حصان الجو


Ochishجدول المحتويات
(۱)هدايا الْمَلِكِ «سِرْحانَ»
كَانَ الْمَلِكُ «ساسانُ أَكْرَمَ الْمُلُوكِ فِي عَصْرِهِ، وَأَرْفَعَهُمْ مَنْزِلَةً، وَأَعْظَمَهُمْ سُلْطَانًا، وَأَكْثَرَهُمْ تَشْجِيعًا لِلْعُلُومِ وَالْفُنُونِ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى جَمْعِ النَّفَائِسِ وَالتُّحَفِ النَّادِرَةِ. كَمَا كَانَ أَسْحَاهُمْ يدًا فِي مُكافَأَةِ الْمُبْدِعِينَ الْمَوْهُوبِينَ؛ فَلا عَجَبَ إِذا قَصَدَ إِلَيْهِ النَّوابِعُ، وَيَمَّمَهُ الْمُخْتَرِعُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
الْمَلِكُ «سِرْحَانُ» - الَّذِي تَقَعُ مَمْلَكَتُهُ إِلَى جَانِبِ مَمْلَكَةِ الْمَلِكِ «ساسانَ» – عَرَفَ حِرْصَهُ عَلَى جَمْعِ التَّحَفِ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَزِيرَهُ «جُنْدُعَةَ»، وَمَعَهُ ثَلَاثُ مِنْ غَوالِي التَّحَفِ ونفائسها، لِيُقَدِّمَها هَدِيَّةً لِوَلَدِهِ الْأَمِيرِ «فَيْرُوز شاه»، بِمُناسَبَةِ زَواجِهِ السَّعِيدِ بِبِنْتِ عَمِّهِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ الْحَيَاةِ» الَّتِي تَزَوَّجَهَا حَدِيثًا.
كَانَ أَوَّلُ الْهَدَايَا الْعَظِيمَةِ طَاوُوسًا ذَهَبِيًّا، بَدِيعَ الشَّكْلِ، يُصَفِّقُ بِجَناحَيْهِ كُلَّمَا انْقَضَتْ ساعَةٌ مِنْ ساعاتِ النَّهارِ، ثُمَّ يُعْلِنُ الْوَقْتَ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ وَصَوْتٍ مَسْمُوعٍ بِدِقَّةٍ مُتَناهِيَةٍ!
وَالْهَدِيَّةُ الثَّانِيَةُ: كَانَتْ بُوقًا عَجِيبًا، يُجَلْجِلُ صَوْتُهُ كُلَّما دَخَلَ الْمَدِينَةَ لِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيُّ يُرِيدُ شَرًّا، ثُمَّ يُذِيعُ اسْمَ الدَّخِيلِ، وَاسْمَ بَلَدِهِ، وَمَكانَ اخْتِبائِهِ. أَمَّا الْهَدِيَّةُ الثَّالِثَةُ: فَكَانَتْ بِحَقِّ أُعْجُوبَةَ الْأَعاجِيبِ؛ فَهِيَ حِصانٌ مِنَ الْعَاجِ وَالْآبِنُوسِ، بَدِيعُ الصُّنْعِ، دَقِيقُ التَّرْكِيبِ، يَطِيرُ بِراكِبِهِ إِلَى أَبْعَدِ مَكَانٍ يُرِيدُهُ؛ فَيَطْوِي أَبْعَدَ الْمَسافاتِ، فِي وَقْتِ قَصِيرٍ ودَقائِقَ مَعْدُودَاتٍ!
(۲)الْحِصَانُ الطَّائِرُ
وَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ صِدْقَ ما قالَ «جُنْدُعَةُ» عَنِ الْهَدايا الثَّلاثِ؛ فَلَمْ يَنْقَضِ زَمَنْ يَسِيرٌ حَتَّى صَفَّقَ الطَّاوُوسُ بِجَناحَيْهِ، وَأَعْلَنَ الْوَقْتَ فِي صَوْتِ وَاضِحِ الْأَداءِ، حُلْوِ النَّبَراتِ!
وَكَانَ مِنْ عَجِيبِ الْمُصادَفاتِ والاتِّفاقاتِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ – فِي ذَلِكَ الْحِينِ – أَحَدُ الْغُرَباءِ؛ فَمَا إِنْ يَجْتَزُ بابَها حَتَّى يُدَوِّيَ صَوْتُ الْبُوقِ، لِيُهَيِّئَ الْآذانَ لِسَماعِ تَحْذِيرِهِ، ثُمَّ يُذِيعَ اسْمَ الْوافِدِ، لِيَهْدِيَ إِلَيْهِ رِجَالَ الشَّرْطَةِ وَحُرَّاسَ الْأَمْنِ!
وَلَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْحَاضِرِينَ وإِعْجَابِهِمْ، حِينَ رَأَوْا «جُنْدُعَةَ» يَقْفِزُ فِي الْهَواءِ قَفْزَةً عاليةً، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ عَلَى ظَهْرِ الْحِصَانِ؛ فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُحَلِّقَ بِهِ سَرِيعًا – فِي الْجَوِّ – إِلَى أَنْ يُسامِتَ ذِرْوَةَ الْجَبَلِ! وَلا يَزالُ يَعْلُو حَتَّى يَغِيبَ عَنِ الْأَبْصَارِ!
ثُمَّ لَا تَنْقَضِي لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ مَعْدُودَةٌ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِمْ، دُونَ أَنْ يَبْدُوَ عَلَى رَاكِبِهِ جَهْدٌ ولا عناء، ولا تَعَبٌ ولا إعياء!
كَانَ الْأَمِيرُ «فَيْرُورْشاه» ابْنُ الْمَلِكِ «ساسانَ» الْأَكْبَرُ أَكْثَرَ الْحَاضِرِينَ دَهْشَةً مِمَّا رَأَى، وَأَشَدَّهُمْ إِعْجَابًا؛ فَلَمْ يُطِقْ صَبْرًا عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْحِصَانِ الْعَجِيبِ.
فَأَسْرَعَ إِلَى حِصانِ الْجَوِّ، فَرَكِبَهُ، وَهَمَزَهُ بِقَدَمَيْهِ، فَلَمْ يَتَحَرَّكِ الْحِصَانُ وَلَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَكَانِهِ؛ فَعَجِبَ لِذلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ! وَسَأَلَ نَفْسَهُ: ما السِّرُّ فِي هذا يا تُرَى؟!
الْتَفَتَ الْأَمِيرُ «فَيْرُوز شاه» إِلَى «جُنْدُعَةَ»، يَسْأَلُهُ مُتَعَجِّبًا، قالَ لَهُ رَاجِيًا أَنْ يَجِدَ لَدَيْهِ تَوْضِيحَ هذا الْغُمُوضِ: «ما بالُ حِصانِكَ جَامِدًا لا يَتَحَرَّكُ؟! ما السِّرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ؟»
(۳)نَجَاةُ الْأَمِيرِ
فَلَفَتَ «جُنْدُعَةُ» انْتِباهَ الْأَمِيرِ، إِلَى لَوْلَبٍ صَغِيرٍ عَلَى كَتِفِ الْحِصَانِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يُحَرِّكَهُ.
فَلَمَّا أَدارَهُ الْأَمِيرُ طَارَ بِهِ فِي الْجَوِّ، بِسُرْعَةٍ عَجِيبَةٍ!
وَمَا زَالَ حِصَانُ الْجَوِّ يَرْتَفِعُ، ثُمَّ أَخَذَ يَطِيرُ فِي أَجْوانِ الْفَضاءِ، حَتَّى غَابَ عَنْ عُيُونِ الْحَاضِرِينَ، وَاخْتَفَى تَمامًا!
لاحَظَ الْأَمِيرُ أَنَّ سُرْعَةَ الْحِصَانِ فائِقَةٌ، وَلَا يَدْرِي هُوَ: كَيْفَ يُبْطِئُ مِنْ سُرْعَتِهِ أَوْ يُهَدِّئُ مِنِ انْدِفاعِهِ، أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْهُبُوطِ والرُّجُوعِ إِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً أُخْرَى؟!
كَما لاحَظَ أَنَّ «جُنْدُعَةَ» لَمْ يُحِطْهُ عِلْمًا بِذَلِكَ!
هُنا أَدْرَكَ الْأَمِيرُ «فَيْرُورْشَاهُ» أَنَّ فِي الْأَمْرِ سِرًّا!
وَتَراءَى لَهُ مَكْرُ «جُنْدُعَةَ»، وَخِداعُ الْمَلِكِ «سِرْحانَ»؛ فَأَيْقَنَ أَنَّهُما قَدِ ائْتَمَرَا بِهِ وَمَكَرا بِهِ لِيَتَخَلَّصا مِنْهُ؛ فَنَدِمَ عَلَى تَسَرُّعِهِ فِي الصُّعُودِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ مَا هِيَ الْوَسِيلَةُ الْمَأْمُونَةُ لِلْهُبُوطِ، دُونَ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلسُّقُوطِ.
لكِنَّهُ طَمْأَنَ نَفْسَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّ اللهَ مَعَهُ وَلَنْ يُسْلِمَهُ أَبَدًا لِلْهَلَاكِ والضَّياءِ؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي الْخَيْرَ، وَيَبْغِي مَصْلَحَةَ الْآخَرِينَ.
كَانَ الْأَمِيرُ «فَيْرُوز شاه» مثالًا نادِرًا لِلشَّجَاعَةِ والقُوَّةِ، ورَباطَةِ الْجَأْشِ وَالْفُتُوَّةِ، فَلَمْ يَدِبَّ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ أَبَدًا، وراحَ يُنْعِمُ النَّظَرَ فِي حِصانِ الْجَوِّ، وَيُفَكِّرُ؛ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي إِلَى وَسِيلَةٍ تُمَكِّنُهُ مِنَ الْهُبُوطِ بِسَلَامٍ، وَالْعَوْدَةِ إِلَى وَطَنِهِ.
(٤)فِي قَصْرِ الرَّبِيعِ
وَمَا لَبِثَ أَنْ رَأَى لَوْلَبًا ثَانِيَا عَلَى كَتِفِ الْحِصَانِ الْيُمْنَى، فَحَسِبَهُ لَوْلَبَ الْهُبُوطِ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ فَأَدارَهُ.
وَمَا إِنْ أَدارَهُ حَتَّى زَادَتْ سُرْعَةُ الْحِصَانِ؛ فَانْطَلَقَ عَلَى التَّوْ، طَائِرًا فِي الْجَوِّ، كَما يَنْطَلِقُ السَّهْمُ إِلَى الرَّمِيَّةِ!
فَهَلْ أَفْقَدَ الْأَمِيرَ الْخَطَرُ شَيْئًا مِنْ قُدْرَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَثَبَاتِهِ؟
كَلَّا، بَلْ زَادَهُ حَرَجُ الْمَوْقِفِ وَدِقَّتُهُ ثَباتًا وَيَقَظَةً، شَأْنُهُ شَأْنُ الْحَازِمِ الشَّجَاعِ، رَابِط الْجَأْشِ، الَّذِي لا يَضْطَرِبُ فِي الْمَواقِفِ الْحَرِجَةِ، وَلا يَفْقِدُ صَوابَهُ فِي الْأَزَمَاتِ وَالْمُلِمَّاتِ.
وَراحَ يُدِيرُ لِحاظهُ فِي حِصانِ الْجَوِّ، فاحِصًا مُدَقِّقًا؛ فَرَأَى فِي عُرْفِهِ لَوْلَبًا ثالثًا، مُتَناهِيًا فِي الدِّقَةِ وَالصِّغَرِ.
فَمَا إِنْ أَدارَهُ حَتَّى تَناقَصَتْ سُرْعَةٌ حِصَانِ الْجَوِّ!
وَمَا زَالَ حِصَانُ الْجَوِّ يَهْبِطُ بِالْأَمِيرِ - إِلَى الْأَرْضِ - رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتَّى لَمَسَها بِحافِرِهِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا مُتَرَفِّقًا، دُونَ أَنْ يُعَرِّضَ رَاكِبَهُ لِسُوءٍ أَوْ أَذًى!
كَانَ أَعْجَبَ مَا رَآهُ «فَيْرُوز شاه»، مِنْ بَدِيعِ مَزاياهُ، مُصَوَّرٌ يُمَثِّلُ الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ، يَتَحَرَّكُ فِيهِ سَهُمْ صَغِيرٌ، لِيَدُلَّ رَاكِبَهُ عَلَى الاتِّجَاهِ الَّذِي يَبْغِيهِ وَالْجِهَةِ الَّتِي يَقْصِدُهَا، وَيُعَرِّفَهُ الْمَكَانَ الَّذِي حَلَّ فِيهِ، حَتَّى يَعْرِفَ: أَيْنَ حَلَّ؟! وَلَا يَضِلَّ طَرِيقَهُ فِي طَبَقاتِ الْهَواءِ، وَأَجْوازِ الْفَضاءِ!
وَلَا تَسَلْ عَنِ ابْتِهَاجِ الْأَمِيرِ بِهذا الْحِصَانِ الْعَجِيبِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ الْمَزايا النَّادِرَةِ، وَالْخَصَائِصِ الْباهِرَةِ، الَّتِي لا تَخْفَى فَوائِدُها عَلَى أَيِّ إِنْسَانٍ.
(٥)مَصْرَعُ الْبَاغِي
كانَ أَوَّلُ ما دارَ بِخَاطِرِ الْأَمِيرِ «فَيْرُوزشاه» في هذا الْوَقْتِ أَنْ يَزُورَ الْأَمِيرَةَ «نُورَ الْحَيَاةِ» بِنْتَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ «الْعادِلِ»، فِي قَصْرِها الْبَدِيعِ، الَّذِي أَلِفَتْ أَنْ تَقْضِيَ فِيهِ زَمَنَ الربيع.
فَلَمَّا دَنا مِنْهُ، لاحَتْ لَهُ أَضْواؤُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلُّهُ ... وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ الْأَمِيرُ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ، حَتَّى سَمِعَ صَرَخاتٍ مُفْزِعَةً عالِيَةً، تَكَادُ أَنْ تُصِمَّ الْآذانَ! أَيْقَنَ أَنَّها صَادِرَةٌ مِنَ الْأَمِيرَةِ «نُورِ الْحَياةِ»؛ فَأَسْرَعَ إِلَى نَجْدَةِ بِنْتِ عَمِّهِ، وَإِنْقاذِهَا مِمَّا دَهِمَها مِنْ خَطَرٍ.
وَمَا إِنْ هَبَطَ دَرَكاتِ السُّلَّمِ، حَتَّى رَأَى فارِسًا جَرِيئًا يَقْتَحِمُ حُجْرَتَها، بَعْدَ أَنْ صَرَعَ حُرَّاسَهَا، وَجَنْدَلَهُمْ فِي بِاحَةِ الْقَصْرِ. فَصَرَخَ يَزْجُرُهُ مُتَوَعّدًا، وَيُحَذِّرُهُ مُتَهَدِّدًا.
قابَلَهُ الْفارِسُ الْجَرِيءُ بِصَرْخَةٍ أَعْلَى مِنْ صَرْخَتِهِ، وَهُوَ يُمْسِكُ سَيْفَهُ بِيَدِهِ، يُنْذِرُهُ بِالْهَلَاكِ إِذا تَعَرَّضَ لَهُ.
وَمَا إِنِ انْتَهَيَا مِنْ وَعِيدِهِما، حَتَّى اسْتَوْلَتِ الدَّهْشَةُ عَلَيْهِمَا، وَكَادَتِ الْحَيْرَةُ تَعْقِدُ لِسَانَيْهِما مِمَّا شَاهَدَا؛ فَقَدْ رَأَى كُلُّ مِنْهُما صَاحِبَهُ رَأْي الْعَيْنِ! وَعَجِبَ الْفَارِسانِ: كَيْفَ جَمَعَتِ الْأَقْدَارُ بَيْنَهُمَا، عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ وَلَا اتَّفَاقِ سَابِقٍ؟!
رَأَى «فَيْرُورْشاه» مُنافِسَهُ الْمَلِكَ «سِرْحانَ» أَمامَهُ، يَصْرَعُ حُرَّاسَ الْأَمِيرَةِ «نُورِ الْحَيَاةِ»، وَيُحاوِلُ خَطْفَها؛ فَحَمِدَ الله عَلَى أَنْ أَتاحَ لَهُ الْفُرْصَةَ السَّائِحَةَ لِيُواجِهَ عَدُوَّهُ الَّذِي أَحْكَمَ تَدْبِيرَ مُؤَامَرَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَزِيرَهُ «جُنْدُعَةَ» بِتِلْكَ الْهَدايا الثَّمِينَةِ، لِيُغْرِيَهُ بِرُكُوبِ الْحِصَانِ مَعَهُ؛ حَتَّى إِذا حَلَّقا فِي الْجَوِّ، طَعَنَهُ «جُنْدُعَةُ» - مِنَ الْخَلْفِ - عَلَى حِينِ غِرَّةٍ بِخِنْجَرٍ مَسْمُومٍ، فَقَضَى عَلَيْهِ!
وَأَدْرَكَ «فَيْرُورْشاه» - مِنَ الْحِوارِ الَّذِي دارَ بَيْنَهُما - أَنَّ الْمَلِكَ «سِرْحانَ» كَانَ مُسْتَخْفِيًا فِي بَلَدِ السُّلْطَانِ «الْعادِلِ»، يَتَحَيَّنُ فُرْصَةً لِاخْتِطافِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ الْحَيَاةِ» الَّتِي رَفَضَ أَبُوها السُّلْطَانُ «الْعادِلُ» - رَفْضًا باتًا - أَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ بِأَنَّ ابْنَ أَخِيهِ سَبَقَهُ إِلَى خِطْبَتِها.
كانَ «سِرْحانٌ» عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ «جُنْدُعَةَ»، لِيَحْضُرَ إِلَيْهِ عَلَى ظَهْرِ حِصَانِ الْجَوِّ، بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى «فَيْرُوز شاه» بِخِنْجَرِهِ الْمَسْمُومِ، وَبِذلِكَ يَصْفُو لِـ «سِرْحانَ» الْجَقُّ، وَلَا يَبْقَى لَهُ - فِي زَواجِ الْأَمِيرَةِ – مُنافِسٌ وَلَا عَدُوٌّ.
وَقَدْ كَادَ يَتِمُّ لِلْمَلِكِ «سِرْحانَ» وَوَزِيرِهِ ما أَراداهُ وسَعَيا إِلَيْهِ، لَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَجَاعَةُ «فَيْرُوز شاه» الَّتِي هِيَ مَضْرِبُ الْأَمْثَالِ.
وَهَكَذَا انْهَارَتْ آمالُ الْمَلِكِ «سِرْحانَ» فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ، بَعْدَ أَنْ أَخْفَقَتْ مُؤَامَرَتُهُ، وَفَسَدَتْ خُطَّتْهُ.
اشْتَدَّ حِقْدُ «سِرْحانَ» وَالْتَهَبَ غَيْظُهُ، وَانْدَفَعَ مِنْ أَجْلِ هذا إِلَى مُنافِسِهِ؛ فَقَابَلَهُ الْأَمِيرُ «فيروز شاه» بِعَزْمِ الْجِبالِ.
وما زالا يتصارعان، ساعَةَ مِنَ الزَّمانِ. اشْتَدَّ فَزَعُ الْأَمِيرَةِ عَلَى ابْنِ عَمِّهَا مَخافَةَ أَنْ يَفْتِكَ بِهِ ذَلِكَ الْوَحْشُ الْغَادِرُ!
ثُمَّ لَمْ تَتَمالَكْ أَنِ انْبَعَثَتْ مِنْها صَرْخَةُ الْفَرَحِ، حِينَ رَأَتِ ابْنَ عَمِّهَا يُسَدِّدُ لِخَصْمِهِ ضَرْبَةً فَاتِكَةً، أَطَارَتْ رَأْسَ «سِرْحانَ» عَنْ جِسْمِهِ، وَأَنْقَذَتِ النَّاسَ مِنْ خِدَاعِهِ وَلُؤْمِهِ.
(٦)عَوْدَةُ الْأَمِيرَيْنِ
كانَتِ الْأَخْبَارُ قَدْ تَرامَتْ إِلَى السُّلْطَانِ «الْعادِلِ» بِاقْتِحَامِ أَحَدِ الْأَشْرَارِ قَصْرَ بِنْتِهِ، وَقَتْلِ حُرَّاسِها.
فَمَا إِنِ انْتَهَى الْأَمِيرُ مِنْ قَتْلِ عَدُوِّهِ، حَتَّى وَفَدَ عَلَيْهِ عَمُّهُ، شاكِرًا لَهُ مَا أَسْدَاهُ مِنْ فَضْلٍ، وَمَا أَبْدَاهُ مِنْ شَجَاعَةٍ.
وَلَمْ يَكْتُمْ إِعْجَابَهُ وَفَرَحَهُ بِحِصانِ الْجَوِّ الَّذِي أَظْفَرَهُ بِهِ حَظُّهُ السَّعِيدُ وَشَجَاعَتُهُ الفائِقَةُ، وَحَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى!
أَقامَ الْأَمِيرُ فِي ضِيافَةِ عَمِّهِ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى أَبِيهِ لِإِعْدَادِ حَفَلَاتِ الْعُرْسِ؛ فَأَذِنَ لَهُ عَمُّهُ فِي ذلِكَ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَصْحَبَ مَعَهُ الْأَمِيرَةَ «نُورَ الْحَيَاةِ» فِي رِحْلَتِهِ، لِيُرِيحَهَا مِنْ عَناءِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، بَعْدَ أَنْ وَعَدَهُ بِاللَّحاقِ بِهِما، لِحُضُورِ عُرْسِهِما، فِي نُخْبَةٍ مِنْ حاشِيَتِهِ، وَأَعْيَانِ مَمْلَكَتِهِ.
وَلَمَّا حَانَ مَوْعِدُ الرَّحِيلِ اصْطَفَ الْجُنْدُ لِتَحِيَّةِ الْأَمِيرَيْنِ، وَعَلَا هُتَافُهُمْ حِينَ رَأَوْهُما يُحَلِّقانِ فِي الْجَوِّ، طَائِرَيْنِ فِي الْفَضاءِ!
كَانَ الْأَمِيرُ «فَيْرُوزشاهُ» يَتَرَفَّقُ فِي طَيْرانِهِ، حَتَّى لا يُزْعِجَ الْأَمِيرَةَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَا مِنْ حاضِرَةِ مُلْكِهِ أَدارَ لَوْلَبَ الْهُبُوطِ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ اسْتَقَرَّ بِهِمَا حِصَانُ الْجَوِّ فِي بُسْتَانِ الْقَصْرِ.
تَرَجَّلَ الْأَمِيرُ وَالْأَمِيرَةُ، ثُمَّ سارا مَعًا إِلَى مَقْصُورَتِهِ، وَسْطَ مَظَاهِرِ التَّرْحِيبِ وَالْفَرَحِ، حَيْثُ أَجْلَسَها الْأَمِيرُ عَلَى أَرِيكَةٍ مُوَشَّاةٍ بِالْوُرُودِ والْأَزْهارِ، مَحْفُوفَةٍ بِالْخَمَائِلِ وَالْأَشْجَارِ، تارِكًا حِصَانَ الْجَوِّ أَمَامَ الْمَقْصُورَةِ الْمَلَكِيَّةِ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الْأَمِيرَةَ فِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَبِيهِ، لِيُهَيِّئَ مَوْكِبًا حَافِلًا، وَيُتِيحَ لِلشَّعْبِ فُرْصَةَ اسْتِقْبَالِها بِما هِيَ أَهْلٌ لَهُ مِنْ حَفَاوَةٍ وَتَكْرِيمٍ.
ابْتَهَجَ الْمَلِكُ «ساسانُ» بِسَلَامَةِ وَلَدِهِ، أَيَّمَا ابْتِهَاجٍ.
(۷)أَيْنَ الْأَمِيرَةُ؟!
وَلَمَّا أَعَدَّ الْأَمِيرُ مُعَدَّاتِ الاحْتِفالِ بِاسْتِقْبَالِ الْأَمِيرَةِ ذَهَبَ إِلَيْهَا؛ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبُسْتَانَ بَحَثَ عَنْها فِي كُلِّ مَكَانٍ دُونَ أَنْ يَجِدَها أَوْ يَعْثُرَ لَها عَلَى أَثَرٍ، فَعَجِبَ أَشَدَّ الْعَجَبِ!
راح الأميرُ «فَيْرُوز شاه» يَسْأَلُ الْحُرَّاسَ، فِي لَهْفَةٍ وَدَهْشَةٍ: هَلْ وَقَعَتْ أَعْيُنُهُمْ عَلَى أَجْنَبِيٌّ داخِلَ الْبُسْتانِ، أَوْ خَارِجَ الْقَصْرِ؟
فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْبُسْتانَ لَمْ يَدْخُلُهُ أَحَدٌ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، غَيْرُ شَيْءٍ هَرِمٍ، مُولَعٍ بِالْبَحْثِ عَنِ النَّبَاتِ وَالْأَعْشَابِ النَّادِرَةِ.
فَلَمَّا وَصَفُوهُ لَهُ عَرَفَ أَنَّهُ «جُنْدُعَةُ» الْمَاكِرُ صَاحِبُ الْفَرَسِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ تَحَيَّلَ بِمَكْرِهِ عَلَى الْأَمِيرَةِ، فَخَطَفَها بَعْدَ أَنْ نَجَحَ فِي الْهُرُوبِ مِنَ السِّجْنِ!
وَقَدْ صَحَّتْ فِراسَةُ الْأَمِيرِ، وَلَمْ يَكْذِبْهُ ظَنُّهُ وَتَخْمِينُهُ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ «ساسانَ» كَانَ قَدْ أَوْدَعَ «جُنْدُعَةَ» السِّجْنَ، فَراحَ يُدَبِّرُ خُطَّةَ لِلْهَرَبِ، حاوَلَ مِرارًا، لَكِنَّهُ لَمْ يُتَحْ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِتَنْفِيذِهَا إِلَّا سَاعَةَ وُصُولِ عَدُوِّهِ «فَيْرُوزشاه».
وَمَا زَالَ «جُنْدُعَةُ» يُجِدُّ الْمَسِيرَ حَتَّى بَلَغَ بُسْتانَ الْمَلِكِ؛ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ لِيَسْتَخْفِيَ فِيهِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، حَتَّى إِذا جَنَّ اللَّيْلُ واصَلَ الْهَرَبَ، مُسْتَخْفِيًا فِي الظُّلامِ.
وَمَا إِنْ دَخَلَ الْبُسْتانَ، حَتَّى رَأَى حِصانَ الْجَوِّ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ!
وَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، قَبْلَ أَنْ يَهمَّ بِرُكُوبِهِ، فَرَأَى الْأَمِيرَةَ فِي مَقْصُورَتِها؛ فَأَيْقَنَ أَنَّ الْفُرْصَةَ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنَ الانْتِقامِ.
كانَ «جُنْدُعَةُ» قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْأَمِيرَةِ، مُوهِمَا إِيَّاها بِأَنَّ الْأَمِيرَ «فَيْرُوزِشَاهُ» قَدْ أَوْفَدَهُ إِلَيْهَا، لِيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِ الْجَوادِ، إِلَى مَيْدانِ النَّصْرِ، حَيْثُ يَبْدَأُ مَوْكِبُ الْمُحْتَفِلِينَ بِقُدُومِها السَّعِيدِ، فَسَأَلَتْهُ: «وَهَلْ أَفْضَى إِلَيْكَ الْأَمِيرُ بِسِرِّ هذا الْحِصَانِ، قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَنِي عَلَيْهِ؟»
فَقَالَ لَهَا: «إِنَّ الْأَمِيرَ لَا يَثِقُ بِأَحَدٍ مِنْ أَتْباعِهِ، كَما يَثِقُ بِي، وَقَدْ خَصَّنِي بِكُلِّ مَا يَكْتُمُهُ عَنْ غَيْرِي مِنْ أَسْرَارِهِ.»
لَمْ تَشُدَّ الْأَمِيرَةُ «نُورُ الْحَيَاةِ» فِي حَدِيثِهِ، بَعْدَ أَنْ رَأَتْ خِبْرَتَهُ بِقِيادَةِ الْجَوادِ، وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّتْ خَلْفَ «جُنْدُعَةَ» الْمَاكِرِ الْخَبِيثِ، حَتَّى أَدارَ لَوْلَبَ الصُّعُودِ، فَطَارَ بِهِمَا الْجَوادُ حَتَّى غَابَتْ عَنْ أَعْيُنِهِما مَعالِمُ الْمَدِينَةِ.
تَوَجَّسَتِ الْأَمِيرَةُ شَرًّا، ثُمَّ لَمْ تَلْبَتْ أَنْ تَحَوَّلَ شَدُّها يَقِينًا، حِينَ رَأَتْ «جُنْدُعَةَ» يَبْتَعِدُ بِها عَنْ مَمْلَكَةِ عَمِّها!
سَأَلَتْهُ فِي لَهْفَةٍ وَاسْتِغْرَابٍ: أَيْنَ يَذْهَبُ بِها؟ وَأَيُّ مَكَانٍ يَقْصِدُهُ؟
فأجابها قائلا: إِنَّهُ ذاهِبٌ بِهَا إِلَى مَوْلاهُ «سِرْحانَ».
فَصَرَخَتْ مُتَعَجِّبَةً: «لَكَ الْوَيْلُ، أَيُّهَا الْمَاكِرُ الْخَبِيثُ! أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ عَمِّي قَدْ أَهْلَكَهُ، قَبْلَ أَنْ تَخْطَفَنِي أَيُّهَا الشَّرِّيرُ؟!»
فَقالَ لَها شَامِتًا: «ما دامَ ابْنُ عَمِّكِ قَدْ أَهْلَكَ مَوْلايَ؛ فَلَنْ تَكُونِي مِنْ نَصِيبٍ «فَيْرُوز شاه»، عَلَى كُلِّ حالٍ، وَسَتَكُونِينَ لِي زَوْجًا عَزِيزَةً؛ رَضِيتِ أَمْ أَبَيْتِ.»
انْدَفَعَتِ الْأَمِيرَةُ تَصْرُخُ صَرَحَاتٍ مُفْزِعَةً تُصِمُّ الْآذانَ، فاضْطَرَّتْهُ إِلَى أَنْ يَهْبِطَ بِها، رَيْثَما يُعِيدُ الطُّمَأْنِينَةَ إِلَى قَلْبِها.
هَبَطَ «حِصَانُ الْجَوِّ» - بَعْدَ قَلِيلٍ - بِأَحَدِ الْمُرُوجِ النَّاخِرَةِ، فِي أَرْضٍ يَحْكُمُها السُّلْطَانُ «مَسْعُودٌ».
بَذَلَ «جُنْدُعَةُ» جُهْدَهُ، يُحاوِلُ أَنْ يَتَرَضَّى الْأَمِيرَةَ.
فَلَمْ تُصْغِ إِلَيْهِ، وَاشْتَدَّ نُفُورُها مِنْهُ، وَمَقْتُها لَهُ، حِينَ أَفْضَى إِلَيْهَا بِمَا غَابَ عَنْ عِلْمِهَا مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ، وَأَطْلَعَها عَلَى رَغْبَتِهِ فِي الزَّواجِ بِهَا، بَعْدَ أَنْ هَلَكَ مَوْلاهُ.
فَلَمْ تَتَمالَكْ أَنْ أَعْلَنَتْ سُخْطَها عَلَيْهِ وَاحْتِقَارَهَا لَهُ.
وَراحَت تَنْدُبُ حَظَّهَا التَّاعِسَ، وَتَبْكِي مَصِيرَهَا الْمُؤْلِمَ!
كَانَ مِنْ عَجَائِبِ الاتِّفَاقِ أَنْ يَمُرَّ بِها السُّلْطانُ «مَسْعُودٌ»، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الصَّيْدِ، وَيَسْأَلَها عَنِ السَّبَبِ فِي حُزْنِها وبُكائِها، وَيَسْأَلُهَا أَنْ تُفْضِيَ إِلَيْهِ بِقِصَّتِها.
لكِنَّ «جُنْدُعَةُ» ابْتَدَرَهُ بِالْجَوابِ، زَاعِمًا أَنَّهَا بِنْتُ عَمِّهِ.
وَهُنَالِكَ تَنْبِرِي الْأَمِيرَةُ لِتَكْذِيبِ ما زَعَمَهُ، وَتُحَدِّثُ السُّلْطَانَ أَنَّهُ لِيٌّ حَادِعٌ، خَطَفَهَا فِي غَفْلَةٍ مِنْ حُرَّاسِها.
حاوَلَ «جُنْدُعَةٌ» أَنْ يَدْفَعَ التَّهْمَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَزَجَرَهُ السُّلْطَانُ «مَسْعُودٌ»، لَكِنَّ الشَّقِيَّ تَمادَى فِي ادَّعَائِهِ وَكَذِبِهِ!
اشْتَدَّ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَغَيْظُهُ مِنْ وَقاحَتِهِ وَجَراءَتِهِ؛ فَعاجَلَهُ بِضَرْبَةٍ مِنْ سَيْفِهِ قَاتِلَةٍ، أَطَارَتْ رَأْسَهُ عَنْ جَسَدِهِ.
أَقْبَلَ السُّلْطَانُ عَلَى الْأَمِيرَةِ يُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِها، وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا؛ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ، وَأَنِسَتْ بِهِ. ثُمَّ عَبَّرَ لَها - فِي أَدَبِ وَاحْتِرَامٍ - عَنْ إِعْجَابِهِ الشَّدِيدِ بِهَا، وَرَغْبَتِهِ فِي الزَّواجِ منها.
كَمَا أُعْجِبَ إِعْجَابًا شَدِيدًا بِحِصانِ الْجَوِّ، فَحَرَصَ عَلَى اقْتِنَائِهِ، وَأَوْدَعَهُ مُتْحَفَ نَفَائِسِهِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُ - مِنَ الْمَزايا - أَكْثَرَ مِنْ جَمَالِ هَيْئَتِهِ، وَدِقَةِ صَنْعَتِهِ.
(۸)لِقَاءٌ بَعْدَ يَأْسٍ
رَأَتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ الْحَيَاةِ» أَنَّها ما إِنْ خَلَصَتْ مِنْ كَيْدِ «جُنْدُعَةَ» الْخَبِيثِ، حَتَّى وَقَعَتْ فِي مَأْزِقٍ آخَرَ وَوَرْطَةٍ ثَانِيَةٍ، لَمْ تَدْرِ: كَيْفَ تَخْلُصُ مِنْهُ وَتَنْجُو؟! فَقَدْ تَفَزَّعَتْ وَارْتَبَكَتْ، حِينَ كاشَفَها السُّلْطَانُ «مَسْعُودٌ» بِعَزْمِهِ الْأَكِيدِ عَلَى الزَّواجِ بِها!
أَطَالَتِ الْأَمِيرَةُ التَّفْكِيرَ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ؛ لكِنَّها لَمْ تَجِدْ وَسِيلَةً إِلَى ذلِكَ، إِلَّا أَنْ تَتَظاهَرَ بِالْخَبَالِ.
وَقَدْ بَرَعَتِ الْأَمِيرَةُ فِي تَمْثِيلِ هذا الدَّوْرِ كُلَّ الْبَراعَةِ، حَتَّى خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ بِهَا مَا مِنَ الشَّيْطَانِ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْجُنُونِ.
وَلَا تَسَلْ عَنْ حُزْنِ السُّلْطانِ لِمُصابِها، وَتَأَلُّمِهِ لِخَبالِها؛ حِينَ رَآهَا تَرْتَمِي عَلَى الْأَرْضِ نادِبَةً مُعْوِلَةً، صَارِخَةً مُوَلْوِلَةً!
فَلَمْ يَشُلَّ فِي جُنُونِها، وَوَكَّلَ بِحِرَاسَتِها بَعْضَ جَوارِيهِ.
ثُمَّ أَعْلَنَ السُّلْطَانُ - فِي طُولِ الْبِلادِ وَعَرْضِها - عَزْمَهُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ مُكافَأَةً كَبِيرَةً لِمَنْ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ إِلَى شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ - مِنْ كُلِّ مَكَانٍ - راجِينَ أَنْ يَفُوزُوا بِهِذِهِ الْمُكَافَأَةِ.
أَراكَ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ - تَسْأَلْنِي: ماذا صَنَعَ «فَيْرُوز شاهُ» بَعْدَ أَنْ خَطَفَ «جُنْدُعَةٌ» بِنْتَ عَمِّهِ «نُورَ الْحَياةِ»، وَفَرَّ بِها إِلَى مَمْلَكَةِ السُّلْطَانِ «مَسْعُودٍ»؟
فَاعْلَمْ - عَلِمْتَ الْخَيْرَ، وَسَلِمْتَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَضَيْرٍ - أَنَّ بَطَلَ قِصَّتِنَا كَانَ – گما قُلْتُ لَكَ - شُجاعًا مِقْدامًا لا يَعْرِفُ لِلْيَأْسِ مَعْنَى، وَلا يَرَى فِي الْحُزْنِ فَائِدَةً؛ فَلَا عَجَبَ إِذا اعْتَصَمَ بِالصَّبْرِ، وَاسْتَعانَ بِالسَّعْيِ عَلَى بُلُوغِ طِلْبَتِهِ؛ فَأَعَدَّ عُدَّتَهُ لِسَفَرٍ طَوِيلٍ شَاقٌ، وَقَلْبُهُ مُمْتَلِيٌّ ثِقَةً وَإِيمانًا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ.
وما زالَ يُواصِلُ السَّفَرَ، مُتَنَقِّلًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، حَتَّى جَهَدَهُ السَّيْرُ، وَأَتْعَبَهُ الْحَرُّ؛ فَلَجَأَ إِلَى شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ، كَثِيفَةِ الْأَعْصَانِ؛ لِيَفِيءَ إِلَى ظِلُّها، ويَسْتَرُوحَ بِنَسَمَاتِها.
لَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِ الْمُقامُ وَفَدَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّجَّارِ، يَنْشُدُونَ الرَّاحَةَ مِنْ عَناءِ السَّيْرِ؛ كانُوا قَادِمِينَ - لِحُسْنِ حَظِّهِ - مِنْ بِلَادِ السُّلْطانِ «مَسْعُودٍ»، فَحَيَّوْهُ، وَحَيَّاهُمْ فِي وَقَارٍ.
عِنْدَمَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وأَخَذُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي شُئُونِهُمُ الْخَاصَّةِ بِصَوْتٍ مَسْمُوعِ: تَناهَى إِلَى سَمْعِ الْأَمِيرِ حَدِيثٌ - بَيْنَهُمْ - يَشْغَلُهُمْ، وَيَسْتَأْثِرُ بِاهْتِمَامِهِمْ.
أَرْهَفَ الْأَمِيرُ «فَيْرُوزُ شاه» السَّمْعَ إِلَيْهِمْ بِانْتِباهِ شَدِيدٍ؛ كَانَ الْحَدِيثُ يَدُورُ بَيْنَهُمْ حَوْلَ قِصَّةِ الْفَتاةِ، وَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَالْحِصَانِ الْخَشَبِيِّ الْعَجِيبِ، وَالسُّلْطَانِ «مَسْعُودٍ»، وَمَا كَانَ بِشَأْنِهِمْ مِنْ أَحْداثٍ عَجِيبَةٍ مُثِيرَةٍ!
لَمْ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَى نَفْسِ الْأَمِيرِ مِنْ مُتابَعَةِ حَدِيثِهِمُ الَّذِي فَتَحَ لَهُ بِابَ الرَّجَاءِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَقَدْ أَثْلَجَ صَدْرَهُ ما لَقِيَهُ «جُنْدُعَةٌ» مِنْ جَزاءٍ عادِلٍ، وَمَا وُفِّقَتْ إِلَيْهِ بِنْتُ عَمِّهِ مِنْ حِيلَةٍ بَارِعَةِ، لِلْخَلاصِ مِنَ الزَّواجِ بِالسُّلْطَانِ «مَسْعُودٍ»!
لَمْ يُضِعِ الْأَمِيرُ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ، واسْتَأْنَفَ سَيْرَهُ. وَما زالَ يُواصِلُ لَيْلَهُ بِنَهَارِهِ، حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ السُّلْطَانِ «مَسْعُودٍ».
كَانَ الْأَمِيرُ «فَيْرُوزشاهُ» قَدِ اهْتَدى - بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ - لِرَسْمِ خُطَّةٍ بَارِعَةٍ لِإِنْقانِ بِئْتِ عَمِّهِ مِمَّا تَتَعَرَّضُ لَهُ مِنْ إِحْرَاجِ.
فَتَوَجَّهَ إِلَى السُّلْطَانِ، مُتَظَاهِرًا بِأَنَّهُ طَبِيبٌ مُتَخَصِّصٌ فِي مُعالَجَةِ الْمَصْرُوعِينَ، وَمُداواةِ الْمَخْبُولِينَ.
أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ في الْحالِ - بِعِلاجِ الْأَمِيرَةِ مِنْ عِلَّتِها، واعِدًا إِيَّاهُ بِمُكافَأَةٍ عَظِيمَةٍ، إِذا شُفِيَتِ الْفَتاةُ عَلَى يَدَيْهِ.
سَأَلَهُ الْأَمِيرُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِقِصَّتِها، مِنْ بَدْئِهَا إِلَى نِهَايَتِها.
فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَيْهِ سَأَلَهُ عَنْ مَكانِ الْحِصَانِ الْخَشَبِي، الَّذِي كَانَ إِلَى جِوارِهَا، لَعَلَّ فِيهِ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ خَبَالِها.
بعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ «فَيْرُوز شاه» إِلَى سَلامَةِ الْحِصَانِ، اسْتَأْذَنَ السُّلْطَانَ فِي أَنْ يَلْقَى الْفَتاةَ عَلَى انْفِراد، لِتَبُوحَ لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَنْ حالَتِها وَظُرُوفِ مَرَضِها، دُونَ أَنْ تَجِدَ حَرَجًا مِنْ ذلِكَ؛ فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْعِلاجِ لِعِلَّتِها فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ وَبِأَيْسِرِ حِيلَةٍ!
عِنْدَمَا دَخَلَ الْأَمِيرُ عَلَيْهَا حُجْرَتَها وَالْتَقَتْ أَعْيُنُهُما هَمَّتِ الْفَتاةُ بِالصُّرَانِ، لِفَرْطِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنَ الْفَرَحِ، بِاجْتِمَاعِ الشَّمْلِ، بَعْدَ أَنْ يَئِسَتْ مِنَ اللِّقاءِ كُلَّ الْيَأْسِ!
لكِنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهَا أَنْ تَعْتَصِمَ بِالصَّمْتِ، وَتَلُونَ بِالصَّبْرِ.
ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهَا بِمَا أَعَدَّهُ مِنْ خُطَّةٍ لِإِنْقاذِهَا.
وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ خَرَجَ إِلَى السُّلْطَانِ، يُبَشِّرُهُ بِالْأَمَلِ فِي شِفَاءِ الْفَتاةِ بِأَسْرَعَ مِمَّا يَظُنُّ؛ فَأَجْزَلَ لَهُ السُّلْطَانُ الشَّكْرَ.
ابْتَهَجَ السُّلْطَانُ «مَسْعُودٌ» كُلَّ الِابْتِهاجِ بِما سَمِعَ، حِينَ رَأَى سُكُونَها بَعْدَ الْهِياجِ، وابْتِسَامَها بَعْدَ الْعُبُوسِ.
(۹)عَوْدَةُ الْمُنْتَصِرِ
أَيْقَنَ أَنَّ طَبِيبَها نَاجِعُ الدَّواءِ، وَأَنَّ مَرَضَها - عَلَى يَدَيْهِ – مَرْجُو الشَّفاءِ. سَأَلَهُ السُّلْطانُ عَمَّا يَقْتَرِحُهُ لِعِلَاجِها؟
الْتَمَسَ مِنْهُ «فَيْرُوز شاه» أَنْ يَأْمُرَ بِإِخْراجِ الْفَتاةِ وَالْحِصَانِ الْخَشَبِيِّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهُما فِيهِ أَوَّلَ الْأَمْرِ، وَأَنْ يَقِفَ هُوَ وَبِطانَتُهُ وَحاشِيَتُهُ وَجُنُودُهُ عَلَى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْأَمِيرَةِ؛ لِيَشْهَدُوا شِفَاءَها الْقَرِيبَ من مَرَضِها، وَيَعُودُوا بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فِي احْتِفَالِ مَهِيبٍ حَافِلٍ، وَالْتَمَسَ مِنَ السُّلْطَانِ أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْضَارِ أَكْدَاسٍ مِنَ الْحَطَبِ، وَأَعْوادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْبَخُورِ.
لَمَّا تَمَّ لِلْأَمِيرِ «فَيْرُوز شاه» ما أَرادَ بَدَأَ خُطَّتَهُ؛ أَجْلَسَ الْأَمِيرَةَ عَلَى ظَهْرِ حِصَانِ الْجَوِّ، ثُمَّ أَوْقَدَ النَّارَ فِي الْحَطَبِ، وَقَذَفَ بِكوماتِ الْبَخُورِ فِي اللَّهَبِ، فَتَصَاعَدَ الدُّخَانُ كَثِيفًا.
انْعَقَدَتْ سُحُبُ الدُّخَانِ كَثِيفَةً مُتَصَاعِدَةً فِي الْفَضاءِ، حَتَّى حَجَبَتْهُما عَنِ الْأَنْظَارِ، وَأَتَاحَتْ لَهُمَا الْفُرْصَةَ لِلْفِرَارِ.
قَفَزَ «فَيْرُورْشَاهُ» عَلَى ظَهْرِ «حِصانِ الْجَوِّ»، وَمِنْ خَلْفِهِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ الْحَيَاةِ»، وَسُرْعَانَ ما أَدارَ لَوْلَبَ الصُّعُودِ، دُونَ أَنْ يَفْطِنَ أَحَدٌ إِلَى حِيلَتِهِ ... انْقَشَعَ الدُّخَانُ بَعْدَ قَلِيلٍ ... لَمْ يَجِدُوا لِلْأَمِيرَيْنِ وَحِصَانِهِما مِنْ أَثَرٍ.
أَيْقَنَ السُّلْطَانُ «مَسْعُودٌ» - تَمامًا – أَنَّهَا حِيلَةٌ بارِعَةٌ، تَحَيَّلَها الطَّبِيبُ وَالْفَتاةُ، وَيَئِسَ مِنْ لِقَائِهِما مَدَى الْحَيَاةِ!
لَمْ يَنْقَضِ زَمَنْ قَلِيلٌ، حَتَّى بَلَغَ الْأَمِيرَانِ أَرْضَ الْوَطَنِ.
كَانَ مِنْ مَحاسِنِ الْمُصادَفاتِ الْبَهِيجَةِ وَعَجِيبِ الاتِّفاقاتِ الْجَمِيلَةِ أَنْ بَلَغَ السُّلْطَانُ «الْعادِلُ» - صِهْرُ الْأَمِيرِ «فَيْرُوز شاه» - بِلادَ أَخِيهِ الْمَلِكِ «ساسان»، فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ السَّعِيدَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيها صِهْرُهُ وَبِئْتُهُ، كَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ!
(۱۰)هَدايَا الْأَعْدَاءِ
لا تَسَلْ عَنِ ابْتِهَاجِ الْجَمِيعِ، بِما انْتَهَتْ إِلَيْهِ قِصَّتُهُمُ الْفَرِيدَةُ، مِنْ خَاتِمَةٍ سَعِيدَةٍ، وَنِهَايَةٍ مُوَفَّقَةٍ حَمِيدَةٍ؛ فَلَيْسَ أَبْهَجَ لِلنَّفْسِ، مِنْ أَنْ يَتَحَقَّقَ رَجَاؤُهَا بَعْدَ يَأْسٍ!
كَانَتِ الْهَدايا الثَّلاثُ الَّتِي أَعَدَّها «سِرْحانُ» لِيَسْتَدْرجَ بِها «فَيْرُورْشَاهُ» إِلَى الْهَلَاكِ، سَبَبًا فِي اسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ، وَمَجْلَبَةً لِلْخَيْرِ وَراحَةِ الْبالِ؛ فَكانَ «فَيْرُوز شاه» يَمْتَطِي «حِصَانَ الْجَوِّ»، طائِرًا بَيْنَ أَنْحَاءِ بِلَادِهِ، مِنْ أَقْصاها إِلَى أَقصاها، لِيَتَفَقَّدَ شُئُونَ مُواطِنِيهِ، وَيُثَبِّتَ دَعَائِمَ الْأَمْنِ فِي أَرْجَاءِ مَمْلَكَةِ أَبِيهِ!
وَرُبَّما صَحِبَ زَوْجَتَهُ الْأَمِيرَةَ «نُورَ الْحَيَاةِ» - بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ، كُلَّمَا سَنَحَتِ الْفُرْصَةُ - إِلَى مَمْلَكَةِ أَبِيها؛ فَأَقاما عِنْدَهُ لَيْلَةً، ثُمَّ عادا فِي صَباحِهِما، بَعْدَ مُدَّةٍ وَجِيزَةٍ مِنْ قِيامِهِما!
أَمَّا الطَّاوُوسُ فَقَدْ عَرَفَ كَيْفَ يُنَظِّمُ لَهُما الْوَقْتَ، وَيُعَرِّفُهُما ساعاتِ النَّهَارِ واللَّيْلِ! وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ عَهْدٌ - قَبْلَهُ - بِمِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي لا تُخْطِئُ فِي التَّعْرِيفِ بِالْوَقْتِ، عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ التَّامَّةِ وَالتَّعْيِينِ الدَّقِيقِ الَّذِي لا يُخْطِئُ أَبَدًا، لا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ والتَّحْمِين!
أَمَّا الْبُوقُ، فَكَانَ خَيْرَ حَارِسٍ لِلْمَدِينَةِ مِنْ كَيْدِ الْمُغِيرِينَ، وَدَسَائِسِ الْمُتَلَصِّصِينَ! فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ جَواسِيسِ الْأَعْداءِ عَلَى دُخُولِ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ فَضَحَ هذا الْبُوقُ الْعَجِيبُ مَا أَخْفاهُ «خَيْدَعَةُ» اللَّئِيمُ وَرِفاقُهُ مِنْ سِرِّ، وَأَذاعَ لِلْمَلَإِ ما أَضْمَرُوهُ مِنْ غَدْرٍ وخِيانَةٍ، وانْتَوَوْا مِنْ شَرِّ.
أَراكَ تَسْأَلْنِي - أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ - مُتَلَهّفًا مُتَشَوّقًا، وَقَدِ اشْتَدَّ بِكَ الشَّوْقُ: مَنْ «خَيْدَعَةٌ»؟ وما حِكَايَتُهُ؟
وَأَيُّ سِرِّ أَخْفَاهُ؟ وَأَيُّ غَدْرٍ أَضْمَرَهُ وَانْتَواهُ؟
الْحَقُّ مَعَكَ يا بُنَيَّ؛ فَقَدْ كَانَ لِقُدُومِهِ سَبَبٌ عَجِيبٌ، وَسِرٌّ غَرِيبٌ أَذاعَهُ الْبُوقُ عَلَانِيَةً، فِي فَجْرِ أَحَدِ الْأَيَّامِ. وَقَدْ صَحا النَّاسُ عَلَى صَوْتِهِ، وَهُوَ يُجَلْجِلُ مُدَوِّيًا، وَيُنْشِدُ عَالِيًا:
(عِصَابَةٌ مُجْتَمِعَةٌ لِخُطَّةٍ مُرَوِّعَةٌ مَرْهُوبَةٍ مُفَزِّعَةٌ.)
وَبَعْدَ أَنْ رَدَّدَ التَّحْذِيرَ، وَكَرَّرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، انْطَلَقَ فِي إِنْشَادِهِ عَلَى مَسامِعِ النَّاسِ مُسْتَأْنِفًا:
(هذا الشَّقِيُّ «خَيْدَعَةٌ» أَخُو الشَّقِيِّ «جُنْدُعَةٌ» قَدْ جَاءَكُمْ بِأَرْبَعَةٌ مِنَ الدُّهَاةِ الْبَرَعَةُ أَطْمَعَهُمْ مَا أَطْمَعَهُ!)
أَرْهَفَ النَّاسُ آذانَهُمْ لِسَماعِ إِنْشَادِهِ، وَتَلَقِّي ما يَقُولُ واسْتَبْشَرُوا خَيْرًا، وَفَرِحُوا حِينَ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:
(الْيَوْمَ يَلْقَى مَصْرَعَهُ «خَيْدَعَةٌ» وَمَنْ مَعَهُ)
وَلا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ السَّامِعِينَ حِينَ رَأَوْهُ يُتْبِعُ إِنْشَادَهُ، مُفَصِّلًا مَا أَجْمَلَهُ؛ فَيَقُولُ: «انْتَبِهُوا يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدْ جَاءَكُمْ «خَيْدَعَةُ» الْمَاكِرُ شَقِيقُ «جُنْدُعَةَ» الْعَادِرِ، بَعْدَ أَنْ هَرَبَ مِنْ بَطْشِ الْمَلِكِ «آزاد»، شَقِيقِ الْمَلِكِ «سِرْحانَ»، الَّذِي لَقِيَ مَصْرَعَهُ – هُوَ الْآخَرُ – عَلَى يَدِ «فَيْرُوزشاه».
وَها هُوَ ذَا «خَيْدَعَةُ» الْخَائِنُ، مُخْتَبِنَّا مَعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ رِفاقِهِ الْخُبَثَاءِ، فِي كَهْفِ «سابُورَ» الْقَرِيبِ ... حَتَّى إِذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ تَسَلَّلَ الْغَادِرُونَ إِلَى مُتْحَفِ النَّفائِسِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى «حِصَانِ الْجَوِّ»؛ فَطَارُوا بِهِ إِلَى قَصْرِ الْأَمِيرِ «فَيْرُوز شاه»، لِيَغْتَالُوهُ. ثُمَّ يَعُودُوا – عَلَى ظَهْرِ الْجَوادِ - إِلَى قَصْرِ مَلِيكِهِمْ «آزاد»، لِيُفاجِئُوهُ - وَهُوَ نائِمٌ - فِي غَفْلَةٍ مِنْ حُرَّاسِهِ وَأَعْوانِهِ! خَيَّبَ اللهُ مَسْعاهُمْ، وَرَدَّ سِهامَهُمْ إِلَى صُدُورِهِمْ وحَطَّمَ آمَالَهُمْ!
الْبِدار، الْبِدَارَ ... الْبِدَارَ، الْبِدَارَ).
هكذا أَذاعَ الْبُوقُ كُلَّ ما أَضْمَرَهُ «خَيْدَعَةٌ» وَأَعْوانُهُ مِنْ كَيْدٍ، وَدَلَّ حُرَّاسَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَانِ الْمُؤْتَمِرِينَ؛ فَكَانَ الصَّلْبُ جَزاءَ الْخَائِنِينَ. وَكَذلِكَ نَصَرَ اللهُ بَطَلَ قِصَّتِنَا الشُّجَاعَ، وَمَكَّنَهُ مِنْ رِقَابِ أَعْدائِهِ، وأَعانَهُ - كَمَا رَأَيْتَ - عَلَى إِهْلاكِهِمْ؛ بِما قَدَّمُوهُ لَهُ مِنْ هَدايَا نَادِرَةٍ، قَضَتْ عَلَى مُؤَامَرَتِهِمُ الْغَادِرَةِ، وَرَدَّتْ سِهامَهُمْ إِلَيْهِمْ، وَأَعادَتْ هَدايَاهُمْ نِقْمَةً عَلَيْهِمْ!
«وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ»
بَقِيَ أَنْ تَعْرِفَ: ماذا صَنَعَتْهُ الرَّعِيَّةُ بَعْدَ مَصْرَعِ «سِرْحانَ»: قَدْ كَانَ مِنْ حُسْنِ الْحَظِّ أَنَّ راوِي الْقِصَّةِ لَمْ يُغْفِلِ الْحَدِيثَ عَمَّا تَسْأَلُنِي عَنْهُ ... وَكَانَ فِيمَا رَواهُ - صَدِيقِي الْعَزِيزُ - لَنا قَوْلُهُ:
كَانَ الْمَلِكُ «سِرْحَانُ» - لَعَنَهُ اللهُ - مِثالًا لِلظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، وَنَمُوذَجًا لِلْخِدَاعِ وَالْغَدْرِ وَالْخِيانَةِ، ارْتَقَى الْعَرْشَ بَعْدَ أَنِ اثْتَمَرَ بِأَخِيهِ الْمَلِكِ «آزاد»، وَانْتَهَتْ مُؤَامَرَتُهُ بِعَزْلِهِ وَسَجْنِهِ!
كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ غِيلَةً، بَعْدَ أَنْ يَتِمَّ لَهُ قَتْلُ مُنافِسِهِ «فَيْرُوزشاه»، واخْتِطَافُ الْأَمِيرَةِ «نُورِ الْحَياةِ»؛ فَخَيَّبَ اللهُ تَعَالَى مَسْعاهُ، وَلَقِيَ عَكْسَ ما تَمَنَّاهُ، وَذَهَبَتْ آمَالُهُ أَدْراجَ الرياح!
كَانَ الشَّقِيقانِ الْخَبِيثَانِ «جُنْدُعَةٌ» و«خَيْدَعَةُ» مِنْ أَكْبَرِ أَعْوانِ ذَلِكَ الْمَلِكِ الْغَادِرِ، فَلَمْ يَدَّخِرَا جُهْدًا فِي أَنْ يُحَسِّنا لَهُ الشَّرَّ، ويُحَبِّبا إِلَيْهِ الْجَوْرَ؛ فَزَيَّنَا لَهُ الْغَدْرَ بِأَخِيهِ الْمَلِكِ الْمَحْبُوبِ «آزاد» الطَّيِّبِ، كَما أَغْرَياهُ بِأَنْ يَظْلِمَ رَعِيَّتَهُ وَيَبْطِشَ بِهِمْ!
(۱۱)خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
فَلَمَّا أَراحَ اللهُ الرَّعِيَّةَ مِنْ شَرِّ «سِرْحانَ» وَوَزِيرِهِ «جُنْدُعَةَ»، وَهَيَّا سَبِيلَ الْخَلاصِ مِنْهُمَا، أَطْلَقُوا «آزاد» وَأَعْوَانَهُ مِنْ سِجْنِهِمْ، بَعْدَ أَنْ فَتَكُوا بِأَعْدائِهِمْ، وَأَبْطَلُوا مَا كَانُوا يُضْمِرُونَ مِنْ شَرِّ!
وَخَشِيَ «خَيْدَعَةُ» أَنْ يَبْطِشُوا بِهِ - كَما بَطَشُوا بِأَعْوانِهِ – فَهَرَبَ مُتَسَلِّلًا إِلَى بِلَادِ «فَارِسَ»، وَمَعَهُ رِفاقُهُ وَأَعْوانُهُ الْأَشْرَارُ، لِيُدَبِّرَ - مَعَهُمْ - وَسِيلَةً لِلانْتِقَامِ لِلْخَائِنَيْنِ الشَّرِّيرَيْنِ: «سِرْحانَ» وَ«جُنْدُعَةَ»؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ لَقِيَ مَصْرَعَهُ، وَهَلَكَ رِفاقُهُ مَعَهُ!
عَلِمَ الْمَلِكُ «آزاد» - بَعْدَ زَمَن يَسِيرٍ - بِكُلِّ ما لَقِيَهُ أَعْداؤُهُ الْأَلِدَّاءُ عَلَى يَدِ صَدِيقِهِ «فیروز شاه»؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصَفْوَةٍ مِنْ خُلَصَائِهِ، وَمَعَهُمْ نَفَائِسُ مِنَ الْهَدَايَا، لِيَشْكُرُوا لَهُ مَا أَسْدَاهُ إِلَى مَلِيكِهِمْ مِنْ صَنِيعٍ، وما قَدَّمَهُ مِنْ جَمِيلٍ.
أَصْبَحَ الْمَلِكُ «آزاد» والْأَمِيرُ «فَيْرُوز شاه» - مُنْذُ ذلِكَ الْحِينِ - صَدِيقَيْنِ مُؤْتَلِفَيْنِ، يَتَبادَلانِ الْمَوَدَّةَ والصَّفاءَ، وَيَنْعَمانِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِخاءِ، وَيَتَعَاوَنانِ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَلَمْ تَنْقَضِ أَعْوامٌ قَلائِلُ، حَتَّى ماتَ الْمَلِكُ «ساسان»، وَخَلَفَهُ وَلَدُهُ «فَيْرُورْشَاهُ» عَلَى الْعَرْشِ؛ فَحَكَمَ بِلادَهُ – كَما حَكَمَها أَبُوهُ مِنْ قَبْلُ - بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي تَشْجِيعِ الْمَوْهُوبِينَ، وَمُكافَأَةِ الْعَامِلِينَ.
وَعاشَ الْمَلِكُ «فَيْرُوزُ شَاهُ» وَالْمَلِكَةُ «نُورُ الْحَياةِ»، فِي ثَباتٍ وَنَبَاتٍ، وَخَلَّفا الصِّبْيَانَ والْبَناتِ ...
وما زالَ النَّاسُ يَتَناقَلُونَ قِصَّتَهُمْ، واحِدًا عَنْ واحِدٍ، وَيَتَوارَثُونَها وَلَدًا عَنْ وَالِدٍ، وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهَا الدُّرُوسَ النَّافِعَةَ، وَيَهْتَدُونَ بِما فِيهَا مِنْ مَواعِظَ وَعِبَرٍ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى جَدِّي؛ فَقَصَّهَا عَلَى أَبِي.
ثُمَّ قَصَّها عَلَيَّ أَبِي حِينَ بَلَغْتُ مِثْلَ سِنّكَ، وَهأَنَا أَقُصُّها عَلَيْكَ، لِتَرْوِيَها – مَتَى كَبِرْتَ - إِلَى أَطْفَالِ جِيلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.