حكاية·HIKOYA

غزالة الوادي

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy8 bob8 daqiqa
غزالة الوادي
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.أَرْضُ الْغِزْلَانِ
  2. 2.الْوَطَنُ الْوَحِيدُ
  3. 3.الصَّوْتُ الْغَرِيبُ
  4. 4.مَطْلَبُ الْأَسَدِ
  5. 5.الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْغِزْلَانِ
  6. 6.بَعْدَ الصَّبْرِ
  7. 7.الْحِيلَةُ الْعَجِيبَةُ
  8. 8.آخِرَةُ الظُّلْمِ

(۱) أَرْضُ الْغِزْلَانِأَرْضُ الْغِزْلَانِ

أَحْكِي لَكُمْ يَا إِخْوانِ، حِكَايَةَ الْغِزْلَانِ، وَمَا جَرَى مِنْ زَمَانٍ.

هُناكَ أَرْضٌ واسِعَةٌ خَضْرَاءُ ، عامِرَةٌ بِالْأَشْجَارِ، كَأَنَّهَا بُسْتَانٌ.

كَانَتْ تَمْرَحُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْغِزْلَانِ، فِي سَلَامٍ وَأَمانٍ.

بَقِيَتِ الْغِزْلانُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْبَعِيدَةِ، وَهِيَ هَانِئَةٌ سَعِيدَةٌ.

جَمَاعَةُ الْغِزْلَانِ نَعِمَتْ بِعِيشَةٍ كَرِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، فِي هُدُوءٍ وَاسْتِقْرَارٍ.

لا هِيَ خَائِفَةٌ مِنْ أَحَدٍ، وَلا هِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَحَدٍ.

كانَتِ الْأَرْضُ مَدِيدَةً عَرِيضَةً، تَغْدُو فِيهَا الْغِزْلَانُ فِي انْطِلَاقِ.

الْمَسافَةُ الَّتِي بَيْنَها وَبَيْنَ بِلادِ النَّاسِ مَسافَةٌ لَيْسَتْ بِالْقَصِيرَةِ.

الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَعْتَدِي عَلَى غَيْرِها لَمْ تَعْرِفْ هَذِهِ الْأَرْضَ.

لَمْ تَصِلْ إِلَيْهَا أَقْدامُ تِلْكَ الْحَيَواناتِ، مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ.

كَانَ وَادِي الْغِزْلَانِ مَحُوطًا بِأَشْجَارٍ كَبِيرَةٍ، أَغْصَانُها كَثِيرَةٌ.

خَفِيَ الْوَادِي عَنِ الْعُيُونِ، بِهَذِهِ الْأَشْجَارِ الْعَالِيَةِ، كَأَنَّهَا حِيطَانُ.

عَلَى مَرِّ الزَّمانِ ظَلَّ وَادِي الْغِزْلَانِ فِي أَمْنِ وَاطْمِثْنَانِ.

فِيهِ أَقامَ الْغِزْلانُ السُّكَّانُ، وَهُمْ لا يَخْشَوْنَ الْأَذَى وَالْعُدْوَانَ.

الْغِزْلَانُ كَانَتْ تَجِدُ فِي هَذَا الْوَادِي الْخَصِيبِ كُلَّ مَا تَحْتاجُ إِلَيْهِ.

تَأْكُل مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، وَمَا تُثْمِرُهُ الْأَشْجَارُ إِذا جَاءَتْ.

تَشْرَبُ مِنَ الْمِياهِ الصَّافِيَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْجَدَاوِلِ، كُلَّمَا عَطِشَتْ.

الْأَرْضُ أَمامَ أَنْظَارِ الْغِزْلَانِ رَحِيبَةٌ، تَلْهُو فِيهَا وَتَلْعَبُ، مَتَى شَاءَتْ.

(۲) الْوَطَنُ الْوَحِيدُالْوَطَنُ الْوَحِيدُ

الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْغِزْلَانَ كَانَتْ تَحْيَا فِي أَرْضِهَا الْخِصْبَةِ الطَّيِّبَةِ، كَأَنَّهَا تُقِيمُ فِي أَرْجَاءِ بُسْتَانٍ كَبِيرٍ، تَغْمُرُهُ الْأَشْجَارُ، وَتَشْقُهُ الْجَدَاوِلُ.

فِيهِ الطَّعَامُ الْمُشْبِعُ، وَالْمَاءُ الْعَذْبُ، وَالْخُضْرَةُ الْجَمِيلَةُ، وَالْهَوَاءُ الْمُنْعِشُ.

كُلُّنا نَعْرِفُ أَنَّ الْغَزالَ لَا يُحِبُّ السُّكُونَ، وَلا يَكَادُ يَسْتَقِرُّ.

إِنَّهُ دَائِمًا نَشِيطٌ ، سَرِيعُ الْحَرَكَةِ، قَادِرٌ عَلَى الْجَرْيِ وَالنَّطَّ.

لا يَكَادُ يُجَارِيهِ إِنْسَانٌ، أَوَ يُسَابِقُهُ حَيَوانٌ، فِي أَيِّ مَكَانٍ!

كانَتْ غِزْلانُ الْوَادِي الْبَهِيجِ فَرْحانَةً، مَبْسُوطَةً كُلَّ الإِنْبِسَاطِ.

تَتَسابَقُ : تَطْلُعُ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، وَتَنْزِلُ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْوَاطِيَةِ.

عاشتِ الْغِزْلانُ في واديها الرَّحِيبِ الْأَمِينِ، فِي حُبِّ وَصَفَاءٍ وَهَناء.

كُلُّ غَزالٍ مِنَ الْغِزْلَانِ يَوَدُّ إِخْوانَهُ، وَكُلُّ ظَبْيَةٍ تُصَافِي أَخَواتِها.

الغزلان والطّباءُ يَتَعاوَنُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ فِي جِدٌ وَإِخْلاص.

لا شَيْءَ - فِي وَطَنِهَا الْعَزِيزِ الْغالِي - يُعَكِّرُ عَلَيْهَا صَفْوَ حَياتِها.

الْغِزْلانُ تَمْرَحُ فِي وَطَنِها طُولًا وَعَرْضًا ، تَحْسَبُ أَنَّهُ هُوَ: كُلُّ الدُّنْيا.

تَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ هُناكَ مَخْلُوقاتٌ سِواها، وَلا أَرْضٌ غَيْرَ أَرْضِها.

مَرَّتْ سَنَواتٌ عَلَى الْغِزْلانِ، ثُمَّ حَصَلَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ.

لَمْ تُقَدِّرْ جَمَاعَةُ الْغِزْلَانِ أَنَّ ذلِكَ يَحْدُثُ فِي زَمَنِ مِنَ الْأَزْمَانِ.

الَّذِي حَدَثَ : طَارِيٌّ غَرِيبٌ طَرَأَ عَلَى هذا الْوادِي الْخَصِيبِ.

هذا الطَّارِيُّ جَعَلَ الْغِزْلَانَ مُتَحَيِّرةً، لا تَعْرِفُ: ماذا تَفْعَلُ؟!

(۳) الصَّوْتُ الْغَرِيبُالصَّوْتُ الْغَرِيبُ

هذا الطَّارِيُّ الَّذِي فَاجَأَ أَرْضَ الْغِزْلَانِ وَحَيْرَها صَوْتُ غَرِيبٌ.

إِنَّهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ ، كَصَوْتِ الرُّعُودِ ، مَلَأَ الْأَجْوَاءَ، وَعَلَا إِلَى السَّمَاءِ.

صَوْتٌ مُخِيفٌ، يَصُلُّ الْآذان، لا يَطْمَئِنُّ مَعَهُ إِنْسَانٌ وَلَا حَيَوانٌ.

فِيمَا بَيْنَ وَقْتٍ وَوَقْتٍ كانَ ذَلِك الصَّوْتُ الْمُزْعِجُ يَرْتَفِعُ ؛ فَتَفْزَعُ الْغِزْلَانُ، وَيَدُورُ بَعْضُها ناحِيَةَ الْيَمِينِ، وَبَعْضُهَا نَاحِيَةَ الشِّمَالِ.

إنَّها فِي أَشَدِّ الْحَيْرَةِ وَالاضْطِرابِ، أَنْظارُهَا تَبِصُّ هُنا وَهُنَالِكَ!

كَانَ يُخَيَّلُ لِلْغِزْلَانِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، يُرْسِلُ هَذا الصَّوْتَ الْمُخِيفَ حَتَّى غُصُونُ الْأَشْجَارِ، وَمِياهُ الْأَنْهَارِ!

إِنَّهُ صَوْتٌ عَجِيبٌ يَنْطَلِقُ فِي أَرْجَاءِ الْفَضاءِ، فَيَهُزُّ كُلَّ الْأَشْيَاءِ.

أَصْواتُ الْغِزْلَانِ رَفِيقَةٌ هَيِّئَةٌ، لا تَأْلَفُ الْفَرْقَعَةَ الصَّاحِبَةَ الْعَنِيفَةَ.

كانَ لا بُدَّ لِجَمَاعَةِ الْغِزْلَانِ، أَنْ تَهْتَمَّ بِهذا الْأَمْرِ فَلا تَسْكُتَ، وَلَا تَكْتَفِيَ بِأَنْ تَخْتَفِيَ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، أَوْ تَخْتَبِى وَراءَ الْأَحْجَارِ، وَكَأَنَّها لا تَسْمَعُ ذلِكَ الصَّوْتَ الطَّارِئَ الَّذِي لَا تَعْرِفُ مَصْدَرَهُ.

وَأَخِيرًا اجْتَمَعَ بَعْضُ الْغِزْلَانِ إِلَى بَعْضٍ، مَهْمُومَةً غايَةَ الْهَمِّ؛ غَزالٌ يَنْظُرُ هُناكَ، وَظَبْيَةٌ مُطَاطِئَةُ الرَّأْسِ، وَأُخْرَى تُحَدِّثُ أُخْتَها . الْجَمَاعَةُ كُلُّها قَلِقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ، مَشْغُولَةٌ بِالتَّفْكِيرِ في ذلِكَ الْحَادِثِ.

اشْتَدَّ تَساؤُلُ الْغِزْلَانِ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ لِتَسَاؤُلِها مِنْ جَوَابِ: لِمَنِ الصَّوْتُ يا تُرَى؟ ماذا يُرِيدُ؟ هَلْ هُوَ صَوْتٌ لِخَيْرٍ أَوْ لِشَرٍّ؟

(٤) مَطْلَبُ الْأَسَدِمَطْلَبُ الْأَسَدِ

فَجْأَةً ارْتَفَعَ صِياحُ غَزالٍ كَبِيرِ السِّنِّ، يَقُولُ لِجَمَاعَةِ الْغِزْلانِ: «لَقَدْ كَشَفْتُ السِّرَّ. هذا صَوْتُ الْأَسَدِ : مَلِكِ وُحُوشِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . سَمِعْتُ مِنَ الْجُدُودِ : أَلَّا نَجَاةَ مِنْهُ، إِلَّا بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَإِنْفَانِ مَطْلَبِهِ.»

سَأَلَتْ جَمَاعَةُ الْغِزْلانِ الْغَزَالَ الْمُسِنَّ: «ماذا يَطْلُبُ هذا الْأَسَدُ مِنَّا؟»

أَجابَ الْغَزَالُ الْمُسِنُّ: «حَضَرَ الْأَسَدُ وَزَأَرَ ، لِأَنَّهُ جَائِعٌ يَطْلُبُ الطَّعَامَ.»

سَأَلَتِ الْغِزْلانُ: «ما حَقُّهُ فِي إِلْرَامِنَا بِأَنْ نُقَدِّم لَهُ مَطْلَبَهُ الْعَزِيزَ؟»

أَجابَ الْغَزَالُ الْمُسِنُّ: «لا خِيارَ لَنا . الْقَوِيُّ يَفْرِضُ إِرَادَتَهُ عَلَى الضَّعِيفِ؛ فَإِما أَجَبْنَا الْأَسَدَ فِي طَاعَةِ، وَإِمَّا هَجَمَ عَلَيْنَا يَفْتَرِسُنَا بِلا رَحْمَةٍ.»

سَأَلَتِ الْغِزْلَانُ: «ما تَدْبِيرُكَ ، وَأَنْتَ أَنْضَجْنَا عَقْلًا، وَأَكْثَرُنَا خِبْرَةً؟»

أَجابَ الْغَزالُ الْمُسِنُّ: «نُقَدِّمُ لِلْأَسَدِ أَحَدَنا فِدْيَةً لِكَيْ يُشبِعَ جُوعَهُ. وَكُلَّمَا عَادَ إِلَيْنَا جائعًا يَزْارُ قَدَّمْنَا إِلَيْهِ مِنَّا فِدْيَةً أُخْرَى. إذا لَمْ نَفْعَلْ ذَلك لَمْ نَسْلَمْ مِنْ بَطْشِ الْأَسَدِ وَعُدْوَانِهِ.»

بَعْدَ طُولِ تَفْكيرٍ رَضِيَتِ الْجَمَاعَةُ بِمَا نَصَحَ بِهِ الْغَزالُ الْمُسِنُّ.

تَمَّ الاتِّفاقُ عَلَى إِجْراءِ قُرْعَةٍ بَيْنَ الْغِزْلَانِ وَالظُّبَاءِ لِتَقْدِيمِ الْفِدْيَةِ.

مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ النَّوْبَةُ يَبْذُلُ نَفْسَهُ - طَوْعًا – دُونَ مُعارَضَةٍ.

ذَهَبَ الْغَزالُ الْمُسِنُّ إِلَى الْأَسَدِ ، فَلَمَّا رَآهُ الْأَسَدُ زَارَ غَاضِبًا: «لِماذا أَرْسَلُوكَ؟ أَنْتَ هَزِيلٌ، لا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ !»

أَخْبَرَهُ الْغَزالُ الْمُسِنُّ بِالاتِّفاقِ، فَرَضِيَ بِهِ، وَانْتَظَرَ التَّنْفِيذَ.

(٥) الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْغِزْلَانِالْقُرْعَةُ بَيْنَ الْغِزْلَانِ

حَرَصَتِ الْغِزْلَانُ عَلَى إِجْراءِ الْقُرْعَةِ بَيْنَهَا كُلَّمَا زَأَرَ الْأَسَدُ.

مَن تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ فِداءً لِجَمَاعَةِ الْغِزْلَانِ.

الْغَزالُ الْمُسِنُّ يَذْهَبُ بِهِ، وَيُقَدِّمُهُ إِلَى الْأَسَدِ، حَسَبَ الاتِّفَاقِ.

الْأَسَدُ كَانَ يُرَرِّبُ بِقُدُومِ الْغَزالِ الْمُسِنِّ إِلَيْهِ، وَمَعَهُ الْفِدْيَةُ.

كَانَ يَقُولُ: «أَنا رَاضٍ عَنْكُمْ أَيُّهَا الْغِزْلانُ ، ما دُمْتُمْ عِنْدَ الْوَعْدِ. أَنْتُمْ تَكْفُلُونَ لِي أَنْ أَجِدَ طَعَامِي كُلَّمَا جُعْتُ، دُونَ عُدْوانٍ. أَرْضُكُمْ سَتَظَلُّ فِي حِمَايَتِي، لا أَسْمَحُ بِمُهاجَمَتِها لِكَائِنٍ كان.»

الْغَزَالُ الْمُسِنُّ يَقُولُ: «الْغِزْلانُ تَأْمُلُ الْعَيْشَ فِي سَلَامٍ وَأَمَانٍ. لا تَسْتَطِيعُ جَمَاعَةُ الْغِزْلَانِ، إِلَّا أَنْ تُقَابِلَ طَلَبَكَ بِالاسْتِسْلَامِ وَالْإِنْعانِ غايةُ ما تَمْلِكُهُ: هُوَ أَنْ تُجْرِيَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهَا، لِتُوَافِيَكَ بِمَطْلَبِكَ.»

قالَ الْأَسَدُ مُتَعَجِّبًا: «هَلْ يَعْتَرِضُ غَزالٌ حِينَ تَقَعُ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ؟»

أَجَابَ الْغَزالُ: «الْقُرْعَةُ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ، لا يَظْلِمُ، وَلَا يُحَابِي.»

قال الْأَسَدُ: «لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا يُقَدِّمُ نَفْسَهُ فِداءً لِغَيْرِهِ الْحَيَاةُ عَزِيزَةٌ عَالِيَةٌ، لَا يُفَرِّطُ فِيهَا أَحَدٌ أَبَدًا، إِلَّا بِالْإِكْرَاهِ.»

أَجابَ الْغَزالُ: «الْجَمَاعَةُ أَعْمَلَتْ عَقْلَها وَفِكْرَهَا لِتُوَاجِهَ مَا طَلَبْتَ.»

كَانَتِ الْغِزْلانُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : الرِّضا بِالنَّصِيبِ، أَوِ التَّعَرُّضِ لِلْهَلَاكِ.

قالَ الْأَسَدُ: «الْغِزْلانُ جَمَاعَةٌ طَيِّبَةٌ مُتَعاوِنَةٌ ، يَفْدِي بَعْضها بَعْضًا. ما كُنْتُ أُحِبُّ النَّيْلَ مِنْهَا، وَلكِنْ ماذا أصْنَعُ، وَهِيَ طَعَامِي الْمَيسُورُ؟»

(٦) بَعْدَ الصَّبْرِبَعْدَ الصَّبْرِ

اسْتَمَرَّتِ الْغِزْلانُ بَعْضَ الْوَقْتِ، وَهِيَ تُنَفِّذُ وَعْدَهَا لِذلِكَ الْأَسَدِ.

كانَتْ تَشْعُرُ بِأَشَدِّ الْحُزْنِ كُلَّما وَقَفَتْ كَيْ تُوَدِّعَ وَاحِدًا مِنْهَا.

نَفِدَ صَبْرُها عَلَى الظُّلْمِ الْواقِعِ عَلَيْهَا كُلَّمَا جَاءَ الْأَسَدُ وَزَأَرَ.

لَمْ تَكُنِ الْغِزْلانُ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الْقُرْعَةُ تَشْعُرُ بِالسُّرُورِ لِنَجَاتِها.

كَانَ بَعْضُها يَتَحَدَّثُ إِلَى بَعْضٍ وَيَسْأَلُ: «ماذا نَحْنُ نَنْتَظِرُ؟! أَلَسْنَا نَفْقِدُ – فِي كُلِّ مَرَّةٍ – أَخًا عَزِيزًا، أَوْ أُخْتًا عَزِيزَةً عَلَيْنَا؟!»

دَبَّرَ أَحَدُ الْغِزْلَانِ الْفِتْيَانِ أَنْ تَجْتَمِعَ فِرْقَةٌ لِمُهاجَمَةِ الْأَسَدِ الْفِرْقَةُ تُهَاجِمُهُ وَهُوَ يَتَقَبَّلُ الْفِدْيَةَ، فَتَنْهَشُهُ وَتَطْعَنْهُ بِقُرُونِها وَأَخْلافِها.

لَمْ تَلْقَ الْفِكْرَةُ قَبُولًا لَدَى الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهَا يَئِسَتْ مِنْ نَجَاحِها.

خَشِيَتْ أَنْ يَسْتَدِيرَ الْأَسَدُ لَها ، فَيَعْتَدِيَ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي عَلَى حَياتِها.

بِذلِكَ تَفْقِدُ الْغِزْلانُ فِرْقَةً كامِلَةً، وَتُثِيرُ غَضَبَ الْأَسَدِ عَلَيْهَا جَمِيعًا.

قَالَتْ غَزَالَةُ الْوَادِي: «ضَمِنَ لَنَا الْغَزَالُ الْمُسِنُّ : أَلَّا يُهاجِمَنَا الْأَسَدُ، لَكِنَّنَا بِهذا نَجَوْنا مِنْ هَلَاكِ بِهَلاكٍ، وَهَرَبْنَا مِنْ مَوْتِ إِلَى مَوْتِ. خَطَرَتْ لِي فِكْرَةٌ خَاصَّةٌ بِي، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى إِنْفَاذِهَا وَحْدِي. لَقَدِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبِي لِقاءَ الْأَسَدِ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ ذِلكَ لِي. لا داعِيَ لإجراءِ الْقُرْعَةِ الْمُقْبِلَةِ. سَأَذْهَبُ إِلَى الْأَسَدِ وَحْدِي مُتَطَوِّعَةً.»

قالَتْ لَها الْغِزْلانُ: «ماذا نَجْنِي مِنْ فِكْرَتِكِ الَّتِي خَطَرَتْ بِبَالِكِ؟»

أجابَتْ: «لا قُوَّةَ لَنا عَلَى الْأَسَدِ، وَلكِنْ لَنا فِكْرٌ وَتَدْبِيرُ انْتَظِرُونِي.»

(۷) الْحِيلَةُ الْعَجِيبَةُالْحِيلَةُ الْعَجِيبَةُ

ما سَمِعَتْ غَزالَةُ الْوادِي زَثِيرَ الْأَسَدِ الْجَائِعِ حَتَّى مَضَتْ إِلَيْهِ.

كانَتْ فِي طَريقِها، تَتَلَكَأُ مُتَعَمِّدَةً؛ تُبْطِئُ حِينًا، وَتَتَوَقَّفُ حِينًا.

لَمْ يَكُنْ إِبْطاؤُهَا أَوْ تَوَقُفُها ، إِلَّا لِتَنْفِيذِ الْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَتْها.

قَصَدَتْ أَنْ يَتَأَخَّرَ وُصُولُهَا إِلَى مَكَانِ الْأَسَدِ وَقْتًا غَيْرَ قَصِيرٍ.

تَوَقَّعَتْ غَزَالَةُ الْوادِي أَنْ يَغْضَبَ الْأَسَدُ لِشِدَّةِ جُوعِهِ وَطُولِ انْتِظَارِهِ.

وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى الْأَسَدِ، وَأَظْهَرَتْ أَنَّها خَائِفَةٌ، تَلْتَمِسُ حِمَايَتَهُ.

قالَ الْأَسَدُ : لِماذا حَضَرْتِ وَحْدَكِ ؟ وَلِماذا تَأَخَّرْتِ عَنِ الْمَوْعِدِ؟»

أَجابَتْهُ: «كُنْتُ بِصُحْبَةِ الْغَزالِ الْمُسِنِّ؛ نَمْضِي إِلَيْكَ بِحَسَبِ الْمَوْعِدِ. فَجْأَةً، حَدَثَ مِنَ الْأَمْرِ ما جَعَلَ الْغَزالَ يَهْرُبُ راجِعًا إِلَى أَرْضِ الْغِزْلانِ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُدْرِكَهُ، فَدُرْت هُنا وَهُنَالِكَ، حَتَّى حَضَرْتُ إِلَيْكَ.»

سَأَلَهَا الْأَسَدُ: «ما الَّذِي جَعَلَكُما تَهْرُبَانِ أَيَّتُهَا الْغَزالَةُ اللَّطِيفَةُ؟!»

أَجابَتْهُ: «ما حَسِبْتُ أَنَّ أَسَدًا يَحُلُّ بِأَرْضِكَ يا سَيِّدَ الْأُسُودِ الْعَجِيبُ: أَنَّ هُناكَ – عِنْدَ عَيْنِ الْمَاءِ - أَسَدًا حاوَلَ مُهاجَمَتَنَا كادَ الْأَسَدُ الغَرِيبُ يَلْحَقُ بِي. وَلَوْ أَدْرَكَنِي لَحَرَمَنِي الْوُصُولَ إِلَيْكَ. كيفَ تَطَاوَلَ هذا الْأَسَدُ عَلَيْكَ، فَاسْتَهَانَ بِوُجُودِكَ فِي أَرْضِكَ؟!»

غَضِبَ الْأَسَدُ أَشَدَّ الْغَضَبِ، فَزَارَ زَأْرَةً اهْتَزَّتْ لَهَا أَرْجَاءُ الْوادِي.

قالَ لَها: «أَيُّ أَسَدٍ يَسْمَحُ لِنَفْسِهِ بِمُشَارَكَتِي فِي أَرْضِي ؟! أَنا وَحْدِي صَاحِبُ الْحَقِّ فِي الاسْتِيلاءِ عَلَى وَادِي الْغِزْلَانِ.»

(۸) آخِرَةُ الظُّلْمِآخِرَةُ الظُّلْمِ

قالَتْ غَزَالَةُ الْوادِي: «أَتَتْرُكُ الْأَسَدَ يَطَأُ مَيْدِانَكَ، وَيُنَازِعُكَ سُلْطَانَكَ؟»

أَجابَها: «لَنْ أَتْرُكَهُ، إِنِّي ذَاهِبٌ لِأَلْقَاهُ، وَسَأُرِيهِ كَيْفَ يَجْتَرِئُ عَلَيَّ؟»

قالَتْ: «خُذْنِي مَعَكَ إِلَيْهِ، فَإِنِّي أَخافُ أَنْ أَبْقَى هُنا وَحْدِي.»

مَشَى الْأَسَدُ ، وَمَشَتِ الْغَزَالَةُ بِجانِبِهِ ، حَتَّى اقْتَرَبَا مِنْ عَيْنِ الْمَاءِ.

الْأَسَدُ صاح: «لا أَرَى أَمامِي شَبَحَ أَسَدٍ ، وَلا أَسْمَعُ حِسَّ أَسَدٍ. مَا بِالْكِ – أَيَّتُهَا الْغَزالَةُ – تُخْبِرِينَنِي بِما لَيْسَ لَهُ مِنْ وُجودٍ ؟! إِيَّاكِ أَنْ تَكُونِي – بِمَا حَدَّثْتِنِي بِهِ – أَرَدْتِ أَنْ تَخْدَعِينِي !»

قَالَتْ لَهُ الْغَزالَةُ الذَّكِيَّةُ: «كَيْفَ أَسْتَبِيحُ لِنَفْسِي أَنْ أَخْدَعَ مِثْلَكَ؟! تَقَدَّمْ بِخُطَاكَ إِلَى حَرْفِ عَيْنِ الْمَاءِ، وَأَطِلْ نَظَرَاتِكَ مُدَقِّقًا فِيهِ. لا شَلَّ أَنَّ الْأَسَدَ عَرَفَ وُجُودَكَ، وَلِذلِكَ تَوارَى عَنْ عَيْنَيْكَ ما أَظُنُّ إِلَّا أَنَّهُ حِينَ أَحَسَّ بِقُدُومِكَ غَطِسَ فِي عَيْنِ الْمَاءِ. أَتَكْتَفِي – يا سَيِّدِ

الْأُسُودِ - بِأَنَّهُ قَدْ خَافَ مِنْكَ، وَاسْتَتَرَ عَنْكَ ؟ لَوْ تَرَكْتَهُ يُفْلِتْ مِنْ قَبْضَتِكَ لَسَقَطَتْ مَكَانَتُكَ، وَضاعَتْ هَيْبَتُكَ.»

تَحَمَّسَ الْأَسَدُ حِينَ سَمِعَ هذا الْكَلامَ، وَمَدَّ عُنُقَهُ إِلَى عَيْنِ الْمَاءِ.

حَدَّقَ بِنَظَرِهِ فِي عَيْنِ الْمَاءِ، فَأَبْصَرَ أَسَدًا يُحَدِّقُ بِنَظَرِهِ فِيهِ.

رَأَى الْأَسَدُ خَيالَهُ مَرْسُومًا فِي الْمَاءِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ، فَغَرِقَ فِي الْحَالِ.

نَجَحَتْ حِيلَةُ الْغَزالَةِ، فَرَجَعَتْ تُخْبِرُ الْغِزْلَانَ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْأَسَدِ.

جَعَلَتِ الْغِزْلانُ تَتَغَنَّى بِقَوْلِهَا: «تِلْكَ هِيَ آخِرَةُ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ.»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH