بابا عبد الله والدرويش


Ochishجدول المحتويات
- 1.بابا عَبْدُ اللَّهِ
- 2.بابا عَبْدُ اللَّهِ وَالدَّرْوِيشُ
- 3.الذَّهَابُ إِلَى الكَنْزِ
- 4.كرم الدرويش
- 5.طَمَعُ «بابا عبدِ اللهِ»
- 6.عَشَرَةُ جِمَالٍ ثَانِيَةٌ
- 7.عَشَرَةُ جِمَالٍ ثَالِثَةٌ
- 8.عَشَرَةُ الجِمالِ البَاقِيَةُ
- 9.الصُّنْدُوقُ العَجِيبُ
- 10.فَائِدَةُ الصُّندوقِ العَجِيبِ
- 11.عاقِبَةُ الطَّمَعِ
- 12.خَاتِمَةُ القِصَّةِ
(۱) بابا عَبْدُ اللَّهِبابا عَبْدُ اللَّهِ
كانَ «بابا عَبْدُ اللَّهِ» – bَعْدَ أَنْ ماتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ - تاجِرًا غَنِيًّا جِدًّا، وَكَانَ يَعِيشُ فِي مَدِينَةِ «بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ». وَكَانَ قَدْ وَرِثَ مِنْ أبيه أموالًا كَثِيرَةً. وَلَكِنْ «بابا عبد اللهِ» لَمْ يَلْتَفِتْ إِلى تِجَارَتِهِ، وَكَانَ يُهْمِلُها وَيَصْرِفُ المالَ بِلا حِسَابٍ؛ فَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَنْ قَلِيلٌ حَتَّى أَضاعَ ثَرْوَتَهُ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مِنْ مالِهِ إِلَّا القَلِيلُ. وَرَأَى أَنهُ - إِذا اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الإِسراف - أَضاعَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَرْوَتِهِ ، فَتَرَكَ البَطالَةَ وَنشِطَ إِلى العَمَل وَاشْتَرَى بِمَا بَقِيَ مِنْ مالِهِ ثَمانِينَ جَمَلًا، وَصارَ يَحْمِلُ عَلَيْها بَضائِعَ التَّجَّارِ وَيَنْقُلُهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؛ فَكَسَبَ بِذلِكَ مَالًا كَثِيرًا.
(۲) بابا عَبْدُ اللَّهِ وَالدَّرْوِيشُبابا عَبْدُ اللَّهِ وَالدَّرْوِيشُ
وفِي يَوْمِ مِنَ الأَيَّامِ كَانَتْ جِمَالُهُ سائِرَةً فِي الطَّرِيقِ تَحْمِلُ بَضائعَ مِنْ بَغْدَادَ» إلى «البَصْرَةِ»، فَلَمَّا وَصَلَ إلى «البَصْرَةِ» سَلَّمَ الْبَضائع إلى أَصْحابها ، ثُمَّ سارَ بِجِمالِهِ الثَّمَانِينَ فِي طَرِيقِهِ راجعًا إلى «بَغْدَادَ». وَبَيْنَا كَانَ عَائِدًا وَجَدَ - فِي طَرِيقِهِ - مَكَانًا طَيِّبًا. وكانَ قَدْ تَعِبَ فَجَلَسَ فِي ذلِكَ المَكَانِ لِيَسْتريحَ، بَعْدَ أَن أَناخَ جِمالَهُ فِي مَرْعَى قَرِيبٍ مِنْهُ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ رَأَى دَرْوِيشًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا جَاءَ الدَّرْوِيشُ سَلَّمَ عَلَى «بابا عبدِ اللهِ».
(۳) الذَّهَابُ إِلَى الكَنْزِالذَّهَابُ إِلَى الكَنْزِ
فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، وَسَأَلَهُ: «أَيْنَ تَذْهَبُ؟»
فقال له الدرويش: «أنا ذاهِبٌ إِلى البَصْرَةِ.»
فقال له «بابا عبد الله»: «وأنا ذاهِبٌ إِلى بَغْدَادَ.»
وجَلَسًا يَتَحَدَّثَانِ. ولَمَّا جَاءَ وَقْتُ الغَدَاءِ أَكلا مَعًا.
وَبَعْدَ أَنْ أَكُلَ الدَّرْوِيشُ و «بابا عَبْدُ اللهِ»، قَالَ الدَّرْوِيشُ: «لَقَدْ أَكَلْنَا مَعًا وَأَصْبَحْنَا الْآنَ صَدِيقَيْنِ. وَأَنَا أَعْرِفُ كَنزًا مَمْلُوءًا بِالذَّهَبِ والأحجارِ الكَرِيمَةِ، فَهَل تُسَاعِدُنِي على حَملِ ما فِيهِ مِنَ النَّفَائِسِ، وأُعطِيكَ على هَذِهِ الْمُسَاعَدَةِ مَا تَطْلُبُهُ مِنَ الْأَجْرِ؟»
(٤) كرم الدرويشكرم الدرويش
فَفَرِحَ فَرحًا شَدِيدًا حِينَ سَمِعَ كلامَ الدَّرْوِيشِ، وَقالَ لَهُ وَهُوَ مَدهُوشُ: «أَحَقُّ مَا تَقُولُ؟ أَصَحِيحٌ أَنَّكَ تَعْرِفُ هذا الكنز؟ وَأَينَ هُوَ؟ وَهَل هُوَ بَعِيدٌ؟»
فَقالَ لَهُ الدَّرْوِيشُ: «تَعالَ مَعِي بِجِمالِكَ ، وأَنا أَفْتَحُ لَكَ هَذَا الكَنزَ.» فَسَارَ الدَّرْوِيشُ و «بابا عَبْدُ اللهِ مُدَّةً طويلةً ، حَتَّى وَصَلا إلَى صَخْرَةٍ مُستَدِيرَةٍ، فِي وَسَطِها حَلْقَةٌ، فَرَفَعا هذه الصَّخْرَةَ، فَوَجَدا تَحتَها كَنزًا مَملُوءًا بالذَّهَبِ والماس واللؤلؤ والياقوت والمَرْجان.
فَأَخَذَا مِنْ هَذَا الكَنز ما شاءَا، ثُمَّ حَملاهُ على الْجِمالِ.
وَرَأَى الدرويشُ صُنْدُوقًا صَغِيرًا مِنَ الْخَشَبِ فَأَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجًا مِنَ الكَنزِ وَوَضَعا عَلَيْهِ غِطَاءَهُ كَما كَانَ، وَسارا فِي الطَّرِيقِ حَتَّى وَصَلا إلى المَكَانِ الذي التقيا فِيهِ من قَبْلُ، فقال الدرويشُ لِصَاحِبِهِ «بابا عبدِ اللهِ»: «كَم تُرِيدُ أَجْرًا على عَمَلِكَ؟» فقالَ لَهُ: «أعطني ما تَشاءُ.»
فقال له الدرويش: «سَأُقاسِمُكَ هَذِهِ الْجِمالَ بِما عَلَيْهَا مِنَ النَّفائِسِ، فَآخُذُ مِنْها أَربَعِينَ وَأُعْطِيكَ أَرْبَعِينَ.» فَفَرِحَ «بابا عبدُ اللهِ» فَرَحًا شَدِيدًا، وَعانَقَ الدَّرْوِيشَ مِن شِدَّةِ الْفَرَحِ، وَقَبَّلَ يَدَه شاكِرًا له هَذَا الْكَرَمَ الْعَظِيمَ.
(٥) طَمَعُ «بابا عبدِ اللهِ»طَمَعُ «بابا عبدِ اللهِ»
وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقا سَلَّمَ الدرويش عَلَى صَاحِبِهِ وَوَدَّعهُ bَعدَ أَنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما أَربَعِينَ جَمَلًا مُحَمَّلَةً بِالذَّهَبِ واللؤلؤ والياقُوتِ وَالْمَرْجانِ. ثُمَّ سارَ الدرويش في طريقه إلى «البَصَرَةِ» وسار صاحبه في طَرِيقِهِ إِلى بَعْدَادَ. وَلَكنْ «بابا عبدُ اللهِ» bَعدَ أَن مَشَى خُطُواتٍ قَلِيلةً قال في نَفْسِهِ: «هذا الدرويش طَيِّبُ القَلْبِ وَكَرِيمٌ. ولو طلبتُ مِنهُ عَشَرَةَ جِمَالٍ أُخْرَى فَلَا أَظُنُّهُ يَرُدُّ طَلَبِي.»
ثمَّ أَسْرِعَ إلى الدرويش ونادَى بِأَعْلَى صَوتِهِ: «يا درويش يا درويش.» فَرَجَعَ إِلَيهِ الدرويشُ وَسَأَلَهُ ماذا يُرِيدُ. فقال لَهُ: رَجَعْتُ لأشكُرَكَ على كَرمكَ وَمَعرُوفكَ. وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ عَليكَ لِأَنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَن تَقُودَ أَربَعِينَ جَمَلًا . فلو أعطيتَنِي عَشَرَةٍ مِنْهَا سَهُل عَلَيْكَ أَن تَسِيرَ وَحدَكَ بالثَّلاثينَ الباقية.»
(٦) عَشَرَةُ جِمَالٍ ثَانِيَةٌعَشَرَةُ جِمَالٍ ثَانِيَةٌ
فَتَبَسَّمَ الدرويش وقال له: «اخْتَرْ لَكَ مِنها عَشَرَةَ جِمالٍ وَاذْهَب فِي أَمَانِ اللَّهِ.» فَاخْتارَ «بابا عبدُ اللهِ» عَشَرَةَ جِمَالٍ مِنها ، وَتَرَكَ للدرويش الثلاثين الباقيَةَ، ثُمَّ سَلَّم عَلَيهِ وَعانَقَهُ – وَهُوَ فَرْحَانُ بِما أَخَذَ - وَعَادَ بِالجِمَالِ بعدَ أَن وَدَّعَ الدَّرويشَ وَشَكَرَهُ على كَرَمِهِ العَظِيمِ.
ولكن «بابا عبدُ اللهِ» قَالَ فِي نَفْسِهِ، بعد أن سارَ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً: «إِنَّ هَذَا الدرويش رَجُلٌ كَرِيمٌ طَيِّبُ القَلْبِ. وقد أعطانِي مَا طَلَبتُ مِنْهُ ، مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ. وَلو أَنَّنِي طلبتُ مِنْهُ عَشَرَةَ جِمالٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ لا يَرُدُّ طلبي، فإذَا أَخَذْتُها مِنْهُ أَصْبَحَ عِندِي سِتُّونَ جَمَلًا مُحَمَّلَةً بِالنَّفائِسِ، فَأَصِيرُ أغنى النَّاسِ.» ثُمَّ أَسْرَعَ «بابا عَبْدُ الله إِلَى الدَّرْوِيشِ، ونادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يا دَرْوِيشُ يَا دَرْوِيشُ!»
فَرَجَعَ إِلَيْهِ الدَّرْوِيشُ وقالَ لَهُ: «مَاذَا تُرِيدُ؟»
فَقالَ: «أَنا لا أزالُ أُشْفِقُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي لِأَنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسِيرَ وَحْدَكَ بِهِذِهِ الْجِمالِ الثَّلاثِينَ. وَأَرَى أَنَّكَ إِذا تَرَكْتَ لِي عَشَرَةَ جمالٍ أُخْرَى سَهُلَ عَلَيْكَ أَنْ تَسِيرَ بِالْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةِ » فَقَالَ لَهُ الدَّرويش: «اخْتَرْ لَكَ عَشَرَةَ جِمالٍ مِنْها وَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.» فَشَكَرَهُ «بابا عَبْدُ اللَّهِ»، وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ عَشَرَةَ جِمالٍ ، ثُمَّ وَدَّعَهُ وَرَجَعَ فَرْحانَ بِهَذِهِ الغَنِيمَةِ.
(۷) عَشَرَةُ جِمَالٍ ثَالِثَةٌعَشَرَةُ جِمَالٍ ثَالِثَةٌ
ثُمَّ قال «بابا عَبْدُ اللهِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ عائِدٌ : «لَقَدْ أَصْبَحْتُ الآنَ أَغْنَى النَّاسِ، وَمَلَكْتُ ثَرْوَةً عَظِيمَةً لا تُوجَدُ فِي خَزَائِنِ الْمُلُوكِ، بِفَضْلِ هَذَا الدَّرْوِيشِ الْكَرِيمِ.»
وَلَكِنْ «بابا عبدُ اللَّهِ» لَم يَسِر خُطُواتٍ قَلِيلَةً حَتَّى قَالَ فِي نَفْسِهِ: «وَلَكِنِّي إِذا أَخَذْتُ مِنَ الدرويش عَشَرَةَ جِمالٍ ثَالِثَةً صارَ عِندِي سَبْعُونَ جَمَلًا مُحَمَّلَةً بِالنَّفَائِسِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَن أَحْتَالَ على أَخْذِهَا مِنْهُ بِأَيِّ وَسِيلةٍ.» ثُمَّ أَسْرَعَ يَجْرِي وَيُنادِي بِأَعْلَى صَوتِهِ: «يا درويش یا درويش.» فَعادَ إِلَيْهِ الدرويش وَسَأَلَهُ: «مَاذَا تُرِيدُ؟» فَقَالَ لَهُ: «أَنَا أَرَى أَنَّكَ رَجُلٌ رَاهِدٌ لا تحتاجُ إِلَى الْمَالِ. وَأَظُنُّ أَنَّ عَشَرَةَ جِمالٍ مُحَمَّلَةً بِالنَّفَائِسِ تُغْنِيكَ طُولَ حَياتِكَ، فَلا تحتاج إلى غيرها، فإذا أعطيتَنِي عَشَرَةَ جِمالٍ أُخرَى فَإِنِّي لَن أَنْسَى فَضْلَكَ وَمَعْرُوفَكَ طُولَ عُمْرِي.»
فَتَبَسَّمَ الدرويش وقالَ لَهُ: «خُذْ مِنَ الجِمالِ ما تَشَاءُ.»
فاختار «بابا عبدُ اللهِ» عَشَرَةَ جِمالٍ، وَوَدَّعَ صاحبَهُ الدرويش، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَهُوَ فَرحان أَشَدَّ الفَرَحِ.
(۸) عَشَرَةُ الجِمالِ البَاقِيَةُعَشَرَةُ الجِمالِ البَاقِيَةُ
ولَكِنْ «بابا عَبدُ اللهِ» لم يَسِر فِي طَرِيقِهِ غَيْرَ خُطُواتٍ قَلِيلَةٍ حَتَّى قَالَ فِي نَفْسِهِ: «إِنَّ هذا الدَّرْوِيشَ رَجُلٌ طَيِّبُ القَلبِ، كَرِيمٌ جِدًّا. وهُوَ - على ذَلِكَ – ضَعِيفٌ لا يستطيع أن يُقاومني. ولولا جمالي لما استطاع أن يَحْمِلَ هذهِ النَّفَائِسَ مِنَ الكَنْزِ، فَلَا بُدَّ من أَن أَطلُبَ منه الجمال العَشْرَةَ الباقِيَةَ، فإذا لم يَقْبَلْ أَخَذْتُها مِنْهُ بِالقُوَّةِ، فَإِذا أَصَرَّ عَلَى عِنَادِهِ قتلتُهُ وَعُدْتُ بِجِمالِي الثَّمَانِينَ كُلِّهَا إِلَى بَعْدادَ». ومتى أصْبَحَ عِندِي ثَمانُونَ جَمَلًا مُحَمَّلَةً بِهَذِهِ النَّفَائِسِ التي لا تُوجدُ فِي خَزائِنِ المُلُوكِ، صِرتُ أغنى إِنْسانِ فِي الدُّنْيَا كُلَّها.»
ثمَّ أَسْرَعَ «بابا عبدُ اللَّهِ إِلَى الدَّرْويش ونادَى بِأَعْلَى صَوتِهِ: «یا دَرویش یا درویش.» فَرَجَعَ إِلَيْهِ الدرويش وسَأَلَهُ: «ماذَا تُريدُ؟» فَقالَ لَهُ: «أَنْتَ رَجلٌ رَاهِدٌ تَعْبُدُ اللَّهَ وَأَنا أَخْشَى عَلَيْكَ أَن تَشْغَلَكَ هَذِهِ الثَّرْوَةُ العَظيمَةُ عَنْ عِبادَةِ اللهِ، فَلو أعطيتَنِي الجمالَ العَشْرَةَ البَاقِيَةَ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَكَ، لِتَنْصَرِفَ إِلَى العِبادَةِ وَحدَها . » فَتَبَسَّمَ الدرويش وقال له: «ها هي ذي الجِمالُ العَشَرَةُ البَاقِيَةُ، فَخُذْهَا - يا صاحبي - وَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ» فَفَرِحَ «بابا عَبدُ اللهِ بِذلِكَ فَرَحًا شديدًا وَشَكَرَ الدرويش وَعانَقَهُ، ثُمَّ وَدَّعَهُ وَأَخَذَ الجِمال الباقِيَةَ.
(۹) الصُّنْدُوقُ العَجِيبُالصُّنْدُوقُ العَجِيبُ
وَلم يَمْشِ «بابا عبدُ اللهِ» خُطُواتٍ قَليلَةٍ حَتَّى قَالَ فِي نَفْسِهِ: «لِماذا رَضِيَ الدَّرْوِيشُ أَنْ يترك لي جمالَهُ كُلِّها مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ ؟ فَلَوْلا أَنَّ الصُّندُوقَ الصَّغِيرَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الكَيْزِ أَغْلَى قيمة من هذِهِ النَّفائِسِ كُلِّها ما قَبِلَ أَن يَكتَفِيَ بِهِ. وَأَنا لَنْ أَتْرُكَهُ لَهُ. وَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إليه وَأَخْذِ هَذَا الصُّندوقِ مِنْهُ، فَإِذا لم يَقْبَلْ أَخَذْتُهُ مِنهُ بِالقُوَّةِ، فَإِذا أَصَرَّ على عِنادِهِ قَتَلْتَهُ وَأَخَذْتُهُ مِنْهُ قَهْرًا.»
(۱۰) فَائِدَةُ الصُّندوقِ العَجِيبِفَائِدَةُ الصُّندوقِ العَجِيبِ
ثُمَّ جَرَى مُسْرِعًا إلى الدرويشِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوتِه: «يا dَروِيشُ يَا dَروِيشُ.» فَرَجَعَ إِلَيْهِ الدَّرويشُ وَسَأَلَهُ: «ماذَا تُرِيدُ؟» فَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ أَخَذْتَ صُنْدُوقًا صَغِيرًا مِنَ الكَنزِ، فَهَلْ لكَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَليَّ فَتُعَرِّفَني فائِدَةَ هَذَا الصُّندوقِ!» فقالَ لَهُ الدَّرويشُ: «هَذَا صُندُوقٌ عَجِيبٌ، فِيهِ مَرْهَمٌ إِذا دُهِنَتْ بِهِ العَيْنُ اليُسْرَى أَبْصَرَ صَاحِبُها كُنُوزَ الْأَرْضِ كُلَّها، فإذا دُهِنَتْ بِهِ الْعَيْنُ اليُمْنَى عَمِيَتْ عَيْناهُ جَمِيعًا، فَلَا يُبْصِرُ شَيْئًا.»
فقال «بابا عبد اللهِ لِلدَّرْوِيشِ: «إِنَّكَ رَجُلٌ كَرِيمٌ. سَأَلتُكَ بِاللهِ يا سَيِّدِي أَن تَدْهِنَ لِي عَيْنِي اليُسْرَى، لأرَى صِدْقَ مَا تَقُولُ.»
فَدَهَنَ لَهُ الدرويشُ عَيْنَهُ اليُسْرَى، فَأَبْصَرَ لِلْحالِ كُنُوزَ الدُّنْيَا كُلَّهَا، بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ والْأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ وَسائِرِ النَّفائِسِ. فَفَرِحَ بِذلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا ، وَلَكِنَّهُ لَم يَقْنَعْ بِكُلِّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ من النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَخُطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ، وَقالَ فِي نَفْسِهِ: «إِذَا كَانَ مَنْ يَدْهِنُ عينًا واحدَةً يَرى كُنُوزَ الْأَرْضِ كُلَّها ، فَما بالُ مَنْ يَدْهِنُ عَينَيْهِ مَعًا؟ لا شَلَّ أَنَّ هَذا الدَّرويش يَخْدَعُنِي وَيَبْخَلُ عَليَّ بِدَهْنِ عَينِيَ اليُمْنَى!» ثم قال للدَّرْويش: «بِرَبكَ اذْهِنْ لِي عَيْنِيَ اليُمنى أَيْضًا.» فَحَذَّرَهُ الدرويش عاقِبَةَ ذَلِكَ ، فَظَنَّ أَنَّ الدرويش يَكْذِبُ عليهِ؛ فَأَلَحٌ فِي ذَلِكَ إِلْحَاحًا شَدِيدًا، وَصارَ كُلَّما زادَهُ الدَّرْويشُ نُصْحًا وَتَحْذِيرًا ازْدَادَ تَشَبُّئًا وَإِلْحَاحًا.
(۱۱) عاقِبَةُ الطَّمَعِعاقِبَةُ الطَّمَعِ
وَلمَّا رَأَى الدَّرْوِيشُ أَنَّ «بابا عَبدَ اللهِ لا يُصَدِّقُهُ، وَأنهُ لم يَقْنَعْ بِكُلِّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّرْوَةِ الَّتِي لم يصل إليها أحَدٌ، غَضِبَ الدَّرويش وقالَ لَهُ: «سَتَرَى الْآنَ عَاقِبَةَ طَمَعِكَ.»
ثمَّ دَهَنَ له عَينَهُ اليُمنى فعمِيتْ عَيْناهُ جَمِيعًا، وَصَرَخَ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ. وَجَعَلَ يَتَندَّمُ أشَدَّ الندَمِ ، فَترَكَهُ الدَّرويش ورأى أنه لا يستحقُّ شَيْئًا مِنَ الرَّحْمَةِ بَعدَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الشَّرَهِ والطمع، ثم ساق الدرويش الجمال الثَّمانِينَ كَلَّها وَسَارَ بِها إِلى «الْبَصْرَةِ».
خَاتِمَةُ القِصَّةِخَاتِمَةُ القِصَّةِ
أمَّا «بابا عبدُ اللَّهِ» فَلَمْ يَسْتَطِعِ الرُّجوع إلى «بَغْدَادَ»، لأنهُ ضَلَّ الطَّرِيقَ بعد أن عَمِيَتْ عَيْنَاهُ.
وَرَأَى «بابا عبد الله» أنه قد وصل إلى ثَرْوَةٍ عَظِيمةٍ لم تَكُن تَخْطُرُ لَهُ على بالٍ، وَلَكِنهُ أضاعها ولم يَنْتَفِعْ بِها لِشَرَهِهِ وَطَمعِهِ. وَأَخذَ يُفَكِّرُ وَيَتَحَسَّرُ على تلك الثروة التي حصل عليها ثُمَّ أَضاعَها بِجَهلِهِ وَغَفْلَتِهِ عَنْ تَدبرِ العَواقِبِ. وَبَينما كان يُفَكِّرُ فِي هَذِهِ العَاقِبَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي جَرَّهُ إليها الطَّمَعُ والشَّرَهُ، إِذْ بَصُرَ بِهِ سَبْعٌ فِي الطَّرِيقِ، فَهَجَمَ عَليهِ ذَلكَ السَّبُعُ وَأَكَلَهُ وَلم يُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.