ صَغِيرَةً - وكلُّ تَوْر من تلك الأتوارِ من الفضة الخالِصَةِ والمُذهَّبَةِ. وعلقت عليه قَنادِيلُ مِنْ فِضَّةٍ، وَحُفَّ أَعْلاهُ كُلُّهُ بِأَمْثالِ التَّفَافِيحِ، وكلُّ تُفَاحَةِ مِنْ تِلْكَ التَّفافِيحِ مَصْنوعَةً مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِص، فِي مَصْنَعِ رائِعِ الْمَنْظَرِ، شَبِيهِ الرَّوضَة، يُقَيِّدُ الأَبْصَارَ فَلا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتحَوَّلَ عنهُ لِحُسْنِهِ. وَفِيهِ مِنْ أَنْواعِ الرُّخَامِ الْمُجَزَّعِ الْمُلَوَّن)، الْغَرِيبِ الصَّنْعَةِ الْبَدِيعِ التَّرْصِيعِ ما لا يتَخَيَّلُهُ الْمُتَخَيَّلُونَ. والْمَدْخَلُ إِلَى هَذِهِ الرَّوْضَةِ على مسجدٍ عَلَى مِثَالِها - في التأنق والغرابة – حِيطَانُه كلُّها مِنْ مِثْلِ ذلِكَ الرُّحَامِ الْمُجَزَّعِ الَّذِي وصفناهُ. ورأَيْنَا الأَسْتَارَ الْبَدِيعَةَ الصَّنْعَةِ - مِنَ الرِّباجِ - مُعَلَّقَةً تَرُوعُ الناظِرَ إِليها في كلّ مكان. (١٤) مَشَاهِدُ أَهْلِ البيت وفي تلك الليلةِ بِتْنَا فِي الجَبَّانَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْقَرافَةِ، وهِي أَيْضًا إِحْدَى عَجَائِبِ الدُّنْيَا – لِمَا تَحْتَوِيهِ مِنْ مَشَاهِدِ الأَنْبِياءِ وأَهْلِ الْبَيْتِ والصَّحابَةِ والتَّابِعين والْعُلَماءِ والزُّهَادِ والأَوْلياءِ. (١٥) الْمَشْهَدُ الشافعي وفيها مَشْهَدُ الإِمَامِ الشَّافِعِيّ، وهو من المشاهد العظيمة: احتفالا واتساعًا، وقد بَنَى السلطان بإزائه مَدْرَسَةً لَمْ يَعْمُرْ - بهذِهِ البلاد - مِثلُها ، ولا أَوْسَعُ مِسَاحَةً، ولا أَحْفَلُ بناءً، يُخَيَّلُ لِمَنْ يَتَطوَّفُ عَلَيْها أَنَّها بَلَدٌ مُسْتَقِلُّ بِذَاتِه، بإزائها الحَمَّامُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مرافقها. والبناء فيها حتَّى السَّاعَةِ، والنَّفَقَةُ عَلَيْها لا تُحْصَى. (١٦) مَأْوَى الغُرَباءِ ومن العجب أَنَّ تلك القَرَافَةَ كلَّها مساجد مبنيَّةٌ ومشاهد معمورة، يأْوِي إِلَيْها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، وإِنَّما يُنْفَقُ عَلَى كُلِّ موضع منها من قبل السلطان في كُلِّ شهر. والمَدارِسُ الَّتِي بـ«مِصْرَ» و «الْقَاهِرَةِ » كذلِكَ . وَحُقِّقَ عِنْدَنَا أَنَّ الإِنْفَاقَ عَلَى ذلك كلّه نيف على أَلْفَيْ دِينَارٍ مَصْرِيٌّ في الشهر. وذُكِر لَنا أَنَّ لجامعِ عَمْرِ بْنِ الْعَاصِ» بـ«مِصْرَ» - مِنَ الْفَائِدَةِ – نَحْوَ الثَّلاثِينَ دِينَارًا مصريًا فِي كُلِّ يَوْمٍ: تَتَفَرَّق في مَصالِحه ومُرتّبات قَوَمَتِه وسَدَنَتِهِ (خُدَّامِهِ) وَأَئِمَّتِهِ، وَالْقُرَّاءِ فيه. (۱۷) خطيب المسجد وفِي بَعْضِ الْجَوامِعِ رَأَيْنَا الْخَطِيبَ يَجْمَعُ - في خُطْبَتِهِ - الدُّعاء للصَّحابة والتابعين ومَنْ سواهُم، ولأُمهات المؤمنينَ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليهِ وسلَّم - ولَعَمَّيْهِ الكَرِيمَيْنِ: «حَمْزَةَ» و«العَبَّاسِ رَضِيَ الله عنهما، ويُلَطَّفُ الْوَعْظَ ، ويُرَقِّقُ التَّذْكِيرَ، حَتَّى تَخْشَعَ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ، وتَتَفَجَّرَ الْعُيونِ الْجَامِدَةُ. ويأْتِي الْخُطْبَةِ لَابِسًا السَّوادَ عَلَى رَسْمِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ ، وصِفَةٌ لِبَاسِهِ بُرْدَةٌ سَوْدَاءُ عَلَيْهَا طَيْلَسانُ أَسْوَدُ - وهُو الَّذِي يُسَمَّى بِالْمَغْرِبِ : الإِحْرَامَ - وعِمامَةٌ سَوْدَاءُ، مُتَقَلِّدًا سَيْفًا. وعند صُعودِهِ الْمِنْبَرَ يَضْرِبُ بِنَعْلِ سَيْفِهِ الْمِنْبَرَ - فِي أَوَّلِ ارْتَقائِهِ - ضَرْبَةً يُسْمِعُ بها الْحَاضِرِينَ، كَأَنَّهَا إِيذانُ بِالإِنْصَاتِ، وفي تَوَسُّطِه أُخْرَى، وفي انتهاءِ صُعودِهِ ثَالِثَةً، ثُمَّ يُسَلَّم عَلَى الْحَاضِرِينَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَيَقِفُ بَيْنَ رَايَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فِيهِمَا تَجْزِيعُ بَياضٍ قَدْ رُكِّزَتا فِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ. ودعاؤه في هذا التاريخ للإمامِ الْعَبَّاسِيِّ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ النَّاصِر لدينِ اللَّهِ»، ثمَّ مُحْيِي دَوْلَتِهِ أَبِي الْمُظَفَّر يُوسُفَ بنِ أَيُّوب صلاح الدين»، ثُمَّ لأَخِيهِ – وَلِيَّ عهدِهِ – أبي بكر سيف الدين». (۱۸) حِصْنُ القلعَةِ وشاهدنا - أيضًا - بُنْيانَ القَلعة، وهُوَ حِصْنٌ يتَّصِل بـ «القاهرة» حَصِينُ الْمَنَعَةِ، يُرِيدُ السُّلْطانُ أَن يَتَّخِذَهُ مَوْضِعَ سُكْنَاهُ، وَيَمُدَّ سُورَهُ حتى يَنْتَظِمَ الْمَدِينَتَيْنِ مِصْرَ الْمَحْرُوسةَ والْقَاهِرَةَ. والْمُسَخَّرُونَ في هذا الْبُنْيَانِ هُمُ الأَسارَى من الرُّومِ، وَعَدَدُهم لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَلا سَبِيلَ أَنْ يَمْتَهِنَ ذلكَ الْبُنْيَانَ أَحَدٌ سِواهُمْ. وهؤلاءِ الأَسْرَى هُمُ الْمُتَوَلَّوْن لجميع امتِهانِهِ ومَئُونته العظيمةِ، كَنَشْرِ الرُّحَامِ، ونحْتِ الصخورِ العِظامِ، وحَفْرِ الْخَنْدَقِ الْمُحْدِقِ بِسُورِ ذلك الْحِصْنِ، وَهُوَ خَنْدَقٌ يُنْقَرُ بِالْمَعَاوِلِ نَقْرًا فِي الصُّخُور، ولا يزَالُ عَجَبًا مِنَ الْعَجَائِبِ الْبَاقِيَةِ الْآثَارِ. ولِلسُّلْطَانِ أَيْضًا – بِمَواضِعَ أُخَرَ - بُنْيَانٌ. وهؤلاء الأَسْرَى مِنَ الرُّومِ – الَّذِينَ أَسْلَفْنَا ذِكْرَهُمْ - يَخْدُمُونَ فيه. (۱۹) المارستان ومِمَّا شاهدناهُ أَيْضًا من مفاخر هذا السلطان - المارستان الَّذِي بمدينة القاهِرَةِ، وهو قَصْرٌ من الْقُصورِ الرَّائِعَةِ حُسْنًا واتِّساعًا ، أَبْرَزَهُ لِهذه الفَضيلةِ تَأَجُّرًا وَاحْتِسَابًا، وعَيَّنَ قيما - مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ - وَضَعَ لَدَيْهِ خَزائِنَ الْعقاقير ، ومكَّنَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الأَدْوِيةِ والأَشْرِبَة وإقامَتِها - عَلَى اخْتِلافِ أَنْواعِها - وَوُضِعَتْ فِي مَقاصِيرِ ذلك الْقَصْرِ أَسِرَّةٌ – يتَّخِذُها الْمَرْضَى مضاجع - كامِلةُ الْكُسَاء وَبَيْنَ يَدَى ذلك الْقَيِّمِ خَدَمَةٌ يَتَكَفَّلُونَ بِتَفَقُّدِ أَحْوالِ المَرْضَى بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فيُقابلون من الأغذية والأشربة ما يليقُ بهم. وبإزاء هذا الموضِعِ مَوْضِعُ مُقتطَعُ لِلنِّساءِ المرضى، ولهن من يَكْفُلُهنَّ. (۲۰) محابس المجانين ويتصل بهذين الموضِعَيْنِ موضع آخرُ متَّسِعُ الْفِناءِ، فِيهِ مَقاصِير – عليها شبابيك الحديد اتَّخِذَتْ مَحابس للمجانين. ولهم أيضًا من يتفَقَّدُ - في كلِّ يَوْمٍ – أحوالهم، ويُقابلها بما يصلح لها. والسلطان يتَطَلَّع هذه الأحوالَ كلَّها بالبَحْثِ والسُّؤَال، ويُؤَكِّدُ - في الاعتناء بها والمثابرة عليها – غاية التأكيد. وب«مصر» مارَسْتانٌ (مُستشفى ) آخَرُ ، على مِثْلِ ذلك الرَّسْمِ بَعَيْنِهِ. (۲۱) فِي مَسْجِدِ ابْنِ طُولُونَ وبين مصرَ والْقَاهِرَةِ المَسجِدُ الكبير المنسوب إلى أبي الْعَبَّاسِ : أَحْمَدَ بن طُولُونَ، وهو من الْجَوامع العتيقة الأنيقَةِ الصَّنْعة، الواسعةِ البُنْيان. جَعلهُ السلطانُ مَأْوَى لِلْغُرَباءِ من المغاربة - يسكنونَهُ ويَجْتَمِعُون فيه. وأَجْرَى عَلَيْهِمُ الأَرْزاقَ في كل شهر. ومِنْ أَعجبِ ما حَدَّثَنَا بِهِ أَحَدُ الْمُتَخَصِّصِينَ مِنْهُم : أَنَّ السُّلطان جعل أحكامهم إليهم، ولم يجعل يدًا لأحد عليهم ، فقَدَّموا - مِن أَنْفُسِهِم - حاكِمًا يَمْتَخِلُونَ أَمْرَهُ، ويتحاكمون في طَوارِئِ أُمورِهِمْ عِنْده. واسْتَصْحَبُوا الدَّعَةَ ،والعافية، وتفرَّغُوا لِعِبادَةِ رَبِّهِمْ، ووجدوا – من فَضْل السلطان - أفضل معين على الْخَيْرِ الَّذِي هُمْ بِسَبيله. (۲۲) الفقراء واليتامى وما مِنْها جامِعٌ مِنَ الْجوامع، ولا مسجِدٌ مِنَ المَساجِدِ، ولا رَوْضَةٌ من الروضات المبنِيَّةِ على القُبورِ ، ولا مَحْرَسٌ من المحارس، ولا مدرسة من المدارس، إِلَّا وَفَضْلُ السُّلطانِ يَعُمُّ جميع مَنْ يَأْوى إليها، ويُلْزَمُ السَّكَنَ فيها. تَهُونَ عَلى السُّلْطَانِ – في ذلك – نفقاتُ بُيوتِ الأموال. ومِنْ مَآثِرِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُعْرِبةِ عَنِ اعْتِنائِهِ بأُمورِ المُسْلِمِينَ كَافَّةً: أَنَّهُ أَمَرَ بِعِمارَةِ محاضِرَ أَلزمها مُعَلِّمِين لِكِتَابِ اللهِ - عزَّ وَجَلَّ - يُعَلِّمُون أَبْنَاءَ الفقراء والأَيْتَامِ خاصَّةً، وتَجْرِي عليهم الجراية الكافية لهم. (۲۳) قناطر صلاح الدين ومِنْ مَفاخر هذا السُّلطانِ وَآثَارِهِ - الْبَاقِيةِ الْمَنْفِعَةِ لِلْمُسْلِمِين – القناطر التي شرع في بنائها بِغَرْبِيّ مِصْرَ. وعَلَى مِقْدارِ سَبْعَةِ أَمْيال مِنهَا رصيفٌ ابْتُدِئَ مِن حَيِّزِ النِّيلِ بِإِزاءِ «مصر»، كَأَنَّهُ جَبَلٌ مَمْدُودٌ عَلَى الأَرْضِ، تسِيرُ بِهِ مقدار ستة أميال حتى يتصل بتلك القَنْطَرة، وهيَ نَحْوُ الأَرْبَعِينَ قَوْسًا - مِنْ أَكْبَر ما يكون - مِنْ قِسِيِّ الْقَناطِرِ. والقَنْطَرةُ مُتَّصِلَةٌ بالصَّحراء التي تُفْضِي مِنها إلى الإِسكَنْدَرِيَّةِ. له في ذلك تدبير عجيب حازم - من تدابير الملوك الْحَزَمِةِ - إعدادًا لحادثة تَطْرَأُ مِنْ عَدُوٌّ يَدْهَمُ جِهَةَ ثَغْرِ الإِسكَندرِيَّةِ عِندَ فَيْضِ النيل وانْغِمارِ الأَرضِ به ، وامتناع سلوك العساكر بسببه. فَأَعَدَّ ذلك مَسْلَكًا في كُلِّ وقت – إن احتيج إلى ذلك - والله يدْفَعُ عَنْ حَوْزَةِ المسلمين كلَّ متوَقَّعٍ ومحذُور. (٢٤) أهرام مصر وبمقربة من هذهِ القنطرةِ الْمُحْدثَةِ، تَرى الأهرام القديمةَ المُعْجِزَةَ البناء، الغريبة المنظر، الْمُرَبَّعةَ الشَّكلِ، كَأَنها القِباب الْمَضْرُوبةُ قَدْ قَامَتْ في جَوِّ السماء، ولا سيما الإِثْنان منها، فإِنَّهُما يَغَصُّ الْجَرُّ بهما سُمُوا . في سَعةِ الواحدِ مِنها - منْ أَحد أَرْكَانِهِ إِلَى الرُّكْنِ الثَّاني – ثَلاثُ مئة خُطْوَةٍ وسِتُّ وستون خُطْوَةً، قَدْ أُقيمتْ مِنَ الصُّخور العِظامِ المَنْحُوتَةِ، ورُكَّبَتْ تَرْكيبًا هائلا ، بديع الإلصاق دون أن يتَخَلَّلَها ما يُعينُ على الصاقها. وهي مُحدَّدة الأَطْرَافِ في رأَى الْعَيْنِ، ورُبَّما أَمْكَنَ الصُّعُودُ إليها، عَلَى خَطرٍ ومشَقَّةٍ. فَتَلْقَى أَطرافها المحدَّدة كأَوْسَعِ ما يكون من الرّحاب. لَو رام أَهلُ الأَرْضِ نَقْضَ بِنَائِهَا لأَعْجِزَهُمْ ذلك. ولأحد الكبيرين منها بابٌ يُصْعِدُ إِليه عَلَى نَحْوِ القامَةِ مِنَ الْأَرْضِ – أَوْ أَزْيَد – ويُدْخَلُ منه إلى بيت كَبِيرٍ، سَعتُه نَحْوُ الْخَمْسِينَ شِبرا، وطوله نحو ذلك. وفي جَوْفِ ذلك البيت رخامةٌ طويلةٌ مُجَوَّفَةٌ، يُقالُ إِنها قَبْرٌ. ودونَ الكَبِيرِ هَرمٌ سَعتُهُ من الرُّكْنِ الوَاحِدِ إِلى الرُّكْنِ الثَّاني مئة وأربعونَ خُطْوَةً. ودون هذا الصغير خمسة صغارٌ: ثَلاثَةٌ مُتَّصلَةٌ، والاثنان - عَلَى مَقْربةٍ منها – مُتَّصِلانِ. (٢٥) «أبو الهول» وعلى مقربة من هذهِ الأَمْرامِ صُورَةٌ غَرِيبَةٌ مِنْ حَجَرٍ ، قَدْ قامتْ عَلَى صِفَةِ آدمِيٌّ هَائِلِ المَنْظَر، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الأَهْرَامِ، وظَهْرُهُ إِلى القِبْلَةِ : مَهْبِطِ النّيلِ. وهي تُعْرَفُ بِأَبِي الأَهْوَالِ. (٢٦) مدينة «الجيزة» وعلى شَطِّ النَّيلِ مِمَّا يَلِي غَرْبِيَّ مِصرَ - والنِّيلُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما – قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ حَفْلَةُ الْبُنْيَانِ، تُعْرَفُ بـ«الْجِيزَةِ»، لهَا – كلَّ يَوْمٍ أَحَدٍ - سوق من الأَسْوَاقِ الْعَظِيمَةِ يُجْتَمَعُ إليها. ويَعْتَرِضُ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ جَزِيرَةٌ فِيها مساكِنُ حِسَانٌ، وَعَلَالِيُّ مُشْرِفَةٌ. وَهِي مَجْمَعُ اللَّهْوِ والنُّزْهَةِ، وبينها وبينَ مِصْرَ خَلِيجٌ مِنَ النِّيل، يذهبُ بطُولِها نَحْوَ الْمِيلِ، ولها مَخْرِجٌ لَهُ. (۲۷) المقياس وبِهِذِهِ الْجَزِيرَةِ مَسْجِدٌ جَامِعٌ يُخْطَبُ فِيهِ، وَيَتَّصِلُ بهذا الْجامِعِ الْمِقياس الذي يُعْتَبَرُ فِيهِ قَدْرُ زِيَادَةِ النِّيلِ عِنْدَ فَيْضِهِ كلَّ سَنَةٍ. واسْتِشْعارُ ابتدائِهِ في شَهْرٍ يُونْيَةَ، وَمُعْظَمُ انْتِهَائِهِ أَغُشْتُ (أُغْسْطُس)، وآخِرُهُ أَوَّلُ شَهْرِ أُكْتُوبَر. وهذا المقياسُ عَمُودُ رُخَامٍ أَبْيَضُ مُثَمَّنٌ، في مَوْضِعٍ يَنحَصِرُ فِيهِ الماء عِنْدَ انْسِيابِهِ إِلَيْهِ - وَهُو مُفصَّل على اثْنَتَيْنِ وعشرينَ ذراعًا مُقَسَّمةً على أربعة وعشرينَ قِسْمًا: تُعْرَفُ بالأصابع، فَإِذا انْتَهَا الْفَيْضُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَن يَسْتَوْفِي الماء تِسْع عشرةَ ذِراعًا فهي الغايةُ عِنْدَهُمْ في طيب العام. والمتوسط عندهم ما استوفى سَبْعَ عشرةَ ذِراعًا ، وهُوَ الأَحْسَنُ عِنْدَهُمْ مِن تِلْكَ الزِّيادةِ. والذي يَسْتَحِقُّ بِهِ السُّلْطَانُ خَراجَهُ مِنْ بلادِ مِصْرَ : سِتَّ عَشْرَةَ ذراعًا فصاعِدًا ، وعليها يُعْطَى الْبِشارَةَ الذي يُراعى الزِّيَادَةُ في كلَّ يَوْمٍ، ويُعْلِمُ بها مُياوَمَةً حتى تَسْتَوْفِي الغايةَ. وَإِنْ قَصَّرَ عَنْ سِتَّ عَشْرَةَ ذِرَاعًا فلا جباية لِلسُّلْطَانِ في ذلك الْعامِ ولا خراج. ومن مَفَاخِرِ هذا السُّلطَانِ أَنَّه سَهَّلَ السَّبِيلَ للحُجَّاجِ – بعد أَن كَادَت تَنقَطِعُ. وكَفَى الله المؤمنينَ عَلَى يَدَى هذا السُّلطانِ العادِلِ حَادِثًا عَظِيمًا، وخَطْبًا أَلِيمًا، فَاسْتَحقَّ بذلك الشُّكْرَ مِن كلَّ مَن يَعتَقِدُ أَنَّ حَجَّ البيتِ الْحَرامِ ، أَحدُ القَوَاعِدِ الْخَمْسِ مِن الإِسْلامِ. وَاسْتَوْجَب الدعاء له في كلِّ صُقع مِن الأَصْفَاعِ، وَبُقْعَةٍ مِن البِقَاعِ. واللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ من أحسن عملا. (۲۸) المكوس والضرائب وكان في البِلادِ المصرية وسواها مُكُوسٌ وضرائب على كلّ ما يُبَاعُ ويُشْتَرى – ممَّا دَقَّ أو جَلَّ - حتى كَانَ الْمَكْسُ يُؤَدَّى عَلَى شُرْبِ ماءِ النِّيلِ ، فَضْلًا عمَّا سواه. فمحا هذا السُّلطان هذه البِدَعَ اللَّعِينَةَ كَلَّها، وبَسَطَ الْعَدْل، وأَمَّنَ السُّبُلَ. فَاطْمَأَنَّ الناسُ - في بلاده - وزاوَلُوا أعمالهم في سَوادِ اللَّيل، كما يُزاولونَها فِي ضَوءِ النَّهار، ولَمْ يَسْتَشْعِرُوا لظلامِ اللَّيلِ هَيبةً تَثْنِيهِم عن ذلك، كما شاهدنا أحوالهم في «مصر» و«الإسْكَنْدَرِيَّةِ».

من القاهرة إلى عيذابالفصل الثالث من القاهرة إلى عيذاب

(۱) مَواطِنُ الأَنبِياءِ وفي صَبِيحةِ اليَوْمِ السَّادِسِ مِن شَهر المُحَرَّمِ، كَان انفصالنا عن «القاهِرَةِ»، وصُعودنا – في النيل – قاصدين إلى «قوص» وقد رَأَيْنَا الْقُرى مُتَّصلَةً عَلَى شَطّ النِّيلِ، فَمِنْهَا قَرْيَةٌ فِي الضَّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ مِن النِّيلِ مُباشَرَةً لِلصَّاعِدِ فِيهِ. ويُذكَرُ أَنَّ فيها كَان مَولدُ النَّبِيِّ مُوسى الكليمِ» صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومِنْها أَلْقَتْهُ أُمُّهُ فِي الْيَمِّ، وهُو النِّيلُ. وعاينا أيضًا بِغَرْبِيِّ النِّيلِ؛ مُيامِنًا لنا - يَوْمَ إقلاعنا، وفي اليوم الذي ولِيَهُ - المدينة القديمة المنْسُوبَةَ لـ«يُوسف الصِّدِّيقِ»، وبِها مَوْضِعُ السِّجْنِ الذي كان فيه. وتُنْقَلُ أَحْجَارُهُ إِلى القَلعَةِ الْمُبْتَناةِ الآنَ عَلَى «القاهِرَةِ»، وهُو حِصْنٌ حَصِينُ المَنَعَةِ، وكان بهذهِ المَدِينَةِ الطَّعامُ الذي اختَزَنَهُ بها «يوسف» صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ. (۲) مُنْيةُ ابْنِ الخَصِيب ومِنْهَا الْمَوْضِعُ المَذكورُ بـ«مُنْيَةِ ابن الْحَصِيبِ»، وهو بلَدٌ على شَطِّ النيل – مُيامِنَّا للصَّاعِد فيه - كبيرٌ، فِيهِ الأَسْواقُ وَالْحَمَّامات وسائِرُ مرافق الْمُدْنِ اجْتَزْنَا عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّامن لإقلاعنا مِنْ مِصَرَ» - لأَنَّ الرِّيحَ سَكَنَتْ عَنَّا، فَتَرَبَّصْنَا فِي الطَّرِيقِ. ولو ذَهَبْنَا إِلى رَسْمِ كُلِّ موضع يعترضنا في شَطَّي النِّيل – يمينا وشمالا – لضاقَتِ الكتب عنه. لكنْ نَقْصِدُ من ذلك إِلَى الأَكْبِرِ الأَشْهَر. (3) إِلى أُسْيُوطَ وَمَرَرْنَا بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ كان لها سُورٌ عَتِيقٌ، هَدَمَهُ «صلاحُ الدين» وجعلَ — عَلَى كُلِّ مَرْكَبٍ مُنْحَدِرٍ في النيل — وَظِيفَةً مِنْ حَمْلِ صَخْرِهِ إلى القاهرة، فنُقِلَ بأَسْرِهِ إِلَيْها. ومِنَ الْمَواضِعِ التي اجْتَزْنا عليها في الصَّعِيدِ: مَوْضِعٌ يُعْرَفُ بـ«مَنْفَلُوطَ» بِمَقْرَبَةٍ مِنَ الشَّطِّ الْغَرْبِيِّ، مُيامِنًا لِلصَّاعِدِ في النِّيلِ — فيهِ الأَسْواقُ وسائِرُ ما يُحْتاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَرافِقِ، في نِهايَةٍ مِنَ الطِّيبِ. وقَمْحُ هذا البَلَدِ يُجْلَبُ إِلى «مِصْرَ»، لِطِيبِهِ ورَزانَةِ حَبَّتِهِ (ثِقَلِها). وقَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ بِذلِكَ، فالتُّجَّارُ يُصَعِّدُونَ في الْمَراكِبِ لِاسْتِجْلابِهِ. ومِنْها مدينةُ «أُسْيُوطَ»، وهي من مُدُنِ الصَّعِيدِ الشَّهِيرَةِ، بَيْنَها وبَيْنَ الشَّطِّ الْغَرْبِيِّ مِنَ النِّيلِ مِقدارُ ثَلاثَةِ أَمْيالٍ. وهي جميلةُ الْمَنْظَرِ، حَوْلَها بَساتِينُ النَّخْلِ، وسُورُها عَتِيقٌ. (4) هَيْكَلُ إِخْمِيمَ ومِنْها مَوْضِعٌ يُعْرَفُ بـ«أَبِي تِيجٍ». وهو بَلَدٌ فيهِ الأَسْواقُ وسائِرُ مَرافِقِ الْمُدُنِ، وهو في الشَّطِّ الغَرْبِيِّ مِنَ النِّيلِ. ورأَيْنا مدينةَ «إِخْمِيمَ» وهي أَيْضًا من مُدُنِ الصَّعِيدِ الشَّهِيرَةِ الْمَذْكُورَةِ، بِشَرْقِيِّ النِّيلِ، وعلى شَطِّهِ. وهذه الْمَدِينَةُ قَدِيمَةُ الإِنْشاءِ، عَتِيقَةُ الْوَضْعِ، وبها آثارٌ ومَصانِعُ من بُنْيانِ الْقُدَماءِ، وكَنائِسُ يَعْمُرُها — إِلى الآنَ — بَعْضُ نَصارَى الْقِبْطِ. ومِنْ أَعْجَبِ الهَياكِلِ — الْمُتَحَدَّثِ بِغَرائِبِها في الدُّنْيا — هَيْكَلٌ عَظِيمٌ في شَرْقِيِّ تلك الْمَدِينَةِ وتَحْتَ سُورِها، طُولُهُ مِائَتا ذِراعٍ وعِشْرُونَ ذِراعًا، وسَعَتُهُ مِئَةٌ وسِتُّونَ ذِراعًا. وهو يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ هذهِ الجِهَةِ بِاسْمِ «الْبَرْبَى»، وهذا الاسْمُ يُطْلِقُونَهُ على الآثارِ القَدِيمَةِ التي تُماثِلُهُ، وهذا الهَيْكَلُ العَظِيمُ قامَ على أَرْبَعِينَ سارِيَةً، حاشا حِيطانَهُ. دَوْرُ كُلِّ سارِيَةٍ (عَمُودٍ) مِنْها خَمْسُونَ شِبْرًا، وبَيْنَ كُلِّ سارِيَةٍ وسارِيَةٍ ثَلاثُونَ شِبْرًا. ورُءُوسُها في نهاية من العِظَم والإتقَانِ، قد نُحِتَتْ نحتا غريبًا، فجاءَتْ بديعة الشَّكلِ، مُرَكَّنَةً (مَتينَةَ البِناءِ) ، كأَنَّ الخراطينَ تَناولُوها. وهي كلُّها مَرْخَرَفَةٌ بأنواعِ الأَصْبِغَةِ اللأَزَوَرْدِيَّةِ وسواها. والسَّواري كلُّها منقوشةٌ مِنْ أَسفلها إلى أعلاها. وقد انتصب على رأْسِ كل سارية منها إلى رأس صاحبتها التي تليها لَوْحٌ عظيمٌ من الحجر المنحوت. وسَقْفُ هذا الهيكل كُلُّهُ مِنْ أَلواح الحجارة المنْتَظِمة ببديع الإلصاق. فجاءَتْ كَأَنَّهَا فَرْشُ واحدٌ. وقد انتظمتْ جَميعَهُ التصاوير البديعةُ والأَصْبِغَةُ الغَرِيبَةُ، حتى ليُخَيَّلُ للنَّاظر فِيهَا أَنَّهَا سَقْفٌ مِنَ الخشب المنقوش. والتصاويرُ عَلَى أَنواعٍ، في كلّ بلاطة من بلاطاته. فمنها ما قد جلَّلَتْهُ طُيورٌ بِصُورٍ رائِقَة، باسطَةٌ أَجنحتها ، تُوهُمُ النَّاظِرَ إِلَيْهَا أَنَّهَا تَهُمُّ بِالطَّيَرَانِ. ومنها ما قَدْ جَلَّلَتْهُ تَصَاوِيرُ آدَمِيَّةٌ ، رائِقَةُ المنظر رائعةُ الشَّكْلِ، قَدْ أُعِدَّتْ لكل صورة منها هيئة هي عليها: كَإِمْساكِ تِمْثال بيدِها، أو سلاحٍ ، أَوْ طائر ، أو كأس، أو إشارة شخص إلى آخرَ بِيَدِهِ ، أَو غير ذلك، مما يَطُولُ الوَصْفُ لَهُ ، ولا تتأتّى العبارة لاستيفائه. ودَاخِلَ هذا الهيكلِ الْعَظِيمِ وخارجه وأعلاهُ وأَسْفَلَه : تصاوير ، كلُّها مُختلفاتُ الأشكال والصفة. منها تصاویر هائلة المنظر، خارجة عن صُوَرِ الآدمِيّين، يسْتَشْعِرُ الناظرُ إِلَيْهَا رُعْبًا. وَيَتَمَلأُ منْها عِبْرَةً وتَعَجَبًا. ولَسْتَ ترى فيه مَغْرِزَ إِشْفَى والإِشْفَى : المِثْقَب الذي يُخْرَز به الْجِلْدُ)، ولا تَجِدُ مَغْرِزَ إِبرة، إلا وجدت فيه صورةً أو نَقْشًا، أو كتابةً لا تُفْهَمُ كَأَنَّهَا الْخَطُّ الْمُسْنَدُ (وَهُوَ خَطُّ يَمَنِيٌّ قَدِيمٌ) . وقَدْ عَمَّ هذا الهيكل العظيم الشأن – كُلَّهُ هذا النَّقْشُ البديع. ويتأتى في صُمَّ الحِجارةِ مِنْ ذلك ما لا يتأتى في الرِّخْوِ من الْخَشَبِ، فَيَحْسَبُ الناظرُ – استعظامًا له أَنَّ الزمانَ لَوْ شُغِلَ بِتَرْقِيشِهِ وتَرْصِيعِهِ وتَزْيِينِهِ، لضَاقَ عَنْهُ. وَعَلَى أَعْلَى هذا الهيكلِ سَطْحٌ مَفروش بأَلْواحِ الْحِجَارَةِ العَظيمَةِ - عَلَى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ – وهو في نهاية الارتفاع، فيحارُ الْوَهْمُ فيها، ويَضِلُّ العَقْلُ، حِين يتَمَثَّلُ الْجُهود التي بُذِلَتْ فِي رَفْعِ هذه الصخور الهائلة، إلى أعلى ذلك الهيكل. وداخل هذا الهيكل - من المجالسِ والزَّوايا، والمَداخِلِ والمَخارج، والْمَصاعِدِ والمَعارج، والمسارب والموالح - ما تَضِلُّ فيه الجماعات من الناس، ولا يَهْتَدِي بعضُهم لِبَعْضٍ إِلَّا بالنِّداءِ العَالي. وعَرْضُ حائِطِهِ ثمانية عشَرَ شِبْرًا، وهُو كلُّهُ من حِجَارَةٍ مُرْصُوصَةٍ عَلَى الصفة التي ذكرناها فشأن هذا الهيكل عظيم ، ومَرْآهُ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنيا التي لا يَبْلُغُها الْوَصْفُ. (5) أعوان الزكاة وفي بلاد هذا الصعيد التي تعترض طريق الحُجَّاجِ والمسافرين: كاخميم، وقُوصٍ، ومُنْيَةِ ابْنِ الْخَصيبِ، كثيرٌ من الأذى والمضايقات التي يُلْحِقُها المَكَاسُونَ بهم، متعلّلين بالرغبة في تَحْصِيلِ الزَّكاةِ، فهم - كأصحابِهم الذين استَقْبَلونا في ميناء الإسكندرية – يُدْخِلون أَيْدِيَهُمْ فِي أَوْساط التجار، فَحْصًا عمَّا تأَبَّطُوهُ أَوِ احْتَضنوه من دراهِمَ أَوْ دنانير، دونَ أَن يُراعُوا ما يَسْتَوْجِب الزَّكاةَ. ورُبَّما ألزمُوهُمُ الأَيْمانَ عَلَى ما بأيديهم، وهل عندهم غير ذلك؟ ويُحْضُرُونَ كتابَ اللهِ العزيز يَقَعُ الْيَمِينُ عليهِ ، فيقِفُ الحُجَّاجُ - بَيْنَ أَيْدِي هؤلاء المتناولينَ لِلزَّكَاةِ - مَواقِفَ خِزْي ومَهانَة، تُذَكِّرُهُمْ أَيَّامِ المُكوس. (٦) جَوْرِ المَكَاسِين وهذا أمر لا شك في أن «صلاح الدين» لا يَعْرِفُه، ولو عَرَفَهُ لأَمر بِقَطْعِهِ وإزالته، كما أمر بقطع ما هو أَعْظَمُ مِنْه، ولجاهدَ أَصحاب هذا الجَورِ الْمُتَنَاوِلِينَ لِلزَّكَاةِ، فَإِن جِهَادَهُمْ من الواجبات، لما يَصْدُر عنهم من التَعسُّفِ، والْجَوْرِ، وَعَسِيرِ الإِرْهاق، وسوء المعاملة مع غرباء قد انْقَطَعُوا إلى الله، وخرجوا مهاجرين إلى حَرمه الأمين. ولَوْ شَاءَ اللهُ لكَانَتْ هذه المُناسَبةُ فُرْصَةً لتَحْصِيلِ الزَّكاةِ ، ومَنْدُوحَةً لاقتضائِها عَلَى أَجمَلِ الوُجُوهِ مِنْ ذَوى البضائع في التجاراتِ، مَتَى َحالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، َواسْتَوْجَبَتِ الزَّكَاةَ أَمَّا اعتراض الغرباء المنقطعين - مِمَّنْ تَجِبْ الزَّكاةُ لَه لا عَلَيْهِ - فَأَمْرٌ لا يَرْضاهُ ذلِكَ السُّلْطانُ العَادِلُ، الَّذِي قَدْ شَمِلَ البلاد عَدْلُهُ، وسارَ فِي الْآفَاقِ ذِكْرُهُ. (۷) شياطينُ الإِنْسِ وَمِنْ أَشْنَعِ ما شَاهَدْنَاهُ - مِنْ ذلِكَ - خُروج طائفة من المَرَدَة: أعوان الزكاة، وقد رأينا في يد كل مارد منهم مِسَلَّةً - مِنَ المَسالِّ الطُّوالِ - فَيَصْعَدُونَ إِلَى الْمَرَاكِبِ اسْتِكْشَافًا لما فيها، فلا يَتْرُكون غرارة ولا عِكْمًا (زَكيبةً) إِلَّا تَخَلَّلُوهُ وخَرَّقُوهُ بِتِلْكَ المِسَلاتِ الْمُؤْذِيَةِ، مَخافَةَ أَن يكون في تلك الغرارة أو الْعِكْم - اللَّذَيْنِ لا يَحْتَوِيانِ غَيْرَ الزَّادِ – شَيْءٌ غُيِّبَ عليهِ مِنْ بِضَاعَة أَوْ مَال. وقد نَهَى اللهُ عن التَّجَسُّسِ، فَكَيْفَ عَنْ كَشْفِ ما يُرِيدُ صاحِبُهُ أَن يَسْتُرَهُ، ولا يُحب أَنْ يُطْلِعَ عليه أَحَدًا لحقارته أو نفاستِهِ - من غَيْرِ أَن يَبْخَلَ بواجِبِ يلزَمُهُ. واللَّهُ الْآخِذُ على أيدي هؤلاء الظُّلَمةِ بيد هذا السُّلطانِ العادِل وتوفيقه، إِنْ شَاءَ الله. (۸) طائفة من مدن الصعيد ومِنَ المواضع التي اجتزنا عليها - بَعْدَ إِخْمِيمَ» موْضِعُ مُنْشَاةِ السُّودانِ، عَلَى الشَّطِّ الْغَرْبِيِّ من النِّيلِ. وهي قَرْيَةٌ مَعْمُورَةٌ، ويقالُ إِنَّها كانت فِي الْقِدَمِ مَدينَةً كبيرةً. وقد قام أمام هذه القَرْية - بينها وبينَ النِّيلِ - رصيف عال من الحجارة كَأَنَّهُ السُّورُ يَضْرِبُ فِيهِ النيل ولا يَعْلُوهُ عِنْدَ فَيْضِهِ ومدّهِ. فَالْقَرْيَةُ – بِسَبَبِهِ - في أمن من أمواج النيل ومياهه. ومنها موضع يُسَمَّى «الْبُلْيَنَةَ» وهي قَرْيَةٌ حَسَنَةٌ كثيرةُ النَّخْلِ، بالشَّطِّ الْغَرْبِيِّ مِنَ النيل، بينها وبينَ «قُوصٍ» أَرْبَعَةُ بُرْدٍ، ومنها موضع يسمَّى «دَشْنَة» بالشَّطِّ الشَّرْقِيَّ من النيل، بينها وبينَ «قُوصٍ » بَريدانِ والْبِرِيد: اثْنَا عَشَرَ مِيلًا). ومنها موضع بِغَرْبي النيل، وعلى مقربة من شَطِّهِ ، يسمَّى «دَنْدَرَةَ» وهي مدينةٌ من مُدنِ الصَّعِيد، كثيرة النخل، مُسْتَحْسَنَةُ المَنظَرِ، مُشْتَهِرَةٌ بِطَيِّبِ الرُّطَبِ، بينها وبينَ «قُوصٍ» بَرِيدٌ. وَذُكِرَ لنا أَنَّ فيها هَيْكَلًا عَظِيمًا وهو معروفٌ عِنْدَ أَهْلِ هذهِ الجهاتِ بِالْبَرْبَى» – حسبما ذكرنا عند ذِكْرِ «إِخْمِيمَ» وهَيْكَلِها. ويقالُ إِنَّ هَيْكَلَ «دنْدَرَةَ» أحفلُ منهُ وأعظم. ومنها مدينة «قنا» وهي من مدن الصَّعِيدِ، بَيْضاء أنيقَةُ الْمَنْظَرِ ، ذات مبان حفِيلَةٍ. ومنها «قفط» وهي مدينة بِشَرْقِي النيل – وعلى مقدار ثلاثة أميال من شَطِّه - وهي من الْمُدْنِ المذكورة في الصعيد حُسْنًا ونظافة بُنيان، وإتقانَ وَضْعِ. ثم كان الوصول إلى «قُوصٍ» يومَ الْخَميس الرَّابع والعشرينَ لِمُحَرَّمٍ؛ فَكَانَ مُقامُنَا في النيل ثمانيةَ عَشَرَ يَوْمًا، ودخلنا مَدِينَةَ «قُوص» في التاسع عشر، وهذه المدينة حفيلة الأَسْواقِ، متَّسِعةُ الْمَرافِقِ، كثيرةُ الْخَلْقِ، لِكَثْرَةِ الصادِرِ والوارد من الحُجَّاجِ والتَّجَّارِ اليَمَنِيينَ والهِنْدِيينَ وتُجَّارِ أَرْضِ الْحَبَشَ؛ لأَنَّها مَخْطَرٌ (مَمَرٌّ) لِلْجَمِيعِ، وَمَحَطُّ لِلرِّحَالِ، ومُجْتَمَعُ الرِّفاقِ، ومُلْتَقَى الْحُجَّاجِ المَغارِبةِ والمصريين والإِسْكَنْدَرِينَ وَمَنْ يَتَّصِلُ بِهِمْ. ومنها يُسافرون مُفَوِّزِين (قاطعينَ الْمَفازة) بِصَحْرَاءِ عَيْذَابَ»، وإِليها انْقِلابُهُمْ حين يَرْجِعُون من الْحَجِّ. وكان نُزُولُنَا فيها بِفُنْدُةٍ يُنْسَبُ لَابْنِ الْعَجَمِيِّ. (۹) خُسوف القمر واستَهَلَّ هِلَالُ صَفَر» ليلةَ الأَرْبِعَاءِ، ونَحْنُ بـ«قُوصٍ» نُرِيدُ السَّفَرِ إِلى «عَيدَابَ»، وفي يَوْمِ الإثنين الثالث عشر منهُ، أَخْرَجْنا جميعَ رِحالنا - مِنْ زَاد وسواهُ - إِلى مَوْضِعِ بِقِبْلِيِّ الْبَلَدِ وعَلَى مَقْرَبَةٍ مِنهُ، فَسِيحِ السَّاحَةِ ، مُحْدَقٍ ِبالنَّخِيل، يَجْتَمِعُ فِيهِ رِحال الحاج والتجار، وتُشَدُّ فيهِ، ومنهُ يَسْتَقِلُّونَ وَيَرْحَلُون، وفيهِ يُوزَنُ ما يُحْتَاجُ إِلَى وِزْنِهِ عَلَى الْجَمَّالِينَ. فلما كُنَّا إِثْرَ صَلاةِ العِشاء، رفعنا منه إلى ماءٍ يُعْرَفُ بالحاجرِ، فَبِتْنَا بِهِ. وَأَصْبَحْنا – يومَ الثَّلاثاءِ بَعْدَهُ – مُقيمينَ به بِسَبب تَفقَدِ بعض الجمالين - من العرب - لِبُيوتِهِمْ، وكَانَتْ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُمْ. وفي ليلة الأربعاء : الخامس عشَرَ منهُ - ونَحْنُ بالحاجرِ - خُسِفَ القَمَرُ خُسوفًا كُلِّيًّا أَوَّلَ الليل - وتمادَى إِلى هَدْءٍ مِنهُ. ثُمَّ أَصْبَحْنا يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ مُسافِرِينَ – إلى نصف النهار - فَبَلَغْنا موضعًا يُعْرِفُ بقِلاع الضّياعِ. ثمَّ كَانَ الْمَبِيتُ بِمَوْضِعِ يُعْرَفُ بِمَحَطَّ اللقيطة. كلُّ ذلك في صَحْراءَ لا عِمارَةَ فيها. (۱۰) مصرع العبدين ثُمَّ غَدَوْنَا يَوْمَ الخميس، فَنَزَلْنا عَلَى ماءٍ يُنْسَبُ لِلْعَبْدَيْن، وقد سألنا عن العَبْدَين من هما، فَقِيلَ لَنَا إِن عَبْدَينِ قد ماتا عطشا – قبل أن يردا هذا الماء - فَسُمِّيَ ذلكَ المَوْضِعُ بهما. وقبراهما بهِ ، رَحِمَهُما اللهُ. ثُمَّ تَزَوَّدْنا منه الماء لثلاثةِ أَيَّامٍ ، وَفَوَّزْنا (سِرْنا فِي المَفازة، وهي: الصَّحْرَاءُ مُسافِرِينَ سَحَرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عشرَ منهُ ، نَبِيتُ كُلِّما جَاءَ الليل، ونرى في طريقنا القَوافِلَ العَيْدَابِيَّةَ والقُوصِيَّةَ - صادِرَةً ووارِدةً - والْمَفَازَةَ مَعْمُورَةً أَمْنًا. فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ المُوفِي عِشرينَ منه، نزلنا على ماء بموْضِعِ يُعْرِفُ بِاسْمِ «دنْقاش» وهي بتر مَعِينَةٌ قَرِيبٌ ماؤها مِنْ وجهِ الأَرْض، فَيرْتَوِي منها - من الأنام والأنعام – ما لا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. (۱۱) الهوادج اليمنية ولا يسافرُ في هذه الصَّحْرَاءِ إِلَّا عَلَى الإِبل: لِصَبْرِها عَلَى الظَّمَإِ. وأَحْسَنُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ المسَافِرونَ - مِن أَهْلِ اليسارِ وذَوِي التَّرْفِيهِ - أَنَّهُم يَضَعون عَلَى الْجِمَالِ شَقادِفَ تُشْبِهُ الهَوَادج والمحامل. وأَحْسَنُ أَنواعها اليمانية، وهي مُجَلَّدَة مُتَّسِعَةٌ، مَشْدودةُ إِلى الجمال بأَحْزِمة يُوصَلُ بين كُلِّ اثْنَيْن منها بالحبال الوثيقة. ويوضع الهَوْدَجُ أَوِ النُّقْدُفُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعير. ولها أَذْرُعُ قَدْ حَفَّتْ بأَرْكَانِها ، يكونُ عَليها مِظَلَّةٌ تَقي مَنْ فِي الهَوْدَجِ حَرَّ الشَّمس؛ فيقعُدُ مُسْتريحًا، ويتناول مع عديله ما يَحْتاجُ إليه من زاد وسواه، ويُطالع - متَى شَاءَ المطالعة – في مُصْحَفٍ أَوْ كتابٍ. ولِمَنْ شَاءَ مِمَّنْ يَأْلَفُ اللِعِبَ بِالشَّطْرَنْجِ وَيَسْتَجِيزُهُ - أَن يُلاعِبَ عَديلَه تَفَكَّهَا وإِجْمَاعًا لِلنَّفْسِ. وبالْجُمْلَةِ فَإِنهَا مُرِيحَةٌ مِن نَصَبِ السَّفَرِ. وأَكْثَرُ المُسافِرينَ يرْكَبُونَ الإِبِلَ عَلَى أَحْمَالِها، فَيُكابدونَ مِن مَشَقَّةِ الْحَرِّ وَلَفْحِ الشَّمْسِ عَنَتًا وَمَشَقَّةً. (۱۲) شجار الجمالين وفي هذا الماء وقعَتْ مُشاجَرَةٌ بِسَببِ التَّزَاحُمِ عَلَى المَاءِ بين بَعْضِ جَمَّالِي العَرَبِ اليَمَنِيِّينَ - أَصْحَابِ طريق «عَيْذَاب» - وبين بعْضِ الأَغْزازِ ( والغُزُّ جِنْسٌ مِنَ التَّرْك)؛ فكادت تلك الْمُها وَشَةُ تُفْضِي إِلى الفِتْنَةِ، ثُمَّ عَصَمَ اللهُ منها ولَطَفَ. (۱۳) الطريقان والقَصْدُ إِلى «عَيْذاب» من «قُوصٍ» ، عَلَى طريقَينِ : إِحْدَاهُما تُعْرَفُ بِطَرِيقِ الْعَبْدَيْنِ - وهي هذه التي سلكناها وهي أَقْصُرُ مَسافةً. والأُخْرَى تَبْدَأُ مِن قرية على شاطئ النيل بالقُرْبِ من مدينة «قنا»: وتلتقي الطَّريقانِ عَلَى مَقْرَبة منْ ماءِ «دنقاش»، كما تَلْتَقِيان كذلك على ماء «شاغب»، وهو على مسافة يوم بعد «دنقاش». فلمَّا كَانَ غِشَاءُ يَوْمِ الإثنين، تَزَوَّدْنا الماء لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ - ورفعنا إلى ماء «شاغب»، فَوَرَدْناهُ. وهذا الماءُ ثِمَادٌ (قليلٌ) والنَّاسُ يَحْفِرُونَ عليهِ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَحُ الْأَرْضُ بِهِ قريبًا غير بعيد. (١٤) مُلْتَقَى القوافل ثُمَّ رحلْنَا في وقت السَّحَرِ مِن يَوْمِ الْخَمِيسِ - بَعْدَ أَن تَزَوَّدْنَا الْمَاءَ – فَلَمَّا كَانَ ضَحْوَةُ يَوْمِ الْأَحَدِ نَزَلْنَا بِ«أَمْتَانَ» وفي هذا الْيَوْمِ كَانَ فَراغُنَا مِنْ حِفْظِ كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لَهُ الْحَمْدُ ولَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا يَسَّر لَنا مِنْ ذلِكَ. وقد وَرَدْنَا الْمَاءَ بـ «أَمْتَانَ فِي بِئرِ معِينَةٍ، قَدْ خَصَّها اللهُ بِالْبَرَكَةِ، وَهُوَ أَطْيَبُ مِياه الطَّرِيقِ وأَعْذَبُها فَيُلْقِي كلُّ واردٍ دَلْوَهُ، وتلتقي فيها دِلاؤُهُم التي لا تُحصى، فَتَرْوَى الْقَوافِلُ النَّازِلَةُ عَلَيْها - عَلَى كَثْرَتِها - وتَرْوَى جَماعاتٌ كَثِيرة من الإبل، لو وَرَدَتْ نَهْرًا مِن الأَنْهَارِ لأَنْضَبَتْهُ وَأَنْزَفَتْهُ. وقد أردنا أن نُحْصِيَ الْقَوافِلَ الْوارِدَةَ والصَّادِرةَ – في هذه الطريق فما تَمَكَّنَ لَنا، ولا سيما القَوافِلَ العَيْنَابِيَّةَ التي تحْمِلُ سِلَعَ (الهند) وبضَائِعَهَا الْواصِلَةَ إِلَى «الْيَمَنِ» ثُمَّ مِنَ الْيَمَنِ» إِلَى «عَيْدَاب» وأَكْثَرُ ما شَاهَدْنَا مِن ذلك أَحْمالُ الْفُلْفُلِ، فَلَقَدْ خُيّلَ إِلَيْنا – لِكَثْرَتِهِ – أَنَّهُ يُوازِي التراب قيمةً. وقد كُنَّا نَسِيرُ بِقارِعَةِ الطَّريق - في تلك الصَّحْرَاءِ - فَنَرَى أَحْمَالَ الفُلْفُل والقِرْفَةِ وغَيْرِها من البضائع والسِّلَعِ، مَطْرُوحَةً - لا حارِسَ لها - وقد تُرِكَتْ في عُرْضِ الطَّرِيقِ، إِمَّا لِإِعْيَاءِ الإِبِلِ الْحَامِلَةِ لها أَوْ غير ذلك من الأَعْذار. وتبقى تلك الأَحْمَالُ بِمَوْضِعها، إلى أَنْ يَنْقُلها صاحِبُها مَصُونَةً من الآفاتِ، عَلَى كَثْرَة المارّينَ عليها من مُختَلِف النَّاسِ. (١٥) طريق الوَضَحِ ثُمَّ كَانَ رَفْعُنَا مِنْ أَمْتَانَ» صَبِيحةَ يَوْمِ الإِثْنَين، ونزَلْنا على ماءٍ بِمَوْضِعِ يُعْرَفُ بِاسْمِ «مُجاجِ» بِمَقْرَبَةِ مِنَ الطَّريقِ، ظُهْرَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، وَمِنْهُ تَزَوَّدْنَا الْمَاءَ لَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ – إِلَى مَاءٍ بِموْضِعٍ يُعْرَفُ بِاسْمِ الْعَشَراءِ» ، عَلَى مَسافَة يَوْمٍ مِنْ «عَيْذَاب». ومِنْ هذه الرِّحْلَةِ الْمُجَاجِيَّةِ يُسْلَكُ الْوَضَحُ، وهي رمْلَةٌ سَهْلَةٌ تَتَّصِل بِسَاحِلِ بَحْرٍ «جُدَّةَ» وتُوَصِّلُ إِلَى عَيْذَاب»، حَيْثُ يمشى المُسَافِرُ في أَرض فَسِيحَةِ الأَرجَاءِ، يَمْتَدُّ فيها الْبَصَر يَمِينًا وشِمَالًا. وفي ظهر الثَّلاثَاءِ كَانَ رَفْعُنَا مِنْ «مُجاجِ»، سالكين على الْوَضَحِ. وقد استهل هلال ربيع الأول ليلة الجمعة، ونحن بآخِر الْوَضَحِ ، عَلَى نَحْو ثَلاثِ مَراحِلَ مِن عَيْذَاب». وفي وقت الغداة من يوم الْجُمُعَةِ، كان نُزولُنَا عَلَى الْمَاءِ بِمَوْضِعِ الْعُشَرَاءِ»، عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ «عَيْذَابٍ». وَمَاءُ هذا الْمَوْضِعِ لَيْسَ بِخَالِص الْعُذُوبَةِ. وهُوَ فِي بِثْرِ غَيْرِ مَطْوِيَّة ( غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ من الداخل). وأَلْفَيْنَا الرَّمْلَ قد انهال عليها، وغطَّى ماءَها . فرامَ الْجَمَّالُونَ حَفْرَها وَاسْتِخْراج مائها، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذلِكَ، وَبَقِيَتِ الْقَافِلَةُ لَا مَاءَ عِنْدَها. فأَسْرَيْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَنَزَلْنَا - ضَحْوَةً - عَلَى مَاءٍ قَرِيبٍ مِنْ «عَيْذَاب»، وهو بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنها تَسْتَقِي مِنْهُ الْقَوافِلُ وأَهْلُ الْبَلَدِ ، ويَعْمُ الْجَمِيعَ، وَهُو بِثْرٌ كَبِيرَةٌ. (١٦) مدينة «عَيْذَاب» فلمَّا كان عَشِيٌّ يَوْمِ السَّبْتِ دخلنا عَيْذَاب»، وهي مدينة على ساحِلِ بَحْرِ «جُدَّة»، غَيْرُ مُسَوَّرة، أكثرُ بيوتها الأَخْصاص، وفيها الآن بناءٌ مُسْتَحْدَثُ بِالْجِيِّ. وَهِيَ مِن أَحْفَلِ مَراسِي الدُّنْيا، لأَنَّ مراكب الهند والْيَمَنِ تَحُطُّ فيها ، وتُقْلِع منها، زَائِدًا إلى مراكب الحُجَّاجِ الصادرة والواردة. وهي في صحراء لا نَبات فيها، ولا يُؤكل فيها شَيْءٌ إِلَّا مَجْلُوبٌ يَجِيئها من البلاد الأخرى. لكِنَّ أَهْلَها - بِسَبَبِ الْحُجَّاج - تحْتَ مَرْفقٍ كثير ، وفي خَيْرٍ عميمٍ، لأَنَّ لهم – على كل حِمْل طَعَامٍ يَجْلُبُونَهُ – ضريبة معلومة خفيفة المُؤْنَةِ، إذا قيسَتْ إلى الوظائِفِ الْمُكُوسِيَّةِ التي كانوا يتقاضونها قبل اليوم. وقد ذكرنا أن «صلاح الدين» قد أزالها، ولهم أيضًا من المرافق من الحاج إكراء الْجِلَابِ منهم (أجرُ المراكب ) ، فَيَجْتَمِعُ لهم مِنْ ذلك مال كثير يتقاضونه من حمل الحجاج إلى «جُدَّةَ» ورَدَّهِمْ إِلى عَيْذَاب» وقتَ انفِضَاضِهِمْ مِن أَداءِ الْفَرِيضَةِ. (۱۷) في دارِ الحَبَشِيِّ ولَسْتَ تَرى أَحَدًا مِنْ أَهلها ذَوِي الْيَسَارِ والغِنى إِلَّا مَنْ لَهُ الْجَلَبَةُ وَالْجَلَبتان (المَرْكَبِ والمَركَبَانِ). فهي تعود عليهم برزق واسع. سُبْحَانَ قاسِمِ الأَرزاق على اخْتِلافِ أسبابها، لا إله سواه. وكان نُزُولُنا فيها بِدَارٍ تُنْسَبُ إِلى مَونَح» أَحَدٍ قُوَّادِها الْحَبَشِيِّينَ الَّذِينَ بَنَوْا فِيها المنازل وتأثّلُوا بها (اكتَسَبُوا وأَسَّسُوا الدَّارَ والرِّبَاعَ والْجِلَابَ. (۱۸) مغاص اللؤلؤ وفِي بَحرِ «عَيْذَاب» مَغَاصٌ عَلَى اللُّؤْلُؤ في جزائر على مقربة منها. وأَوانُ الْغَوْصِ عليه في هذا التاريخ الذي أُقَيَّدُ فيه هذه الأَحْرُفَ وهو شَهْرُ يونيو العجمي – والشَّهْرُ الذي يَتْلُوهُ. ويُسْتَخْرَجُ مِنْهُ جَوْهَرٌ نَفِيسٌ، لهُ قِيمةٌ سَنِيّةٌ ، يَذْهَبُ الغائِصُونَ عليهِ إِلى تلك الْجَزَائِرِ في الزَّوارِيق، ويقيمون فيها الأَيَّامَ، فَيَعُودُونَ بِما قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ واحد منهم بِحَسَبِ حَظِّهِ مِنَ الرِّزْقِ. والْمَعَاصُ منها قريبُ القَاعِ، ليس ببعيدٍ. وَيَسْتَخْرِجُونَهُ فِي أَصْدَافٍ لها أَرْواحُ كَأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْحِيتَانِ - وهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالسُّلَحْفاةِ. فَإِذا شُقَّتْ ظَهَرَتِ الشَّفتانِ من داخلها كأَنَّهُما مَحارتَا فَضَّةٍ. ثمَّ يَشُقُون عليها فَيَجِدُونَ فِيهَا الْحَبَّةَ – مِنَ الْجَوْهَرِ - قد غَطَّى عليها لَحْمُ الصَّدَفِ. فَيَجْتَمِعُ لهم من ذلك بِحَسَبِ الْحُظُوظ والأَرْزَاقِ. فَسُبْحانَ مُقَدِّرِها لا إِله سِواهُ. (۱۹) سُكانُ الجِبالِ لكِنَّهُمْ بِبَلْدَةٍ لا رطْبَ فيها ولا يابس، قد أَلِفُوا بها عَيْشَ البَهَائِمِ. فَسُبحانَ اللَّهِ الْمُحَبِّبِ الأَوْطَانَ إِلى أَهْلِها! على أنَّهم أقرب إلى الْوَحْشِ منهم إلى الإِنْسَانِ. والركوب من «جُدَّةَ» إليها آفةٌ لِلْحُجَّاجِ عظيمة، إلا الأقلَّ منهم، مِمَّنْ يُسَلِّمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وذلك أَنَّ الرِّياحَ تُلْقِيهِمْ - على الأَكْثَر - في مراسٍ بِصَحاري تَبْعُدُ منها مما يلي الْجَنُوبَ. فينْزِلُ إِليهم البُجاةُ - وهم نوعٌ من السُّودانِ ساكِنُونَ بِالْجِبَالِ – فَيُكْرُونَ منهم الجمال، ثمَّ يَسْلُك بهم البُجاةُ غير طريق الماءِ. فَرُبمَا ذهب أَكْثَرُهُمْ عَطَشًا وحصل الْبُجَاةُ عَلى ما تَخَلفَ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ سِواها. ورُبما كان من الْحُجَّاجِ مَنْ يَتَعَسَّفُ تلك الصحراء عَلَى قَدَمَيْهِ، ويمشي فيها على غير هُدًى فَيَضِلُّ ويَهْلِكُ عَطَشًا. والذي يسلَمُ منهم يصل إلى «عَيْذَاب» كأَنَّهُ مَيّتٌ قد عاد إلى الحياة وهو مُنَشِّرٌ من كَفَن. وقد شاهدنا منهم – مُدَّةَ مُقامِنا – أَقْوامًا قد وصلوا على هذه الصِّفَةِ. في مَناظِرِهِم الشَّاحِبَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ وهَيْئَاتِهِمُ الْمُتَغَيّرة، آيةٌ لِلْمُتَوسِّمِينَ، وَعِبْرَةٌ للنَّاظِرِينَ. وأَكْثَر هَلَاكِ الْحُجَّاجِ بِهَذِهِ المَراسِي، ومنهم منْ تُسَاعِدُهُ الريحُ إِلى أَنْ يَحُطَّ بِمُرْسَى عَيْذَابٍ» وَهُوَ الأَقَلُّ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH