حكاية·HIKOYA

ذات الجناحين

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy3 bob12 daqiqa
ذات الجناحين
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.بَيْنَ الْفَرَّانِ وَالْوَالِي
  2. 2.بَيْنَ يَدَيِ الْوالِي
  3. 3.أَحْكَامُ جَائِرَةٌ

الفصل الأولبَيْنَ الْفَرَّانِ وَالْوَالِي

قَالَ أَبُو الْغُصْنِ: عَبْدُ اللَّهِ جُحَا فِيما يَرْوِيهِ مِنْ حِكَايَاتٍ وَنَوَادِرَ عَلَى جُلَسَائِهِ: فِي إِحْدَى سَفَرَاتِي، فِي الْبِلادِ الْبَعِيدَةِ، نَزَلْتُ فِي بَلَدٍ يَتَحَكَّمُ فِي أَمْرِهِ رَجُلٌ مُتَجَبِّرٌ، لا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ، وَلا يُعْطِي الْحَقَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ. وَقَدْ وَقَعَتْ لِهَذَا الْوَالِي حَوادِثُ غَرِيبَةٌ، فِي أَثْناءِ وُجُودِي فِي بَلَدِهِ، مِنْهَا الْحَادِثَةُ التَّالِيَةُ الَّتِي أَحْكِيهَا كَمَا وَقَعَتْ.

ذاتَ يَوْمٍ: كَانَ الْوالِي «كَمِيشُ» يَجُولُ فِي الطُّرُقاتِ. شَمَّ الْوالِي - فِي أَثْنَاءِ سَيْرِهِ - قُتَارًا (رِيحَ لَحْمٍ مَشْوِيٌّ). كَانَ الْقُتارُ يَنْبَعِثُ مِنْ فُرْنٍ قَرِيبٍ. كانَ الوالي «كَمِيش» - فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - جَائِعًا. ارْتَفَعَ قُتارُ اللَّحْمِ، وَسَطَعَتْ رَائِحَتُهُ. اقْتَرَبَ الْوالِي «كَمِيشُ» مِنَ الْفُرْنِ، وَوَقَفَ بِبَابِهِ.

لَمْ يُطِقِ الْوَالِي صَبْرًا عَلَى الْجُوعِ، لَمَّا شَمَّ الْقُتَارَ. الوالي نادَى الْفَرَّانَ بِصَوْتٍ عالٍ. سرعان ما حَضَرَ الْفَرَّانُ إِلَيْهِ. انْطَلَقَ الْوالِي يُمْطِرُ الْفَرَّانَ أَسْئِلَةً غايَةً فِي السُّخْفِ. ابْتَدَرَ الْفَرَّانَ مُدَاعِبًا. قالَ لَهُ وَهُوَ يَتَشَمَّمُ الْهَواءَ: «شَمِمْتُ رَائِحَةَ شِواءٍ تَنْبَعِثُ مِنَ الْفُرْنِ؛ خَبَرْنِي يَا رَجُلُ: ماذا تَشْوِي فِي فُرْنِكَ؟» قَالَ الْفَرَّانُ: «إِنَّهَا وَزَّةٌ، أَحْضَرَها أَحَدُ النَّاسِ لِأَشْوِيَهَا لَهُ.» قالَ الْوالِي مُتَظَرِّفًا: «تَعْنِي وَزَّةً ذاتَ جَناحَيْنِ؟!» قالَ الْفَرَّانُ: «ذَلِكَ مَا عَنَيْتُهُ يَا سَيِّدِي الْوَالِي.» تَمَادَى الْوَالِي فِي سُخْفِهِ، فَقالَ: «لِأَيِّ غَرَضِ اسْتَوْدَعَكَ صَاحِبُها إِيَّاها؟» قالَ الْفَرَّانُ: «أَرَادَ أَنْ أَشْوِيَهَا لَهُ، وَسَيَحْضُرُ لِيَأْخُذَها!» قالَ الْوالِي: «أَلَمْ يَقُلْ لَكَ: ماذَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ بِالْوَزَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَشْوِيَها لَهُ، وَيَأْخُذَها مِنْكَ؟» قالَ الْفَرَّانُ: «ماذا يَصْنَعُ إِلَّا أَنْ يَتَغَدَّى بِهَا، أَوْ يَتَعَشَّى؟!»

أَمْعَنَ الْوالِي فِي سَماجَتِهِ، سَأَلَ الْفَرَّانَ: «يَتَغَدَّى بِها أَوْ يَتَعَشَّى؟! كَيْفَ يَسْتَأْثِرُ بِها وَحْدَهُ؟ لَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ رَجُلٌ غَيْرُ كَرِيمٍ، لا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي نَفْسِهِ! مَا أَجْدَرَ هُذَا الرَّجُلَ بِالزَّجْرِ والعقاب.» قال الْفَرَّانُ: «بِماذا يَأْمُرُنِي السَّيِّدُ الوالي؟» قالَ «كَمِيشُ»: «أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ أَيُّهَا الْفَرَّانُ: أَلَا تَسْتَكْثِرُ عَلَى هُذَا الرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِذاتِ الْجَناحَيْنِ، دُونَ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ؟» تَحَيَّرَ الْفَرَّانُ وَارْتَبَكَ. سَكَتَ وَلَمْ يُجِبْ. قالَ الْوالِي: «أَنْتَ - فيما أَرَى - بارِعٌ ذَكِيٌّ! لا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَعْلَمُ مَا أُرِيدُ. أَنا لا أَطْلُبُ مِنْكَ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، لَا يُكَلِّفُكَ جُهْدًا كَبِيرًا.»

قالَ الْفَرَّانُ: «لِلسَّيِّدِ الْوالِي أَنْ يَأْمُرَ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَ!» قالَ الْوالِي: «لا تَتَوَانَ - لَحْظَةً واحِدَةً - فِي إِرْسالِ ذاتِ الْجَناحَيْنِ إِلَى دَارِي، بَعْدَ أَنْ تَشْوِيَهَا، لِأُمَتِّعَ نَفْسِي بِأَكْلِها.» اِشْتَدَّتْ حَيْرَةُ الْفَرَّانِ. سَأَلَ الْوالِيَ مُتَعَجِّبًا: «ماذا أَقُولُ لِصَاحِبِها حِينَ يَحْضُرُ لِيَطْلُبَها؟» أَقْبَلَ الْوَالِي عَلَى الْفَرَّانِ مُشَجِّعًا. قالَ: «ما أَيْسَرَ عَلَيْكَ أَنْ تُخْبَرَ صَاحِبَ الْوَزَّةِ أَنَّ وَزَّتَهُ طارَتْ. قُلْ لَهُ: إِنَّ وَزَّتَهُ اسْتَرَدَّتِ الْحَياةَ، بَعْدَ أَنْ شَوَيْتَها، وَأَنْضَجْتَ لَحْمَهَا. وَمَا لَبِثَتْ أَنْ رَفْرَفَتْ بِجَناحَيْها طَائِرَةً.» قالَ الْفَرَّانُ: «أَمُصَدِّقِي هُوَ إِنْ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ؟!» قالَ الْوالِي: «سِيَّانِ تَصْدِيقُهُ وَتَكْذِيبُهُ. لا تُبالِ بِهِ.» قالَ الفَرَّانُ: «كَيْفَ أَصْنَعُ إِذا لَجَّ فِي غَضَبِهِ؟» قالَ الْوالِي: «لا تَتَرَدَّدْ فِي إِحْضَارِهِ، لِتَحْتَكِما إِلَيَّ. أنا الْكَفِيلُ بِرَدْعِهِ، وَرَدِّهِ إِلَى الصَّوابِ.» كَانَ الْفَرَّانُ عارِفًا بِطِباعِ الْوالِي. لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَةِ الْفَرَّانِ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَ الْوَالِي. لَمْ يَتَرَدَّدِ الْفَرَّانُ فِي الْإِنْعَانِ لَهُ (طَاعَةِ الْأَمْرِ وَإِنْفَاذِهِ). أَرْسَلَ الْوَزَّةَ - بَعْدَ إِنْضاجها - إِلَى الْوالِي «كَمِيش».

بَعْدَ قَلِيلٍ: حَضَرَ صَاحِبُ الْوَزَّةِ. طَلَبَ مِنَ الْفَرَّانِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَزَّةَ الْمَشْوِيَّةَ. تَظاهَرَ الْفَرَّانُ بِالدَّهْشَةِ. قَالَ لِصاحِبِ الْوَزَّةِ مُتَحَسِّرًا: «آهِ، لَوْ عَلِمْتَ مَا حَدَثَ. إِنَّ لِوَزَّتِكَ - يا سَيِّدِي - لَنَبَاً عَجِيبًا؛ لَمْ أَرَ لَهُ طُولَ عُمُرِي مَثِيلًا!» قال صاحِبُ الْوَزَّةِ: «أَيَّ نَبَإِ تَعْنِي؟!» قَالَ الْفَرَّانُ: «ما إِنْ شَوَيْتُ وَزَّتَكَ وَأَنْضَجْتُها، حَتَّى رَأَيْتُ رُوحَها تَعُودُ إِلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى.»

صَمَتَ الْفَرَّانُ لَحَظاتٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَائِلًا: «ما أَظُنُّكَ تُصَدِّقُ أَنَّنِي رَأَيْتُهَا تَنْتَفِضُ بَعْدَ ذَبْحِها وَشَيِّها! ما أَظُنُّكَ تُصَدِّقُ أَنَّنِي رَأَيْتُها - بِعَيْنَي رَأْسِي هَاتَيْنِ - تُرَفْرِفُ بِجَناحَيْها، وَتَمْلَأُ الدُّنْيَا جَلَبَةً وَصِياحًا. مَا أَظُنُّكَ تُصَدِّقُ أَنِّي رَأَيْتُهَا تَطِيرُ مُبْتَهِجَةً بِعَوْدَةِ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا.»

غَضِبَ صَاحِبُ الْوَزَّةِ مِمَّا سَمِعَ. حَسِبَ الْفَرَّانَ يَمْزَحُ أَوَّلَ الْأَمْرِ صَرَخَ مُغْضَبًا حَائِقًا. قاطَعَ الْفَرَّانَ قائِلًا: «أَلا تَكُفُّ عَنْ مُزاحِكَ السَّمِيجِ؟ دَعْ عَنْكَ هُذَا الْهَذَرَ!»

قالَ الْفَرَّانُ: «إِنِّي لا أَمْزَحُ، وَلا أَهْذِرُ. إِنَّ مَا أُخْبِرُكَ بِهِ حَقٌّ صُرَاحٌ: حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا مزاح.» اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّجُلِ. سَأَلَ الْفَرَّانَ مُسْتَنْكِرًا: «أَيَّ عَبَثٍ تَرْوِي؟! أَلَّا تَسْتَحِي مِمَّا تَقُولُ؟» قالَ الْفَرَّانُ: «ما بالُكَ تَتَعَجَّلُ فِي لَوْمِي، وَتُسْرِفُ فِي شَتْمِي؟ أَلَسْتَ مُؤْمِنًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ؟ كَيْفَ تَسْتَكْثِرُ عَلَى قُدْرَتِهِ شَيْئًا؟ هَلْ يُخَامِرُكَ شَكٍّ فِي أَنَّهُ - سُبْحانَهُ – يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ فِيمَ الْعَجَبُ إِذَنْ مِمَّا حَدَثَ لِوَزَّتِكَ؟» صَرَخَ صَاحِبُ الْوَزَّةِ قَائِلًا: «أَلا تَكُفُّ عَنْ هَذَرِكَ! أَلا تُحَاسِبُ نَفْسَكَ عَلَى مَا يَفُوهُ بِهِ لِسانُكَ؟ كَيْفَ تَقُولُ إِنَّنِي غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِقُدْرَةِ اللهِ؟! أَنَسِيتَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا؟ أَنَسِيتَ أَنَّهُ – سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِطَبَائِعِ الْأَشْيَاءِ قَوَانِينَ لَا تَتَخَطَّاهَا؟»

طَالَ الْحِوارُ بَيْنَ الْفَرَّانِ وَصَاحِبِ الْوَزَّةِ. تَجَمَّعَ النَّاسُ حَوْلَهُما. سَأَلَهُمَا النَّاسُ عَنْ سَبَبٍ مَا بَيْنَهُما مِنْ نِزاعٍ. رَوَى لَهُمْ صَاحِبُ الْوَزَّةِ قِصَّتَهُ مَعَ الْفَرَّانِ. غَضِبَ النَّاسُ عَلَى الْفَرَّانِ، حِينَ سَمِعُوا الْقِصَّةَ. تَكاثَرَ الْجَمْعُ. ضَيَّقُوا الْخِناقَ عَلَى الْفَرَّانِ. كَادُوا يَكْتُمُونَ أَنْفَاسَهُ، وَهُمْ مُحِيطُونَ بِهِ. سَاوَرَ الْخَوْفُ الْفَرَّانَ. خَشِيَ سُوءَ الْعَاقِبَةِ. تَلَمَّسَ سَبِيلَهُ إِلَى الْهَرَبِ. كانَ كُلَّما حاوَلَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْ ناحِيَةٍ، سارَعَ النَّاسُ إِلَى اللَّحاقِ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَتَّجِهَ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى. وَلَكِنَّ النَّاسَ لَمْ يَدَعُوهُ يُفْلِتُ، بَلْ كَانُوا يُتَابِعُونَهُ وَيُحَاصِرُونَهُ مِنْ جَمِيعِ النَّواحِي. اِنْدَفَعَ الْفَرَّانُ إِلَى الْجَمْعِ كَالْمَجْنُونِ اخْتَرَقَ زِحَامَهُمْ. لَكَمَ أَقْرَبَ الثَّائِرِينَ إِلَيْهِ، بِقَبْضَةِ يَدِهِ الْمَشْدُودَةِ. كانَتْ لَكْمَةً عَنِيفَةً، أَطَارَتْ إِحْدَى أَسْنانِهِ. اشْتَدَّ هِياجُ النَّاسِ مِمَّا رَأَوْا. تَأَلَّمُوا لِما أَصابَ الرَّجُلَ الَّذِي كُسِرَتْ سِنُّهُ. تَأَلَّبُوا عَلَى الْفَرَّانِ (تَجَمَّعُوا عَلَيْهِ). أَوْسَعُوهُ صَفْعًا بِالْأَكْفٌ، وَلَكْمًا بِالْأَيْدِي، وَرَكْلًا بِالْأَقْدَامِ.

كادَ الْفَرَّانُ يَهْلِكُ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ. زادَتْ حَيْرَتُهُ. اشْتَدَّ بِهِ الْحَرَجُ، وَسُدَّتْ أَبْوَابُ الْفَرَجِ. أَحَسَّ بِأَنَّهُ إِذا اسْتَسْلَمَ لِلْيَأْسِ مِنَ الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَا شَلَّ هَالِكٌ بَعْدَ لحظات. انْدَفَعَ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ الحَائِقِ، كَالسَّهْمِ الْمَارِقِ.

اِنْتَهَى بِهِ الْفِرَارُ إِلَى مَسْجِدٍ، فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ. حاوَلَ أَنْ يَجِدَ فِيهِ مَأْمَنًا. اِتَّجَهَ إِلَى مِثْذَنَةِ الْمَسْجِدِ. كَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّهِ أَنَّهُ وَجَدَ الْبابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى سُلَّمِ الْمِثْذَنَةِ مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. أَسْرَعَ إِلَى السُّلَّمِ الْحَلَزُونِيِّ الدَّائِرِ يَصْعَدُ فِيهِ، بِكُلِّ جُهْدِهِ. أَحَسَّ مِنْ وَرَائِهِ بِحَرَكَةٍ عَلَى سُلَّمِ الْمِثْذَنَةِ. أَدْرَكَ أَنَّ النَّاسَ يُلاحِقُونَهُ. عَرَفَ أَنَّهُمْ يَصْعَدُونَ إِلَى الْمِثْذَنَةِ. أَمامَهُ أَمْرانِ، لا ثَالِثَ لَهُما. أَمْرَانِ أَحْلاهُمَا مُرٌّ: إِمَّا أَنْ يُواجِهَ الثَّائِرِينَ، وَيَلْتَحِمَ بِهِمْ؛ فَيَمُوتَ صَفْعًا بِالْأَكْفُ، وَلَكْمًا بِالْأَيْدِي، وَرَفْسًا بالأقدام! وَإِمَّا أَنْ يَتَشَجَّعَ، وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ مِثْذَنَةِ الْمَسْجِدِ العَالِيَةِ؛ فَيَكُونَ مَصِيرُهُ الْمَوْتَ مُتَرَدِّيًا، مُهَشَّمَ الْأَعْضَاءِ. لا سَبِيلَ إِذَنْ إِلَى الْفِرَارِ. فَأَيَّ الْمِيتَتَيْنِ يَخْتارُ؟! أَكَمَلَ صُعُودَهُ إِلَى أَعْلَى الْمِثْذَنَةِ، حَيْثُ يُطِلُّ عَلَى الطَّرِيقِ. وَجَدَ نَفْسَهُ يَقْفِزُ إِلَى الْأَرْضِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ. ما أَعْجَبَ الْمُفاجَأَةَ الَّتِي حَدَثَتْ لَهُ!

لَمْ يَهْلِكِ الرَّجُلُ، لَمَّا رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ الْمِثْذَنَةِ. قَدَرْ نَجَّاهُ. هُكَذَا أَرَادَ اللَّهُ! سَقَطَ الرَّجُلُ عَلَى أَحَدِ الْمَارَّةِ فِي الطَّرِيقِ. كانَتْ سَقْطَةٌ قاتِلَةً، صَرَعَتِ الرَّجُلَ الْمَارَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَهْلَكَتْهُ، وَحَفِظَتْ حَياةَ الْفَرَّانِ وَنَجَّتْهُ.

تَضاعَفَ سُخْطُ النَّاسِ، حَينَ رَأَوْا ذُلِكَ الْمَنْظَرَ الْأَلِيمَ. ازْدَادَ ارْتِبالُ الْفَرَّانِ. حَارَ فِي أَمْرِهِ: كَيْفَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ غَائِلَةَ الثَّائِرِينَ؟ حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ. رَأَى دُكَّانَ جَزَارٍ. وَجَدَ أَمامَهُ مُدْيَةً (سِكِّينَةً). خَطِفَ السِّكِّينَةَ. أَرَادَ أَنْ يُخِيفَ النَّاسَ بِهَا، وَيُبْعِدَهُمْ عَنْهُ. تَظَاهَرَ الرَّجُلُ بِالْجُنُونِ. لَوَّحَ بِالسِّكِّينِ فِي الْهَوَاءِ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كُنْتُ أَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ، مُمْتَطِيًا حِمارِي. وَقَفْتُ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، أَنْظُرُ مَا يَحْدُثُ. كانَ حِمارِي عَلَى بُعْدِ خَطَواتٍ مِنَ الرَّجُلِ. أَهْوَى الرَّجُلُ بِمُدْيَتِهِ عَلَى ذَيْلِ حِمارِي. قَطَعَتِ الْمُدْيَةُ ذَيْلَ الْحِمَارِ الْمِسْكِينِ. فَزِعَ النَّاسُ مِنَ السِّكِّينِ. تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ شَيْئًا. قالَ الْجَزَّارُ لِلْفَرَّانِ: «ما ذَنْبُ الْحِمارِ، حَتَّى تَجْنِيَ عَلَيْهِ، وَتَقْطَعَ ذَيْلَهُ؟ وَلِماذا تَأْخُذُ سِكِّينِي دُونَ إِذْنٍ مِنِّي؟» لَمْ يَرُدَّ الْفَرَّانُ عَلَى سُؤَالِ الْجَزَّارِ، وَهَمَمْتُ أَنا بِالْكَلامِ، أُناقِشُ الْجَزَّارَ فِيمَا صَنَعَ. وَلَكِنِّي آثَرْتُ الصَّمْتَ.

أَيْقَنْتُ أَنَّهُ لَا جَدْوَى فِي كَلَامِي مَعَهُ. بَلْ خَشِيتُ أَنْ يَجُورَ عَلَيَّ، وَيَمُدَّ يَدَهُ بِالسِّكِّينِ إِلَيَّ. فُرْصَةٌ أَتَاحَتْ لِلرَّجُلِ سَبِيلَ الْفِرارِ. انْطَلَقَ النَّاسُ فِي أَثَرِهِ. ظَلَّ يَجْرِي، والنَّاسُ يُلاحِقُونَهُ. انْتَهَى بِهِ الْفِرارُ إِلَى دَارِ الْوالِي: «كَمِيش»!

الفصل الثانيبَيْنَ يَدَيِ الْوالِي

اسْتَقَرَّ جَمْعُ النَّاسِ فِي دَارِ الْوَالِي، وَمَثَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ. تَظَاهَرَ الْوَالِي بِالدَّهَشِ مِمَّا رَأَى مِنْ قُدُومِ النَّاسِ عَلَيْهِ. انْدَفَعَ الْفَرَّانُ وَصَاحِبُ الْوَزَّةِ إِلَيْهِ، لِيُحَدِّثَاهُ بِمَا جَرَى. أَشار الوالي إِلَى الْفَرَّانِ أَنْ يَبْدَأُ الحَدِيثَ. قالَ الْفَرَّانُ: «هذا الرَّجُلُ أَوْدَعَ عِنْدِي وَزَّةً.» ابْتَدَرَهُ الْوَالِي مُسائِلًا: «أَكَانَتْ بَيْنَكُما صَداقَةٌ قَبْلَ الْيَوْمِ؟» قالَ الْفَرَّانُ: «كَانَ هُذَا أَوَّلَ لِقَاءِ بَيْنَنَا.» قال الوالي: «فَلِماذا اسْتَوْدَعَكَ الرَّجُلُ وَزَّتَهُ؟» قالَ الْفَرَّانُ: «طَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أَشْوِيهَا لَهُ.» صَرَخَ الْوَالِي مُتَظَاهِرًا بِالْغَضَبِ: «أَلَمْ تَكْنِ الْوَزَّةُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؟! فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْكَ شَيْها؟» قالَ الْفَرَّانُ: «كَانَتِ الْوَزَّةُ مَذْبُوحَةً.» قال الوالي: «هُكَذا يَجِبُّ أَنْ يُقالَ. لِمَاذَا لَمْ تَبْدَأُ حَدِيثَكَ هُكَذَا؟»

قالَ الْفَرَّانُ: «عَفْوًا - يا سَيِّدِي الْوالِي - عَفْوًا.» قالَ الْوالِي: «لا عَلَيْكَ! عَفَوْتُ عَنْكَ. خَبِرْنِي أَيُّهَا الْفَرَّانُ: هَلْ شَوَيْتَ الْوَزَّةَ؟» قالَ الْفَرَّانُ: «نَعَمْ! شَوَيْتُها - يا سَيِّدِي الْوالِي - وَأَنْضَجْتُها.» قال الوالي: «فَهَلْ أَخَذَهَا مِنْكَ صَاحِبُها؟» قَالَ الْفَرَّانُ: «كَلَّا! لَمْ يَأْخُذْهَا.» صَرَخَ الْوَالِي مُتَظَاهِرًا بِالْغَضَبِ: «ما أَجْدَرَكَ بِالْعِقابِ! أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِرَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَصْحَابِهَا؟»

أَجابَ الْفَرَّانُ: «حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ. شَيْءٌ مُتَنَادٍ فِي غَرَابَتِهِ، لَا عَهْدَ لِلنَّاسِ بِرُؤْيَتِهِ.» ابْتَسَمَ «كَمِيشُ» وَقَالَ، لِيُشَجِّعَ الْفَرَّانَ عَلَى كَذِبِهِ: «ما أَكْثَرَ مَا تُطَالِعُنَا بِهِ الْأَيَّامُ مِنْ عَجَائِبَ وَغَرَائِبَ!» قالَ الْفَرَّانُ: «رَأَيْتُ الرُّوحَ تَعُودُ إِلَى جِسْمِ الْوَزَّةِ. دَبَّتِ الْحَيَاةُ فِيهَا، بَعْدَ أَنْ ذَبَحْتُها وَشَوَيْتُها وَأَنْضَجْتُها!» صَرَحُ الْوَالِي مُهَلِّلًا: «اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ!» تَشَجَّعَ الفَرَّانُ وَقالَ: «سُرْعانَ ما رَأَيْتُ الْوَزَّةَ الْمَذْبُوحَةَ الْمَشْوِيَّةَ تَحْيا، ثُمَّ تَكْتَسِي رِيشًا مِثْلَ رِيشِهَا الْأَوَّلِ.» قالَ الْوالِي، وَعَلَى وَجْهِهِ أَماراتُ التَّأَثُرِ بِما يَسْمَعُ: «يا سُبْحَانَ اللَّهِ! سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ، ما أَجَلَّ قُدْرَتَهُ وَأَعْظَمَ شَانَهُ! ثُمَّ ماذا يا رَجُلُ؟ أَتِمَّ قِصَّتَكَ. قُلْ وَلَا تَخَفْ.» قالَ الْفَرَّانُ: «رَأَيْتُ الْوَزَّةَ تَقِفُ عَلَى قَدَمَيْها، وَتُرَفْرِفُ بِجَناحَيْهَا، وَتَمْلَأُ الدُّنْيَا صَخَبًا وَصِياحًا، ثُمَّ تَطِيرُ فِي جَوَ السَّمَاءِ!»

لَمْ يُطِقُ صَاحِبُ الْوَزَّةِ صَبْرًا عَلَى هُذِهِ الْمَهْزَلَةِ. الْتَفَتَ إِلَى الْوالِي مُتَبَرِّمًا. سَأَلَهُ مُسْتَنْكِرًا: «كَيْفَ يُصَدِّقُ السَّيِّدُ الْوَالِي مِثْلَ هُذِهِ الْأَقْوالِ؟! كَيْفَ يَجُوزُ عَلَى ذَكائِهِ هُذَا الْمُحَالُ؟! كَيْفَ يَصِحُ فِي الْأَنْهَانِ أَنْ تَحْيَا الْوَزَّةُ وَتَطِيرَ، بَعْدَ أَنْ تُذْبَحَ، وَبَعْدَ أَنْ تُشْوَى، وَبَعْدَ أَنْ تَنْضَجَ عَلَى النَّارِ؟» تَظاهَرَ الْوالِي بِالدَّهْشَةِ مِمَّا سَمِعَ. صَرَخَ مُسْتَنْكِرًا غاضِبًا: «عَجَبًا لَكَ يَا رَجُلُ! كَأَنَّما تَرْتَابُ فِي قُدْرَةِ اللهِ! أَتَسْتَكْثِرُ عَوْدَةَ الْحَيَاةِ إِلَى الْوَزَّةِ عَلَى خَالِقِ السَّمَواتِ وَالْأَرَضِينَ، وَوَاهِبِ الْحَياةِ لِكُلِّ مَنْ فِي الْوُجُودِ: مِنْ إِنْسٍ وَجانٌ، وَمَلَكٍ وَشَيْطَانٍ، وَنَبَاتٍ وَحَيَوانِ؟ لَا بُدَّ أَنْ تَدْفَعَ لِهَذِهِ الْجُرْأَةِ ثَمَنًا يَرْدَعُكَ، وَتَتَلَقَّى - عَلَى يَدِي - دَرْسًا يَنْفَعُكَ، حَتَّى لا تَعُودَ لِمِثْلِها أَبَدًا.» هُنا نَطَقَ الْوَالِي بِحُكْمِهِ الْجَائِرِ! أَمَرَ بِتَغْرِيمِ صَاحِبِ الْوَزَّةِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، جَزاءً لَهُ عَلَى إِنْكَارِهِ أَنَّ الْوَزَّةَ عَادَتْ إِلَيْهَا الْحَياةُ بَعْدَ ذَبْحِهَا وَشَيِّها فِي النَّارِ.

الفصل الثالثأَحْكَامُ جَائِرَةٌ

الْتَفَتَ الْوالِي «كَمِيشْ» إِلَى الْخَصْمِ الثَّانِي. نَظَرَ إِلَيْهِ مُتَجَهِّمًا. سَأَلَهُ مُتَهَكِّمًا: «وَأَنْتَ الْآخَرُ: مَا قِصَّتُكَ؟» أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِما كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ الْفَرَّانِ وَصَاحِبِ الْوَزَّةِ. نَظَرَ إِلَيْهِ الْوَالِي فِي ازْدِرَاءِ واحْتِقارِ. قَالَ لَهُ فِي سُخْرِيَةٍ وَاسْتِنْكَارِ: «رَجُلانِ اخْتَصَما فِي أَمْرٍ يَعْنِيهِمَا، وَتَنازَعا فِي قَضِيَّةٍ تَخُصُّهُما، وَلا تَعْنِي سِواهُما. فَمَا شَأْنُكَ أَنْتَ بِهِما؟ كَيْفَ سَوَّلَتْ (زَيَّنَتْ) لَكَ نَفْسُكَ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُما؟ كَيْفَ ارْتَضَيْتَ أَنْ تَتَحَدَّانِي، وَتَعْتَصِبَ سُلْطَانِي؟ وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنَّ يُتَّبَعَ، وَأَنا أَوَّلُ مَنْ يَتَّبِعُهُ. سَتَرَى أَنَّنِي لَنْ أُفْلِتَ الْجَانِيَ عَلَيْكَ مِنَ الْعِقابِ. لا بُدَّ أَنْ أَخُذَ لَكَ بِحَقِّكَ مِنْهُ، كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ. الْفَرَّانُ – فِيمَا تَقُولُ – أَهْوَى عَلَى صُدْغِكِ بِلَكْمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ أَطارَتْ لَكَ سِنًّا واحِدَةً مِنْ أَسْنَائِكَ. إِذَنْ لَا بُدَّ أَنْ يَلْقَى الْفَرَّانُ جَزاءَ فَعْلَتِهِ الشَّنْعاءِ. مِنْ حَقِّكَ أَنْ تَرُدَّ إِلَيْهِ نَفْسَ الِاعْتِدَاءِ. حَكَمْنا لَكَ أَنْ تَلْكُمَهُ لَكْمَةً واحِدَةً عَلَى صُدْغِهِ، كَما لَكَمَكَ عَلَى صُدْغِكَ لَكْمَةً واحِدَةً؛ عَلَى شَرْطِ أَنْ تُسْقِطَ سِنًّا مِنْ أَسْنانِهِ، تُمائِلُ السِّنَّ الَّتِي أَسْقَطَها لَكَ. وَلَكِنَّنا لَنْ نُعْفِيَكَ مِنَ الْعِقَابِ، إِذا لَمْ تُنَفِّذ هذا الْحُكْمَ كاملًا: فَإِذا عَجَزْتَ عَنْ إِسْقاطِ مِثْلِ تِلْكَ السِّنِّ الَّتِي أَسْقَطَهَا لَكَ، أَوْ أَسْقَطْتَ سِنًّا أُخْرَى مِنْ أَسْنَانِهِ، فَالْوَيْلُ لَكَ وَالْهَلَاكُ!» عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ الْقِيامَ بِمَا يَطْلُبُهُ الْوالِي. أَعْلَنَ نُزُولَهُ عَنْ حَقِّهِ، مُرْغَمًا صَاغِرًا.

تَمَادَى «كَمِيشُ» فِي تَعَسُّفِهِ وَإِرْهاقِهِ. قالَ: «الرَّحْمَةُ تُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَرَفَّقَ بِكَ. لَنْ نَشْتَطَّ فِي مُحَاسَبَتِكَ. قَبِلْنا نُزُولَكَ عَنْ حَقِّكَ. لَكِنَّ لِلْعَدالَةِ حُقُوقًا لَا سَبِيلَ إِلَى التَّهَاوُنِ فيها، وَعَلَيْنَا أَنْ نَصُونَها. لا تَنْسَ أَنَّكَ اغْتَصَبْتَ حَقَّنا، وَانْتَزَعْتَ سُلْطَانَنا؛ حِينَ حَاوَلْتَ أَنْ تَقْضِيَ بَيْنَ الْمُتَنازِعَيْنِ. لَا تَنْسَ أَنَّ هُذِهِ جَرِيمَةٌ لا سَبِيلَ إِلَى إِعْفَائِكَ مِنْ عِقابِهَا. وَلَكِنَّنا سَنَكْتَفِي بِتَغْرِيمِكَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.»

جَاءَ دَوْرُ الْغَرِيمِ الثَّالِثِ الَّذِي قَتَلَ الْفَرَّانُ أَخاهُ. الْتَفَتَ إِلَيْهِ الْوالِي حَانِقًا مُغْضَبًا. سَأَلَهُ فِيمَ أَتَى؟ قَصَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ تَفْصِيلَ مَا حَدَثَ لَهُ. تَظَاهَرَ الْوالِي بِالْإِصْغَاءِ إِلَى حَدِيثِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِمَأْسَاتِهِ. الْتَفَتَ إِلَى الْفَرَّانِ فِي ثَوْرَةٍ مَسْرَحِيَّةٍ جامِحَةٍ. قالَ: «كَلَّا، لَنْ تُفْلِتُ مِنَ الْقِصَاصِ، أَيُّهَا الْجَانِي الْأَثِيمُ. فَإِنَّكَ قَتَلْتَ نَفْسًا بَرِيئَةً بِغَيْرِ حَقٌّ!» الْتَفَتَ الْوالِي إِلَى أَخِي الْقَتِيلِ. قالَ: «اِهْدَأْ نَفْسًا، وَقَرَّ بالا، لَنْ أُقَصِّرَ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي إِنْصافِكَ مِنْ قَاتِلِ أَخِيكَ. كُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ مُلاقٍ جَزاءَهُ الْعادِلَ. لَكِنَّ لِي عَتْبًا عَلَى أَخِيكَ. إِنَّهُ - يَرْحَمُهُ اللَّهُ - أَتَى أَمْرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ. إِنَّهُ ارْتَكَبَ – بِهَذَا التَّصَرُّفِ الْأَحْمَقِ – ذَنْبَيْنِ، لا ذَنْبًا وَاحِدًا: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ اخْتارَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَجْتاز هذا الطَّرِيقَ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَلْقَى الْفَرَّانُ بِنَفْسِهِ مِنْ أَعْلَى الْمِثْذَنَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَنْقَذَ بِمَوْتِهِ الْفُجَائِيِّ حَيَاةَ إِنسَانٍ غَيْرِ جَدِيرٍ بِالْبَقَاءِ. عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَمْ يَعُدْ فِي قُدْرَتِنا أَنْ نُحَاسِبَ أَخَاكَ عَلَى سُوءِ تَصَرُّفِهِ، بَعْدَ أَنْ آثَرَ الْفِرَارَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ. عَلَى أَنَّ فِي قُدْرَتِنا - لِحُسْنِ حَظِّ الْعَدالَةِ وَحَظِّكَ – أَنْ نَنْتَصِفَ لِأَخِيكَ مِنْ قاتِلِهِ. هذا واجبنا أمامَ اللهِ، وَلَنْ نَتَهاوَنَ فِي أَدائِهِ. حَكَمْنا لَكَ أَنْ تَصْنَعَ بِالْفَرَّانِ، مِثْلَ مَا صَنَعَ بِأَخِيكَ. أَذِنَّا لَكَ فِي أَنْ تَصْعَدَ إِلَى أَعْلَى الْمِثْذَنَةِ، كَمَا صَعِدَ قَاتِلُ أَخِيكَ، ثُمَّ يَقِفَ الْفَرَّانُ - حَيْثُ وَقَفَ أَخُوكَ - ثُمَّ تُلْقِي بِثِقْلِكَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْلَى الْمِثْذَنَةِ، فَتَصْرَعَهُ كَمَا صَرَعَ أَخَاكَ.» اشْتَدَّ فَزَعُ الشَّاكِي مِمَّا يَطْلُبُهُ الْوَالِي مِنْهُ. لَمْ يَبْقَ أَمامَهُ - مِنْ سَبِيلٍ - إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ تَجاوُزَهُ عَنْ حَقِّهِ.

اِنْبَرَى لَهُ «كَمِيشُ» قَائِلًا: «لا تَنْسَ أَنَّكَ أَغْضَبْتَ الْعَدالَةَ بِتَجاوُزِكَ عَنْ حَقٌّ أَخِيكَ الْمَشْرُوعِ، بَعْدَ أَنْ حَكَمْنا لَكَ بِهِ، وَأَصْبَحَ تَنْفِيذُ الْعَدالَةِ وَاجِبًا عَلَيْكَ. لَا تَنْسَ أَنَّ فِرَارَكَ مِنْ أَداءِ الْوَاجِبِ جَرِيمَةٌ لا سَبِيلَ إِلَى إِعْفَائِكَ مِنْهَا. عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ تَقْتَضِينَا أَنْ نَتَرَفَّقَ بِكَ. سَنَكْتَفِي - فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ - بِتَغْرِيمِكَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، جَزاءً لَكَ عَلَى مَا أَظْهَرْتَ مِنْ تَرَدُّدٍ وَخَوْفٍ.»

حِينَ شَهِدْتُ الْوالِيَ، يَجْرِي عَلَى هذا النَّحْوِ فِي أَحْكامِهِ الْجائِرَةِ، قُلْتُ لِنَفْسِي: «يَجِبُ عَلَيْكَ يا «جُحا» أَنْ تَتَّعِظَ بِما جَرَى أَمامَ عَيْنَيْكَ، وَمَا سَمِعْتَهُ بِأُذْنَيْكَ: صاحِبُ الْوَزَّةِ فَقَدَ وَزَّتَهُ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِغَرَامَةٍ! وَالَّذِي كُسِرَتْ سِنُّهُ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِغَرَامَةٍ أَيْضًا! والرَّجُلُ الَّذِي قُتِلَ أَخُوهُ، لَمْ يَنْجُ هُوَ الْآخَرُ مِنَ الْغَرَامَةِ!» هُكَذَا كَانَتْ أَحْكَامُ الْوَالِي جَائِرَةً ظَالِمَةً. أَيْقَنْتُ أَنِّي لَن أَنالَ عَلَى يَدَيْهِ حَقّي. نَظَرْتُ إِلَى حِمارِي الْأَبْتَرِ (الْمَقْطُوعِ الذَّيْلِ)، وَقُلْتُ كَأَنِّي أُخَاطِبُهُ: «لَوْ عَرَضْتُ قَضِيَّتَكَ عَلَى الْوالِي، لَمَا كَانَ حُكْمُهُ إِلَّا أَنْ يُغَرِّمَنِي دَنانِيرَ، كَمَا فَعَلَ مَعَ مَنْ سَبَقُونِي.» فَرَرْتُ - بِحِمارِي - وَأَنا لا أُصَدِّقُ بِالنَّجَاةِ. قَنِعْتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْهَرَبِ، وَأَنَا أَقُولُ: «شَقِيتُ - إِذْ جِئْتُ هُنَا - شَقِيتُ! حَسْبِيَ – مِنْ حَظِّيَ – ما لَقِيتُ. رَضِيتُ قَطْعَ ذَيْلِهِ، رَضِيتُ!»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH