حبيب الشعب


Ochishجدول المحتويات
الفصل الأولعَيْنُ الدُّمُوعِ
تِلْمِيذِيَ الْعَزِيزَ. لَعَلَّكَ تَقُولُ فِي نَفْسِكَ: كَيْفَ تَتَأَلَّفُ عَيْنُ الْمَاءِ مِنَ الدُّمُوعِ؟
هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ. فَلَا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ تَتَجَمَّعَ الدُّمُوعُ، وَيَتَأَلَّفُ مِنْهَا عَيْنُ مَاءٍ.
وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّغِيرُ الْعَزِيزُ صَادِقٌ فِيمَا تَقُولُ. كَمَا أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ فِي اعْتِقَادِكَ أَنَّ عَيْنَ الْمَاءِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَأَلَّفَ مِنَ الدُّمُوعِ. وَلَكِنَّ بَعْضَ الْقُدَمَاءِ – مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ – كَانُوا يَظُنُّونَ ذَلِكَ.
وَلَعَلَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا عَنْ هَذِهِ الْعَيْنِ: مَا حِكَايَتُهَا؟ وَأَيْنَ تَقَعُ؟ فَاسْمَعْ - يَا بُنَيَّ - الْجَوَابَ: عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ، وَفِي سَفْحِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْبِلَادِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ الْعَظِيمِ، كَانَتْ تَنْبُعُ «عَيْنُ الدُّمُوعِ ...» لِمَاذَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ هَذَا الاسْمَ؟
سَبَبُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَطَلٌ فِي مِثْلِ سِنّكَ، كَانَ صَبِيًّا لَمْ يَتَجَاوَزِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، نَشَأَ شُجَاعًا يُحِبُّ الْمُغَامَرَةَ.
وَقَدْ تَعَوَّدَ مُنْذُ صِغَرِهِ رُكُوبَ الْخَيْلِ؛ فَكَانَ أَحْسَنَ الْأَوْقَاتِ عِنْدَهُ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يَقْضِيهَا عَلَى ظَهْرِ حِصَانِهِ، يَجْرِي بِهِ هُنَا وَهُنَاكَ.
وَكَثِيرًا مَا كَانَتْ تَقَعُ حُرُوبٌ بَيْنَ بِلَادِهِ وَبَيْنَ الْأَعْدَاءِ، فَكَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَدْخُلَ الْحَرْبَ مَعَ قَوْمِهِ، فَيُدَافِعَ عَنْ وَطَنِهِ، وَيَشْتَرِكَ فِي هَذَا الْعَمَلِ الشَّرِيفِ. نَعَمْ! كَانَ يَتَمَنَّى ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْمَعُ مِنْ رَئِيسِ قَوْمِهِ: «يَا بُنَيَّ: إِنَّكَ لَا تَزَالُ صَغِيرًا. وَغَدًا سَتَكْبَرُ وَتَكُونُ قَادِرًا عَلَى الاشْتِرَاكِ فِي الْحُرُوبِ، كَمَا تَشَاءُ.»
كَانَ الصَّبِيُّ يَوَدُّ أَنْ تَمُرَّ الْأَيَّامُ سَرِيعَةً وَيَكْبَرَ، وَتَتَحَقَّقَ أُمْنِيَّتُهُ فِي ضَرْبِ الْأَعْدَاءِ، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْوَطَنِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ الصَّبِيُّ يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقَعُ فِيهَا الْقِتَالُ: «أَلَيْسَ لِي مِنْ عَمَلٍ أَقُومُ بِهِ، وَأُسَاعِدُ بِهِ جَيْشَ الْبِلَادِ؟
إِنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ الْخَفِيفَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِهَا أَمْثَالِي مِنْ الْوِلْدَانِ؛ فَأَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقِفَ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ: أُنَاوِلُ قَوْمِيَ النَّبْلَ، كَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخْدُمَ الْجَرْحَى: «أَسْقِيهُمُ الْمَاءَ وَأُضَمِّدُ مَا بِهِمْ مِنْ جُرُوحٍ!»
وَاسْتَطَاعَ أَنْ يُكَوِّنَ فِرْقَةً مِنَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي مِثْلِ سِنِّهِ، سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ: «فِرْقَةً الْأُسُودِ» ...
وَفِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الصَّيْفِ الشَّدِيدَةِ الْحَرِّ، دَقَّتِ الطُّبُولُ مُعْلِنَةً هُجُومَ الْأَعْدَاءِ عَلَى أَرْضِ الْوَطَنِ. أَسَرْعَ إِلَى السِّلَاحِ كُلُّ قَادِرٍ عَلَى الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ، وَالطَّعْنِ بِالرِّمَاحِ، وَالضَّرْبِ بِالسُّيُوفُ. وَأَسْرَعَ كُلُّ مَنْ يَسْتَطِيعُ مِنَ النِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ فِي الانْضِمَامِ إِلَى الْجَيْشِ، لِخِدْمَةِ الْمُحَارِبِينَ. وَأَسْرَعَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ يَأْخُذُ مَكَانَهُ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ: يُطْعِمُ الْخُيُولَ، وَيَخْدُمُ مَنْ يُجْرَحُ مِنْ قَوْمِهِ، وَيَسْقِي الْمَاءَ ...
اشْتَدَّتِ الْمَعْرَكَةُ، وَسَقَطَ كَثِيرٌ مِنَ الْجَرْحَى، وَثَقُلَتْ مُهِمَّةُ الصَّبِيِّ الشُّجَاعِ، كَمَا ثَقُلَتْ مُهِمَّةٌ فِرْقَتِهِ مِنَ الصِّبْيَانِ الشَّجْعَانِ، وَمُهِمَّةُ النِّسَاءِ الْقَادِرَاتِ عَلَى خِدْمَةِ الْجَرْحَى وَتَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَةِ الْمُمْكِنَةِ لِلْمُحَارِبِينَ ...
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَطِشَ الصَّبِيُّ عَطَشًا شَدِيدًا، وَلَكِنْ نَسِيَ أَنَّهُ عَطْشَانُ، فَقَدْ كَانَ كُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَسْقِيَ الْجَرْحَى وَيُسْعِفَ الْمُصَابِينَ، وَيَرَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْمَاءِ الَّذِي كَانَ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ... وَرَاحَ يُؤَدِّي هَذَا الْوَاجِبَ الْعَظِيمَ وَهُوَ مَسْرُورٌ ...
كَانَتْ أُمُّهُ تَرَاهُ وَهُوَ مُجِدٌّ فِي خِدْمَةِ الْجَرْحَى، فَتُشَجِّعُهُ، وَتَفْرَحُ بِهِ، وَتُسَرُّ مِنْهُ ... ثُمَّ أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَطَشِ الَّذِي أَصَابَهُ بَعْدَ الْمَجْهُودِ الْكَبِيرِ الَّذِي بَذَلَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّدِيدِ ... وَوَدَّتْ أَنْ تَرْوِيَهُ وَلَوْ بِدُمُوعِ عَيْنَيْهَا، فَقَدْ كَانَتْ لَا تَمْلِكُ غَيْرَهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ الْعَصِيبِ ...
حَدَثَ - فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ - أَنْ وَجَّهَ إِلَيْهِ جُنْدِيٌّ مِنَ الْأَعْدَاءِ سَهْمًا؛ فَسَقَطَ الصَّبِيُّ الشُّجَاعُ فِي الْمَيْدَانِ قَتِيلًا ... وَقَبْلَ أَنْ يَلْفِظَ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ حَمَّسَ زُمَلَاءَهُ، وَأَوْصَى بِالانْتِقَامِ مِنَ الْأَعْدَاءِ.
كَانَ سُقُوطُ الصَّبِيِّ فِي مَيْدَانِ الشَّرَفِ مَثَلًا أَعْلَى لِلتَّضْحِيَةِ. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَشْعُرُ بِالْفَخْرِ وَالْعِزَّةِ، وَكَانَتْ تَذْكُرُ آخِرَ مَا قَامَ بِهِ الصَّبِيُّ مِنْ أَعْمَالٍ كَانَ يَسْقِي الْجَرْحَى، وَيُفَضِّلُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَطَشٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ يَجِدُ مَشَقَّةً شَدِيدَةً فِي الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ؛ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَنْسَى تَعَبَهُ وَآلَامَهُ مَا دَامَ يُخَفِّفُ آلَامَ الْمُجَاهِدِينَ.
وَتَذَكَّرَتْ أُمُّهُ أَنَّهَا تَمَنَّتْ لَوْ تَرْوِي وَلَدَهَا بِدُمُوعِ عَيْنَيْهَا، وَأَرَادَتْ أَنْ تُخَلَّدَ عَمَلَهُ الْعَظِيمَ بِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ النَّاسُ فِي الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ. فَمَاذَا تَفْعَلُ؟ إِنَّهَا لَا تَمْلِكُ إِلَّا دُمُوعَهَا. غَلَبَهَا الْبُكَاءُ، وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهَا مِنْ عَيْنَيْهَا، وَتَجَمَّعَتْ هَذِهِ الدُّمُوعُ حَتَّى تَأَلَّفَتْ عَيْنٌ مِنَ الْمَاءِ، وَكَانَتْ عَيْنًا عَذْبَةً حُلْوَةً. وَأَحَسَّتِ الْأُمُّ حِينَئِذٍ بِالسَّعَادَةِ، بَعْدَ شُعُورِهَا بِالْفَخْرِ وَالاعْتِزَانِ.
وَعَرَفَ النَّاسُ فِي الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ قِصَّةَ هَذِهِ الْعَيْنِ، فَأَقْبَلُوا مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، لِيَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ الْعَجِيبَ. وَسَمَّوْا هَذِهِ الْعَيْنَ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ: «عَيْنَ الدُّمُوعِ».
هَذِهِ أُسْطُورَةُ «عَيْنِ الدُّمُوعِ»، أَيُّهَا التَّلْمِيذُ الْعَزِيزُ. فَمَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ عُرِفَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ ... كَانَ النَّاسُ كَثِيرًا مَا يَزُورُونَهَا، وَيَتَفَرَّجُونَ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُونَ مِنْ مِيَاهِهَا، وَيَمْلَثُونَ الْأَوَانِيَ الْفَخَّارِيَّةَ مِنْهَا.
وَحَدَثَ أَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْعَيْنِ فَارِسٌ مِنَ الْفُرْسَانِ الْأَبْطَالِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي قِصَّتَهَا، أَوْ يَعْلَمُ شَيْئًا عَنْ أَمْرِهَا ... وَرَأَى الْفَارِسُ بِجِوَارِ الْعَيْنِ فَلَاحًا عَجُوزًا، أَقْبَلَ مِنْ مَزْرَعَةٍ قَرِيبَةٍ، لِيَمْلَأَ وِعَاءً مِنْ مَاءِ الْعَيْنِ، وَكَانَ إِلَى جَانِبِهِ صَبِيٌّ صَغِيرٌ.
قَالَ الْفَارِسُ الْفَتَى: إِنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْعَيْنِ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنَ الصَّحْرَاءِ أَمْرٌ غَرِيبٌ! لَقَدْ صَيَّرَتِ الْعَيْنُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ وَاحَةً خَضْرَاءَ، وَلَوْلَاهَا لَكَانَتْ قَاحِلَةً جَرْدَاءَ! وَهَذَا الرَّجُلُ الْعَجُوزُ أَمْرُهُ غَرِيبٌ كَذَلِكَ: يَزْرَعُ النَّخِيلَ، وَأَشْجَارَ الزَّيْتُونِ، وَهِيَ أَشْجَارٌ لَا تُثْمِرُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ! فَكَيْفَ يَأْمُلُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِ مَا يَزْرَعُ، وَهُوَ عَجُوزٌ هَرِمٌ؟
نَظَرَ الْفَارِسُ إِلَى الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، فَوَجَدَ فِي وَجْهِهِ أَمَارَاتِ الشَّجَاعَةِ، وَفِي عَيْنِهِ لَأَلَاءَ الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ. اسْتَأْذَنَ الْفَارِسُ مِنَ الْعَجُوزِ لِيَشْرَبَ مِنَ الْوِعَاءِ. أَذِنَ الْعَجُوزُ لِلْفَارِسِ، فَشَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى.
تَقَدَّمَ الْفَارِسُ لِلْعَجُونِ، يَشْكُرُ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ صَنِيعٍ. قَالَ الْفَارِسُ: «مَا أَعْذَبَ هَذَا الْمَاءَ! مَا شَرِبْتُ طُولَ حَيَاتِي مَاءً أَعْذَبَ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْعَيْنِ. إِنَّ قَلِيلًا مِنْهُ أَرْوَانِي، وَأَزَالَ عَنِّيَ الظَّمَأَ!»
قَالَ الْعَجُوزُ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْعَيْنِ قِصَّةً غَرِيبَةً، أَيُّهَا الْفَارِسُ! يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ فِي هَذَا الْبَلَدِ، وَالْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ.»
قَالَ الْفَارِسُ: «مَعْذِرَةً إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَأَنَا غَرِيبٌ عَنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقَدْ وَصَلْتُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ فِي السَّفَرِ، حَتَّى سَاقَنِيَ الْحَقُّ إِلَى هَذِهِ الْعَيْنِ.»
قَالَ الْعَجُوزُ: «لَا عَلَيْكَ.» وَأَخَذَ يَقُصُّ عَلَى الْفَارِسِ قِصَّةَ الْعَيْنِ.
فَدَهِشَ الْفَارِسُ مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ لِلْعَجُوزِ مُتَعَجِّبًا: «مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ فِي مَائِهَا تِلْكَ الْعُذُوبَةَ النَّادِرَةَ! إِنَّهَا تَخْلِيدٌ عَظِيمٌ لِلْبَطَلِ الْفِدَائِيِّ الصَّغِيرِ، مِنْ أُمِّهِ الرَّحِيمَةِ!»
قَالَ الْعَجُوزُ: «نَعَمْ! وَمَا زِلْنَا نَذْكُرُ هَذَا الصَّبِيَّ وَتَضْحِيَتَهُ. كُلَّمَا رَأَيْنَا هَذِهِ الْعَيْنَ الْعَذْبَةَ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْ صَحْرَائِنَا جَنَّةً خَضْرَاءَ.»
قَالَ الْفَارِسُ: «أَلَسْتَ مَعِي - يَا وَالِدِي - فِي أَنَّ الْعَمَلَ الْعَظِيمَ قَدْ يَجْعَلُ مِنَ الْأَرْضِ الْقَاحِلَةِ عُيُونًا عَذْبَةً، وَأَشْجَارًا ذَاتَ أَزْهَارٍ وَأَثْمَارٍ؟»
فَأَجَابَهُ الْعَجُوزُ: «أَنَا مَعَكَ يَا بُنَيَّ، وَلَعَلَّكَ لَا تَدْهَشُ حِينَ تَجِدُنِي أَزْرَعُ أَشْجَارَ النَّخِيلِ وَالزَّيْتُونِ. أَنَا لَا آمُلُ أَنْ أَكُلَ مِنْ ثِمَارِ مَا أَزْرَعُ. وَلَكِنْ عَلَيْنَا - جَمِيعًا – أَنْ نَعْمَلَ، فَإِذَا لَمْ أَسْتَفِدْ أَنَا مِمَّا أَبْذُلُ مِنْ جُهْدٍ، فَإِنَّ الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَفِيدَ ... وَلَنْ يَضِيعَ عَمَلُ الْمُجِدِّينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.»
نَظَرَ الْفَلَّاحُ الْعَجُوزُ إِلَى الْفَارِسِ نَظْرَةً فَاحِصَةً، فَرَأَى فِي يَدِهِ لِجَامَ فَرَسٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، قَدْ تَحَلَّى بِأَنْوَاعِ مِنَ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ، إِذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ سَطَعَ مِنْهُ بَرِيقٌ وَهَّاجٌ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ...
قَالَ الْفَلَّاحُ لِلْفَارِسِ: «إِنَّ هَذَا اللَّجَامَ رَائِعٌ! أَيْنَ الْفَرَسُ الَّذِي يُوضَعُ فِي فَمِهِ هَذَا اللِّجَامُ؟ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَرَسًا عَجِيبًا! فَهَلْ فَقَدْتَ هَذَا الْفَرَسَ، فَجِئْتَ إِلَى بِلَادِنَا تَبْحَثُ عَنْهُ؟»
أَجَابَ الْفَارِسُ: «كَلَّا، يَا سَيِّدِي لَمْ أَفْقِدْ فَرَسًا.»
«إِذَنْ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ؟»
- «جِئْتُ هُنَا لِأَبْحَثَ عَنِ الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ، عَنِ الْحِصَانِ الطَّائِرِ الَّذِي لَهُ أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ الطُّيُورِ! لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَقْضِي أَكْثَرَ وَقْتِهِ طَائِرًا فَوْقَ قِمَّةِ هَذَا الْجَبَلِ الْعَالِي.»
عَجِبَ الْفَلَّاحُ مِنْ كَلَامِ الْفَارِسِ، وَقَالَ لَهُ: «مَا رَأَيْتُ هَذَا الْجَوَادَ - يَا بُنَيَّ – مِنْ زَمَنِ بَعِيدٍ! ثُمَّ إِنَّكَ، أَيُّهَا الْفَارِسُ، تَطْلُبُ شَيْئًا عَزِيزًا. إِنَّ الْحُصُولَ عَلَى هَذَا الْجَوَادِ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَمُثَابَرَةٍ؛ فَهُوَ جَوَادٌ مُشَاكِسٌ عَنِيدٌ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا أَبْطَالُ الرِّجَالِ!»
قَالَ الْفَارِسُ: «لَقَدْ عَزَمْتُ عَزْمًا أَكِيدًا أَنْ أَبْذُلَ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ مِنْ جُهْدٍ فِي سَبِيلِ الْحُصُولِ عَلَى هَذَا الْجَوَادِ، وَلَيْسَ يُخِيفُنِي مَا يَتَّصِفُ بِهِ مِنَ الْمُشَاكَسَةِ وَالْعِنَادِ، فَعِنْدِي مِنَ الصَّبْرِ وَالْعَزْمِ مَا أَقْوَى بِهِ عَلَى مُغَالَبَةِ الصِّعَابِ.»
كَانَ الْجَوَادُ الْمُجَنَّحُ كُلَّمَا جَاءَ فَصْلُ الصَّيْفِ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ. وَكَانَ إِذَا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ، طَوَى جَنَاحَيْهِ الْفِضَّيَّيْنِ، وَأَسْلَمَ قَدَمَيْهِ لِلرِّيحِ، فَيَجْرِي فِي السُّهُولِ وَالْوِدْيَانِ فِي سُرْعَةِ الْبَرْقِ الْخَاطِفِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى «عَيْنِ الدُّمُوعِ».
وَهُنَاكَ يَشْرَبُ مِنَ الْعَيْنِ حَتَّى يَرْتَوِيَ ... ثُمَّ يَتَمَرَّغْ عَلَى الْحَشَائِشِ الْخُضْرِ الَّتِي حَوْلَهَا. وَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْعَيْنِ، لَمْ يَعُدِ الْحِصَانُ يَنْزِلُ عِنْدَهَا كَثِيرًا، فَأَصْبَحَ لَا يَزُورُ تِلْكَ النَّوَاحِيَ إِلَّا نَادِرًا، وَأَصْبَحَ الشَّبَابُ وَالْأَطْفَالُ لَا يَرَوْنَهُ إِلَّا مُصَادَفَةً وَاتِّفَاقًا.
وَعَادَ الْفَارِسُ، يَسْأَلُ الْفَلَّاحَ الْعَجُوزَ: «هَلْ رَأَيْتَ - أَيُّهَا الْوَالِدُ – الْأَشْهَبَ الْمُجَنَّحَ؟ وَكَمْ مَرَّةً رَأَيْتَهُ؟ وَمَتَى رَأَيْتَهُ آخِرَ مَرَّةٍ؟»
أَجَابَ الْفَلَّاحُ: «إِنَّنِي لَمْ أَقْضِ حَيَاتِي كُلَّهَا هُنَا. وَلَكِنَّنِي جِئْتُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ مُهَاجِرًا، بَاحِثًا عَنِ الرِّزْقِ، فِي فَلَاحَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَكُنْتُ أَسْمَعُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْجَوَادِ. فَلَمَّا أَقَمْتُ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ، رَأَيْتُهُ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً. آخِرَ مَرَّةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَقَدِ اسْتَلْقَوْا تَحْتَ الْأَشْجَارِ، يَقِيلُونَ فِي ظِلَالِهَا وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ عَنَاءِ الْعَمَلِ فِي الْمَزْرَعَةِ. وَكُنْتُ لَا أَرَاهُ - فِي كُلِّ مَرَّةٍ - إِلَّا مُصَادَفَةً ... وَكَانَ يَبْهَرُ نَظَرِي هَذِهِ الْأَشِعَّةُ الَّتِي تُرْسِلُهَا أَجْنِحَتُهُ، فَتَلْمَعُ فِي الدُّنْيَا وَتَبْرُقُ.»
كَانَ الشَّيْخُ يَتَحَدَّثُ مَعَ الْفَارِسِ، وَالصَّبِيُّ بِجِوَارِهِمَا، يَسْتَمِعُ إِلَى حِوَارِهِمَا.
فَالْتَفَتَ الصَّبِيُّ إِلَى الْفَارِسِ، قَائِلًا: «لَقَدْ رَأَيْتُ الْجَوَادَ الْمُجَنَّحَ. رَأَيْتُهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ. وَأَوَّلُ مَرَّةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا، كَانَ شَيْئًا يَلُوحُ فِي الْجَوِّ، مُرْتَفِعًا فِي السَّمَاءِ، أَشْبَهَ بِطَائِرٍ كَبِيرٍ أَبْيَضَ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ عَنْ نَاظِرَيَّ. وَحِينَئِذٍ قُلْتُ لِنَفْسِي: لَعَلَّهُ الْأَشْهَبُ الْمُجَنَّحُ الَّذِي طَالَمَا سَمِعْنَا بِهِ ...»
ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّبِيُّ إِلَى الْفَارِسِ، قَائِلًا: «هَلْ أُخْبِرُكَ بِآخِرِ مَرَّةٍ رَأَيْتُ فِيهَا الْجَوَادَ الْمُجَنَّحَ؟ كَانَ ذَلِكَ أَمْسِ الْقَرِيبَ.»
عَجِبَ الْفَارِسُ مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ لِلصَّبِيِّ: «مَرْحَى لَكَ! مَا أَحْسَنَ قَوْلَكَ، أَيُّهَا الصَّبِيُّ الذَّكِيُّ! حَدِّثْنِي - أَيُّهَا الْعَزِيزُ – كَيْفَ لَقِيتَهُ؟»
قَالَ الصَّبِيُّ بَاسِمًا: «كَثِيرًا مَا أَجِيءُ إِلَى هَذِهِ الْعَيْنِ. وَلَا شَيْءَ أَحَبَّ إِلَى نَفْسِي مِنْ صُنْعِ سُفُنٍ وَمَراكِبَ مِنَ الْوَرَقِ. إِنِّي أَصْنَعُ الْكَثِيرَ مِنْهَا فِي أَوْقَاتِ فَرَاغِي، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى «عَيْنِ الدُّمُوعِ»، وَأَضَعُ فِي مَائِهَا مَا صَنَعْتُ مِنَ الْمَرَاكِبِ، وَأُمَتِّعُ نَفْسِي بِرُؤْيَتِهَا وَهِيَ تَعُومُ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ. وَكَثِيرًا مَا رَأَيْتُ - فِي أَثْنَاءِ اللَّعِبِ - بَرِيقَ الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ الَّذِي تَسْأَلُ عَنْهُ. لَقَدْ كُنْتُ - فِي كُلِّ مَرَّةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا - أَتَمَنَّى أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَطِيرُ بِي إِلَى الْقَمَرِ ... فَلَيْتَ الْأَيَّامَ تُحَقِّقُ لِي هَذِهِ الْأُمْنِيَّةَ ... لَيْتَهَا تَتَحَقَّقُ!
وَشَيْءٌ آخَرُ أُحِبُّ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ، أَيُّهَا الْفَارِسُ: لَقَدْ لَحَظْتُ أَنَّ هَذَا الْجَوَادَ يُسْرِعُ فِي طَيَرَانِهِ، إِذَا سَمِعَ مِنِّي أَدْنَى صَوْتٍ أَوْ رَأَى مِنِّي أَيْسَرَ حَرَكَةٍ».
قَالَ الْفَارِسُ: «هَذِهِ مَعْلُومَاتٌ طَرِيفَةٌ يَا عَزِيزِي. سَأَنْتَفِعُ بِهَا كُلَّ الانْتِفَاعِ. وَأَشْكُرُكَ عَلَى مَا قُلْتَ. وَلَا أَكْتُمُ عَنْكَ إِعْجَابِي بِدِقَةِ مُلَاحَظَتِكَ، وَحُسْنِ انْتِبَاهِكَ ... وَلَعَلَّ الْفُرَصَ تَسْنَحُ لَكَ، فَتَرْكَبَ هَذَا الْجَوَادَ .. وَحِينَئِذٍ: تَتَحَقَّقُ أُمْنِيَّتُكَ فِي الصُّعُودِ نَحْوَ الْقَمَرِ.
لَقَدْ أَصْبَحَتْ أُمْنِيَّتِي وَأُمْنِيَّتُكَ مُتَّحِدَتَيْنِ، فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَظْفَرَ بِهَذَا الْجَوَادِ، كَمَا تَرْجُو أَنْتَ أَنْ تَظْفَرَ بِهِ، وَسَوْفَ نَتَعَاوَنُ مَعًا عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةِ ... وَثِقْ أَنَّ فِي التَّعَاوُنِ تَحْقِيقُ الْآمَالِ. أُكَرِّرُ لَكَ شُكْرِي، وَإِلَى اللِّقَاءِ ...»
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَخَذَ الْفَارِسُ يَذْهَبُ إِلَى «عَيْنِ الدُّمُوعِ» فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَتَرَدَّدُ عَلَيْهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
وَقَدْ عَرَفَ الْفَارِسُ مِنْ زِيَارَاتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ لِهَذِهِ الْأَرْضِ أَنَّ الْجُهْدَ الصَّادِقَ، وَالْعَزِيمَةَ الدَّائِبَةَ تُحَوِّلُ الصَّحْرَاءَ الْقَاحِلَةَ إِلَى أَرْضٍ خَضْرَاءَ تُنْبِتُ النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ... وَكَانَ كُلَّمَا نَظَرَ إِلَى الْفَلَّاحِ الْعَجُوزِ - وَهُوَ يَعْمَلُ فِي مَزْرَعَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا – أَخَذَ عَنْهُ دُرُوسًا وَعِبْرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ وَالْكِفَاحِ حَتَّى يَظْفَرَ الْإِنْسَانُ بِمَا يُرِيدُ مِنَ آمَالٍ.
وَكَانَ الْفَارِسُ يَقْضِي أَكْثَرَ يَوْمِهِ رَافِعًا عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ تَارَةً، وَنَاظِرًا إِلَى الْمَاءِ فِي «عَيْنِ الدُّمُوعِ» تَارَةً أُخْرَى، رَجَاءَ أَنْ يَرَى الْجَوَادَ طَائِرًا فِي الْجَوِّ، أَوْ يَرَى صُورَتَهُ فِي الْمَاءِ.
ظَلَّ الْفَارِسُ مُوَاظِبًا عَلَى ذَلِكَ، لَا يَفْتُرُ وَلَا يَمَلُّ؛ حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: عَجَبًا لِهَذَا الْفَارِسِ! إِنَّه يَجْرِي وَرَاءَ الْمُحَالِ! كَيْفَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الظَّفَرِ بِالْجَوَادِ الطَّيَّارِ؟ إِنَّ هَذَا لَنْ يَتَحَقَّقَ، حَتَّى فِي الْأَحْلَامِ.
كَانَ الْفَارِسُ الْبَطَلُ يَسْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ، وَيَسْمَعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَا يَزِيدُهُ هَذَا إِلَّا إِيمَانًا بِأَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُحَقِّقُ رَجَاءَهُ، وَيُنِيلُهُ مَا يَبْتَغِي.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّبْرَ مَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ، وَلَنْ يَخِيبَ أَمَلُ الْعَامِلِينَ، وَمَا دَامَ هُوَ يَدْأَبُ وَيَصْبِرُ، فَهُوَ مُطْمَئِنُّ كُلَّ الاطْمِثْنَانِ إِلَى الْعَاقِبَةِ، وَأَنَّهَا سَتَكَونُ سَارَّةً حَسَنَةً. وَكَمْ مِنْ مَتَاعِبَ ذُلِّلَتْ، وَمَصَاعِبَ قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْعَزِيمَةِ الْمُثَابِرَةِ، وَالْإِرَادَةِ الْمُصَابِرَةِ ...
الفصل الثانينَشْأَةُ الْفَارِسِ
كَانَ هَذَا الْفَارِسُ مِنْ عَامَّةِ الشَّعْبِ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُوهُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَوَسِّطَ الْحَالِ ... وَقَدْ رَبَّاهُ تَرْبِيَةً حَسَنَةً، فَنَشَأَ عَلَى حُبِّ التَّضْحِيَةِ، وَالتَّفَانِي فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ؛ حَتَّى اشْتَهَرَ بِشَجَاعَتِهِ، بَيْنَ الْأَصْدِقَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مَأْرَبٍ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ صَنِيعًا يُقَدِّرُهُ جَمِيعُ النَّاسِ. وَكَانَ طَرِيقُ الشُّهْرَةِ لِلشَّبَابِ - فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ - أَنْ يَخُوضُوا غِمَارَ الْمَعَارِكِ ضِدَّ أَعْدَاءِ الْوَطَنِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، رَأَى الْفَارِسُ عِنْدَ أَبِيهِ لِجَامًا جَمِيلًا يَحْتَفِظُ بِهِ فِي مَكَانٍ أَمِينٍ. سَأَلَ الْفَارِسُ وَالِدَهُ عَنْ هَذَا اللِّجَامِ.
فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: «هَذَا يَا بُنَيَّ، لِجَامٌ مَسْحُورٌ، وَرِثْتُهُ عَنْ جَدِّكَ. وَسَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ فِي حَيَاتِكَ، وَحَيَاةِ أُمَّتِكَ ... وَسَيَكُونُ وَسِيلَةً تُنْقِذُ بِهَا الشَّعْبَ مِنْ عَدُوٍّ لَدُودٍ. هَا هُوَ ذَا اللِّجَامُ أَتْرُكُهُ وَدِيعَةً عِنْدَكَ. فَاحْتَفِظُ بِهِ، حَتَّى يَجِيءَ الْوَقْتُ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ.»
وَذَاتَ يَوْمٍ: ظَهَرَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْطِنِهِ تِنِّينٌ كَبِيرٌ، فَزِعَ النَّاسُ مِنْهُ. كَانَ ثُعْبَانًا هَائِلَ الْجِسْمِ، لَمْ يَرَ لَهُ أَحَدٌ شَبِيهًا فِي طُولِهِ وَضَخَامَتِهِ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِ وَقُوَّتِهِ. كَانَ فَمُهُ يَرْمِي بِاللَّهَبِ، وَيَقْذِفُ بِسُمِّهِ كُلَّ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ: فَكَمْ أَحْرَقَ مِنْ زَرْعٍ، وَقَتَلَ مِنْ أَشْخَاصٍ، وَعَطَّلَ مِنْ أَعْمَالٍ، وَامْتَصَّ مِنْ دِمَاءٍ، وَأَهْلَكَ مِنْ حَيَوَانٍ! لَقَدْ كَانَ كَالْكَابُوسِ الْمُخِيفِ عَلَى صَدْرِ هَذَا الشَّعْبِ الْوَادِعِ الْأَمِينِ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ اسْمَ: «الْأَصَلَةِ» لِبَشَاعَتِهِ، وَكِبَرِ حَجْمِهِ وَقُوَّتِهِ.
كَانَ هَذَا التِّنِّينُ غَرِيبَ الشَّكْلِ، لَا يُشْبِهُ أَيَّ ثُعْبَانٍ مِنْ ثَعَابِينِ الْأَرْضِ. كَانَ لَهُ ذَنَبُ ثُعْبَانِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ رُءُوسٍ ضَخْمَةٍ. كُلُّ رَأْسٍ مِنْهَا يَخْتَلِفُ عَنِ الْآخَرِ.
الرَّأْسُ الْأَوَّلُ: رَأْسُ أَسَدٍ. وَالرَّأْسُ الثَّانِي: رَأْسُ مَاعِزَةٍ. أَمَّا الرَّأْسُ الثَّالِثُ، فَكَانَ رَأْسَ ثُعْبَانِ. وَكَانَ فِي كُلِّ رَأْسٍ مِنْ هَذِهِ الرُّءُوسِ الثَّلَاثَةِ فَمْ وَأَنْفٌ وَعَيْنَانِ، وَفِي كُلِّ فَمٍ أَنْيَابٌ حَادَّةٌ. وَمِنْ كُلِّ أَنْفٍ يَخْرُجُ دُخَانٌ كَثِيفٌ حَارٌّ، وَنَارٌ حَامِيَةٌ. أَمَّا الْعُيُونُ فَقَدْ كَانَتْ لَامِعَةً وَاسِعَةً حَمْرَاءَ، وَكَأَنَّهَا جَمَرَاتٌ مُتَّقِدَةٌ ... وَكَانَ هَذَا التِّنِّينُ إِذَا هَاجَ، وَقَفَ عَلَى ذَنَبِهِ، وَدَارَ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، وَأَخَذَ يَقْذِفُ بِالسُّمِّ وَاللَّهَبِ وَالدُّخَانِ إِلَى مَدًى بَعِيدٍ.
فَزِعَ الْأَهْلُونَ لِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ خَسَائِرَ فَادِحَةٍ.
وَكَانُوا يُسَمُّونَ بَطَلَ قِصَّتِنَا: «فَارِسَ الْفَوَارِسِ». وَشَعَرَ الْجَمِيعُ أَنَّهُ لَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ بُؤْسٍ وَعَذَابٍ إِلَّا هَذَا الْبَطَلُ الَّذِي يُحِسُّ إِحْسَاسَ الشَّعْبِ، وَيَتَأَلَّمُ لِمَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ مِنْ آلَامٍ ...
وَوَجَدَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» أَنَّ عَلَيْهِ وَاجِبًا لَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَهَا هُوَ ذَا الشَّعْبُ قَدْ وَضَعَ آمَالَهُ فِيهِ.
وَهَا هُمْ أُولَاءِ النَّاسُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا فِدَائِيٌّ فِي مِثْلِ بُطُولَةِ «فَارِسِ الْفَوَارِسِ»، وَأَنَّهُ – وَحْدَهُ - قَادِرٌ عَلَى مُنَازَلَةِ هَذَا الْعَدُوِّ اللُّدُودِ، وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَإِنْقَاذِ الْأَهْلِينَ مِنْ مَصَائِبِهِ. وَعَزَمَ عَزْمًا أَكِيدًا عَلَى قَتْلِ «الْأَصَلَةِ»، وَلَوْ كَلَّفَهُ ذَلِكَ فِقْدَانَ حَيَاتِهِ.
وَأَخَذَ يَرْسُمُ الْخُطَّةَ الَّتِي تَكْفُلُ لَهُ النَّصْرَ عَلَى عَدُوِّهِ ... فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى «الْأَصَلَةِ»؛ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الاسْتِعَانَةِ بِالْحِيلَةِ، وَإِعْدَادِ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ. فَمَاذَا يَفْعَلُ هَذَا الْبَطَلُ؟ تَذَكَّرَ «الْجَوَادَ الْمُجَنَّحَ»؛ فَقَدْ كَانَ النَّاسُ كَثِيرًا مَا يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ، وَيَصِفُونَهُ بِالْقُوَّةِ الْهَائِلَةِ. وَلَكِنْ كَيْفَ يَحْصُلُ عَلَى هَذَا الْجَوَادِ؟
وَهُنَا تَذَكَّرَ اللِّجَامَ الْمَسْحُورَ. لَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِلاسْتِفَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ النَّفِيسَةِ ... إِنَّ هَذَا اللِّجَامَ هُوَ مِفْتَاحُ نَجَاحِهِ فِي مُغَامَرَتِهِ الشَّاقَّةِ. كَانَ هَذَا اللِّجَامُ مُحَلًّى بِالْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّأْثِيرِ فِي الْأَفْرَاسِ، فَلَمْ يُلَجَمْ بِهِ فَرَسٌ – مَهْمَا يَكُنْ جَامِحًا – إِلَّا خَضَعَ وَهَدَأَ، وَأَصْبَحَ سَلِسَ الْقِيَادِ.
وَحِينَ تَأَكَّدَ الْبَطَلُ أَنَّ الْفُرَصَ كُلَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِتَحْقِيقِ آمَالِهِ، وَإِنْقَاذِ أُمَّتِهِ، أَسْرَعَ بِالسَّفَرِ إِلَى «عَيْنِ الدُّمُوعِ» ... وَوَصَلَ - فِي سَيْرِهِ - اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ أَيَّامًا وَأَسَابِيعَ، حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْعَيْنَ ... حَيْثُ قَابَلَ الْفَلَّاحَ الْعَجُوزَ، وَالصَّبِيَّ الذَّكِيَّ، وَسَمِعَ مِنْهُمَا تِلْكَ الْأُسْطُورَةَ الَّتِي حَدَّثْتُكَ عَنْهَا مِنْ قَبْلُ. وَلَازَمَهُ الصَّبِيُّ الشُّجَاعُ زَمَنًا طَوِيلًا، فَقَوِيَ أَمَلُهُ فِي أَنْ يَعُودَ – إِلَى بِلَادِهِ – بِالنَّجَاحِ وَالتَّوْفِيقِ.
الفصل الثالثالْفَرَجُ بَعْدَ الصَّبْرِ
طَالَ انْتِظَارُ الْفِدَائِيِّ لِلْجَوَادِ الطَّيَّارِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَيْأَسْ. وَقَدْ كَانَ يُفَكِّرُ فِي قَوْمِهِ حِينَمَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ وَطَنِهِ ... ثُمَّ يَتَصَوَّرُ الْخَسَارَةَ الْكُبْرَى الَّتِي تُصِيبُهُمْ مِنَ «الْأَصَلَةِ»، وَيَذْكُرُ أَنَّهُمْ وَضَعُوا فِيهِ آمَالَهُمْ.
كَانَ يَخْطُرُ لَهُ – أَحْيَانًا - أَنْ يَعُودَ إِلَى بِلَادِهِ لِيُقَاتِلَ «الْأَصَلَةَ» مِنْ غَيْرِ الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ؛ فَإِمَّا كُتِبَ لَهُ النَّجَاحُ وَالْفَوْزُ، وَإِمَّا لَقِيَ الْهَلَاكَ! وَلَكِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ لَا تُفِيدُ.
وَذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، نَبَّهَهُ الطِّفْلُ الذَّكِيُّ إِلَى صُورَةٍ مَرْسُومَةٍ فِي الْمَاءِ. نَظَرَ الْفَارِسُ إِلَى الْمَاءِ، فَرَأَى صُورَةً عَجِيبَةً، أَشْبَهَ بِطَائِرٍ كَبِيرٍ، يَظْهَرُ عَلَى ارْتِفَاعٍ شَاهِقٍ فِي الْهَوَاءِ. كَانَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ تَنْعَكِسُ عَلَى جَنَاحَيْهِ الْفِضَّيَّيْنِ، فَيَشِعُّ مِنْهُمَا بَرِيقٌ شَدِيدٌ.
قَالَ الصَّبِيُّ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «أَبْشِرْ أَيُّهَا الْبَطَلُ، فَإِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَرَاهَا الْآنَ لَيْسَتْ إِلَّا صُورَةَ الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ، الَّذِي جِئْتَ مِنْ أَجْلِهِ، وَذُقْتُ الْمُرَّ فِي سَبِيلِ الْحُصُولِ عَلَيْهِ.»
قَالَ الْبَطَلُ: «لَقَدْ عَوَّضَ اللَّهُ صَبْرِي خَيْرًا، وَأَرْجُو أَنْ يُوَفِّقَنِي إِلَى الْفَوْزِ بِهَذَا الْجَوَادِ؛ حَتَّى أَعُودَ إِلَى بِلَادِي، وَأُنْقِذَ قَوْمِي، و...»
وَهُنَا قَطَعَ الْفَارِسُ حَدِيثَهُ؛ فَقَدْ رَأَى مَنْظَرَ الْجَوَادِ الرَّائِعَ، فَدَهِشَ. لَقَدْ كَانَ الْجَوَادُ يُحَلِّقُ فِي الْفَضَاءِ، وَيَرْسُمُ فِي طَيَرَانِهِ دَوَائِرَ وَاسِعَةً جِدًّا، تَأْخُذُ فِي الضِّيقِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كُلَّمَا اقْتَرَبَ الْجَوَادُ مِنَ الْأَرْضِ ...
أَدْرَكَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» أَنَّ هَذِهِ فُرْصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ، يَجِبُ أَلَّا يَتْرُكَهَا تَمُرُّ، مَهْمَا بَذَلَ فِي سَبِيلِهَا مِنْ كَدٍّ وَمَجْهُودٍ ... وَهَا هُوَ ذَا الْجَوَادُ يَقْتَرِبُ قَلِيلًا قَلِيلًا مِنَ الْأَرْضِ، كَمَا تَفْعَلُ الْحَمَائِمُ، حِينَ تَهُمُّ بِالنُّزُولِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَبِّ.
وَلَمْ تَمْضِ ثَوَانٍ، حَتَّى طَوَى الْجَوَادُ جَنَاحَيْهِ الْفِضَّيَّيْنِ، وَأَخَذَ يَجْرِي مُسْرِعًا نَحْوَ «عَيْنِ الدُّمُوعِ»، وَشَرِبَ الْجَوَادُ مِنَ الْعَيْنِ، حَتَّى ارْتَوَى، وَأَكَلَ مَا حَلَا لَهُ مِنَ الْأَعْشَابِ الْخُضْرِ حَتَّى شَبِعَ. ثُمَّ انْطَلَقَ يَجْرِي وَيَقْفِزُ عَلَى الْأَرْضِ فِي خِفَّةٍ وَنَشَاطٍ.
وَاسْتَعَدَّ الْفَارِسُ، فَاخْتَفَى عَنْ عَيْنَيِ الْجَوَادِ. أَخَذَ يَتَرَقَّبُ فُرْصَةً يُحَقِّقُ فِيهَا غَرَضَهُ النَّبِيلَ. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى رَقَدَ الْجَوَادُ عَلَى الْعُشْبِ الْأَخْضَرِ، وَأَخَذَ يَتَقَلَّبُ عَلَى ظَهْرِهِ تَارَةً، وَعَلَى جَنْبِهِ تَارَةً، حَتَّى انْتَهَى مِنْ رِيَاضَتِهِ الْحَبِيبَةِ.
ثُمَّ مَدَّ الْجَوَادُ يَدَيْهِ، وَحَرَّكَ جَنَاحَيْهِ، وَاسْتَعَدَّ لِلْوُقُوفِ، أَمْسَكَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» بِيَدِ الطِّفْلِ، وَقَدْ سَحَرَهُ هَذَا الْمَنْظَرُ الْبَدِيعُ. وَنَظَرَ الْفَارِسُ وَالصَّبِيُّ إِلَى الْجَوَادِ مَدْهُوشَيْنِ ... فَلَمْ يَدْرِيَا – مِنْ كَثْرَةِ الدَّهْشَةِ - أَفِي يَقَظَةٍ هُمَا أَمْ فِي مَنَامٍ؟! هَا هُوَ ذَا الْجَوَادُ يَتَأَهَّبُ لِلْقِيَامِ!
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ جَمَعَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ وَشَجَاعَةٍ، وَانْطَلَقَ إِلَى الْجَوَادِ فِي هُجُومٍ خَاطِفٍ. وَفِي حَرَكَةٍ بَارِعَةٍ، قَفَزَ عَلَى ظَهْرِهِ قَفْزَةً جَرِيئَةً!
تَمَكَّنَ الْفَارِسُ مِنَ الْجَوَادِ، وَاسْتَقَرَّ عَلَى ظَهْرِهِ.
وَلَكِنَّ الْجَوَادَ غَضِبَ وَاغْتَاظَ حِينَ شَعَرَ بِرَاكِبِهِ، وَاشْتَدَّ غَيْظُهُ وَهَاجَ ... وَسَرَتِ الرِّعْشَةُ فِي جَسَدِهِ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ؛ فَقَفَزَ بِالْفَارِسِ قَفَزَاتٍ عَنِيفَةً، وَحَاوَلَ أَنْ يَقْذِفَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ ... وَلَكِنْ لَمْ تَنْفَعْ هَذِهِ الْمُحَاوَلَاتِ!
فَارْتَفَعَ الْجَوَادُ بِالْفَارِسِ، وَطَارَ بِهِ فِي الْجَوِّ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى سَحَابَةٍ غَلِيظَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ بِهِ فَجْأَةً فِي سُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ... ثُمَّ قَفَزَ الْجَوَادُ بِالْفَارِسِ مَرَّةً أُخْرَى، وَارْتَفَعَ بِهِ مُحَلِّقًا فِي أَعَالِي الْجَوِّ، ثُمَّ حَاوَلَ أَنْ يَقْذِفَ بِهِ مِنْ هَذَا الْعُلُوِّ الشَّاهِقِ. وَلَكِنَّ مُحَاوَلَاتِ الْجَوَادِ ذَهَبَتْ سُدًى، وَلَمْ يُصَبِ الْفَارِسُ بِسُوءٍ ...
وَأَخِيرًا قَلَبَ الْجَوَادُ جِسْمَهُ فَجْأَةً، فَصَارَ ظَهْرُهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ قَدَمَاهُ وَبَطْنُهُ إِلَى السَّمَاءِ. وَأَصْبَحَ الْفَارِسُ مُعَرَّضًا لِلْهَلَاكِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَكَادَ يَسْقُطُ مِنْ هَذَا الارْتِفَاعِ الْعَظِيمِ.
وَلَكِنَّ الْفَارِسَ كَانَ حَذِرًا، فَلَمْ يُصَبْ بِسُوءٍ.
لَوَى الْجَوَادُ رَقَبَتَهُ لِيَرَى وَجْهَ رَاكِبِهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَعَضَّهُ ...
وَنَظَرَ الْفَارِسُ إِلَيْهِ؛ فَرَأَى الْغَيْظَ عَلَى وَجْهِ الْجَوَادِ: عَيْنَاهُ تَقْدَحَانِ بِالشَّرَرِ، وَتَقْذِفَانِ بِاللَّهَبِ، وَكَانَ يَزْفِرُ زَفِيرًا مُخِيفًا ...
كَانَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» شُجَاعًا، ذَكِيًّا، يَعْمَلُ حِسَابًا لِكُلِّ طَارِئٍ، وَيُعِدُّ الْعُدَّةَ لِكُلِّ احْتِمَالِ، فِي سُرْعَةٍ وَحُسْنِ تَصَرُّفٍ ... كَمَا كَانَ وَاعِيًا لَا تُفْلِتُ مِنْهُ فُرْصَةٌ.
فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ كَانَ الْفَارِسُ يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ فِيهَا أَنْ يَضَعَ حَدِيدَةَ اللِّجَامِ السِّحْرِيِّ بَيْنَ فَكَّيِ الْجَوَادِ. وَقَدْ حَانَتِ الْفُرْصَةُ لِلْفَارِسِ عِنْدَمَا قَلَبَ الْجَوَادُ جِسْمَهُ، وَلَوَى رَقَبَتَهُ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَسْرَعَ الْفَارِسُ إِلَى الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ، فَوَضَعَ بَيْنَ فَكَّيْهِ الشَّكِيمَةَ. وَأَلْجَمَهُ بِاللِّجَامِ.
حِينَذَاكَ خَضَعَ الْجَوَادُ، بَعْدَ هِيَاجٍ، وَأَصْبَحَ - فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ – أَلِيفًا أَنِيسًا، سَاكِنًا هَادِئًا.
مَا أَعْجَبَ هَذَا الَّذِي حَدَثَ! اعْتَدَلَ الْجَوَادُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَقْلُوبًا، وَهَبَطَ بِالْفَارِسِ إِلَى الْأَرْضِ بِرِفْقٍ وَهُدُوءٍ، وَتَبَدَّلَ حَالُهُ مِنْ قُوَّةٍ وَعُنْفٍ إِلَى خُضُوعٍ وَضَعْفٍ ... وَنَظَرَ إِلَى الْفَارِسِ فِي تَذَلُّلٍ وَخُشُوعٍ، وَعَيْنَاهُ مُبَلَّلَتَانِ بِالدُّمُوعِ.
فَابْتَسَمَ الْفَارِسُ لِلْجَوَادِ، وَأَخَذَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يُلَاطِفُهُ، وَيُطَمْئِنُهُ، وَيَتَحَسَّسُ جِسْمَهُ بِيَدِهِ فِي عَطْفٍ وَحَنَانٍ. ثُمَّ هَمَسَ فِي أُذُنِهِ فِي رِفْقٍ وَتَوَدُّدٍ، مُؤَكِّدًا لَهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ شَرًّا، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ عَوْنَهُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الشَّرِّ، وَتَخْلِيصِ قَوْمِهِ مِنَ الْآلَامِ ...
ثُمَّ رَبَتَ بِيَدِهِ عَلَى رَقَبَةِ الْجَوَادِ، وَمَرَّ بِهَا عَلَى ظَهْرِهِ ... وَمَا زَالَ يَمْسَحُهُ وَيُلَايِنُهُ، وَيَتَلَطَّفُ لَهُ فِي الْقَوْلِ، حَتَّى اطْمَأَنَّ الْجَوَادُ إِلَى الْفَارِسِ كُلَّ الِاطْمِئْنَانِ ... وَأَصْبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ رَفِيقًا وَمُؤْنِسًا، وَزَالَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ نُفُورٍ وَخِصَامٍ.
هَكَذَا تَبَدَّلَتْ حَالُ الْجَوَادِ، فَأَصْبَحَ أَوْفَى صَدِيقٍ لِصَاحِبِهِ: «فَارِسِ الْفَوَارِسِ». أَصْبَحَ لَا يُطِيقُ فِرَاقَهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَ - مُنْذُ وَقْتٍ قَصِيرٍ - لَا يُطِيقُ رُؤْيَتَهُ ...
رَكِبَ الْفَارِسُ الْجَوَادَ، فَطَارَ بِهِ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ الْعَالِي، وَوَقَفَ يَنْتَظِرُ نُزُولَ صَاحِبِهِ ... فَهِمَ الْفَارِسُ مَا يُرِيدُ الْجَوَادُ، فَأَسْرَعَ بِالنُّزُولِ عَنْ ظَهْرِهِ ... وَكَانَ لَا يَزَالُ مُمْسِكًا بِاللِّجَامِ الْمَسْحُورِ.
نَظَرَ الْفَارِسُ إِلَى عَيْنَيِ الْجَوادِ، فَرَأَى فِيهِمَا أَمَارَاتِ الْوَفَاءِ، فَأَخَذَ يَرْبِتُ عَلَى ظَهْرِهِ مُتَوَدِّدًا، وَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الرَّفِيقُ النَّبِيلُ، أَنَا لَا أُجْبِرُكَ عَلَى صُحْبَتِي. لَنْ أَسْمَحَ لِنَفْسِي أَنْ أُصَادِقَكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْكَ. لَا تَظُنَّ يَا رَفِيقِي أَنِّي أُقَيِّدُ حُرِّيَتَكَ، فَلَا مَعْنَى لِلصُّحْبَةِ إِذَا كَانَ الصَّدِيقُ يُسِيءُ فِيهَا إِلَى الصَّدِيقِ!»
ثُمَّ مَسَحَ عَلَى جِسْمِ الْحِصَانِ، وَاسْتَمَرَّ يَقُولُ: «هَلْ يُضَايِقُكَ هَذَا اللِّجَامُ السِّحْرِيُّ، يَا رَفِيقِي؟ هَلْ تَخْضَعُ لِي، لِأَنَّ هَذَا اللِّجَامَ بِفَمِكَ؟ وَهَلْ أَصْبَحْتَ صَدِيقًا لِي خَوْفًا مِنَ اللِّجَامِ؟ لَا! لَا! أَنَا أَوَدُّ أَنْ تَكُونَ الصَّدَاقَةُ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ صَدَاقَةً حَقِيقِيَّةً. لَا صَدَاقَةً تَجْنِي عَلَى حُرِّيَّتِكَ. هَأَنَذَا أُنْزِعُ اللِّجَامَ مِنْ فَمِكَ! هَأَنَذَا أُطْلِقُ سَرَاحَكَ! فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ، أَيُّهَا الْجَوَادُ الْوَفِيُّ النَّبِيلُ!»
وَرَفَعَ الْفَارِسُ اللِّجَامَ الْمَسْحُورَ، وَقَالَ لِلْجَوَادِ: «اخْتَرْ مَا تَشَاءُ: لَكَ أَنْ تُلَازِمَنِي طُولَ الْحَيَاةِ أَوْ تَتْرُكَنِي أَبَدًا فَلَا تَعُودُ.»
صَارَ الْجَوَادُ حُرًّا بَعْدَ أَنْ رُفِعَ مِنْ فَمِهِ اللِّجَامُ؛ فَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ، وَانْطَلَقَ مِنْ فَوْرِهِ، وَطَارَ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ ... وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ عَنْ عَيْنِ الْفَارِسِ الشُّجَاعِ ...
خَشِيَ الْفَارِسُ أَلَّا يَعُودَ الْجَوَادُ الطَّيَّارُ ... وَكَادَ يَنْدَمُ عَلَى الْفُرْصَةِ الَّتِي أَضَاعَهَا بِيَدِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «إِنَّ الْجَوَادَ - كَمَا بَدَا لِي - كَرِيمٌ أَصِيلٌ، وَهُوَ مُخْلِصٌ فِي صَدَاقَتِهِ وَفِيٌّ، كَمَا ظَهَرَ لِي. وَمَعَ كُلٌّ لَوْ فَرَضْنَا أَنِّي لَمْ أُطْلِقُ سَرَاحَهُ، فَهَلْ كَانَتْ تَنْفَعُنِي صُحْبَتُهُ وَهُوَ مَسْلُوبُ الْحُرِّيَّةِ؟ لَوْ عَادَ إِلَيَّ الْآنَ - كَمَا أَرْجُو أَنْ يَعُودَ - فَإِنَّمَا يَعُودُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَمَحْضِ اخْتِيَارِهِ.»
وَمَضَتْ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، وَلَمْ يَعُدِ الْجَوَادُ. وَبَدَأَ الْفَارِسُ يَنْدَمُ عَلَى تَسَرُّعِهِ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ. عَجَبًا! مَاذَا حَدَثَ؟ هَا هُوَ ذَا الْجَوَادُ يُسَابِقُ الرِّيحَ فِي طَيَرَانِهِ! هَا هُوَ ذَا يَعُودُ إِلَى الْفَارِسِ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ! هَا هُوَ ذَا يَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَقْتَرِبُ مِنْ رَفِيقِهِ عَنْ طَوَاعِيَةٍ وَاخْتِيَارٍ. حَقًّا: إِنَّهُ جَوَادٌ أَصِيلٌ، لَا يُخْلِفُ الْعَهْدَ وَلَا يَخُونُ.
عَادَتِ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى قَلْبِ «فَارِسِ الْفَوَارِسِ»، وَأَيْقَنَ أَنَّ نَظْرَتَهُ إِلَى الْجَوَادِ لَمْ تَخِبْ، وَفِرَاسَتَهُ فِيهِ كَانَتْ صَادِقَةً. فَأَخَذَ يَمْسَحُ عَلَى جَسَدِهِ فِي رِفْقٍ، وَالْجَوَادُ إِلَى جِوَارِهِ هَادِئٌ أَلِيفٌ ...
وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَنَامَ الصَّدِيقَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبِ، وَلَفَّ الْفَارِسُ ذِرَاعَهُ حَوْلَ رَقَبَةِ الْجَوَادِ ... وَلَمْ يَعُدْ أَحَدُهُمَا يُطِيقُ فِرَاقَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَعِيدًا بِصُحْبَتِهِ لِلْآخَرِ، مُخْلِصًا لَهُ كُلَّ الْإِخْلَاصِ.
الفصل الرابعالْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ
كَمْ كَانَ بِوُدِّ الْفَارِسِ أَنْ يَبْقَى مَعَ الْجَوَادِ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ سَعِيدًا بِتِلْكَ الْحَيَاةِ الْهَانِئَةِ! وَلَكِنَّ الْفَارِسَ كَانَ دَائِمَ التَّفْكِيرِ فِي وَطَنِهِ. وَكُلَّمَا تَصَوَّرَ التِّنِّينَ، وَمَا يُحْدِثُهُ مِنَ التَّخْرِيبِ وَالتَّدْمِيرِ، وَدَّ أَنْ يَقْطَعَ دَابِرَهُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؛ فَيُرِيحَ الْأَهْلِينَ مِنْ أَذَاهُ ...
كَانَ عَلَيْهِ إِذَنْ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى وَطَنِهِ، لِيُحَقِّقَ الْوَعْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِيُرْضِيَ ضَمِيرَهُ وَيُسْعِدَ قَوْمَهُ. وَقَرَّرَ أَنْ يُفَاجِئَ «الْأَصَلَةَ» فِي غَدِهِ.
هَكَذَا بَاتَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» يَحْلُمُ سَوَادَ لَيْلِهِ بِتَحْقِيقِ غَايَتِهِ؛ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، نَهَضَ مُمْتَلِئًا شَجَاعَةً وَعَزْمًا.
مَسَحَ الْفَارِسُ بِيَدِهِ الشَّفِيقَةِ عَلَى ظَهْرِ الْجَوَادِ، لِيُوقِظَهُ.. ثُمَّ تَنَاوَلَا الْفَطُورَ مَعًا. وَجَلَسَا قَلِيلًا إِلَى الْعَيْنِ، فَشَرِبَا مِنْهَا حَتَّى ارْتَوَيَا. ثُمَّ لَبِسَ الْفَارِسُ مَلَابِسَ الْحَرْبِ، وَاسْتَعَدَّ لِمُقَاتَلَةِ التِّنِّينِ.
وَفَهِمَ الْجَوَادُ مَا يُرِيدُ الْفَارِسُ؛ فَمَدَّ رَقَبَتَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: «ضَعِ اللِّجَامَ الْمَسْحُورَ فِي فَمِي، وَسَأَصْحَبُكَ إِلَى حَيْثُ تُرِيدُ.»
وَضَعَ الْفَارِسُ اللِّجَامَ فِي فَمِ الْجَوَادِ، وَرَبَتَ عَلَى ظَهْرِهِ وَلَاطَفَهُ. ثُمَّ رَكِبَهُ، وَأَدَارَ رَأْسَهُ جِهَةَ الشَّرْقِ. وَانْدَفَعَ الْجَوَادُ بِالْفَارِسِ يُسَابِقُ الرِّيحَ فِي طَيَرَانِهِ. وَلَمْ تَمْضِ إِلَّا سَاعَاتٌ ثَلَاثٌ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى وَادِي «الْأَصَلَةِ» ... وَهُنَاكَ أَشَارَ إِلَى الْجَوَادِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ ... فَهَبَطَ فَوْقَ رَأْسِ الْجَبَلِ الْمُجَاوِرِ لِوَادِي التِّنِّينِ ... وَاخْتَفَى بِصَاحِبِهِ فِي سَحَابَةٍ كَثِيفَةٍ.
كَانَ الْجَوَادُ ذَكِيًّا وَاعِيًا. لَقَدْ خَافَ أَنْ يَتَنَبَّهَ التِّنِّينُ إِلَى قُدُومِ الْفَارِسِ؛ فَتَفْسُدَ الْخُطَّةُ، وَتَضِيعَ الْفُرْصَةُ. فَلَوْ عَرَفَ التِّنِّينُ بِمَقْدَمِهِمَا، لَفَتَكَ بِهِمَا.
نَظَرَ الْفَارِسُ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى الْوَادِي، فَرَأَى مَا أَحْزَنَهُ وَآلَمَهُ، وَمَلَأَ نَفْسَهُ غَمًّا وَهَمًّا: هَذِهِ هِيَ أَرْضُ قَوْمِهِ قَدْ أَصْبَحَتْ جَرْدَاءَ، وَهَذِهِ هِيَ آثَارُ التِّنِّينِ: لَهِيبٌ وَنَارٌ، وَتَخْرِيبٌ وَدَمَارٌ! وَهَذِهِ عِظَامُ الدَّوَابِّ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي قَتَلَهَا التِّنِّينُ وَحَرَّقَ أَجْسَادَهَا! وَهَذِهِ مَنَازِلُ قَوْمِهِ قَدْ أَصْبَحَتْ مُهَدَّمَةً، وَهَجَرَهَا أَهْلُوهَا ...
رَأَى الْفَارِسُ كُلَّ ذَلِكَ، فَغَلَى الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ، وَعَزَمَ عَزْمًا أَكِيدًا عَلَى تَخْلِيصِ وَطَنِهِ مِنَ الْبَلَاءِ. أَطَالَ الْفَارِسُ التَّفْكِيرَ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «هَذِهِ آثَارُ التِّنِّينِ؛ وَلَكِنْ أَيْنَ هُوَ؟ وَكَيْفَ أَلْقَاهُ؟ وَمَتَى؟»
وَنَظَرَ هُنَا وَهُنَاكَ، فَرَأَى أَعْمِدَةً ثَلَاثَةً مِنَ الدُّخَانِ الْأَسْوَدِ صَاعِدَةً فِي الْجَوِّ، وَأَخَذَتْ تَصْعَدُ وَتَصْعَدُ، حَتَّى اقْتَرَبَتْ مِنْ قِمَّةِ الْجَبَلِ. ثُمَّ تَجَمَّعَتِ الْأَعْمِدَةُ الثَّلَاثَةُ، وَامْتَزَجَتْ – بَعْضُهَا بِبَعْضٍ - حَتَّى أَصْبَحَتْ عَمُودًا وَاحِدًا مِنَ الدُّخَانِ الشَّدِيدِ السَّوَادِ ...
عَرَفَ الْفَارِسُ أَنَّ الْمَغَارَةَ الَّتِي يَسْكُنُهَا التِّنِّينُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، فَأَشَارَ إِلَى جَوَادِهِ إِشَارَةً، فَهِمَ مِنْهَا أَنْ يَهْبِطَ بِهِ الْوَادِيَ. وَأَخَذَ الْجَوَادُ الذَّكِيُّ يَهْبِطُ فِي خِفَّةٍ وَحَذَرٍ، حَتَّى أَصْبَحَ قَرِيبًا جِدًّا مِنْ قَاعِ الْوَادِي، حَيْثُ غَارُ «الْأَصَلَةِ» ...
نَظَرَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» دَاخِلَ الْمَغَارَةِ، فَرَأَى وَيَا هَوْلَ مَا رَأَى! رَأَى جِسْمًا ضَخْمًا فِي مِثْلِ ضَخَامَةِ الْجَبَلِ، قَدِ الْتَفَّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ رُءُوسٌ ثَلَاثَةٌ.
الرَّأْسُ الْأَوَّلُ: رَأْسُ ثُعْبَانٍ هَائِلٍ. وَالثَّانِي: رَأْسُ أَسَدٍ كَاشِرٍ قَدْ بَرَزَتْ أَنْيَابُهُ. وَأَمَّا الرَّأْسُ الثَّالِثُ: فَرَأْسُ عَنْزٍ شَرِسَةٍ ... مَنْظَرٌ مُرْعِبٌ مُخِيفٌ! لَوْ رَآهُ أَحَدٌ غَيْرُ الْفَارِسِ الْبَطَلِ، لَفَرَّ هَارِبًا.
لَكِنَّ «فَارِسَ الْفَوَارِسِ» لَا يَعْرِفُ الْفِرَارَ، وَلَا يَعْرِفُ الْخَوْفُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلًا! إِنَّهُ مَثَلٌ رَائِعُ لِلشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ وَالْإِقْدَامِ. لَمْ يَهْرُبْ، وَلَمْ يَخَفْ ... بَلِ ازْدَادَ ثَبَاتًا وَشَجَاعَةً، وَعَزْمًا وَتَصْمِيمًا.
رَاحَ الْفَارِسُ يُمْعِنُ النَّظَرَ فِي رُءُوسِ «الْأَصَلَةِ» الثَّلَاثَةِ. رَأَى رَأْسَ الْأَسَدِ وَرَأْسَ الْعَنْزِ نَائِمَيْنِ. وَكَانَ رَأْسُ الثَّعْبَانِ وَحْدَهُ مُسْتَيْقِظًا ... وَكَانَ يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفِيهِ عَيْنَانِ مُلْتَهِبَتَانِ، كَأَنَّهُمَا جَمْرَتَانِ.
وَكَانَتْ أَعْمِدَةُ الدُّخَانِ الثَّلَاثَةُ تَتَصَاعَدُ مِنْ أُنُوفِ الرُّءُوسِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا. وَكَانَتِ الرُّءُوسُ الثَّلَاثَةُ تَبْدُو لِمَنْ يَرَاهَا كَأَنَّهَا رُءُوسُ وُحُوشِ ثَلَاثَةٍ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ مَنْ يَرَاهَا أَنَّهَا رُءُوسُ تِنِّينٍ وَاحِدٍ.
رَأَى الْجَوَادُ الْمُجَنَّحُ هَذَا الْمَنْظَرَ الْمُخِيفَ؛ فَأَجْفَلَ وَصَهَلَ. سَمِعَ «التِّنِّينُ» صَهِيلَ الْحِصَانِ، فَدَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى خَارِجِ الْغَارِ فِي مِثْلِ لَمْحِ الْبَصَرِ، وَمَدَّ فَكَّيْهِ لِيَلْتَقِمَ فَرِيسَتَهُ. وَتَحَرَّكَ «التِّنِّينُ» - بِذَيْلِهِ وَرُءُوسِهِ الثَّلَاثَةِ - حَرَكَاتٍ غَاضِبَةً. كَيْفَ يَجْرُؤُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْهِ مَغَارَتَهُ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ؟!
رَأَى «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» هَذَا الْمَنْظَرَ الْمُفَزِّعَ؛ فَاشْتَدَّ بَأْسُهُ، وَقَوِيَ قَلْبُهُ، وَعَظُمَتْ شَجَاعَتْهُ، وَالْتَهَبَتْ حَمَاسَتُهُ ... وَلِمَ لَا، وَالشَّعْبُ قَدْ ذَاقَ الْمُرَّ مِنْ هَوْلِ هَذَا التِّنِّينِ؟! لَا بُدَّ مِنَ الْفَوْزِ. لَا بُدَّ مِنَ الانْتِصَارِ! وَهَمَزَ الْفَارِسُ جَوَادَهُ هَمْزَةً خَفِيفَةً، وَقَالَ: «هَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ الَّذِي أَسْتَعِينُ فِيهِ بِكَ، وَالَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَتَيْتُ بِكَ مِنْ «وَادِي الدُّمُوعِ».
سَاعِدْنِي، أَيُّهَا الْجَوَادُ النَّبِيلُ. عَاوِنِّي عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِي الْإِنْسَانِيِّ الْجَلِيلِ! لَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْوَحْشِ الْكَاسِرِ، إِمَّا مَوْتٌ وَإِمَّا حَيَاةٌ! وَلَا تَنْسَ أَنِّي أَقْسَمْتُ أَنْ أُهْلِكَ هَذَا التَّنِّينَ أَوْ أَمُوتَ!»
كَانَ الْجَوَادُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَقْدِيمِ الْمَعُونَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْعَصِيبِ. وَسُرْعَانَ مَا اسْتَجَابَ إِلَى نِدَاءِ الْفَارِسِ الرَّفِيقِ. وَانْدَفَعَ الْجَوَادُ الْمُجَنَّحُ الشُّجَاعُ نَحْوَ التَّنِّينِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ مِنْهُ، وَهُنَا انْتَهَزَ الْفَارِسُ الْفُرْصَةَ، فَصَوَّبَ إِلَى عَدُوِّهِ ضَرْبَةً مِنْ سَيْفِهِ أَصَابَتْهُ فِي الصَّمِيمِ.
وَرَجَعَ الْجَوَادُ بِصَاحِبِهِ إِلَى الْوَرَاءِ فِي مِثْلِ لَمْحِ الْبَصَرِ؛ فَقَدْ هَاجَ التَّنِّينُ وَمَاجَ، وَثَارَ وَغَضِبَ، وَأَخَذَ يَزْفِرُ وَيُدَخِّنُ، وَتَحَرَّكَ نَحْوَ الْفَارِسِ يُرِيدُ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ. رَأَى الْجَوَادُ ذَلِكَ، فَانْتَهَزَ فُرْصَةً كَرَّ فِيهَا عَلَى التِّنِّينِ، لِيُمَكِّنَ صَاحِبَهُ الْفَارِسَ مِنَ التَّغَلُّبِ عَلَى هَذَا الْوَحْشِ الْهَائِجِ.
وَنَظَرَ الْفَارِسُ إِلَى التَّنِّينِ، فَأَدْرَكَ أَنَّهُ قَطَعَ رَأْسَ الْعَنْزِ ... فَحَمِدَ اللَّهَ، وَزَادَ أَمَلُهُ فِي النَّجَاحِ ... وَبَدَأَ يَسْتَعِدُّ لِلْقَضَاءِ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّءُوسِ.
اشْتَدَّ غَضَبُ «التِّنِّينِ» حِينَ رَأَى الْفَارِسَ يُعَاوِدُ الاقْتِرَابَ مِنْهُ، وَتَضَاعَفَتْ ضَرَاوَتُهُ. وَتَجَمَّعَتْ قُوَّتُهُ فِي رَأْسَيِ الْأَسَدِ وَالثَّعْبَانِ، وَانْدَفَعَ هَذَانِ الرَّأْسَانِ يَرْمِيَانِ بِالْجَمَرَاتِ، وَيَقْذِفَانِ بِاللَّهَبِ إِلَى أَبْعَدِ الْمَسَافَاتِ، وَيُرْسِلَانِ دُخَانًا يَخْنُقُ الْأَنْفَاسَ، وَيُعْمِي الْعُيُونَ.
فَمَاذَا صَنَعَ الْجَوَادُ الْمُجَنَّحُ؟
لَمْ تُفَارِقِ الْجَوَادَ شَجَاعَتُهُ، فَانْدَفَعَ بِصَاحِبِهِ فِي حَذَرٍ شَدِيدٍ، وَسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ؛ حَتَّى أَصْبَحَ مِنَ «التِّنِّينِ» عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ ... وَأَتَاحَ لِصَاحِبِهِ فُرْصَةً أُخْرَى. وَانْتَهَزَ الْفَارِسُ الْفُرْصَةَ، فَسَدَّدَ ضَرْبَةً قَوِيَّةً إِلَى أَحَدِ الرَّأْسَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ.
اشْتَدَّ هِيَاجُ «التِّنِّينِ»، وَانْدَفَعَ نَحْوَ الْجَوَادِ وَالْفَارِسِ يُرِيدُ قَتْلَهُمَا. وَكَادَ يَتِمُّ لَهُ مَا أَرَادَ، لَوْلَا أَنَّ الْجَوَادَ رَجَعَ فِي سُرْعَةِ الْبَرْقِ إِلَى الْوَرَاءِ. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْلَمِ الْفَارِسُ وَلَا الْجَوَادُ، فَقَدْ لَمَسَ فَمُ «التِّنِّينِ» الْبَطَلَ، فَمَزَّقَ كَتِفَهُ، وَأَصَابَ جَنَاحَ الْجَوَادِ إِصَابَةً خَفِيفَةً ... لَكِنَّ «التِّنِّينَ» خَسِرَ رَأْسَهُ الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ: خَسِرَ رَأْسَ الْأَسَدِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ رَأْسَ الْعَنْزِ.
اشْتَدَّ غَيْظُ التَّنِّينِ وَهَاجَ، حَتَّى كَادَ يَتَقَطَّعُ مِنَ الْغَيْظِ وَالْغَضَبِ. لَقَدْ قُطِعَ رَأْسَاهُ ...! فَجَمَعَ فِي الرَّأْسِ الْبَاقِي كُلَّ قُوَاهُ ... أَرْسَلَ الثُّعْبَانُ عَمُودًا كَثِيفًا مِنَ الدُّخَانِ الْأَسْوَدِ الْمُلْتَهِبِ، وَتَدَفَّقَ مِنْ فِيهِ سَيْلٌ مِنَ الْجَمْرِ وَالنَّارِ، وَأَخَذَ يَقْذِفُ بِهِ إِلَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ، وَاشْتَعَلَتْ غَيْظَتُهُ، وَأَصْبَحَ رَأْسُهُ أَشْبَهَ بِالْبُرْكَانِ الثَّائِرِ.
مَاذَا كَانَ مَوْقِفُ الْبَطَلِ أَمَامَ هَذَا الْهُجُومِ الْجَبَّارِ؟ مَاذَا كَانَ مَوْقِفُهُ - فِي هَذَا الْوَقْتِ – وَجُرْحُهُ يَنْزِفُ مِنْهُ الدِّمَاءُ؟ هَلْ دَبَّ الْخَوْفُ إِلَى قَلْبِهِ؟ هَلْ تَرَاجَعَ أَمَامَ هَذَا الْخَطَرِ الدَّاهِمِ.
لَقَدْ زَادَهُ ذَلِكَ عَزْمًا عَلَى عَزْمٍ، وَهَجَمَ عَلَى التِّنِّينِ فِي عُنْفٍ، وَانْقَضَّ عَلَيْهِ انْقِضَاضَ الصَّاعِقَةِ.
اشْتَدَّ غَضَبُ التِّنِّينِ، وَانْقَضَّ عَلَى الْفَارِسِ وَالْجَوَادِ كَالْجَبَلِ، وَقَذَفَ بِجِسْمِهِ الْهَائِلِ عَلَى الْمُجَنَّحِ وَرَاكِبِهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَخْنُقَهُمَا، وَأَوْشَكَ أَنْ يَلْتَفَّ حَوْلَهُمَا، وَأَخَذَ يَقْذِفُ صَوَاعِقَ اللَّهَبِ، وَيُرْسِلُ سُحُبَ الدُّخَانِ.
أَدْرَكَ الْجَوَادُ حَرَجَ الْمَوْقِفِ، فَانْدَفَعَ فِي طَيَرَانِهِ إِلَى أَعَالِي السَّمَاءِ. فَمَا كَانَ مِنَ الثَّعْبَانِ إِلَّا أَنْ شَدَّدَ الضَّغْطَ عَلَيْهِمَا؛ حَتَّى سُدَّتْ أَمَامَهُمَا أَبْوَابُ النَّجَاةِ، وَكَادَا يَفْقِدَانِ كُلَّ أَمَلٍ فِي الْحَيَاةِ ... وَهُنَا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الْفَارِسِ، وَتَجَلَّى ثَبَاتُ قَلْبِهِ، وَصِدْقُ شَجَاعَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَأَغْمَدَ سَيْفَهُ فِي صَدْرِ التِّنِّينِ!
حِينَذَاكَ ضَعُفَتْ قُوَّةُ التِّنِّينِ، وَخَارَتْ عَزِيمَتُهُ، وَهَوَى إِلَى الْأَرْضِ، وَأَخَذَ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ، وَيَنْفُثُ مِنْ جَوْفِهِ نِيرَانًا حَامِيَةً ... حَتَّى مَاتَ. وَانْتَصَرَ الْبَطَلُ بَعْدَ كِفَاحٍ طَوِيلٍ.
وَعَرَفَ الشَّعْبُ أَخْبَارَ النَّصْرِ، فَتَنَفَّسَ النَّاسُ نَسِيمَ الْحُرِّيَّةِ وَالْأَمَانِ وَالاطْمِئْنَانِ ...
الفصل الخامسفَرْحَةُ الشَّعْبِ
فَرِحَ الشَّعْبُ بِنَاصِرِهِ، وَاحْتَفَلُوا بِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَتَرَدَّدَ اسْمُهُ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ بِالشُّكْرِ، وَالاعْتِرَافِ لَهُ بِالْجَمِيلِ ... وَأَقْبَلَتْ عَلَى نَاصِرِ الشَّعْبِ وُفُودُ الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ، إِذْ كَانَ سَبَبًا فِي إِنْقَاذِهَا – كَذَلِكَ - مِنْ أَخْطَارِ «التِّنِّينِ».
لَمْ يَنْسَ «فَارِسُ الْفَوَارِسِ» الْجَوَادَ الطَّيَّارَ ... بَلْ عَرَفَ لَهُ فَضْلَهُ وَصَنِيعَهُ ... وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَنْحَنِي عَلَيْهِ، وَيُقَبِّلُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ، هَمَسَ الْفَارِسُ فِي أُذُنِ جَوَادِهِ قَائِلًا: «بَقِيَ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَ وَاجِبَ الشُّكْرِ لِمَنْ عَرَّفَنِي بِكَ، وَهَدَانِي إِلَيْكَ. إِنَّهُ - أَيُّهَا الرَّفِيقُ - عَزِيزُنَا الصَّغِيرُ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْفَضْلِ الْأَوَّلِ فِي لُقْيَاكَ، وَهُوَ الَّذِي أَتَاحَ لِيَ الْفُرْصَةَ لِكَيْ أَرَاكَ.»
رَحَّبَ الْجَوَادُ الطَّيَّارُ بِالْفِكْرَةِ، فَامْتَطَى الْفَارِسُ صَهْوَتَهُ. وَسُرْعَانَ مَا طَارَ بِهِ إِلَى «عَيْنِ الدُّمُوعِ». وَهُنَاكَ وَجَدَ الْفَلَّاحَ الْعَجُوزَ يَعْمَلُ فِي مَزْرَعَتِهِ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ. وَنَظَرَ الْفَارِسُ فَرَأَى صَاحِبَهُ الصَّغِيرَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ؛ فَفَرِحَ بِلِقَائِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَحْرَزَ مِنْ نَصْرٍ عَظِيمٍ ... قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّةَ التَّنِّينِ ... وَبَيَّنَ لَهُ كَيْفَ عَاوَنَهُ الْجَوَادُ الطَّيَّارُ؛ حَتَّى تَغَلَّبَ عَلَيْهِ، وَأَرَاحَ الشَّعْبَ مِنْهُ ...
فَرِحَ الصَّبِيُّ فَرَحًا شَدِيدًا، وَعَرَفَ أَنَّ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ وَالْكِفَاحِ، نَصْرٌ وَنَجَاحٌ. ثُمَّ هَنَّأَ الْفَارِسَ بِمَا أَصَابَ مِنْ مَجْدٍ.
فَأَجَابَهُ الْفَارِسُ الشُّجَاعُ: «لَنْ أَنْسَى مَا غَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ عَوَاطِفَ صَادِقَةٍ، وَشُعُورٍ كَرِيمٍ.. لَقَدْ تَمَّ لِيَ النَّصْرُ عَلَى عَدُوِّي بِتَوْفِيقِ اللهِ، وَشَجَاعَةِ هَذَا الْجَوَادِ، وَصِدْقِ فِرَاسَتِكَ، أَيُّهَا الْعَزِيزُ. وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَمْرًا، هَيَّأَ لَهُ الْأَسْبَابَ، وَذَلَّلَ لَهُ الصِّعَابَ!»
مَاذَا يَكُونُ أَمْرُ الْجَوَادِ الْمُجَنَّحِ؟
أَيَبْقَى فِي «وَادِي الدُّمُوعِ»، أَمْ يَعُودُ مَعَ «فَارِسِ الْفَوَارِسِ» إِلَى وَطَنِهِ؟
لَمْ يَشَأَ الْفَارِسُ الْبَطَلُ أَنْ يَحْبِسَ حُرِّيَّةَ رَفِيقِهِ، فَيُجْبِرَهُ عَلَى الرُّجُوعِ مَعَهُ.
الْتَفَتَ إِلَى الْجَوَادِ، وَقَالَ لَهُ: «وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُحِبُّ الْمَعِيشَةَ هُنَا فِي «وَادِي الدُّمُوعِ». فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُكَدِّرَ عَلَيْكَ حَيَاتَكَ، أَوْ أُنَغِّصَ عِيشَتَكَ، فَأُجْبِرَكَ عَلَى الْعَوْدَةِ مَعِي إِلَى وَطَنِي. نَعَمْ؛ يُؤْلِمُنِي فِرَاقُكَ، لِأَنَّهُ يَحْرِمُنِي جَمِيلَ مَوَدَّتِكَ، وَكَرِيمَ عِشْرَتِكَ. وَلَكِنِّي أَرَاكَ فَرِحًا بِرُجُوعِكَ إِلَى هَذَا الْوَادِي؛ لِتَعُودَ فِيهِ إِلَى حَيَاتِكَ الطَّبِيعِيَّةِ. بَعْدَ أَنْ قَضَيْتَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَعِي فِي كِفَاحٍ وَنِضَالٍ ... وَبَعْدُ؛ فَسَأَرْفَعُ اللِّجَامَ الْمَسْحُورَ مِنْ فَمِكَ؛ لِتَنْطَلِقَ كَمَا تَشَاءُ، مَتَى تَشَاءُ ...
وَدَاعًا، يَا خَيْرَ الْأَصْدِقَاءِ، وَعِشْتَ سَعِيدًا فِي وَادِيكَ الْفَسِيحِ!»
وَحَاوَلَ الْفَارِسُ أَنْ يُفَارِقَ الْفَرَسَ ... اخْتَنَقَ صَوْتُهُ بِالْبُكَاءِ.
وَوَقَفَ الْجَوَادُ الْأَشْهَبُ جَامِدًا فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ كِتْمَانَ حُزْنِهِ، وَإِخْفَاءَ آلَامِهِ. عَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَهُ الْبَطَلُ، فَمَالَ بِرَأْسِهِ عَلَى كَتِفِهِ، وَصَهَلَ وَحَمْحَمَ، وَلَوِ اسْتَطَاعَ لَتَكَلَّمَ! وَكَأَنَّهُ بِذَلِكَ يُعْلِنُ لِفَارِسِهِ أَنَّهُ يُفَضِّلُ الْبَقَاءَ مَعَهُ، عَلَى أَنْ يَعِيشَ حُرًّا حَوْلَ «وَادِي الدُّمُوعِ»!
أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْفَارِسُ، وَرَاحَ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيُحَيِّيهِ، وَقَالَ لَهُ: «مَا أَكْرَمَ إِخَاءَكَ، وَأَنْدَرَ وَفَاءَكَ، وَأَعْظَمَ كِفَاحَكَ وَذَكَاءَكَ. لَقَدْ حَقَّقْتَ لِي مَا تَمَنَّيْتُ، ثُمَّ تَفَضَّلْتَ فَاخْتَرْتَ الْبَقَاءَ مَعِي؛ لِأَسْعَدَ بِقُرْبِكَ، وَأَنْعَمَ بِرُفْقَتِكَ. فَشُكْرًا لَكَ: أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْكَرِيمُ.»
وَدَّعَ الْفَارِسُ الْغُلَامَ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَزُورَهُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ.
أَقْبَلَ الْغُلَامُ عَلَى الْفَارِسِ وَالْفَرَسِ يُوَدِّعُهُمَا، وَيَدْعُو اللَّهَ لَهُمَا، وَيَتَمَنَّى لَهُمَا سَفَرًا سَعِيدًا، وَعَوْدًا حَمِيدًا.
قَالَ الْفَارِسُ لِلْجَوَادِ: «لَمْ يَبْقَ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نُسْرِعَ إِلَى الْوَطَنِ الْحَبِيبِ، فَهَيَّا بِنَا، هَيَّا ...» طَارَ الْجَوَادُ بِرَفِيقِهِ - فِي سُرْعَةِ الرِّيحِ - حَتَّى بَلَغَ أَرْضَ الْوَطَنِ، فِي زَمَنِ قَصِيرٍ.
وَتَدَافَعَ النَّاسُ نَحْوَ الْفَارِسِ مُسْتَقْبِلِينَ مُهَنِّئِينَ وَتَغَنَّوْا بِبُطُولَتِهِ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ.
خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
لَمْ يَنْسَ الْفَارِسُ وَفَاءَ الْجَوَادِ وَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، وَظَلَّ يَذْكُرُ لَهُمَا مَا لَقِيَ مِنْهُمَا فِي الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ مِنْ عَوْنٍ صَادِقٍ، كَانَ سَبَبًا فِيمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ نَجَاحٍ وَتَوْفِيقٍ.
وَذَاعَتْ شُهْرَةُ الْبَطَلِ فِي الْآفَاقِ، وَأَصْبَحَتْ شَجَاعَتُهُ مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ، وَصَارَ جِهَادُهُ مَثَلًا أَعْلَى بَيْنَ الْأَبْطَالِ الْخَالِدِينَ.
مَرَّتِ السِّنُونَ، وَتَعَاقَبَتِ الْأَجْيَالُ وَالْقُرُونُ، وَلَا يَزَالُ التَّارِيخُ – إِلَى الْيَوْمِ – يَذْكُرُ ذَلِكَ الْفِدَائِيَّ الْعَظِيمَ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.