علاء الدين


Ochishجدول المحتويات
في بلاد الصينتَمْهِيدٌ
أَتَعْرِفُونَ بِلَادَ الصِّينِ، أَيُّهَا الْأَطْفَالُ الْأَعِزَّاءُ؟ لَعَلَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِاسْمِهَا، وَمَا أَظُنُّكُمْ قَدْ سَافَرْتُمْ إِلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِكُمْ؛ فَهِيَ بِلَادٌ بَعِيدَةٌ جِدًّا. وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقُصَّ عَلَيْكُمْ شَيْئًا مِمَّا حَدَثَ فِي تِلْكُمُ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ. لَقَدْ عَاشَ فِي أَحَدٍ بِلَادِ الدِّينِ النَّائِيَةِ (الْبَعِيدَةِ) خَيَّاطٌ نَشِيطٌ اسْمُهُ «مُصْطَفَى». وَقَدْ نَسِيتُ اسْمَ الْبَلَدِ الَّذِي عَاشَ فِيهَ ذَلِكُمُ الْخَيَّاطُ؛ لِأَنَّ بِلَادَ الصِّينِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَمَمَالِكَهَا وَاسِعَةٌ فَسِيحَةُ الْأَرْجَاءِ (النَّوَاحِي). وَقَدْ عَاشَ مُصْطَفَى الْخَيَّاطُ فِي بَلَدِهِ فَقِيرًا، وَكَانَ يَعْمَلُ طُولَ يَوْمِهِ فِي دُكَّانِهِ، لِيَحْصُلَ عَلَى قُوتِهِ وَقُوتِ زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ — لِفَقْرِهِ الشَّدِيدِ — أَنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، لِيَنْفَعَ بِهِ زَوْجَهُ وَوَلَدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَمْ يُرْzَقْ مُصْطَفَى الْخَيَّاطُ مِنَ الْأَوْلَادِ غَيْرَ وَلَدٍ وَاحِدٍ سَمَّاهُ «عَلَاءَ الدِّينِ»؛ وَكَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا. وَلَكِنَّ مُصْطَفَى الْخَيَّاطَ كَانَ — كَمَا قُلْتُ لَكُمْ — فَقِيرًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ. وَكَانَ يَتْرُكُهُ يَقْضِي يَوْمَهُ كُلَّهُ فِي خَارِجِ الْبَيْتِ، وَيَلْعَبُ مَعَ أَشْبَاهِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ أَلِفُوا الْبَطَالَةَ وَاللَّعِبَ؛ حَتَّى سَاءَ خُلْقُهُ، وَصَارَ — بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ — أَسْوَأَ مِثَالٍ لِلْأَطْفَالِ. وَكَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — عَلَى ذَكَائِهِ — شَدِيدَ الْعِنَادِ؛ فَقَدْ نَصَحَ لَهُ أَبُوهُ أَنْ يُقْلِعَ عَنْ مُعَاشَرَةِ الْأَشْرَارِ (يَتْرُكَ مُصَاحَبَتَهُمْ)، وَيَبْتَعِدَ عَنْ رُفَقَاءِ السُّوءِ. وَحَاوَلَ — جُهْدَهُ — أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً تَنْفَعُهُ إِذَا كَبِرَ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ لَهُ نُصْحًا، وَضَاعَتْ جُهُودُ أَبِيهِ بِلَا فَائِدَةٍ. فَاضْطُرَّ أَبُوهُ إِلَى مُعَاقَبَتِهِ وَزَجْرِهِ (مَنْعِهِ وَنَهْيِهِ)، وَاتَّخَذَ مَعَهُ وَسَائِلَ الْعُنْفِ (الشِّدَّةِ) بَعْدَ أَنْ أَخْفَقَتْ — فِي إِصْلَاحِهِ — وَسَائِلُ الدِّينِ، وَلَكِنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» لَمْ يُبَالِ بِعِقَابِ أَبِيهِ، وَلَمْ يُؤَثَّرْ فِيهِ زَجْرُهُ وَشِدَّتُهُ. وَمَا زَالَ كَذَلِكُمْ حَتَّى يَئِسَ أَبُوهُ مِنْ إِصْلَاحِهِ. وَلَجَأَ أَبُوهُ إِلَى آخِرِ وَسِيلَةٍ عِنْدَهُ؛ فَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى دُكَّانِهِ لِيُعَلِّمَهُ حِرْفَتَهُ. وَكَانَ يَبْذُلُ وُسْعَهُ فِي تَحْبِيبِ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مَا إِنْ يَتْرُكْهُ فِي دُكَّانِهِ — قَلِيلًا مِنَ الزَّمَنِ — حَتَّى يَهْرُبَ مِنْهُ، وَيَقْضِيَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ مَعَ أَصْحَابِهِ. فَعَلِمَ أَبُوهُ أَنَّ وَلَدَهُ لَنْ يُصْلِحَهُ وَيُرَبِّيَهُ إِلَّا الزَّمَنُ وَحْدَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّ دُرُوسَ الْحَيَاةِ الْقَاسِيَةِ كَفِيلَةٌ (ضَامِنَةٌ) بِتَقْوِيمِهِ وَتَهْذِيبِهِ: مَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ وَالِدَاهُ أَدَّبَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، مَرِضَ أَبُوهُ مَرَضًا شَدِيدًا، ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ يَائِسٌ مِنْ إِصْلَاحِ وَلَدِهِ الَّذِي كَانَ يَرْجُو لَهُ النَّجَاحَ وَالتَّوْفِيقَ. وَلَمْ يَتْرُكْ «مُصْطَفَى الْخَيَّاطُ» — لِزَوْجِهِ وَوَلَدِهِ — إِلَّا دُكَّانَهُ الصَّغِيرَ. وَرَأَتْ تِلْكُمُ الْأَرْمَلَةُ (الْمَرْأَةُ الَّتِي مَاتَ زَوْجُهَا) أَنَّ وَلَدَهَا «عَلَاءَ الدِّينِ» لَنْ يَخْلُفَ أَبَاهُ فِي صِنَاعَتِهِ، لِمَيْلِهِ إِلَى الْبِطَالَةِ وَاللَّعِبِ؛ فَبَاعَتِ الدُّكَّانَ، وَظَلَّتْ تَقْتَاتُ بِثَمَنِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً؛ حَتَّى أَنْفَقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا مِنَ النُّقُودِ. فَاضْطُرَّتْ إِلَى الْعَمَلِ حَتَّى لَا تَمُوتَ — هِيَ وَوَلَدُهَا — جُوعًا؛ فَكَانَتْ تَغْزِلُ الْقُطْنَ — طُولَ النَّهَارِ — ثُمَّ تَبِيعُ مَا غَزَلَتْهُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَتَقْتَاتُ — هِيَ وَابْنُهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» — بِثَمَنِهِ. وَخَلَا الْجَقُّ لِصَاحِبِنَا «عَلَاءِ الدِّينِ» — بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ — فَأَطْلَقَ لِنَفْسِهِ الْعِنَانَ (مَضَى كَمَا يُرِيدُ، وَتَرَكَ لِنَفْسِهِ الْحُرِّيَّةَ) فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، حَتَّى بَلَغَتْ سِنُّهُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ. وَلَمْ تَكُنْ أُمُّهُ قَادِرَةً عَلَى إِصْلَاحِهِ وَتَحْبِيبِ الْعَمَلِ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ عَجَزَ أَبُوهُ عَنْ ذَلِكُمْ مِنْ قَبْلُ؛ فَأَسْلَمَتْ أَمْرَهَا لِلَّهِ، وَاكْتَفَتْ بِالدُّعَاءِ لِوَلَدِهَا — فِي صَلَوَاتِهَا — بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ.
السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّالسَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، كَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» يَلْعَبُ مَعَ رِفَاقِهِ — عَلَى عَادَتِهِ — فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ، تَدُلُّ مَلَامِحُهُ وَزِيُّهُ (شَكْلُهُ وَهَيْئَةُ مَلَابِسِهِ) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُكَانِ الدِّينِ. وَمَا إِنْ رَآهُ الْغَرِيبُ حَتَّى وَقَفَ يَتَأَمَّلُ فِي هَيْئَتِهِ، وَيَتَفَرَّسُ فِي مَلَامِحِهِ (يُدَقِّقُ النَّظَرَ، وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَشَابِهِ وَجْهِهِ). وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ سَاحِرًا مَشْهُورًا، وَقَدْ نَشَأَ في أَحَدٍ بِلَادِ الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ، وَتَعَلَّمَ السِّحْرَ — مُنْذُ نَشْأَتِهِ — وَبَرَعَ فِي فُنُونِهِ. وَكَانُوا يُلَقِّبُونَهُ بِالسَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ. وَقَدْ وَصَلَ إِلَى الصِّينِ مُنْذُ يَوْمَيْنِ. فَلَمَّا رَأَى «عَلَاءَ الدِّينِ»، وَقَفَ يَتَفَرَّسُ فِي أَسَارِيرِ وَجْهِهِ (خُطُوطِ جَبِينِهِ)، وَيَتَأَمَّلُ فِي صُورَتِهِ؛ ثُمَّ سَأَلَ أَحَدَ الْأَوْلَادِ عَنِ اسْمِهِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ اسْمَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» فَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يُخْطِئُ فِي الاهْتِدَاءِ إِلَى طِلْبَتِهِ (حَاجَتِهِ وَقَصْدِهِ)، وَأَنَّ سَعْيَهُ قَدْ كُلِّلَ (تُوِّجَ) بِالنَّجَاحِ. وَكَانَ هَذَا السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ يَقْرَأُ فِي كُتُبِ السِّحْرِ: أَنَّ فِي الدِّينِ كَنْزًا لَا مَثِيلَ لَهُ فِي كُلِّ كُنُوزِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ فِي ذَلِكُمُ الْكَنْزِ مِصْبَاحًا عَجِيبًا مَنْقُوشًا عَلَيْهِ طَلَاسِمُ (كِتَابَاتٌ خَفِيَّةٌ، وَخُطُوطٌ غَامِضَةٌ) مِنَ السِّحْرِ، إِذَا فَرَكَهَا الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ جَاءَهُ خَادِمُ الْمِصْبَاحِ مُلَيِّيًا كُلَّ مَا يَطْلُبُهُ مِنْهُ. وَكَانَ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ يَعْلَمُ أَنَّ خَادِمَ الْمِصْبَاحِ هُوَ أَكْبَرُ مُلُوكِ الْجِنِّ وَأَقْوَاهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ جُنُودًا؛ وَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَفْتَحَ ذَلِكُمُ الْكَنْزَ أَوْ يَدْخُلَهُ إِلَّا فَتًى فِي أَحَدٍ بِلَادِ الصِّينِ، اسْمُهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَاسْمُ أَبِيهِ «مُصْطَفَى الْخَيَّاطُ». فَسَافَرَ السَّاحِرُ إِلَى بِلَادِ الصِّينِ، وَلَمَّا رَأَى «عَلَاءَ الدِّينِ» وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْأَوْلَادِ، رَأَى صُورَتَهُ مُطَابِقَةً لِلصِّفَاتِ الَّتِي قَرَأَهَا عَنْهُ فِي كُتُبِ السِّحْرِ. وَلَمَّا سَمِعَ اسْمَهُ أَيْقَنَ أَنَّهُ طِلْبَتُهُ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا. فَسَأَلَهُ السَّاحِرُ: «أَلَيْسَ اسْمُكَ عَلَاءَ الدِّينِ؟» فَقَالَ لَهُ: «نَعَمْ، هَكَذَا سَمَّانِي أَبَوَايَ.» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «أَلَسْتَ ابْنَ مُصْطَفَى الْخَيَّاطِ؟» فَأَجَابَهُ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدِي. وَقَدْ مَاتَ مُنْذُ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ!» فَصَاحَ السَّاحِرُ بَاكِيًا: «يَا لِلَّهِ، هَلْ مَاتَ مُصْطَفَى الْخَيَّاطُ؟ وَا حَسْرَتَاهُ! أَيَمُوتُ وَلَا أَرَاهُ؟» ثُمَّ عَانَقَهُ السَّاحِرُ وَقَبَّلَهُ وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهِ تَتَرَقْرَقُ، (تَدُورُ وَتَتَرَدَّدُ)، وَتَأَوَّهَ (شَكَا وَتَوَجَّعَ). وَحِينَئِذٍ ذَكَرَ «عَلَاءُ الدِّينِ» عَطْفَ أَبِيهِ عَلَيْهِ؛ فَبَكَاهُ مَعَ السَّاحِرِ مُتَأَلِّمًا مَحْزُونًا. وَقَدْ عَجِبَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْ بُكَاءِ ذَلِكُمُ الْغَرِيبِ عَلَى أَبِيهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِهِ؛ فَقَالَ لَهُ بَاكِيًا: «إِنَّ أَبَاكَ «مُصْطَفَى» هُوَ شَقِيقِي، وَأَنْتَ ابْنُ أَخِي الْعَزِيزِ. وَلَقَدْ كُنْتُ — طُولَ عُمُرِي — مُولَعًا (مُحِبًّا مُتَعَلِّقًا) بِالْأَسْفَارِ. وَمَا زِلْتُ أَجُوبُ (أَقْطَعُ وَأَطُوفُ) الْأَقْطَارَ، وَأَرْكَبُ الْبِحَارَ، ثُمَّ حَنَنْتُ إِلَى وَطَنِي، وَاشْتَقْتُ إِلَى أَخِي، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ أَنْ أَرَاهُ وَهُوَ حَيٌّ! آهِ، لَقَدْ كَانَ — يَرْحَمُهُ اللَّهُ — شَبِيهَكَ فِي مَلَامِحِهِ. وَفِي هَذَا الشَّبَهِ بَعْضُ الْعَزَاءِ (الصَّبْرِ) وَالسَّلْوَةِ (نِسْيَانِ الْحُزْنِ).» فَانْخَدَعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِكَلَامِهِ، وَصَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ، وَقَبَّلَ يَدَهُ شَاكِرًا لَهُ عَطْفَهُ وَحَنَانَهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ السَّاحِرُ: «أَيْنَ تَسْكُنُ يَا وَلَدِي؟» فَذَكَرَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» الْجِهَةَ الَّتِي يَقْطُنُ (يُقِيمُ) بِهَا، وَالْبَيْتَ الَّذِي يَسْكُنُهُ، هُوَ وَأُمُّهُ. فَأَعْطَاهُ السَّاحِرُ دِينَارَيْنِ، وَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّنِي سَأَزُورُكُمَا — إِذَا اسْتَطَعْتُ — فِي مَسَاءِ الْغَدِ، لِأَرَى الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ شَقِيقِي «مُصْطَفَى» يَسْكُنُهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.» فَانْطَلَقَ (مَشَى) «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى أُمِّهِ، وَسَأَلَهَا مَدْهُوشًا: «خَيْرِينِي — يَا أُمِّي — أَتَعْرِفِينَ أَنَّ لِي عَمًّا؟» فَقَالَتْ مُتَعَجِّبَةً: «لَيْسَ لَكَ — يَا وَلَدِي — عَمٌ وَلَا خَالٌ!» فَقَصَّ عَلَيْهَا كُلَّ مَا قَالَهُ السَّاحِرُ، وَأَعْطَاهَا الدِّينَارَيْنِ. فَعَجِبَتْ أُمُّهُ مِنْ ذَلِكُمْ، وَقَالَتْ لَهُ: «لَقَدْ كَانَ أَبُوكَ — رَحِمَهُ اللَّهُ — يُحَدِّثْنِي أَنَّ لَهُ شَقِيقًا مَاتَ، دُونَ أَنْ يَرَاهُ، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ؛ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ شَقِيقُ أَبِيكَ الَّذِي كَانَ يَظُنُّهُ قَدْ مَاتَ.» وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي رَآهُ السَّاحِرُ — وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ رُفَقَائِهِ — فَأَعْطَاهُ دِينَارَيْنِ آخَرَيْنِ، وَقَالَ لَهُ: «خَبِّرْ أُمَّكَ — يَا ابْنَ أَخِي — أَنَّنِي سَأَتَعَشَّى فِي بَيْتِكُمَا اللَّيْلَةَ.» فَأَسْرَعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى أُمِّهِ، وَأَعْطَاهَا الدِّينَارَيْنِ، وَذَكَرَ لَهَا مَا قَالَهُ السَّاحِرُ. فَاسْتَعَارَتْ أُمُّهُ مِنْ جَارَاتِهَا بَعْضَ الْأَوَانِي الثَّمِينَةِ، وَأَعَدَّتْ لَهُ عَشَاءً فَاخِرًا. وَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ، حَضَرَ السَّاحِرُ، وَمَعَهُ سَلَّةٌ كَبِيرَةُ مَمْلُوعَةٌ بِشَتَّى أَلْوَانِ الْفَاكِهَةِ. وَمَا إِنْ رَأَى أُمَّ «عَلَاءِ الدِّينِ» حَتَّى بَكَى — مُتَظَاهِرًا بِالْحُزْنِ عَلَى زَوْجِهَا — وَسَأَلَهَا: «خَبَرِينِي، يَا زَوْجَ أَخِي الْعَزِيزَةَ، فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ يَجْلِسُ أَخِي الْمَرْحُومُ؟» فَأَشَارَتْ إِلَى أَرِيكَةٍ (مَقْعَدٍ) فِي زَاوِيَةِ الْحُجْرَةِ، وَهِي أَرِيكَةٌ طَالَ عَلَيْهَا الْقِدَمُ. فَاشْتَدَّ بُكَاءُ السَّاحِرِ وَجَزَعُهُ (شِدَّةُ حُزْنِهِ)؛ فَطَلَبَتْ إِلَيْهِ السَّيِّدَةُ أَنْ يَجْلِسَ فِي مَكَانِ أَخِيهِ. فَقَالَ لَهَا مُتَأَلَّمًا: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْلِسَ مَكَانَهُ؛ فَإِنَّنِي لَأَتَخَيَّلُهُ الْآنَ جَالِسًا مَعَنَا، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَيْنَا رُوحُهُ الطَّاهِرُ. رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. لَقَدْ كَانَ يُحِبُّنِي — كَمَا أُحِبُّهُ — أَشَدَّ الْحُبِّ. وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ أَنْ أَلْقَاهُ وَأَنْعَمَ بِحَدِيثِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.» ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِمَا السَّاحِرُ: أَنَّهُ تَرَكَ شَقِيقَهُ — مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا — وَأَنَّهُ سَافَرَ إِلَى بِلَادِ «الْهِنْدِ» وَ«فَارِسَ» وَ«بَغْدَادَ»، وَأَنَّهُ جَابَ (قَطَعَ) أَنْحَاءَ الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ، وَقَضَى أَكْثَرَ عُمُرِهِ فِي السِّيَاحَةِ (السَّيْرِ فِي الْبِلَادِ) وَالرِّحَلِ (الْأَسْفَارِ وَالتَّنَقُلَاتِ). ثُمَّ الْتَفَتَ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ إِلَى «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَقَالَ لَهُ مُتَلَطَّفًا: «مَا صِنَاعَتُكَ، يَا ابْنَ أَخِي الْعَزِيزَ؟» فَخَجِلَ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَعَجَزَ عَنِ الْجَوَابِ مِنْ شِدَّةِ الْخَجَلِ. فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «لَيْسَ لَهُ صِنَاعَةٌ إِلَّا الْبَطَالَةُ وَاللَّعِبُ — مَعَ الْأَشْرَارِ — طُولَ النَّهَارِ. وَقَدْ أَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً تَنْفَعُهُ — إِذَا كَبِرَ — فَلَمْ يُوَفَّقْ فِيمَا أَرَادَ. وَحَاوَلْتُ جُهْدِي أَنْ أُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ، فَعَجَزْتُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا عَجَزَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلُ.» فَأَبْدَى السَّاحِرُ دَهْشَتَهُ مِنْ خَيْبَةِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَظَلَّ يَنْصَحُ لَهُ مُتَلَطَّفًا، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ شَتَّى الصِّنَاعَاتِ؛ لِيَتَخَيَّرَ مِنْهَا وَاحِدَةً. وَلَكِنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» سَكَتَ، فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «إِذَا كُنْتَ لَا تَمِيلُ إِلَى الصِّنَاعَةِ فَمَا أَظُنُّكَ تَكْرَهُ التِّجَارَةَ؟ فَإِذَا شِئْتَ — يَا ابْنَ أَخِي — أَنْ تَكُونَ تَاجِرًا، فَإِنِّي مُشْتَرٍ لَكَ — بَعْدَ غَدٍ — دُكَّانًا فِي سُوقِ التُّجَّارِ، وَسَأُحْضِرُ لَكَ فِيهِ أَفْخَرَ الْأَثْوَابِ وَأَجْوَدَهَا (أَحْسَنَهَا).» فَفَرِحَ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَشَكَرَ لَهُ عِنَايَتَهُ بِأَمْرِهِ، وَشَعَرَ بِمَيْلٍ (رَغْبَةٍ وَحُبٍّ) شَدِيدٍ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ حَيَاةِ الْبَطَالَةِ وَاللَّعِبِ، وَبَدْءِ حَيَاةِ الرُّجُولَةِ وَالْجِدِّ. وَكَانَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» تَرْتَابُ (تَشُلُّ) فِي أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ شَقِيقُ زَوْجِهَا، وَلَكِنَّهَا آمَنَتِ — الْآنَ — بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، بَعْدَ أَنْ رَأَتِ اهْتِمَامَهُ بِوَلَدِهَا، وَحِرْصَهُ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ. ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الْعَشَاءِ فَأَكَلُوا جَمِيعًا. وَظَلَّ السَّاحِرُ يُمَنِّيهِمَا الْأَمَانِيَّ الْكَاذِبَةَ، حَتَّى مَضَى هَزِيعٌ (قِسْمٌ كَبِيرٌ) مِنَ اللَّيْلِ، فَوَدَّعَهُمَا السَّاحِرُ، مُسْتَأْذِنَا فِي الانْصِرَافِ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ السَّاحِرُ مَعَ «عَلَاءِ الدِّينِ» إِلَى السُّوقِ، وَاشْتَرَى لَهُ أَفْخَرَ الْمَلَابِسِ، ثُمَّ دَعَا أَعْيَانَ التُّجَّارِ إِلَى فُنْدُقِهِ (الْخَانِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ). وَأَدَّبَ لَهُمُ السَّاحِرُ مَأْدُبَةً فَاخِرَةً (أَعَدَّ لَهُمْ مَآكِلَ طَيِّبَةً، وَدَعَاهُمْ لِتَنَاوُلِهَا)، وَعَرَّفَهُمْ بِصَاحِبِنَا «عَلَاءِ الدِّينِ». ثُمَّ عَادَ بِهِ — بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَأْدُبَةِ — إِلَى الْبَيْتِ مَسْرُورًا. وَمَا إِنْ رَأَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَلَدَهَا — فِي ثِيَابِهِ الْجَدِيدَةِ الْفَاخِرَةِ — حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهَا فَرَحًا وَغِبْطَةً، وَشَكَرَتْ لِلسَّاحِرِ — أَجْزَلَ الشُّكْرِ — صَنِيعَهُ (جَمِيلَهُ)، وَأَيْقَنَتْ أَنَّ اللهَ — سُبْحَانَهُ — قَدْ أَجَابَ دُعَاءَهَا لِوَلَدِهَا؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَلَكَ (الرُّوحَ السَّمَاوِيَّ) الْكَرِيمَ، لِيُبَدِّلَ شَقَاوَتَهُ سَعَادَةً، وَفَقْرَهُ غِنًى. وَأَوْصَتْ وَلَدَهَا بِطَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ. فَقَالَ لَهَا السَّاحِرُ: «لَقَدْ كُنْتُ مُعْتَزِمًا عَلَى شِرَاءِ الدُّكَّانِ لِوَلَدِكِ غَدًا، وَلَكِنَّ التُّجَّارَ لَا يَعْمَلُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ — فِي الْيَوْمِ التَّالِي — لِيَتَنَزَّهَ مَعِي فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَشْتَرِي لَهُ الدُّكَّانَ — بَعْدَ غَدٍ — إِنْ شَاءَ اللَّهُ.» ثُمَّ جَاءَ السَّاحِرُ — فِي الْيَوْمِ التَّالِي — فَرَأَى الْوَلَدَ مُتَأَهِّبًا (مُسْتَعِدًّا) لِلْخُرُوجِ، وَهُوَ يَكَادُ يَطِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. فَمَشَى مَعَهُ السَّاحِرُ، وَظَلَّ يُرِيهِ الْحَدَائِقَ الْجَمِيلَةَ وَالْقُصُورَ الْفَخْمَةَ، وَيُمَنِّيهِ الْأَمَانِيَّ وَالْوُعُودَ الْخَلَّابَةَ (الْخَدَّاعَةَ)، لِيُنْسِيَهُ عَنَاءَ السَّيْرِ، حَتَّى تَعِبَا. فَجَلَسَا يَأْكُلَانِ مِنْ طَعَامٍ فَاخِرٍ، كَانَ السَّاحِرُ قَدْ أَعَدَّهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَا (أَعَادَا) السَّيْرَ، فِي الْخَلَاءِ (الْفَضَاءِ الْخَالِي مِنَ الْعُمْرَانِ)، بَعْدَ أَنِ اجْتَانَا (تَرَكَا) ضَوَاحِيَ الْمَدِينَةِ (نَوَاحِيَهَا الظَّاهِرَةَ حَوْلَهَا). وَمَا زَالَا سَائِرَيْنِ حَتَّى تَعِبَ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَلَمْ يَسْتَطِعِ السَّيْرَ. فَطَلَبَ مِنَ السَّاحِرِ أَنْ يَعُودَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ مُتَلَطَّفًا: «سَأُرِيكَ — بَعْدَ قَلِيلٍ — مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنَاكَ.» فَلَمْ يَسْتَطِعْ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَنْ يُخَالِفَهُ. وَظَلَّ السَّاحِرُ يَرْوِي لَهُ — وَهُمَا سَائِرَانِ — أَغْرَبَ الْقِصَصِ؛ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ. وَمَا زَالَا سَائِرَيْنِ حَتَّى وَصَلَا إِلَى جَبَلَيْنِ قَلِيلي الارْتِفَاعِ، يَفْصِلُهُمَا وَادٍ ضَيِّقٌ. فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «سَتَرَى الْآنَ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَكَ عَلَى بَالٍ.» ثُمَّ جَمَعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» قَلِيلًا مِنَ الْأَعْشَابِ، وَأَوْقَدَ فِيهَا السَّاحِرُ النَّارَ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهَا قَلِيلًا مِنَ الْبَخُورِ. وَجَمْجَمَ (نَطَقَ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُرُوفَ فِي نُطْقِهِ)، وَتَمْتَمَ أَلْفَاظًا مِنَ السِّحْرِ، لَمْ يَفْهَمْ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْهَا شَيْئًا. فَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ (اهْتَزَّتْ وَارْتَجَّتْ)، ثُمَّ انْشَقَّتْ، وَظَهَرَ — أَمَامَهُمَا — حَجَرٌ مُرَبَّعٌ فِي وَسَطِهِ حَلْقَةٌ مِنَ الْحَدِيدِ. فَفَزِعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِمَّا رَأَى، وَتَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ، وَهَمَّ بِالْفِرَارِ مِنْ فَرْطِ الذِّعْرِ (مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ)؛ فَصَفَعَهُ السَّاحِرُ (ضَرَبَهُ بِيَدِهِ مَبْسُوطَةً عَلَى وَجْهِهِ) صَفْعَةً شَدِيدَةً، وَهَدَّدَهُ بِالْمَوْتِ، إِذَا حَاوَلَ الْهَرَبَ. فَارْتَجَفَ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَعَجِبَ مِنْ قَسْوَتِهِ الَّتِي لَمْ يَأْلَفْهَا مِنْهُ مِنْ قَبْلُ، وَسَأَلَهُ بَاكِيًا: «أَيُّ ذَنْبٍ جَنَيْتُ — يَا عَمِّي — حَتَّى تُعَاقِبَنِي عَلَيْهِ هَذَا الْعِقَابَ؟» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «أَلَسْتُ عَمَّكَ؟ فَكَيْفَ تُخَالِفُ أَمْرِي؟» ثُمَّ لَاطَفَهُ وَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، وَمَنَّاهُ الْوُعُودَ الْكَاذِبَةَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: «لَقَدْ جِئْتُ بِكَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ الْبَعِيدِ لِأَرْشِدَكَ إِلَى كَنْزٍ يُغْنِيكَ طُولَ حَيَاتِكَ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا كُلَّهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ هَذَا الْكَنْزَ. فَكَيْفَ تَرْفُضُ سَعَادَةً لَمْ تَكُنْ لِتَحْلُمَ بِهَا طُولَ عُمْرِكَ؟» فَفَرِحَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِاهْتِدَائِهِ إِلَى هَذَا الْكَنْزِ، وَقَبَّلَ يَدَ السَّاحِرِ، شَاكِرًا لَهُ ذَلِكُمُ الصَّنِيع.
الْمِصْبَاحُ الْعَجِيبُالْمِصْبَاحُ الْعَجِيبُ
ثُمَّ قَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ، بَعْدَ أَنْ تَنْطِقَ بِاسْمِكَ وَاسْمِ أَبِيكَ وَجَدِّكَ؛ لَيَسْهُلَ عَلَيْكَ رَفْعُهُ.» فَأَطَاعَ أَمْرَ السَّاحِرِ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ فَرَأَى سُلَّمًا يَصِلُ إِلَى دَاخِلِ الْكَنْزِ. فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «انْتَبِهُ إِلَى كُلِّ مَا أَقُولُهُ لَكَ، وَإِلَّا عَرَّضْتَ نَفْسَكَ لِلْهَلَاكِ. سَتَرَى فِي آخِرِ هَذَا السُّلَّمِ بَابًا مَفْتُوحًا فَادْخُلْهُ. وَثَمَّ (هُنَاكَ) تَرَى ثَلَاثَ غُرَفٍ كَبِيرَةٍ فِي طَرِيقِكَ. وَعَلَى جَانِبَيْ كُلِّ غُرْفَةٍ حَقَائِبُ (جَمْعُ حَقِيبَةٍ، وَهِيَ الَّتِي يَضَعُ فِيهَا الْمُسَافِرُ أَشْيَاءَهُ)، وَجِرَارٌ (أَوْعِيَةٌ مِنَ الْفَخَّارِ). وَهَذِهِ الْحَقَائِبُ وَالْجِرَارُ مَمْلُوعَةٌ بِالذَّهَبِ وَالْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ — كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ — فَاجْتَزْهَا (مُرَّ بِهَا) بِسُرْعَةٍ، وَحَذَارِ (احْذَرْ) أَنْ تَمَسَّهَا بِيَدِكَ، أَوْ يَلْمُسَهَا طَرَفُ ثَوْبِكَ، وَإِلَّا هَلَكْتُ لِسَاعَتِكَ. فَإِذَا انْتَهَيْتَ مِنْ ذَلِكَ، رَأَيْتَ أَمَامَكَ حَدِيقَةً جَمِيلَةً، أَشْجَارُهَا مِنَ الذَّهَبِ، وَثِمَارُهَا مِنَ اللَّالِئِ النَّادِرَةِ، فَاجْتَزْهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى شُرْفَةٍ كَبِيرَةٍ (بِنَاءِ بَارِرٍ مِنَ الْحَائِطِ) — فِي وَسَطِهَا نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا — عَلَيْهَا مِصْبَاحٌ مُضِيءٌ؛ فَاحْمِلْهُ بِيَدِكَ، ثُمَّ أَطْفِتْهُ، وَانْزِعْ شَرِيطَهُ، وَاسْكُبْ مَا فِيهِ مِنَ الزَّيْتِ، وَأَحْضِرْهُ إِلَيَّ. وَإِذَا أَعْجَبَكَ شَيْءٌ مِنْ ثِمَارِ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ فَاقْطِفْ مَا تَشَاءُ، فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْكَ.» ثُمَّ نَزَعَ السَّاحِرُ — مِنْ إِصْبَعِهِ — خَاتَمًا، وَوَضَعَهُ فِي إِصْبَعِ «عَلَاءِ الدِّينِ»؛ لِيَحْرُسَهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ. وَسَارَ «عَلَاءُ الدِّينِ» فِي دَاخِلِ الْكَنْزِ. وَكَانَ يَقِظًا فِي تَنْفِيذِ وَصِيَّةِ السَّاحِرِ — بِدِيَّةٍ وَانْتِبَاهِ — حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْمِصْبَاحِ؛ فَأَخَذَهُ وَنَزَعَ شَرِيطَهُ مِنْهُ، وَأَلْقَى مَا فِيهِ مِنَ الزَّيْتِ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَدِيقَةِ، فَقَطَفَ مِنْ ثِمَارِهَا مَا شَاءَ، وَانْتَقَى (اخْتَارَ) مَا أَعْجَبَهُ مِنْ كُلِّ لُونٍ مِنَ الْمَاسِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْيَاقُوتِ وَالْمَرْجَانِ. ثُمَّ سَارَ فِي طَرِيقِهِ عَائِدًا إِلَى السَّاحِرِ، وَهُوَ لَا يَكَادُ يَقْوَى عَلَى السَّيْرِ لِكَثْرَةِ مَا يَحْمِلُ مِنَ الثَّمَرَاتِ النَّادِرَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالنَّفَائِسِ (الْأَشْيَاءِ الْغَالِيَةِ). ثُمَّ نَادَى السَّاحِرَ: «خُذْ بِيَدِي — يَا عَمِّي — وَأَعِنِّي عَلَى الصُّعُودِ.» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ، وَكَانَ يَتَرَقَّبُ وُصُولَهُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ: «أَعْطِنِي الْمِصْبَاحَ أَوَّلًا — يَا ابْنَ أَخِي — حَتَّى لَا يُضَابِقَكَ.» فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «كَلَّا — يَا عَمِّي — فَهُوَ خَفِيفٌ جِدًّا.» فَأَصَرَّ السَّاحِرُ عَلَى أَخْذِ الْمِصْبَاحِ أَوَّلاً، وَأَصَرَّ «عَلَاءُ الدِّينِ» — بَعْدَ أَنْ فَطَنَ إِلَى سُوءِ نِيَّتِهِ — عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْكَنْزِ، قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِصْبَاحَ. فَغَضِبَ السَّاحِرُ عَلَيْهِ (أَبْغَضَهُ وَأَحَبَّ الانْتِقَامَ مِنْهُ)، وَأَلْقَى شَيْئًا مِنَ الْبَخُورِ عَلَى النَّارِ، وَجَمْجَمَ أَقْوَالًا مِنَ السِّحْرِ، فَعَادَ الْحَجَرُ إِلَى مَكَانِهِ مِنْ فَوْرِهِ. وَسَارَ السَّاحِرُ فِي طَرِيقِهِ عَائِدًا إِلَى بَلَدِهِ الْبَعِيدِ. وَنَدِمَ «عَلَاءُ الدِّينِ» عَلَى إِصْرَارِهِ وَعِنَادِهِ؛ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ: «أَخْرِجْنِي — يَا عَمِّي — وَخُذِ الْمِصْبَاحَ.» فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَلَمْ يُطِقْ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَنْ يَبْقَى فِي ظُلْمَةِ الْكَنْزِ؛ فَحَاوَلَ الْعَوْدَةَ إِلَى الْحَدِيقَةِ، فَرَأَى الْمَنَافِذَ كُلَّهَا مَسْدُودَةً؛ فَأَيْقَنَ أَنَّهُ سَيَهْلِكُ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْكَنْزَ سَيَكُونُ قَبْرَهُ. فَأَسْلَمَ أَمْرَهُ لِلَّهِ. وَظَلَّ فِي هَذَا النِّيقِ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ. وَكَانَ يَذْكُرُ — فِي كُلِّ لَحْظَةٍ — مَا كَانَ يَجْلُبُهُ عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ مِنَ الْكَدَرِ، لِكَثْرَةِ عِصْيَانِهِ وَعِنَادِهِ، فَيَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ النَّدَمِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ — سُبْحَانَهُ — لَمْ يُوقِعْهُ فِي هَذَا الْمَازِقِ الْحَرِجِ (الضَّيِّقِ) إِلَّا مُعَاقَبَةً لَهُ عَلَى سُوءِ عَمَلِهِ. وَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ اشْتَدَّ بِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْحُزْنُ وَالْأَلَمُ؛ فَبَكَى — نَادِمًا عَلَى ذُنُوبِهِ — وَرَفَعَ يَدَيْهِ مُسْتَغْفِرًا تَائِبًا، وَدَعَا اللهَ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ (النِّيقِ) فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. وَلَمَسَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ الْخَاتَمَ الَّذِي وَضَعَهُ السَّاحِرُ فِي إِصْبَعِهِ؛ فَظَهَرَ أَمَامَهُ جِنِّيٌّ كَبِيرٌ هَائِلُ الْجِسْمِ، وَقَالَ لَهُ: «لَبَّيْكَ، يَا مَوْلَايَ. مُرْنِي أُطِعْكَ! فَأَنَا خَادِمُكَ الْمُخْلِصُ الْأَمِينُ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَعَبْدُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ هَذَا الْخَاتَمَ الَّذِي فِي إِصْبَعِكَ.» فَعَجِبَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِمَّا سَمِعَ. وَقَالَ لَهُ يَائِسًا: «أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تُخْرِجَنِي مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، إِذَا اسْتَطَعْتَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.» فَرَفَعَهُ الْجِنِّيُّ إِلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؛ فَفَرِحَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِنَجَاتِهِ مِنَ الْمَوْتِ، وَصَلَّى شَاكِرًا لِلَّهِ خَلَاصَهُ مِنَ النِّيقِ، وَسَلَامَتَهُ مِنَ الْهَلَاكِ. وَسَارَ «عَلَاءُ الدِّينِ» فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ أُمِّهِ، وَكَانَ مَنْهُوكَ الْقُوَى (ضَعِيفًا) — لِشِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالسَّهَرِ — فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا بِجُهْدٍ شَدِيدٍ. وَكَانَتْ أُمُّهُ لَا تَنَامُ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهَا مِنَ الْجَزَعِ وَالْقَلَقِ عَلَى وَلَدِهَا فِي أَثْنَاءِ غِيَابِهِ فَظَلَّتْ تَدْعُو اللَّهَ — فِي صَلَوَاتِهَا — أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ كُلِّ أَذًى وَسُوءِ. وَمَا إِنْ رَأَتْهُ حَتَّى امْتَلَأَ قَلْبُهَا فَرَحًا بِعَوْدَتِهِ. وَلَكِنَّ فَرَحَهَا لَمْ يَطْلْ؛ فَقَدِ ارْتَمَى «عَلَاءُ الدِّينِ» أَمَامَهَا مَغْشِيًّا (مُغْمًى عَلَيْهِ — لِشِدَّةِ مَا حَلَّ بِهِ مِنَ التَّعَبِ — فَبَذَلَتْ أُمُّهُ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهَا حَتَّى أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ (صَحَا مِنْ إِغْمَائِهِ). وَمَا أَفَاقَ حَتَّى قَالَ لِأُمِّهِ مُتَلَهِّفًا: «أَحْضِرِي لِي طَعَامًا — يَا أُمِّي — فَقَدْ كَادَ الْجُوعُ يُهْلِكُنِي.» فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ كِسْرَةً مِنَ الْخُبْزِ — هِيَ كُلُّ مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ طَعَامٍ — فَأَكَلَهَا بِشَهِيَّةٍ عَجِيبَةٍ. وَلَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ سَبَبِ غِيَابِهِ الطَّوِيلِ، قَصَّ عَلَيْهَا كُلَّ مَا حَدَثَ لَهُ. فَدَهِشَتْ، وَعَجِبَتْ مِنْ غَدْرِ السَّاحِرِ الْخَبِيثِ، وَحَمِدَتِ اللَّهَ عَلَى نَجَاةِ وَلَدِهَا مِنَ الْهَلَاكِ. ثُمَّ أَعْطَاهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» كُلَّ مَا أَحْضَرَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْكَنْزِ (نَفَائِسِهِ الْمَخْبُوءَةِ). فَحَسِبَتْهُ — لِجَهْلِهَا بِهِ — قِطَعًا مِنَ الزُّجَاجِ الْمُلَوَّنِ، وَوَضَعَتْهُ فِي صُنْدُوقِهَا. ثُمَّ نَامَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — طُولَ لَيْلَتِهِ — نَوْمًا عَمِيقًا. وَاسْتَيْقَظَ — فِي ضُحَى الْيَوْمِ التَّالِي — وَقَدْ عَادَ إِلَيْهِ نَشَاطُهُ الْأَوَّلُ. وَاشْتَهَى «عَلَاءُ الدِّينِ» الطَّعَامَ، فَلَمْ تَجِدْ أُمُّهُ شَيْئًا تُقَدِّمُهُ لَهُ. وَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى السُّوقِ لِتَبِيعَ مَا غَزَلَتْهُ مِنَ الْقُطْنِ، وَتَشْتَرِي بِثَمَنِهِ طَعَامًا لِوَلَدِهَا. فَقَالَ لَهَا: «أَحْضِرِي الْمِصْبَاحَ الَّذِي أَتَيْتُ بِهِ مِنَ الْكَنْزِ لِأَبِيعَهُ فِي السُّوقِ، وَادَّخِرِي هَذَا الْغَزْلَ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ.» فَلَمَّا جَاءَتْ بِالْمِصْبَاحِ، أَرَادَتْ أَنْ تُزِيلَ مَا لَصِقَ بِهِ مِنَ الْأَوْسَانِ، فَأَحْضَرَتْ قَلِيلًا مِنَ الرَّمْلِ لِتُنَظَّفَهُ. وَمَا إِنْ حَكَّتِ الْمِصْبَاحَ بِيَدِهَا، حَتَّى ظَهَرَ أَمَامَهَا جِنِّيٌّ هَائِلُ الْجِسْمِ، وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَالٍ كَالرَّعْدِ: «لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ (أَجَبْتُكِ)! مَاذَا تُرِيدِينَ، يَا سَيِّدَتِي؟ فَإِنَّنِي رَهِينُ إِشَارَتِكِ (حَبَسْتُ نَفْسِي لِطَاعَتِكِ فِيمَا تَأْمُرِينَ بِهِ)، وَأَنَا خَادِمُكِ، وَخَادِمُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ هَذَا الْمِصْبَاحَ.» فَامْتَلَأَ قَلْبُهَا رُعْبًا، وَارْتَمَتْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ. وَأَدْرَكَ «عَلَاءُ الدِّينِ» حَقِيقَةَ الْأَمْرِ — فَقَدْ رَأَى شَبِيهَ هَذَا الْجِنِّيِّ فِي الْكَنْزِ — فَلَمْ يُضِعْ وَقْتَهُ عَبَثًا، بَلْ بَادَرَ بِحَمْلِ الْمِصْبَاحِ وَقَالَ لِلْجِنِّيِّ بِلَا تَرَدُّدٍ: «نَحْنُ جَائِعَانِ، فَأَحْضِرْ لَنَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ أَيُّهَا الْجِنِّيُّ الْكَرِيمُ.» فَاسْتَخْفَى الْجِنِّيُّ لَحْظَةً، ثُمَّ عَادَ وَمَعَهُ مَائِدَةٌ فَخْمَةٌ، عَلَيْهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ صَحْفَةً مِنَ الْفِضَّةِ (وَالصَّحْفَةُ هِيَ: الْإِنَاءُ يُؤْكَلُ فِيهِ). وَفِيهَا أَفْخَرُ أَلْوَانِ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ، وَإِلَى جَانِبِهَا سِتَّةُ أَرْغِفَةٍ؛ فَوَضَعَهَا أَمَامَهُ، وَاسْتَخْفَى. وَبَذَلَ «عَلَاءُ الدِّينِ» كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ حَتَّى أَفَاقَتْ أُمُّهُ. فَدَهِشَتْ حِينَ رَأَتْ تِلْكُمُ الْمَائِدَةَ الْفَاخِرَةَ، وَسَأَلَتْ وَلَدَهَا: كَيْفَ أَحْضَرَهَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهَا مَا حَدَثَ، فَزَادَ عَجَبُهَا وَدَهْشَتُهَا. وَأَكَلَتْ مَعَ وَلَدِهَا حَتَّى شَبِعًا. وَبَقِيَ مِنَ الطَّعَamِ أَكْثَرُهُ، فَأَكَلَاهُ فِي الْيَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ. وَلَمْ تُطِقْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» أَنْ تَرَى الْمِصْبَاحَ أَمَامَهَا، فَطَلَبَتْ مِنْ وَلَدِهَا أَنْ يَبِيعَهُ فِي السُّوقِ، أَوْ يَخَبَأَهُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، حَتَّى لَا تَرَى الْجِنِّيَّ أَمَامَهَا مَرَّةً أُخْرَى. فَوَعَدَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» خَيْرًا، وَمَا زَالَ بِهَا حَتَّى طَمْأَنَهَا وَأَزَالَ مَخَاوِفَهَا. وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُزْعِجَهَا — فِي الْيَوْمِ التَّالِي — بِاسْتِدْعَاءِ الْجِنِّيِّ، فَبَاعَ إِحْدَى الصِّحَافِ (الْآنِيَةِ الَّتِي يُؤْكَلُ فِيهَا) لِصَائِغٍ — فِي الْمَدِينَةِ — بِدِينَارٍ، وَاشْتَرَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ، وَأَعْطَى أُمَّهُ مَا بَقِيَ مِنَ النُّقُودِ. ثُمَّ بَاعَ الصَّائِعَ — بَعْدَ أَيَّامٍ — صَحْفَةً أُخْرَى بِدِينَارٍ، وَمَا زَالَ كَذَلِكُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مَا يُبَاعُ. فَانْتَهَزَ يَوْمًا فُرْصَةَ غِيَابِ أُمِّهِ، وَحَلَّ الْمِصْبَاحَ بِرِفْقٍ؛ فَلَبَّاهُ الْجِنِّيُّ (أَجَابَهُ) مُتَرَفِّقًا؛ فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ لَهُ طَعَامًا. وَبَعْدَ لَحْظَةٍ قَلِيلَةٍ أَحْضَرَ لَهُ الْجِنِّيُّ مَائِدَةً فَاخِرَةً مُمَائِلَةً لِلْأُولَى. وَكَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — حِينَئِذٍ — قَدْ كَرِهَ مُصَاحَبَةَ الْأَشْرَارِ، وَشَعَرَ بِوَاجِبِهِ نَحْوَ أُمِّهِ وَنَفْسِهِ، فَعَاشَرَ أَخْيَارَ الرِّجَالِ وَسَرَاةَ النَّاسِ (أَشْرَافَهُمْ وَسَادَتَهُمْ)، وَأَفَادَ مِنْ آرَائِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ. وَاتَّسَعَتْ مَعْرِفَتُهُ بِهِمْ، فَأَدْرَكَ أَنَّ الصَّائِغَ الْأَوَّلَ قَدْ خَدَعَهُ وَغَبَنَهُ (غَلَبَهُ وَنَقَصَهُ فِي الثَّمَنِ)؛ فَذَهَبَ — فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ — إِلَى صَائِغٍ آخَرَ، فَبَاعَهُ إِحْدَى الصِّحَافِ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا. وَظَلَّ «عَلَاءُ الدِّينِ» يَعِيشُ مَعَ أُمِّهِ عِيشَةً رَاضِيَةً، وَقَدِ ابْتَسَمَ لَهُمَا الدَّهْرُ، وَصَفَا لَهُمَا الْعَيْشُ، سَنَوَاتٍ عِدَّةً وَأَصْبَحَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْ أَغْنِيَاءِ بَلَدِهِ وَأَعْيَانِهِ الْمَعْرُوفِينَ. وَقَدْ أَحَبَّهُ كُلُّ مَنْ عَرَفَهُ لِحُسْنِ أَدَبِهِ وَجَمَالِ أَخْلَاقِهِ.
بَدْرُ الْبُدُورِبَدْرُ الْبُدُورِ
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ كَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» يَجُولُ فِي الْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِأَنَّ الْأَمِيرَةَ «بَدْرَ الْبُدُورِ»: بِنْتَ إِمْبَرَاطُورِ الصِّينِ، سَتَخْرُجُ — بَعْدَ قَلِيلٍ — مِنْ قَصْرِهَا إِلَى الْحَمَّامِ، لِتَسْتَحِمَّ فِيهِ. فَدَفَعَهُ حُبُّ الاسْتِطْلَاعِ إِلَى رُؤْيَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا فِي حَيَاتِهِ مِنْ قَبْلُ. وَلَمَّا مَرَّتِ الْأَمِيرَةُ، وَهِيَ ذَاهِبَةٌ فِي طَرِيقِهَا إِلَى الْحَمَّامِ، وَحَوْلَهَا الْحُرَّاسُ وَرِجَالُ الشَّرْطَةِ (عَسَاكِرُ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الْأَمْنَ)، رَآهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» فَأُعْجِبَ بِجَمَالِهَا وَخِفَّةِ رُوحِهَا. ثُمَّ عَادَ إِلَى بَيْتِهِ، وَهُوَ يُفَكِّرُ فِيمَا رَآهُ. وَدَارَتْ بِرَأْسِهِ فِكْرَةٌ جَرِيئَةٌ، فَقَدْ طَمَحَتْ نَفْسُهُ (رَغِبَتْ وَتَطَلَّعَتْ) إِلَى مُصَاهَرَةِ الْإِمْرَاطُورِ، وَالتَّزَوُّجِ بِابْنَتِهِ الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ». وَقَدْ شَجَعَهُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ الْجَرِيئَةِ حُصُولُهُ عَلَى الْمِصْبَاحِ الْعَجِيبِ الَّذِي يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ — بِفَضْلِهِ — أَنْ يُظْهِرَ كَثِيرًا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْمُعْجِزَاتِ. وَقَدْ فَكَرَ فِي الزَّوَاجِ طَوِيلًا؛ ثُمَّ اقْتَنَعَ — بَعْدَئِذٍ — بِوُجُوبِ السَّعْيِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْأَمَلِ الْبَعِيدِ. وَرَأَى أَنَّهُ — وَقَدْ أَصْبَحَ مِنْ سَرَاةِ الْمَدِينَةِ وَأَعْيَانِهَا — جَدِيرٌ أَنْ يَتَطَلَّعَ إِلَى مُصَاهَرَةِ الْإِمْرَاطُورِ. فَإِذَا اعْتَرَضَتْهُ أَيُّ عَقَبَةٍ — فِي سَبِيلِهِ — فَإِنَّ مِصْبَاحَهُ الْعَجِيبَ كَفِيلٌ (ضَامِنٌ وَقَائِمٌ) بِتَذْلِيلِهَا (تَسْهِيلِهَا)، وَالتَّغَلُّبِ عَلَيْهَا. وَرَأَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» عَلَى وَلَدِهَا أَمَارَاتِ التَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ. فَسَأَلَتْهُ: «فِيمَ تُفَكَّرُ، يَا وَلَدِي؟» فَخَجِلَ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ حَيَاءً. وَلَمَّا أَلَجَّتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ بِالسُّؤَالِ، قَالَ لَهَا مُتَلَعْثِمًا (مُتَوَقِّفًا قَبْلَ الْجَوَابِ): «لَقَدْ كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَكْتُمَ عَنْكِ سَبَبَ آلَامِي وَأَحْزَانِي؛ لِئَلَّا تَتَّهِمِينِي بِالْجُنُونِ. وَلَكِنَّكِ أَلْحَفْتِ (أَلْحَحْتِ وَأَكْثَرْتِ) فِي السُّؤَالِ. وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَكْتُمَ مَا يَخْتَلِجُ (مَا يَتَرَدَّدُ) فِي نَفْسِي مِنَ الْآمَالِ. فَقَدْ رَأَيْتُ — فِي هَذَا الْيَوْمِ — ابْنَةَ إِمْرَاطُورِ الصِّينِ؛ وَمَا إِنْ أَبْصَرْتُهَا حَتَّى طَمَحَتْ نَفْسِي إِلَى الزَّوَاجِ بِهَا.» فَصَرَخَتْ أُمُّهُ مَدْهُوشَةً ثَائِرَةً، وَقَالَتْ مُتَعَجِّبَةً حَائِرَةً: «ابْنَةُ إِمْرَاطُورِ الدِّينِ الْعَظِيمِ، يَتَطَلَّعُ إِلَى الزَّوَاجِ بِهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» الصَّغِيرُ، ابْنُ «مُصْطَفَى» الْخَيَّاطِ الْفَقِيرِ! لَا شَلَّ فِي أَنَّكَ جُنِنْتَ يَا وَلَدِي!» فَقَالَ لَهَا مُبْتَسِمًا: «كَلَّا. لَمْ أُجَنَّ — يَا أُمِّي — فَإِنِّي لَا أَزَالُ رَاشِدًا مُتَثَبِّتًا مِمَّا أَقُولُ. وَلَسْتُ أَطْلُبُ إِلَيْكِ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا عَلَيْكِ، ذَلِكِ: هُوَ أَنْ تَذْهَبِي إِلَى الْإِمْرَاطُورِ، وَتَطْلُبِي إِلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَنِي بِابْنَتِهِ الْأَمِيرَةِ: بَدْرِ الْبُدُورِ.» فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ دَهْشَتُهَا: «لَا تُفَكِّرْ — يَا وَلَدِي — فِي هَذَا الْمُسْتَحِيلِ؛ فَإِنَّ الْإِمْرَاطُورَ — إِذَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ — أَمَرَ فِي الْحَالِ بِصَلْبِنَا (قَتْلِنَا وَتَعْلِيقِ أَجْسَامِنَا). وَمَنْ نَحْنُ حَتَّى نَتَطَلَّعُ إِلَى مُصَاهَرَةِ إِمْرَاطُورِنَا الْعَظِيمِ؟ اخْتَرْ — يَا وَلَدِي — أَيَّ فَتَاةٍ أُخْرَى، وَأَنَا أُزَوِّجُكَ إِيَّاهَا. أَمَّا أَنْ تَتَطَلَّعَ إِلَى الزَّوَاجِ بِابْنَةِ الْإِمْرَاطُورِ، فَذَلِكَ أَمَلٌ لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِهِ. وَلَيْسَ مِنَ الْحَزْمِ (تَدْبِيرِ الْأَمْرِ بِحِكْمَةٍ وَتَعَقْلٍ) أَنْ تُعَرِّضَ نَفْسَكَ لِغَضَبِ الْإِمْرَاطُورِ، وَسُخْرِيَةِ النَّاسِ.» فَقَالَ لَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ»: «ثِقِي — يَا أُمِّي — أَنَّنِي لَنْ أَعْدِلَ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ، مَهْمَا تَبْذُلِي مِنَ الْجُهْدِ فِي إِقْنَاعِي. وَلَسْتُ أَطْلُبُ مِنْكِ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا؛ هُوَ أَنْ تَذْهَبِي إِلَى قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ، وَتَلْتَمِسِي مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَنِي بِنْتَهُ. فَإِذَا أَجَابَكِ إِلَى طِلْبَتِكِ (مَقْصُودِكِ)، حَقَّقْتِ لِي — بِذَلِكِ — أَكْبَرَ أُمْنِيَّةٍ تَصْبُو (تَمِيلُ) إِلَيْهَا نَفْسِي. وَإِذَا رَفَضَ، فَقَدْ قُمْتِ بِوَاجِبِكِ خَيْرَ قِيَامٍ، وَبَذَلْتِ لِي كُلَّ مَا تَسْتَطِيعِينَ.» وَعَلَيَّ أَنْ أَسْعَى وَلَيْسَ عَلَيَّ إِدْرَاكُ النَّجَاحِ. فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ مُسْتَهْزِئَةً: «وَأَيُّ هَدِيَّةٍ تَسْتَطِيعُ — يَا وَلَدِي — أَنْ تُقَدِّمَهَا إِلَى الْإِمْرَاطُورِ الَّذِي تَطْمَحُ إِلَى مُصَاهَرَتِهِ؟» فَقَالَ لَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ»: «أَسْتَطِيعُ أَنْ أُهْدِيَ إِلَى الْإِمْبَرَاطُورِ أَفْخَرَ الْهَدَايَا؛ فَإِنَّ عِنْدِي مِنَ الْكُنُوزِ النَّادِرَةِ مَا لَا يُقَوَّمُ (مَا لَيْسَ يُقَدَّرُ) بِثَمَنٍ.» فَقَالَتْ أُمُّهُ سَاخِرَةً: «وَمَاذَا عِنْدَكَ، يَا وَلَدِي؟ وَأَيْنَ هِيَ هَذِهِ الْكُنُوزُ النَّادِرَةُ الَّتِي تَحْلُمُ بِهَا؟» فَقَالَ لَهَا: «أَلَا تَذْكُرِينَ — يَا أُمِّي — تِلْكَ النَّخَائِرَ الَّتِي كُنْتُ قَدْ أَحْضَرْتُهَا مَعِي مِنَ الْكَنْزِ؟ إِنَّ كُلَّ لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَا تُقَوَّمُ بِثَمَنٍ، لِنَفَاسَتِهَا (لِعِظَمِ قِيمَتِهَا وَعُسْرِ الْحُصُولِ عَلَيْهَا). وَلَيْسَ فِي خَزَائِنِ الْإِمْرَاطُورِ — مِنَ اللَّالِئِ الثَّمِينَةِ — مَا يُمَائِلُهَا خَطَرًا (قَدْرًا وَمَنْزِلَةً) وَنُدْرَةً (قِلَّةَ وُجُودٍ). وَلَيْسَ هَذَا رَأْيِي — وَحْدِي — بَلْ هُوَ رَأْيُ كِبَارِ تُجَّارِ اللَّالِي وَشُيُوخِهِمْ.» فَقَالَتْ لَهُ: «وَمَاذَا تَصْنَعُ إِذَا طَلَبَ إِلَيْكَ الْإِمْرَاطُورُ — بَعْدَ هَذِهِ الْهَدِيَّةِ — مَهْرَ ابْنَتِهِ؟ وَأَيْنَ تَسْكُنُ بِنْتُ الْإِمْرَاطُورِ، بَعْدَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهَا؟ أَتَرْضَى الْأَمِيرَةُ أَنْ تُقِيمَ مَعَكَ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْحَقِيرِ؟ ذَلِكَ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِهِ.» فَقَالَ لَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ»: «لَا تُقْلِقِي بَالَكِ — يَا أُمِّي — فَإِنَّ مِصْبَاحِي كَفِيلٌ بِتَحْقِيقِ كُلِّ مَا يَطْلُبُهُ الْإِمْرَاطُورُ مِنِّي، وَإِنْ غَلَا وَجَاوَزَ الْحَدَّ، وَجَارَ فِي مَطَالِبِهِ وَاشْتَدَّ.» وَرَأَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» إِصْرَارَ وَلَدِهَا عَلَى تَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ، وَعَلِمَتْ أَنَّ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِإِقْنَاعِهِ لَنْ تَزِيدَهُ إِلَّا تَشَبُّئًا (تَمَسُّكًا) وَعِنَادًا. فَوَعَدَتْهُ بِبَذْلِ جُهْدِهَا فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ. فَفَرِحَ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَقَبَّلَ يَدَيْهَا شَاكِرًا. وَنَامَ — طُولَ لَيْلَتِهِ — وَهُوَ يَحْلُمُ بِأَمَانِيِّهِ الْجَمِيلَةِ. وَنَهَضَ «عَلَاءُ الدِّينِ» فِي الصَّبَاحِ مُبَشِّرًا، وَأَيْقَظَ أُمَّهُ لِتَذْهَبَ إِلَى قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ مُخَالَفَتَهُ. وَلَبِسَتْ أَفْخَرَ مَا عِنْدَهَا مِنَ الثَّيَابِ، وَأَخَذَتِ اللَّالِئَ الَّتِي أَحْضَرَهَا وَلَدُهَا مِنَ الْكَنْزِ، وَذَهَبَتْ بِهَا إِلَى قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ، وَهِيَ يَائِسَةٌ مُرْتَبِكَةٌ أَشَدَّ الارْتِبَاكِ. فَرَأَتِ الْإِمْرَاطُورَ، وَحَوْلَهُ وُزَرَاؤُهُ وَحَاشِيَتُهُ (أَعْنِي رِجَالَهُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ شُئُونَهُ وَيُحِيطُونَ بِهِ) وَأَمَامَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَقَاضِينَ (أَصْحَابِ الْقَضَايَا وَالْخُصُومَاتِ). فَوَقَفَتْ فِي آخِرِ النَّاسِ، وَهِيَ حَائِرَةٌ خَائِفَةٌ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَقَدَّمَ خُطْوَةً وَاحِدَةً. وَظَلَّتْ وَاقِفَةً حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ — عَلَى أَنْ يَعُودُوا فِي الْيَوْمِ التَّالِي لِلْفَصْلِ فِي قَضَايَاهُمْ — فَعَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا مَحْزُونَةً. وَمَا إِنْ رَآهَا «عَلَاءُ الدِّينِ» حَتَّى سَأَلَهَا مُتَلَهّفًا: «مَاذَا صَنَعْتِ يَا أُمِّي؟» فَقَصَّتْ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَثَ، وَوَعَدَتْهُ بِالذَّهَابِ — فِي الْيَوْمِ التَّالِي — إِلَى الْقَصْرِ. وَمَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ حَتَّى أَيْقَظَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ». فَسَارَتْ إِلَى قَصْرِ الْإِمْبَرَاطُورِ، وَحَدَثَ لَهَا مَا حَدَثَ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ. وَمَا زَالَتْ هَكَذَا أُسْبُوعًا كَامِلًا. وَكَانَ الْإِمْرَاطُورُ يَرَاهَا تَتَرَدَّدُ عَلَى سَاحَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَتَنْصَرِفُ آخِرَ النَّاسِ. فَطَلَبَ إِلَى كَبِيرِ وُزَرَائِهِ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي — إِذَا حَضَرَتْ — لِيَسْأَلُهَا عَمَّا تُرِيدُ. فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي ذَكَّرَهُ بِهَا؛ فَنَادَاهَا الْإِمْرَاطُورُ وَسَأَلَهَا: «مَاذَا تُرِيدِينَ، أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ الْفَاضِلَةُ؟» فَتَقَدَّمَتْ نَحْوَهُ، وَخَرَّتْ (هَبَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ) رَاكِعَةً أَمَامَهُ، وَقَالَتْ مُتَأَدِّبَةً: «إِذَا تَفَضَّلَ مَوْلَايَ الْإِمْرَاطُورُ الْعَظِيمُ بِسَمَاعِ قِصَّتِي، فَإِنِّي لَنْ أَنْسَى لَهُ مَا حَبِيتُ — هَذَا الْفَضْلَ الْكَبِيرَ. وَلَكِنَّنِي أَرْجُو أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي أَنْ أُسِرَّ إِلَيْهِ حَدِيثِي (أُرِيدُ أَنْ أَنْفَرِدَ بِهِ، لِأَقُولَهُ لَهُ سِرًّا).» فَأَمَرَ الْإِمْبَرَاطُورُ بِإِخْرَاجِ الْحَاضِرِينَ، وَلَمْ يُبْقِ مَعَهُ إِلَّا كَبِيرَ وُزَرَائِهِ. ثُمَّ سَأَلَهَا عَمَّا تُرِيدُ؛ فَرَكَعَتْ أَمَامَهُ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ قَدَّمَتْ إِلَيْهِ مَا مَعَهَا مِنَ الْهَدَايَا الْفَاخِرَةِ. فَأُعْجِبَ الْإِمْبَرَاطُورُ بِاللَّالِي النَّمِينَةِ النَّادِرَةِ. وَشَارَكَهُ كَبِيرُ وُزَرَائِهِ فِي الْإِعْجَابِ بِهَا. ثُمَّ سَأَلَهَا: «وَمَاذَا تُرِيدِينَ مِنِّي، بَعْدَ قَبُولِي هَذِهِ الْهَدَايَا الثَّمِينَةَ؟» فَقَالَتْ لَهُ: «إِنَّ وَلَدِي «عَلَاءَ الدِّينِ» قَدْ دَفَعَتْهُ جُرْأَتُهُ وَأَمَلُهُ فِي كَرَمِ جَلَالَتِكُمْ، إِلَى أَنْ تَطْمَحَ نَفْسُهُ إِلَى مُصَاهَرَةِ الْإِمْرَاطُورِ.» فَلَمْ يَشَإِ الْإِمْبَرَاطُورُ أَنْ يَرُدَّهَا خَائِبَةً، وَقَالَ لَهَا مُبْتَسِمًا: «لَقَدْ قَبِلْتُ هَدِيَّتَهُ الْفَاخِرَةَ، وَسَأْزَوِّجُهُ ابْنَتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.» فَخَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرَةً مُبْتَهِجَةً، وَأَخْبَرَتْ وَلَدَهَا «عَلَاءَ الدِّينِ» بِقَبُولِ الْإِمْرَاطُورِ؛ فَكَادَ يَطِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.
زَوَاجُ الْأَمِيرَةِزَوَاجُ الْأَمِيرَةِ
كَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» يَعُدُّ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامَ، مُتَرَقِّبًا مَوْعِدَ زَوَاجِهِ بِالْأَمِيرَةِ «بَدْرِ الْبُدُورِ»: ابْنَةِ إِمْرَاطُورِ الصِّينِ، حَتَّى مَضَى عَلَيْهِ شَهْرَانِ. وَكَانَ يُمَنِّي نَفْسَهُ أَعْذَبَ الْأَمَانِيَّ وَأَطْيَبَهَا وَأَحْلَاهَا. وَلَكِنْ وَقَعَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ (حَدَثَ مَا لَمْ يَظُنُّهُ)؛ فَقَدْ خَرَجَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» مِنْ بَيْتِهَا مُبَكَّرَةً — ذَا صَبَاحٍ — فَرَأَتِ الزِّينَةَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَرَأَتِ السُّرَادِقَاتِ (الْخِيَامَ الْمَنْصُوبَةَ) تُقَامُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ أَنْحَاءِ الْمَدِينَةِ. فَسَأَلَتْ أَحَدَ النَّاسِ: «مَا الْخَبَرُ؟» فَأَجَابَهَا مَدْهُوشًا: «كَيْفَ تَسْأَلِينَ؟ أَلَسْتِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ؟ أَلَا تَعْلَمِينَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ هُوَ مَوْعِدُ زَوَاجِ الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ» — ابْنَةِ إِمْرَاطُورِنَا الْعَظِيمِ — بِابْنِ كَبِيرِ وُزَرَائِهِ؟» وَمَا إِنْ سَمِعَتْ مِنْهُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهَا غَمًّا وَحَسْرَةً، وَعَجِبَتْ: كَيْفَ يَنْقُضُ الْإِمْرَاطُورُ كَلِمَتَهُ، وَيُخْلِفُ وَعْدَهُ؟ وَأَسْرَعَتْ فِي طَرِيقِهَا — عَائِدَةً إِلَى مَنْزِلِهَا — وَقَصَّتْ عَلَى وَلَدِهَا «عَلَاءِ الدِّينِ» كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ. فَحَزِنَ لِمَا سَمِعَ أَشَدَّ الْحُزْنِ، وَلَكِنَّهُ تَجَلَّدَ (تَقَوَّى وَتَحَمَّلَ)، وَعَلِمَ أَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْيَأْسِ لَا يُفِيدُ. فَأَعْمَلَ فِكْرَهُ قَلِيلًا، حَتَّى اهْتَدَى إِلَى خُطَّةٍ حَاسِمَةٍ (وُفِّقَ إِلَى طَرِيقَةٍ فَاصِلَةٍ قَاطِعَةٍ)، يَثْأَرُ بِهَا لِنَفْسِهِ وَيَنْتَقِمُ، وَيَنَالُ بِهَا مَا يَتَمَنَّاهُ. ثُمَّ ذَهَبَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى حُجْرَةٍ أُخْرَى، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهَا، وَأَحْضَرَ مِصْبَاحَهُ الْعَجِيبَ الَّذِي كَانَ يَخْبَؤُهُ فِيهَا. ثُمَّ فَرَكَ الْمِصْبَاحَ؛ فَمَثَلَ أَمَامَهُ الْجِنِّيُّ — لِسَاعَتِهِ — وَسَأَلَهُ مُتَلَطَّفًا: «هَأَنَنَا — يَا مَوْلَايَ — فَمُرْنِي أُطِعْكَ، أَنَا وَجَمِيعُ أَعْوَانِي: خُدَّامَ الْمِصْبَاحِ.» فَقَالَ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «سَتَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ مَوْعِدَ زِفَافِ ابْنِ كَبِيرِ الْوُزَرَاءِ إِلَى الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ». وَلَسْتُ أَطْلُبُ إِلَيْكَ شَيْئًا إِلَّا أَنْ تُقْصِيَ ابْنَ الْوَزِيرِ (تُبْعِدَهُ) عَنِ الْأَمِيرَةِ، وَتَحُولَ دُونَ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّنْوِّ (الْقُرْبِ) مِنْهَا طُولَ اللَّيْلِ.» فَقَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: «سَمْعًا وَطَاعَةً — يَا مَوْلَايَ — وَسَتَرَى مَا يَسُرُّكَ.» ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَانْصَرَفَ. وَلَمَّا انْتَهَتْ حَفَلَاتُ الزِّفَافِ وَانْصَرَفَ الْحَاضِرُونَ، خَطِفَ الْجِنِّيُّ ابْنَ كَبِيرِ الْوُزَرَاءِ مِنْ حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ، وَوَضَعَهُ فِي مِرْحَاضِ الْقَصْرِ، وَلَمْ يَظْهَرِ الْجِنِّيُّ لِلْأَمِيرَةِ حَتَّى لَا تَنْزَعِجَ. وَقَدْ عَجِبَتِ الْأَمِيرَةُ حِينَ تَلَفَّتَتْ فَلَمْ تَجِدْ زَوْجَهَا أَمَامَهَا. وَمَكَثَتْ وَحْدَهَا إِلَى الصَّبَاحِ، وَهِي مَدْهُوشَةٌ مِنْ غِيَابِ عَرُوسِهَا أَشَدَّ دَهْشَةٍ. وَلَمَّا لَاحَ الصَّبَاحُ أَطْلَقَ الْجِنِّيُّ سَرَاحَهُ، فَعَادَ إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ الرُّعْبِ وَالارْتِبَاكِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُحَدِّثَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَدَثَ لَهُ فِي لَيْلَتِهِ السَّوْدَاءِ. ثُمَّ جَاءَ الْإِمْرَاطُورُ وَزَوْجُهُ لِيُسَلِّمَا عَلَى ابْنَتِهِمَا، فَرَأَيَاهَا حَزِينَةً. فَسَأَلَاهَا عَنْ سِرِّ حُزْنِهَا؛ فَتَجَلَّدَتْ أَمَامَهُمَا، وَلَمْ تُخْبِرْهُمَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَدَثَ. فَلَمَّا جَاءَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ حَمَلَ الْجِنِّيُّ عَرُوسَهَا؛ كَمَا حَمَلَهُ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، صَنَعَ بِهِ الْجِنِّيُّ كَمَا صَنَعَ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ. فَلَمْ تُطِقِ الْأَمِيرَةُ صَبْرًا عَلَى مَا رَأَتْ، وَاضْطُرَّتْ إِلَى الْإِفْضَاءِ إِلَى أُمِّهَا (إِخْبَارِهَا) بِكُلِّ مَا حَدَثَ. فَذَهَبَتْ أُمُّهَا إِلَى الْإِمْرَاطُورِ، وَقَصَّتْ عَلَيْهِ مَا سَمِعَتْهُ مِنِ ابْنَتِهَا. فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَأَحْضَرَ أَمَامَهُ كَبِيرَ وُزَرَائِهِ وَابْنَهُ، وَسَأَلَهُمَا أَنْ يُخْبِرَاهُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ. فَلَمْ يَسْتَطِعِ ابْنُ كَبِيرِ الْوُزَرَاءِ أَنْ يَكْتُمَ الْإِمْرَاطُورَ شَيْئًا مِمَّا حَدَثَ فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ. ثُمَّ ارْتَمَى عَلَى قَدَمَيِ الْإِمْرَاطُورِ بَاكِيًا؛ يَسْأَلُهُ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُ، وَأَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ الْبَقَاءِ مَعَ الأميرة. وَلَمْ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَى الْإِمْرَاطُورِ مِنْ هَذَا الطَّلَبِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ وَعْدَهُ أُمَّ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَأَيْقَنَ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ لِابْنَتِهِ — مِنْ حِرْمَانِهَا أَنْ تَسْعَدَ بِزَوْجِهَا — إِنَّمَا كَانَ انْتِقَامًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ. وَعَلِمَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنَ الْجِنِّي كُلَّ مَا حَدَثَ؛ فَفَرِحَ أَشَدَّ الْفَرَحِ. وَصَبَرَ «عَلَاءُ الدِّينِ» حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ الثَّالِثُ، وَأَرْسَلَ أُمَّهُ إِلَى الْإِمْرَاطُورِ، لِتُذَكَّرَهُ بِوَعْدِهِ. وَمَا إِنْ رَآهَا الْإِمْرَاطُورُ حَتَّى نَادَاهَا. فَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ مُتَأَدِّبَةً، وَرَكَعَتْ أَمَامَهُ خَاشِعَةً، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: «جِئْتُ إِلَى الْإِمْرَاطُورِ لِأَذَكَّرَهُ بِوَعْدِهِ، بَعْدَ أَنْ انْقَضَتْ ثَلَاثَةُ الأَشْهُرِ.» فَأَقَرَّ الْإِمْرَاطُورُ أَنَّهُ مُنْجِزُّ مَا وَعَدَهَا بِهِ، وَالْتَفَتَ إِلَى كَبِيرِ وُزَرَائِهِ، يَسْأَلُهُ عَنْ رَأْيِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَرَى أَلَّا يَسْمَحَ الْإِمْبَرَاطُورُ بِتَزْوِيجِ الْأَمِيرَةِ بِرَجُلٍ مَجْهُولٍ أَصْلُهُ؛ فَرُبَّمَا كَانَ غَيْرَ كُفْءٍ (غَيْرَ أَهْلٍ) لِمُصَاهَرَةِ إِمْرَاطُورِ الصِّينِ الْعَظِيمِ. وَلَسْتُ أَرَى وَسِيلَةً لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ (لِلْخَلَاصِ مِنْ هَذَا الضّيقِ)، إِلَّا أَنْ نَشْتَطَّ (نَحْكُمَ حُكْمًا جَائِرًا) فِي طَلَبِ مَهْرِ الْأَمِيرَةِ حَتَّى نُعْجِزَهُ، وَنُسَوِّغَ رَفْضَنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَنْقُضَ عَهْدَنَا.» فَالْتَفَتَ الْإِمْبَرَاطُورُ إِلَى أُمِّ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَقَالَ لَهَا: «لَسْتُ أَرَى مَانِعًا مِنْ تَحْقِيقِ طِلْبَتِكِ. وَلَكِنَّ مَهْرَ الْأَمِيرَةِ غَالٍ، لَا يَسْتَطِيعُهُ وَلَدُكِ؛ فَإِنِّي أَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ لِلْأَمِيرَةِ أَرْبَعِينَ صَحْفَةً مَمْلُوعَةً بِأَمْثَالِ اللَّآلِئِ الَّتِي قَدَّمْتِهَا إِلَيَّ فِي الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ.» فَعَادَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» يَائِسَةً لَا أَمَلَ عِنْدَهَا، وَقَدْ أَيْقَنَتْ أَنَّ وَلَدَهَا أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يُحَقِّقَ هَذَا الطَّلَبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِهِ. وَمَا إِنْ أَخْبَرَتْ وَلَدَهَا «عَلَاءَ الدِّينِ» بِمَا حَدَثَ، حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ سُرُورًا. وَأَسْرَعَ إِلَى الْمِصْبَاحِ فَفَرَكَهُ، وَطَلَبَ إِلَى الْجِنِّي أَنْ يُحْضِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ صَحْفَةً مَمْلُوءَةً بِاللَّالِئِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْإِمْرَاطُورُ، وَأَرْبَعِينَ تَابِعًا يَحْمِلُونَهَا، وَأَرْبَعِينَ خَادِمًا يَتَقَدَّمُونَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أَفْخَرُ الثَّيَابِ وَأَنْفَسُهَا. وَلَمْ يَمْضِ وَقْتُ قَصِيرٌ حَتَّى أَحْضَرَ لَهُ الْجِنِّيُّ كُلَّ مَا طَلَبَ؛ فَدَهِشَتْ أُمُّ «عَلَاءِ الدِّينِ» مِمَّا رَأَتْ. وَطَلَبَ إِلَيْهَا وَلَدُهَا أَنْ تَذْهَبَ بِهَذِهِ الْهَدَايَا الثَّمِينَةِ إِلَى قَصْرَ الْإِمْرَاطُورِ؛ حَتَّى لَا يَضِيعَ الْوَقْتُ. وَمَا إِنْ خَرَجَتْ — وَمَعَهَا الْأَتْبَاعُ وَالْخَدَمُ — حَتَّى عَجِبَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا أَشَدَّ الْعَجَبِ. وَاشْتَدَّتْ دَهْشَةُ الْإِمْبَرَاطُورِ مِنْ تَحْقِيقِ مَطْلَبِهِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ الْعَجِيبَةِ. فَالْتَفَتَ إِلَى كَبِيرِ وُزَرَائِهِ، وِسَأَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعَارِضَ فِي زَوَاجِ «عَلَاءِ الدِّينِ» بِالْأَمِيرَةِ، بِرَغْمِ حِقْدِهِ عَلَيْهِ، وَغَيْرَتِهِ مِنْهُ. فَالْتَفَتَ الْإِمْرَاطُورُ إِلَى السَّيِّدَةِ، وَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ قَبِلْتُ مَا تَطْلُبِينَ، وَاشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَةِ وَلَدِكِ؛ لِأَزَوِّجَهُ الْأَمِيرَةَ: بَدْرَ الْبُدُورِ.» فَشَكَرَتِ الْإِمْرَاطُورَ عَلَى عَطْفِهِ أَحْسَنَ الشُّكْرِ، وَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الْخُرُوجِ، فَأَذِنَ لَهَا الْإِمْرَاطُورُ. وَسَارَتْ فِي طَرِيقِهَا إِلَى مَنْزِلِهَا مُبْتَهِجَةً بِنَجَاحِهَا أَشَدَّ الابْتِهَاجِ. وَمَا إِنْ أَخْبَرَتْ وَلَدَهَا «عَلَاءَ الدِّينِ» أَنَّ الْإِمْرَاطُورَ يَدْعُوهُ إِلَى زِيَارَتِهِ لِيُزَوِّجَهُ بِابْنَتِهِ الأَميرَةِ: «بَدْرِ الْبُdُورِ» حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ بَهْجَةً وَسُرُورًا، وَخَرَّ رَاكِعًا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نَجَاحِهِ، وَنَيْلِ أُمْنِيَّتِهِ الَّتِي كَادَ يَيْأَسُ مِنْ بُلُوغِهَا. وَلَمْ يَتَوَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» (لَمْ يَتَأَخَّرْ لَحْظَةً) فِي انْتِهَازِ هَذِهِ الْفُرْصَةِ الثَّمِينَةِ، فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَأَحْضَرَ مِنْهَا الْمِصْبَاحَ وَفَرَكَهُ؛ فَحَضَرَ إِلَيْهِ الْجِنِّيُّ فِي الْحَالِ، وَسَأَلَهُ قَائِلًا: «مُرْنِي بِمَا تَشَاءُ.» فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «لَقَدْ دَعَانِي الْإِمْرَاطُورُ إِلَى زِيَارَتِهِ، فَهَيِّئْ لِي حَمَّامًا فَاخِرًا لِأَسْتَحِمَّ فِيهِ، وَأَحْضِرْ لِي أَثْمَنَ ثِيَابٍ لِأَلْبَسَهَا.» وَمَا إِنْ أَتَمَّ قَوْلَهُ حَتَّى حَمَلَهُ الْجِنِّيُّ، وَطَارَ بِهِ، وَأَنْزَلَهُ فِي حَمَّامٍ بَدِيعٍ، مَصْنُوعٍ مِنَ الرُّخَامِ الثَّمِينِ الْمُخْتَلِفِ الْأَلْوَانِ. فَجَلَسَ فِي بَهْوِ (حُجْرَةٍ وَاسِعَةٍ فَسِيحَةٍ) لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ، ثُمَّ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَاسْتَحَمَّ. وَعُنِيَ الْجِنِّيُّ وَأَعْوَانُهُ بِخِدْمَتِهِ، وَأَحْضَرُوا لَهُ أَحْسَنَ أَنْوَاعِ الْعُطُورِ وَالطَّيبِ، ثُمَّ أَلْبَسُوهُ ثِيَابًا مُوَشَّاةً (مُزَيَّنَةً) بِاللَّالِئِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ نَفْسِهِ. فَدَهِشَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِمَّا رَأَى، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الْجِنِّيِّ أَنْ يُحْضِرَ لَهُ فَرَسًا مُسَرَّجًا (عَلَيْهِ السَّرْجُ)، مُطَهَّمًا (تَامَّ الْحُسْنِ)، وَعِشْرِينَ خَادِمًا، عَلَيْهِمْ أَفْخَرُ الثَّيَابِ، يَحْمِلُونَ صِحَافًا كَبِيرَةً مَمْلُوءَةً بِأَنْفَسِ اللَّالِئِ، يَسِيرُونَ أَمَامَهُ، وَعِشْرِينَ مِثْلَهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ؛ ثُمَّ يُحْضِرُ سِتَّ جَوَارٍ مُرْتَدِيَاتٍ أَفْخَرَ الْمَلَابِسِ؛ لِيَسِرْنَ (لِيَمْشِينَ) مَعَ أُمِّهِ، وَيُحْضِرَ عَشَرَةَ أَكْيَاسٍ، فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا. وَمَا انْتَهَى «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْ قَوْلِهِ، حَتَّى اسْتَخْفَى الْجِنِّيُّ لَحْظَةً ثُمَّ عَادَ وَمَعَهُ كُلُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ «عَلَاءُ الدِّينِ». ثُمَّ سَارَ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَوَالِدَتْهُ فِي مَوْكِبِهِ الْفَخْمِ، بَعْدَ أَنْ أَعْطَى أُمَّهُ أَرْبَعَةَ أَكْيَاسٍ، وَتَرَكَ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةَ فِي أَيْدِي خَدَمِهِ؛ لِيُوَزِّعُوهَا — فِي أَثْنَاءِ سَيْرِهِ — عَلَى الْجُمْهُورِ الْمُحْتَشِدِ (الْمُتَجَمِّعِ). وَمَا زَالَ سَائِرًا — وَالنَّاسُ يَحْتَشِدُونَ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ، وَيَهْتِفُونَ بِهِ، مُعْجَبِينَ بِكَرَمِهِ، مَدْهُوشِينَ مِنْ فَخَامَةِ مَوْكِبِهِ — حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْقَصْرِ، حَيْثُ وَضَعَ الْخَدَمُ الْهَدَايَا أَمَامَ الْإِمْرَاطُورِ. وَمَا إِنْ دَخَلَ الْقَصْرَ، حَتَّى قَابَلَهُ الْوُزَرَاءُ وَحَاشِيَةُ الْإِمْرَاطُورِ وَرَحْبُوا بِهِ، وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْعَرْشِ. فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَمَامَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَمَنَعَهُ الْإِمْرَاطُورُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَعَانَقَهُ، وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ. فَشَكَرَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَحْسَنَ الشُّكْرِ، وَدَعَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَنْ أَنْسَى لِلْإِمْرَاطُورِ هَذِهِ الْعِنَايَةَ الَّتِي خَصَّنِي بِهَا، وَسَأَظَلُّ — طُولَ حَيَاتِي — خَادِمَهُ وَوَلَدَهُ الْمُخْلِصَ الْأَمِينَ.» فَشَكَرَ لَهُ الْإِمْرَاطُورُ أَدَبَهُ وَظُرْفَهُ. وَجَلَسَا يَتَحَدَّثَانِ قَلِيلًا، حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الْغَدَاءِ، فَسَارَا مَعًا إِلَى قَاعَةٍ فَخْمَةٍ، وَجَلَسَ الْإِمْرَاطُورُ مَعَ صِهْرِهِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَوُزَرَائِهِ وَحَاشِيَتِهِ عَلَى مَائِدَةٍ فَاخِرَةٍ، وَأَكَلُوا جَمِيعًا. وَدَارَتِ الْأَحَادِيثُ بَيْنَهُمْ؛ فَأُعْجِبَ الْإِمْرَاطُورُ بِذَكَاءِ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَبُعْدِ نَظَرِهِ، وَأَصَالَةِ رَأْيِهِ (صَوَابِهِ)، وَحُسْنِ أَدَبِهِ. فَلَمَّا انْتَهَوْا مِنَ الْأَكْلِ، أَمَرَ الْإِمْرَاطُورُ بِاسْتِدْعَاءِ قَاضِي الْقُضَاةِ، لِيُزَوِّجَ «عَلَاءَ الدِّينِ» بِالْأَمِيرَةِ «بَدْرِ الْبُدُورِ». ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُ الْإِمْبَرَاطُورُ اسْتِعْدَادَهُ لِإِقَامَةِ حَفَلَاتِ الْعُرْسِ فِي قَصْرِهِ، إِذَا شَاءَ. فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «أَرْجُو أَنْ يَأْذَنَ لِيَ الْإِمْرَاطُورُ أَنْ أُشَيّدَ (أَبْنِيَ) قَصْرًا جَدِيدًا لِلْأَمِيرَةِ، أَمَامَ قَصْرِهِ.» فَأَذِنَ لَهُ الْإِمْرَاطُورُ فِي ذَلِكُمْ. وَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الانْصِرَافِ، سَلَّمَ «عَلَاءُ الدِّينِ» عَلَى الْإِمْرَاطُورِ، وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ مَعَ أُمِّهِ مَسْرُورًا. وَمَا إِنْ وَصَلَا إِلَى الْبَيْتِ، حَتَّى أَحْضَرَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِصْبَاحَهُ الْعَجِيبَ، وَفَرَكَهُ؛ فَحَضَرَ الْجِنِّيُّ مِنْ وَقْتِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِمَا يَشَاءُ. فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «أُرِيدُ أَنْ تُشَيِّدَ لِي — فِي أَقْصَرِ وَقْتِ مُسْتَطَاعٍ — قَصْرًا فَاخِرًا أَمَامَ قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ، وَأَنْ تَخْتَارَ أَحْجَارَهُ مِنَ الْعَقِيقِ وَالْمَرْمَرِ وَاللَّازَوَرْدِ (وَهُوَ حَجَرٌ كَرِيمٌ لَوْنُهُ أَزْرَقُ صَافٍ)، وَأَنْ تُشَيِّدَ لِي فِي أَعْلَى الْقَصْرِ حُجْرَةً فَسِيحَةً، فِيهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ نَافِذَةً، مُرَصَّعَةً (مُحَلَّاةً) بِأَثْمَنِ أَحْجَارِ الْمَاسِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، وَأَنْ تَحُوطَ الْقَصْرَ بِحَدِيقَةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ تُحْضِرَ لِي صُنْدُوقًا مَمْلُوءًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَتُجَمِّلَ هَذَا الْقَصْرَ بِأَفْخَرِ أَنْوَاعِ الْأَثَاثِ وَالْخَدَمِ وَالْجَوَارِي، وَكُلِّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْجِيَادِ الْفَاخِرَةِ الْمُطَهَّمَةِ (الَّتِي اجْتَمَعَتْ لَهَا كُلُّ مَزَايَا الْحُسْنِ).» فَقَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: «سَمْعًا وَطَاعَةً لَكَ يَا مَوْلَايَ.» ثُمَّ انْصَرَفَ الْجِنِّيُّ. وَكَانَتِ الشَّمْسُ قَدْ مَالَتْ لِلْغُرُوبِ، فَجَلَسَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مُغْتَبِطًا، يُفَكِّرُ فِي السَّعَادَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ، وَيَشْكُرُ اللهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ. وَبَاتَ لَيْلَتَهُ قَرِيرَ الْعَيْنِ، هَادِئَ النَّفْسِ، مُرْتَاحَ الْقَلْبِ. حَتَّى لَاحَ الصَّبَاحُ. وَمَا إِنِ اسْتَيْقَظَ حَتَّى مَثَلَ أَمَامَهُ الْجِنِّيُّ، وَقَالَ لَهُ: «لَقَدْ تَمَّ بِنَاءُ الْقَصْرِ — يَا مَوْلَايَ — فَهَيَّا (أَقْبِلْ) لِتَرَاهُ». ثُمَّ طَارَ بِهِ لَحْظَةً، حَتَّى وَصَلَا إِلَى الْقَصْرِ. فَرَأَى «عَلَاءُ الدِّينِ» مَا أَدْهَشَهُ وَسَحَرَ لُبَّهُ (فَتَنَ عَقْلَهُ)، وَوَجَدَ أَكْثَرَ مِمَّا طَلَبَهُ مِنَ الْجِنِّيّ. ثُمَّ سَأَلَهُ الْجِنِّيُّ: «مَاذَا تُرِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ؟» فَطَلَبَ إِلَيْهِ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَنْ يُحْضِرَ بِسَاطًا كَبِيرًا يَفْرُشُهُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَيْنَ قَصْرِهِ وَقَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ؛ لِتَسِيرَ عَلَيْهِ الْأَمِيرَةُ: «بَدْرُ الْبُدُورِ» حِينَ تَخْرُجُ مِنْ قَصْرِ أَبِيهَا إِلَى قَصْرِهَا الْجَدِيدِ. فَغَابَ الْجِنِّيُّ عَنْهُ لَحْظَةً، ثُمَّ أَحْضَرَ الْبِسَاطَ، وَسَأَلَهُ: «مَاذَا يُرِيدُ مَوْلَايَ بَعْدَ ذَلِكَ؟» فَشَكَرَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَحْسَنَ الشَّكْرِ، وَانْصَرَفَ الجِنِّيُّ إِلَى سَبِيلِهِ. وَعَادَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى بَيْتِهِ الْقَدِيمِ؛ فَأَحْضَرَ مِصْبَاحَهُ الْعَجِيبَ، وَوَضَعَهُ فِي حُجْرَةٍ مِنَ الْقَصْرِ الْجَدِيدِ. ثُمَّ أَسْرَعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى الْإِمْرَاطُورِ، وَدَعَاهُ إِلَى زِيَارَةِ قَصْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي شَيَّدَهُ لِلْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ». وَكَانَ الْإِمْرَاطُورُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ وَاقِفًا مَعَ كَبِيرِ وُزَرَائِهِ يَنْظُرَانِ إِلَى قَصْرِ «عَلَاءِ الدِّينِ» — الَّذِي تَمَّ إِنْشَاؤُهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ — بِدَهْشَةٍ وَحَيْرَةٍ شَدِيدَتَيْنِ. وَكَانَ كَبِيرُ الْوُزَرَاءِ حَاقِدًا عَلَى «عَلَاءِ الدِّينِ»، مُنْطَوِيًا عَلَى عَدَاوَتِهِ وَبُغْضِهِ؛ لِأَنَّهُ صَاهَرَ الْإِمْرَاطُورَ، بَعْدَ أَنْ عَجَزَ ابْنُهُ عَنْ مُصَاهَرَتِهِ، وَالتَّزَوُّجِ بِابْنَتِهِ. فَقَالَ الْوَزِيرُ لِلْإِمْرَاطُورِ: «لَا شَلَّ فِي أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَاحِرٌ. فَلَيْسَ فِي مَقْدُورِ إِنْسَانٍ — مَهْمَا يَنَلْ مِنَ الْغِنَى وَالْقُوَّةِ — أَنْ يُشَيِّدَ مِثْلَ هَذَا الْقَصْرِ الْفَخْمِ الْكَبِيرِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.» فَقَالَ لَهُ الْإِمْرَاطُورُ: «لَيْسَ عَجِيبًا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُقَدِّمَ لَنَا تِلْكَ الْهَدَايَا النَّفِيسَةَ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي خَزَائِنِ أَكْبَرِ الْمُلُوكِ!» ثُمَّ جَاءَ «عَلَاءُ الدِّينِ»؛ فَانْقَطَعَ الْحَدِيثُ. وَهَشَّ لَهُ الْإِمْرَاطُورُ (تَبَسَّمَ وَارْتَاحَ لِلِقَائِهِ) وَصَافَحَهُ هُوَ وَكَبِيرُ وزَرَائِهِ. وَمَا إِنْ دَعَاهُمَا «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى زِيَارَةِ قَصْرِهِ، حَتَّى لَبَّاهُ الْإِمْرَاطُورُ مُبْتَهِجًا مَسْرُورًا. وَقَدْ أُعْجِبَ بِالْبِسَاطِ الْفَاخِرِ، الْمَصْنُوعِ مِنَ الْقَطِيفَةِ النَّادِرَةِ، الَّذِي فَرَشَهُ فِي طَرِيقِهِ، كَمَا أُعْجِبَ بِكُلِّ مَا رَآهُ فِي قَصْرِ «عَلَاءِ الدِّينِ». ثُمَّ وَقَفُوا جَمِيعًا فِي الْحُجْرَةِ ذَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ نَافِذَةً؛ فَاشْتَدَّ عَجَبُ الْإِمْبَرَاطُورِ مِنْ حُسْنِ تَقْسِيمِهَا وَهَنْدَسَتِهَا، وَجَمَالِ نَوَافِذِهَا، وَفَخَامَةِ أَثَائِهَا وَفِرَاشِهَا. وَمَا زَالُوا يَتَحَدَّثُونَ حَتَّى جَاءَ مَوْعِدُ الْغَدَاءِ؛ فَمُدَّتْ لَهُمْ مَائِدَةٌ حَافِلَةٌ، لَمْ يَرَ مِثْلَهَا الْإِمْرَاطُورُ فِي حَيَاتِهِ. وَلَمَّا عَادُوا إِلَى قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ، أَمَرَ الْإِمْرَاطُورُ بِدَقِّ الْطُّبُولِ، وَإِقَامَةِ زِينَةِ الْعُرْسِ — فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْمَدِينَةِ — ابْتِهَاجًا بِزَوَاجِ الْأَمِيرَةِ «بَدْرِ الْبُدُورِ» بِصَاحِبِنَا «عَلَاءِ الدِّينِ». وَمَا إِنْ حَانَ وَقْتُ الْمَسَاءِ، حَتَّى أَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا فِي عُرْسٍ وَضِيَاءِ. وَقَدْ فَرِحَتِ الْأَمِيرَةُ «بَدْرُ الْبُدُورِ» بِقَصْرِهَا الْجَدِيدِ، كَمَا فَرِحَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِزَوَاجِهِ ابْنَةَ الْإِمْرَاطُورِ، وَتَمَّتْ لَهُمَا السَّعَادَةُ وَالْحُبُورُ. وَكَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» كَثِيرًا مَا يَخْرُجُ لِلصَّيْدِ وَالْقَنْصِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا عَادَ إِلَى قَصْرِهِ تَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْوِزِينَ وَالْمُحْتَاجِينَ وَالْمَسَاكِينَ. وَكَانَ الإِمْبَرَاطُورُ — فِي كُلِّ يَوْمٍ — يَذْهَبُ إِلَى قَصْرِ ابْنَتِهِ «بَدْرِ الْبُدُورِ» فِي الصَّبَاحِ؛ فَيَزُورُهَا وَيُحَيِّيهَا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى دِيوَانِهِ؛ فَيَحْكُمُ بَيْنَ الْمُتَقَاضِينَ بِالْعَدْلِ. وَهَكَذَا مَضَى عَامٌ بِأَكْمَلِهِ، وَهُمْ فِي أَسْعَدِ حَالٍ، وَأَهْنَا بَالٍ.
عَوْدَةُ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّعَوْدَةُ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ
عَادَ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ — كَمَا قُلْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ — إِلَى «إِفْرِيقِيَّةَ»، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ بَابَ الْكَنْزِ عَلَى «عَلَاءِ الدِّينِ». وَلَمْ يَشُلَّ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ فِي أَنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» قَدْ هَلَكَ دَاخِلَ الْكَنْزِ. وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ، وَالسَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ لَا يُفَكِّرُ فِي «عَلَاءِ الدِّينِ». وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، رَأَى السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ — فِي مَنَامِهِ — أَنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» قَدْ أَصْبَحَ أَمِيرًا؛ فَقَامَ مِنْ نَوْمِهِ خَائِفًا مَذْعُورًا، وَأَحْضَرَ رَمْلَهُ، وَظَلَّ يَسْتَخْبِرُهُ بِمَا أُوتِيَ (بِمَا أُعْطِيَ وَأُفْهِمَ) مِنْ عُلُومِ السِّحْرِ؛ لِيَعْرِفَ مَا آلَ (مَا صَارَ) إِلَيْهِ أَمْرُ «عَلَاءِ الدِّينِ»؛ فَعَرَفَ مِنَ الرَّمْلِ كُلَّ شَيْءٍ. فَاشْتَدَّ غَيْظُهُ، وَأَسْرَعَ بِإِحْضَارِ فَرَسِهِ وَزَادِهِ. وَمَا زَالَ يُوَاصِلُ السَّيْرَ مُسْرِعًا أَيَّامًا وَشُهُورًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى بِلَادِ السِّينِ. وَمَا وَصَلَ حَتَّى تَرَكَ فَرَسَهُ فِي فُنْدُقٍ (وَالْفُنْدُقُ — كَمَا تَعْلَمُونَ — خَانٌ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ)، وَذَهَبَ يَجُولُ فِي الْمَدِينَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَتَعَرَّفَ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْ «عَلَاءِ الدِّينِ». وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ بِهِ الْجُلُوسُ، حَتَّى سَمِعَ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ مُعْجَبِينَ بِفَضَائِلِ الْأَمِيرِ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَكَرَمِهِ، وَيُظْهِرُونَ دَهْشَتَهُمُ الشَّدِيدَةَ مِنْ ثَرْوَتِهِ الطَّائِلَةِ وَغِنَاهُ الزَّائِدِ الْبَالِغِ، وَقُدْرَتِهِ الْعَجِيبَةِ عَلَى الْإِثْيَانِ بِجَلَائِلِ الْأَعْمَالِ (عَظِيمِهَا)، وَيَتَسَاءَلُونَ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُشَيِّدَ قَصْرًا لَا مَثِيلَ لَهُ فِي الْعَالَمِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَسَأَلَهُمُ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ: «مَنْ هُوَ عَلَاءُ الدِّينِ؟» فَعَجِبُوا مِنْ سُؤَالِهِ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ عَنْ هَذِهِ الدِّيَارِ. فَقَصُّوا عَلَيْهِ كُلَّ مَا عَرَفُوهُ عَنْ «عَلَاءِ الدِّينِ». فَأَظْهَرَ السَّاحِرُ شَوْقَهُ إِلَى رُؤْيَةِ ذَلِكُمُ الْقَصْرِ الْعَلَائِيِّ. فَسَارَ مَعَهُ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ، وَدَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى قَصْرِ الْأَمِيرِ. وَمَا إِنْ رَأَى السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ فَخَامَةَ الْقَصْرِ الْعَلَائِي، حَتَّى أَيْقَنَ أَنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» قَدِ اسْتَعَانَ — بِلَا شَكٍّ — بِخَدَمِ الْمِصْبَاحِ فِي تَشْبِيدِ الْقَصْرِ. فَلَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ — وَهُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ فَقِيرٍ — أَنْ يَصِلَ إِلَى هَذِهِ الْمَكَانَةِ بِنَفْسِهِ، دُونَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْمِصْبَاحِ الْعَجِيبِ الَّذِي هَدَاهُ إِلَيْهِ. فَذَهَبَ السَّاحِرُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَسَأَلَ بَوَّابَ الْقَصْرِ عَنْ صَاحِبِهِ. فَأَخْبَرَهُ الْبَوَّابُ أَنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» قَدْ خَرَجَ لِلصَّيْدِ، مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَنْ يَعُودَ إِلَى قَصْرِهِ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. فَرَأَى السَّاحِرُ أَنَّ الْفُرْصَةَ سَائِحَةٌ لِلانْتِقَامِ. ثُمَّ عَادَ السَّاحِرُ إِلَى الْفُنْدُقِ — وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ غَيْظُهُ مِنْ «عَلَاءِ الدِّينِ» — وَاسْتَخْبَرَ الرَّمْلَ عَنْ مَكَانِ الْمِصْبَاحِ؛ فَعَلِمَ أَنَّهُ فِي الْحُجْرَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِمَخْدَعِ الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ» (مَكَانِ نَوْمِهَا). فَفَكَّرَ فِي طَرِيقَةٍ يَحْصُلُ بِهَا عَلَيْهِ. وَمَا زَالَ يُفَكِّرُ. حَتَّى اهْتَدَى إِلَى حِيلَةٍ نَاجِحَةٍ؛ فَذَهَبَ إِلَى دُكَّانٍ، وَاشْتَرَى مِنْهُ عَشْرَةَ مَصَابِيحَ جَدِيدَةً، وَوَضَعَهَا فِي سَلَّةٍ كَبِيرَةٍ (أَعْنِي: في وعَاءٍ يَحْمِلُ فِيهِ مَا يَشْتَرِي مِنَ السُّوقِ وَنَحْوِهِ)، وَسَارَ بِهَذِهِ السَّلَّةِ، حَتَّى إِذَا قَرُبَ مِنْ قَصْرِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «أَلَا مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي مَصَابِيحَ جَدِيدَةً، وَيَبِيعُنِي بِهَا مَصَابِيحَ قَدِيمَةً؟» وَمَا أَتَمَّ نِدَاءَهُ حَتَّى عَجِبَ الْأَطْفَالُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ بَلَهِ الرَّجُلِ وَخَبَالِهِ (ضَعْفِ عَقْلِهِ وَاضْطِرَابٍ ذِهْنِهِ)، وَجَرَوْا خَلْفَهُ يَتَمَاجَنُونَ، وَيَعْبَثُونَ بِهِ وَيَسْخَرُونَ. وَعَلَا صِيَاحُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ جَلَبَتُهُمْ، وَارْتَفَعَتْ ضَجَّتُهُمْ وَضَوْضَاؤُهُمْ؛ فَأَطَلَّتِ الْأَمِيرَةُ «بَدْرُ الْبُدُورِ»، فَعَجِبَتْ مِنْ هَذَا الْمَنْظَرِ، وَأَرْسَلَتْ إِحْدَى جَوَارِيهَا لِتَسْتَطْلِعَ جَلِيَّةَ الْخَبَرِ (تَتَعَرَّفَ حَقِيقَتَهُ). فَلَمَّا عَادَتِ الْجَارِيَةُ، أَخْبَرَتِ الْأَمِيرَةَ وَهِيَ ضَاحِكَةٌ: أَنَّ رَجُلًا يَبِيعُ مَصَابِيحَ جَدِيدَةً، وَيَأْخُذُ بِثَمَنِهَا قَدِيمَةً. فَعَجِبَتِ الْأَمِيرَةُ «بَدْرُ الْبُدُورِ» — هِيَ وَجَوَارِيهَا — مِنْ بَلَاهَةِ الرَّجُلِ. ثُمَّ قَالَتْ لَهَا إِحْدَى الْجَوَارِي: «لَا أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ!» فَقَالَتْ أُخْرَى: «نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَبَيَّنَ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ فِي الْحَالِ؛ فَإِنَّ فِي الْحُجْرَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِحُجْرَةِ سَيِّدَتِي الْأَميرَةِ مِصْبَاحًا قَدِيمًا؛ فَلْنُعْطِهِ إِيَّاهُ، وَلْنَنْظُرْ مَا يَصْنَعُ بِهِ.» فَأَمَرَتْهَا الْأَمِيرَةُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ بِالْمِصْبَاحِ لِتَسْتَبْدِلَ بِهِ. فَذَهَبَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى بَائِعِ الْمَصَابِيحِ، وَأَعْطَتْهُ مِصْبَاحَ «عَلَاءِ الدِّينِ» — وَهِي تَجْهَلُ قِيمَتَهُ — فَأَعْطَاهَا فِي الْحَالِ مِصْبَاحًا جَدِيدًا، فَعَادَتْ بِهِ إِلَى سَيِّدَتِهَا فَرِحَةً مَسْرُورَةً. وَعَادَ السَّاحِرُ بِمِصْبَاحٍ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَهُوَ يَكَادُ يُجَنُّ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. ثُمَّ كَفَّ عَنِ الصِّيَاحِ، وَسَارَ فِي طَرِيقِهِ مُسْرِعًا، حَتَّى اسْتَخْفَى عَنْ نَظَرِ الصِّبْيَةِ وَالْأَطْفَالِ. وَمَا زَالَ سَائِرًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ. وَصَبَرَ حَتَّى جَاءَ الْمَسَاءُ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى الانْتِقَامِ مِنْ خَصْمِهِ «عَلَاءِ الدِّينِ». وَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ (أَظْلَمَ)، أَخْرَجَ السَّاحِرُ الْمِصْبَاحَ مِنْ صَدْرِهِ وَفَرَكَهُ. فَمَثَلَ أَمَامَهُ الْجِنِّيُّ، وَقَالَ لَهُ: «مُرْنِي بِمَا تُرِيدُ يَا مَوْلَايَ، فَإِنِّي فِي خِدْمَتِكَ، أَنَا وَجَمِيعَ أَعْوَانِي: خَدَمَ المِصْبَاحِ.» فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: «آمُرُكَ أَنْ تَنْقُلَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ — أَنْتَ وَأَعْوَانُكَ — قَصْرَ «عَلَاءِ الدِّينِ» بِكُلِّ مَا فِيهِ، إِلَى مَجَاهِلِ «إِفْرِيقِيَّةَ» (أَنْحَائِهَا الْغَامِضَةِ الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا أَحَدٌ)، كَمَا آمُرُكَ أَنْ تَنْقُلَنِي مَعَهُ.» فَقَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: «سَمْعًا وَطَاعَةً لَكَ، يَا مَوْلَايَ!» وَلَمْ تَمُرَّ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ، حَتَّى انْتَقَلَ السَّاحِرُ، وَالْقَصْرُ وَمَا فِيهِ، إِلَى «إِفْرِيقِيَّةَ». وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي قَامَ الْإِمْرَاطُورُ مُبَشِّرًا فِي الصَّبَاحِ كَعَادَتِهِ، فَأَطَلَّ مِنَ النَّافِذَةِ، فَلَمْ يَرَ قَصْرَ ابْنَتِهِ. فَحَسِبَ أَنَّهُ مَخْدُوعٌ فِيمَا يَرَى؛ فَفَرَكَ عَيْنَيْهِ، وَأَنْعَمَ النَّظَرَ (دَقَّقَهُ)؛ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. فَاشْتَدَّتْ دَهْشَتُهُ. وَأَسْرَعَ إِلَى مَكَانِ الْقَصْرِ، فَلَمْ يَرَ لَهُ أَثَرًا. فَعَجِبَ — مِنْ ذَلِكُمْ — أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «تُرَى هَلِ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَبَلَعَتْهُ، أَمْ طَارَ فِي السَّمَاءِ فَاحْتَوَتْهُ؟» وَظَلَّ فِي حَيْرَتِهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ كَبِيرٍ وُزَرَائِهِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا حَدَثَ. فَاشْتَدَّ عَجَبُهُ، وَرَأَى الْفُرْصَةَ سَائِحَةَ لِلْكَيْدِ لِمُنَافِسِهِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، فَقَالَ لَهُ: «لَقَدْ قُلْتُ لِمَوْلَايَ — مِنْ قَبْلُ — إِنَّ الْقَصْرَ مِنْ عَمَلِ السِّحْرِ، وَإِنَّ «عَلَاءَ الدِّينِ» سَاحِرٌ؛ فَلَمْ يُصَدِّقْنِي الْإِمْرَاطُورُ فِيمَا قُلْتُ. وَلَكِنَّ الْأَيَّامَ قَدْ بَيَّنَتْ صِدْقَ ظَنِّي.» فَغَضِبَ الْإِمْرَاطُورُ عَلَى «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَأَمَرَ أَعْوَانَهُ بِالْبَحْثِ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لِيَأْتُوهُ بِهِ مُكَبَّلًا (مَرْبُوطًا) بِالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ. فَذَهَبُوا يَبْحَثُونَ عَنْهُ، حَتَّى وَجَدُوهُ عَلَى مَسَافَةِ نِصْفِ مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَاقْتَرَبَ مِنْهُ قَائِدُهُمْ، وَأَبْلَغَهُ غَضَبَ الْإِمْرَاطُورِ وَأَمْرَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ. فَدَهِشَ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَسَأَلَهُ عَنْ سِرِّ هَذَا الْغَضِبِ. فَقَالَ لَهُ الْقَائِدُ: «لَسْتُ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ شَيْئًا.» فَلَمْ يُمَانِعُ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَسَارَ مَعَهُمْ مُسْتَسْلِمًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَصْرِ الْإِمْرَاطُورِ. وَمَا وَصَلَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى الْمَدِينَةِ — وَهُوَ مُكَبَّلٌ بِالْأَغْلَالِ وَالْأَصْفَادِ — حَتَّى دَهِشَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ — مِمَّا رَأَوْا — أَشَدَّ دَهْشَةٍ، وَسَارَ الْخَبَرُ بَيْنَهُمْ بِسُرْعَةٍ عَجِيبَةٍ. وَكَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — كَمَا قُلْنَا — مُحْسِنًا كَرِيمًا، بَارًّا بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ فَأَحَبَّهُ الشَّعْبُ حُبًّا شَدِيدًا. فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ مُصَفَّدًا (مُقَيَّدًا) بِالْأَغْلَالِ، بَكَوْا لِمَا أَصَابَهُ، وَتَأَلَّمُوا أَشَدَّ الْأَلَمِ. وَاجْتَمَعَ كُبَرَاءُ الْمَمْلَكَةِ وَأَعْيَانُهَا لِيُقَابِلُوا الْإِمْرَاطُورَ، وَيَسْتَفْسِرُوا عَنْ سَبَبِ نِقْمَتِهِ وَسُخْطِهِ عَلَى صِهْرِهِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَيَتَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَهُ. أَمَّا الْإِمْبَرَاطُورُ فَلَمْ يَكَدْ بَصَرُهُ يَقَعُ عَلَى «عَلَاءِ الدِّينِ» حَتَّى أَمَرَ السَّيَّافَ بِقَطْعِ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ. فَفَنَّ السَّيَّافُ الْأَصْفَادَ (سَلَاسِلَ الْحَدِيدِ وَأَغْلَالَهُ) الَّتِي كَانَتْ فِي عُنُقِ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَيَدَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ عَصَبَ (رَبَطَ) عَيْنَيْ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَسَلَّ سَيْفَهُ عَلَيْهِ، وَوَقَفَ يَتَرَقَّبُ أَمْرَ الْإِمْرَاطُورِ بِقَتْلِهِ. وَلَقَدْ كَادَ السَّيَّافُ يَهْوِي بِالسَّيْفِ عَلَى رَقَبَةِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَلَكِنَّ أَحَدَ الْوُزَرَاءِ تَقَدَّمَ يَشْفَعُ عِنْدَ الْإِمْرَاطُورِ لَهُ. ثُمَّ تَقَدَّمَ ثَانٍ وَثَالِثٌ — مِنْ حَاشِيَةِ الْإِمْرَاطُورِ — يَسْأَلُونَهُ الصَّفْحَ عَنْ جَرِيمَتِهِ. وَمَا انْتَهَوْا مِنْ شَفَاعَتِهِمْ وَوَسَاطَتِهِمْ، حَتَّى دَخَلَ وَفْدٌ مِنْ سَرَاةِ الْبَلَدِ وَأَعْيَانِهِ الْمُعْجَبِينَ بِشَهَامَةِ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَكَرَمِهِ وَنُبْلِ أَخْلَاقِهِ، فَتَوَسَّلُوا إِلَى الْإِمْبَرَاطُورِ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَتَهُمْ فِيهِ. وَرَأَى كَبِيرُ الْوُزَرَاءِ عَطْفَ الشَّعْبِ كُلِّهِ عَلَى «عَلَاءِ الدِّينِ»، فَأَسَرَّ إِلَى الْإِمْرَاطُورِ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ الشَّافِعِينَ، وَأَنْ يُؤَجِّلَ انْتِقَامَهُ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ. فَرَأَى الْإِمْرَاطُورُ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ قَتْلِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، وَأَنْ يُؤَخِّرَ انْتِقَامَهُ مِنْهُ، حَتَّى تَهْدَأَ خَوَاطِرُ النَّاسِ. فَأَمَرَ السَّيَّافَ بِفَكٍّ قُيُودِهِ، وَإِخْلَاءِ سَبِيلِهِ. فَنَهَضَ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَقَالَ مُتَأَدِّبًا: «أَشْكُرُ لِمَوْلَايَ الْإِمْرَاطُورِ تَفَضَّلَهَ بِالْعَفْوِ عَنِّي، وَأَرْجُو أَنْ يُضِيفَ — إِلَى فَضْلِهِ هَذَا — فَضْلًا آخَرَ، فَيُعَرِّفَنِي: مَا الَّذِي أَثَارَ غَضَبَهُ عَلَيَّ؟ فَلَسْتُ أَعْلَمُ — إِلَى الْآنَ — أَيَّ ذَنْبٍ جَنَيْتُ، حَتَّى اسْتَحْقَقْتُ غَضَبَ الْإِمْرَاطُورِ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ الْإِمْرَاطُورُ بِشَيْءٍ، بَلْ أَمْسَكَ بِيَدِهِ، وَسَارَ بِهِ إِلَى نَافِذَةِ قَصْرِهِ، وَسَأَلَهُ غَاضِبًا: «خَبِرْنِي: أَيْنَ ذَهَبَ قَصْرُكَ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتِ ابْنَتِي؟» فَدَارَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِبَصَرِهِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَلَمْ يَرَ أَثَرًا لِقَصْرِهِ؛ فَذَهَلَ، وَلَمْ يُجِبِ الْإِمْرَاطُورَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْإِمْبَرَاطُورُ سُؤَالَهُ. فَأَفَاقَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْ ذُهُولِهِ، وَقَالَ لَهُ: «لَسْتُ أَدْرِي: أَيْنَ ذَهَبَ الْقَصْرُ؟ وَإِنِّي لَفِي حَيْرَةٍ شَدِيدَةٍ مِنْ أَمْرِي، وَلَيْسَ جَزَعِي لِفَقْدِ زَوْجِي بِأَقَلَّ مِنْ جَزَعِ مَوْلَايَ لِفَقْدِ ابْنَتِهِ. وَلَنْ أُدَّخِرَ وُسْعًا فِي سَبِيلِ الْبَحْثِ عَنْهَا. فَإِذَا أَمْهَلَنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَم أُوَفَّقْ فِي خِلَالِهَا إِلَى الْعُثُورِ عَلَيْهَا، كُنْتُ جَدِيرًا بِأَنْ أُصْلَبَ.» فَقَالَ لَهُ الْإِمْرَاطُورُ: «لَكَ ذَلِكَ. وَلَكِنْ ثِقْ أَنَّنِي مُهْلِكُكَ إِذَا أَخْفَقْتَ وَخِبْتَ فِي سَعْيِكَ، وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الْهَرَبَ مِنِّي فِي أَيِّ مَكَانٍ.» فَخَرَجَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — وَهُوَ مَذْهُولٌ حَائِرٌ، يَتَعَثَّرُ (يَتَسَاقَطُ) فِي أَذْيَالِ الْخَيْبَةِ — وَسَارَ فِي الْمَدِينَةِ كَالْمَجْنُونِ، يَسْأَلُ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مِنَ النَّاسِ: «أَيْنَ ذَهَبَ قَصْرِي؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ زَوْجِي؟» فَيَحْزَنُ عَارِفُوهُ — لِمَا أَصَابَهُ — وَيَتَأَلَّمُونَ لِنَكْبَتِهِ (مُصِيبَتِهِ)، وَيَرْثُونَ (يَرِقُونَ) لَهُ، وَيَسْخَرُ مِنْهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنَ النَّاسِ.
انْتِقَامُ عَلَاءِ الدِّينِانْتِقَامُ عَلَاءِ الدِّينِ
وَمَا زَالَ «عَلَاءُ الدِّينِ» حَائِرًا ذَاهِلًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَمْ يُطِقِ الْبَقَاءَ فِي مَدِينَةٍ كَانَ فِيهَا مَوْضِعَ الْإِجْلَالِ وَالِاحْتِرَامِ، فَصَارَ مَوْضِعَ السُّخْرِيَةِ وَالرِّثَاءِ (الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ). فَخَرَجَ إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، وَسَارَ فِي طَرِيقِهِ — وَهُوَ لَا يَعْلَمُ: إِلَى أَيِّ جِهَةٍ يَقْصِدُ — وَقَدِ اشْتَدَّتْ بِهِ حَيْرَتُهُ وَيَأْسُهُ (انْقِطَاعُ أَمَلِهِ وَرَجَائِهِ). وَهَمَّ بِإِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي النَّهْرِ؛ وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْيَأْسِ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الرِّجَالِ (أَخْلَاقِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ)، وَأَنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (أَعْنِي: لَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ مِنَ الْفَرَجِ إِلَّا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ). فَأَسْلَمَ لِلَّهِ أَمْرَهُ، وَوَثِقَ بِأَنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُ وَمُلْهِمُهُ التَّوْفِيقَ. ثُمَّ دَعَا اللَّهَ أَنْ يُفَرِّجَ كُرْبَتَهُ (ضِيقَهُ)، وَأَنْ يُلْهِمَهُ الرُّشْدَ وَالسَّدَادَ. وَذَهَبَ إِلَى النَّهْرِ لِيَتَوَضَّأَ، فَزَلِقَتْ قَدَمُهُ، وَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، وَأَشْرَفَ عَلَى الْغَرَقِ. وَلَكِنَّهُ وَجَدَ — لِحُسْنِ حَظِّهِ — صَخْرَةً مُرْتَفِعَةً بِالْقُرْبِ مِنَ الشَّاطِئِ، فَتَعَلَّقَ بِهَا، وَهَمَّ بِالصُّعُودِ؛ فَاحْتَكَ الْخَاتَمُ — الَّذِي فِي إِصْبَعِهِ — بِتِلْكُمُ الصَّخْرَةِ وَكَانَ «عَلَاءُ الدِّينِ» قَدْ نَسِيَ — لِطُولِ الْعَهْدِ — ذِلِكُمُ الْخَاتَمَ السِّحْرِيَّ — الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْكَنْزَ — وَنَسِيَ أَنَّ الْخَاتَمَ كَانَ سَبَبَ نَجَاتِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكَنْزِ مِنْ قَبْلُ. وَمَا كَادَ الْخَاتَمُ يَحْتَلُّ بِالصَّخْرَةِ حَتَّى ظَهَرَ أَمامَهُ الْجِنِّيُّ خَادِمُ الْخَاتَمِ، وَقَالَ لَهُ: «لَبَّيْكَ يَا مَوْلَايَ. مُرْنِي أُطِعْكَ.» فَذَكَرَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — فِي الْحَالِ — أَنَّ هَذَا الْجِنِّيَّ هُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ — مِنْ قَبْلُ — وَهُوَ فِي ظُلُمَاتِ الْكَنْزِ، وَكَانَ قَدْ نَسِيَهُ أَيْضًا كَمَا نَسِيَ الْخَاتَمَ. فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «أَنْقِذْنِي أَوَّلًا مِمَّا أَنَا فِيهِ.» فَأَنْقَذَهُ فِي الْحَالِ. فَقَالَ لَهُ: «أَعِدْ إِلَيَّ قَصْرِي.» فَأَجَابَهُ الْجِنِّيُّ: «لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ يَا مَوْلَايَ؛ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أُحَارِبَ خَدَمَ الْمِصْبَاحِ الَّذِينَ نَقَلُوا قَصْرَكَ إِلَى «إِفْرِيقِيَّةَ»؛ فَإِنَّهُمْ أَقْوَى عُصْبَةٍ (أَشَدُّ طَائِفَةٍ) مِنَ الْجِنِّ، وَرَئِيسُهُمْ هُوَ أَكْبَرُ مُلُوكِ الْجِنِّ، وَأَقْوَاهُمْ بَأْسًا (أَعْظَمُهُمْ شِدَّةً وَقُوَّةً).» فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «إِذَنْ فَانْقُلْنِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي نُقِلَ إِلَيْهِ قَصْرِي.» فَنَقَلَهُ الْجِنِّيُّ — فِي الْحَالِ — إِلَى حَيْثُ نُقِلَ الْقَصْرُ. وَوَقَفَ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَمَامَ الْقَصْرِ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ حَالِكَةَ الضَّلَامِ (شَدِيدَةَ السَّوَادِ). وَلَكِنَّهُ اهْتَدَى — بِرَغْمِ هَذَا — إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ»؛ فَوَقَفَ أَمَامَهَا يَذْكُرُ أَيَّامَ سَعَادَتِهِ السَّابِقَةِ، ثُمَّ هَاجَتْهُ الذِّكْرَى (أَثَارَتْهُ وَدَفَعَتْهُ)، فَبَكَى. وَكَانَ قَدْ جَهَدَهُ السَّهَرُ (أَتْعَبَهُ وَأَضْنَاهُ) فِي الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ؛ فَشَعَرَ بِحَاجَةٍ شَدِيدَةٍ إِلَى النَّوْمِ، فَأَوَى إِلَى شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْقَصْرِ، فَنَامَ تَحْتَهَا طُولَ اللَّيْلِ؛ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَذَهَبَ إِلَى الْقَصْرِ، وَوَقَفَ تَحْتَ نَافِذَةِ الْأَمِيرَةِ «بَدْرِ الْبُدُورِ». وَكَانَتْ — لِحُسْنِ حَظِّهِ — قَدِ اسْتَيْقَظَتْ فِي الصَّبَاحِ مُبَكِّرَةً، عَلَى غَيْرِ عَادَتِهَا. فَمَا رَأَتْهُ حَتَّى اشْتَدَّتْ دَهْشَتُهَا وَفَرَحُهَا، فَأَسْرَعَتْ إِلَى بَابٍ صَغِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْقَصْرِ، فَفَتَحَتْهُ لَهُ، وَأَدْخَلَتْهُ عِنْدَهَا، وَكَانَ فَرَحُهَا بِلِقَائِهِ لَا يُوصَفُ. وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ بِهِ الْجُلُوسُ حَتَّى قَصَّتْ عَلَيْهِ مَا فَعَلَهُ السَّاحِرُ الإفريقِيُّ الْخَبِيثُ، وَكَيْفَ حَاوَلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، وَكَيْفَ هَدَّدَهَا بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ تَرْضَ بِالزَّوَاجِ، وَكَيْفَ سَخِرَتْ مِنْ وَعِيدِهِ. فَأَدْرَكَ «عَلَاءُ الدِّينِ» أَنَّ السَّاحِرَ الْإِفْرِيقِيَّ لَمْ يَنْسَهُ بَعْدَ مُضِيّ هَذَا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ مِصْبَاحِهِ؛ فَأَدْرَكَتْ سِرَّ مَا حَدَثَ لَهَا مِنَ النَّكَبَاتِ، وَقَالَتْ لَهُ: «إِنَّ السَّاحِرَ قَدْ وَضَعَهُ فِي صَدْرِهِ.» فَعَزَمَ «عَلَاءُ الدِّينِ» عَلَى الانْتِقَامِ مِنَ السَّاحِرِ، حَتَّى يَخْلُصَ مِنْ شُرُورِهِ وَكَيْدِهِ، وَدَبَّرَ مَعَ زَوْجِهِ الْوَسِيلَةَ الَّتِي يَسْلُكَانِهَا لِإِهْلَاكِهِ. ثُمَّ خَرَجَ «عَلَاءُ الدِّينِ» — وَقَدْ أَضْمَرَ الانْتِقَامَ مِنْ عَدُوِّهِ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ — فَلَقِيَ فِي طَرِيقِهِ زَارِعًا فَقِيرًا؛ فَأَعْطَاهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» ثِيَابَهُ الْجَدِيدَةَ الْغَالِيَةَ، وَأَخَذَ مِنْهُ ثِيَابَهُ الرَّثَّةَ الْبَالِيَةَ (الْقَدِيمَةَ الْمُمَزَّقَةَ)؛ فَفَرِحَ الزَّارِعُ بِهَذَا الْبَدَلِ. وَلَبِسَ «عَلَاءُ الدِّينِ» ثِيَابَ الزَّارِعِ، وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُتَنَكَّرًا (مُتَخَفِّيًا) فِي زِيِّهِ الْجَدِيدِ؛ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ، إِذَا رَآهُ. ثُمَّ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الْعَقَاقِيرِ وَالْأَدْوِيَةِ الْمُنَوِّمَةِ، وَعَادَ بِهَا إِلَى الْأَمِيرَةِ: «بَدْرِ الْبُدُورِ». فَلَمَّا خَيَّمَ الْمَسَاءُ وَعَادَ السَّاحِرُ الْإِفْرِيقِيُّ إِلَى الْقَصْرِ، خَفَّتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى لِقَائِهِ. فَفَرِحَ السَّاحِرُ — بِهَذَا — وَانْخَدَعَ، وَحَسِبَ أَنَّهَا قَدْ تَرَكَتْ عِنَادَهَا حِينَ يَئِسَتْ مِنْ عَوْدَةِ «عَلَاءِ الدِّينِ» إِلَيْهَا. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَحْضَرَتْ لَهُ قَدْحًا مِنَ الشَّرَابِ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْ فِيهِ قَلِيلًا مِمَّا أَحْضَرَهُ زَوْجُهَا، ثُمَّ قَدَّمَتْهُ إِلَيْهِ وَهِيَ تُسَامِرُهُ وَتَبْتَسِمُ لَهُ: فَأَخَذَ يَشْرَبُهُ. وَلَمْ يَنْتَهِ مِنْ شُرْبِهِ، حَتَّى غَلَبَهُ النُّعَاسُ، فَنَامَ نَوْمًا عَمِيقًا. فَأَسْرَعَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَى الْأَمِيرَةِ أَنْ تَتْرُكَهُ مَعَهُ. ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَ الْحُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْمِصْبَاحَ الَّذِي كَانَ يَخْبَؤُهُ السَّاحِرُ فِي ثِيَابِهِ، وَفَرَكَهُ. فَجَاءَهُ الْجِنِّيُّ — خَادِمُ الْمِصْبَاحِ — فِي الْحَالِ، وَسَأَلَهُ: مَاذَا يُرِيدُ؟ فَقَالَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»: «آمُرُكَ أَنْ تَحْمِلَ هَذَا الرَّجُلَ، فَتُلْقِيَ بِهِ مِنْ قِمَّةِ طَوْدٍ شَاهِقٍ (رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ) إِلَى الْأَرْضِ؛ لِتَأْكُلَهُ الْوُحُوشُ وَجَوَارِحُ الطَّيْرِ (الَّتِي تَكْسِبُ طَعَامَهَا مِنْ صَيْدِهَا)؛ ثُمَّ تَنْقُلَ هَذَا الْقَصْرَ إِلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ فِي بِلَادِ الدِّينِ.» وَلَمْ يَمْضِ زَمَنْ يَسِيرٌ، حَتَّى أَتَمَّ الْجِنِّيُّ كُلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ «عَلَاءُ الدِّينِ». وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي اسْتَيْقَظَ الْإِمْرَاطُورُ مُبَشِّرًا كَعَادَتِهِ وَمَا أَطَلَّ مِنْ نَافِذَةِ قَصْرِهِ، حَتَّى رَأَى أَمَامَهُ قَصْرَ «عَلَاءِ الدِّينِ» فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ! فَلَمْ يُصَدِّقُ مَا رَآهُ، وَظَنَّ أَنَّهُ حَالِمٌ. وَاشْتَدَّتْ بِهِ الدَّهْشَةُ، وَغَلَبَهُ الْفَرَحُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَعْرِفَ: أَفِي يَقَظَةٍ هُوَ أَمْ فِي مَنَامٍ؟ ثُمَّ جَرَى مُسْرِعًا إِلَى قَصْرِ ابْنَتِهِ لِيَتَحَقَّقَ صِدْقَ مَا رَآهُ؛ فَوَجَدَهَا مُطِلَّةً مِنَ النَّافِذَةِ، تَتَأَمَّلُ فِي قَصْرِ أَبِيهَا الَّذِي اشْتَدَّتْ وَحْشَتُهَا وَحَنِينُهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَتْ أَبَاهَا مُقْبِلًا أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ وَعَانَقَتْهُ، وَبَكَيَا جَمِيعًا مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمَا الْجُلُوسُ سَأَلَهَا عَمَّا حَدَثَ؛ فَقَصَّتْ عَلَيْهِ كُلَّ مَا وَقَعَ لَهَا، وَكَيْفَ انْتَقَمَ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنَ السَّاحِرِ، وَأَلْقَى بِجُنَّتِهِ إِلَى النُّسُورِ. فَنَدِمَ الْإِمْرَاطُورُ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ مِنَ الْإِسَاءَةِ إِلَى «عَلَاءِ الدِّينِ» الَّذِي لَمْ يَقْتَرِفْ إِثْمًا (لَمْ يَفْعَلْ ذَنْبًا). ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى حُجْرَةِ «عَلَاءِ الدِّينِ»، فَأَيْقَظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَاعْتَذَرَ لَهُ مِنْ سُوءِ ظَنِّهِ بِهِ.
شَقِيقُ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّشَقِيقُ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ
وَكَانَ لِلسَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ شَقِيقٌ أَقَلُّ مِنْهُ بَرَاعَةً فِي السِّحْرِ، وَأَشَدُّ مِنْهُ دَهَاءً وَخُبْثًا، وَكَانَا يَلْتَقِيَانِ — فِي بَلَدِهِمَا بِإِفْرِيقِيَّةَ — مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ، وَيَذْهَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِشَأْنِهِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى شَقِيقِهِ إِلَّا فِي الْعَامِ التَّالِي. فَلَمَّا مَضَى الْعَامُ، ذَهَبَ شَقِيقُ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ إِلَى بَلَدِهِ، وَانْتَظَرَ أَخَاهُ طَوِيلًا؛ فَلَمْ يَحْضُرْ. فَعَجِبَ مِنْ غِيَابِهِ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَرَاحَ يَسْتَخْبِرُ الرَّمْلَ عَنْ مَكَانِ أَخِيهِ، فَلَمْ يَجِدْ لَهُ أَثَرًا بَيْنَ الْأَحْيَاءِ، فَاسْتَخْبَرَ الرَّمْلَ — ثَانِيَةً — عَنْ مَكَانِ أَخِيهِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ، فَرَآهُ قَدْ هَلَكَ، وَأَكَلَتِ النُّسُورُ لَحْمَهُ. فَرَاحَ يَسْتَخْبِرُ الرَّمْلَ — مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى — حَتَّى عَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ. فَبَنَى عَزْمَهُ عَلَى الانْتِقَامِ لِأَخِيهِ مِنْ «عَلَاءِ الدِّينِ»، كَلَّفَهُ مَا كَلَّفَهُ مِنْ عَنَاءٍ وَأَهْوَالٍ وَأَخْطَارٍ. وَمَا زَالَ السَّاحِرُ يَجِدُّ فِي السَّيْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى الدِّينِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا «عَلَاءُ الدِّينِ»، حَيْثُ دَبَّرَ خُطَّةً خَبِيثَةً لِقَتْلِ عَدُوِّهِ، وَالْخَلَاصِ مِنْهُ. فَقَدْ سَمِعَ بَعْضَ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ عَنِ امْرَأَةٍ صَالِحَةٍ تَقِيَّةٍ، اسْمُهَا «فَاطِمَةُ» الزَّاهِدَةُ. وَكَانُوا يَنْسُبُونَ لَهَا كَثِيرًا مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَشْفِي الْمَرْضَى وَتُسْعِدُ الْمَنْحُوسِينَ. وَعَلِمَ أَنَّهَا تُقِيمُ فِي صَوْمَعَةٍ (مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ يَسْكُنُهُ الْمُتَعَبِّدُونَ) فِي آخِرِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ يَزُورُهَا طُلَّابُ الْحَاجَاتِ فِي يَوْمَيِ الاثْنَيْنِ وَالْجُمُعَةِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعِ. فَرَاقَبَ السَّاحِرُ عَوْدَتَهَا — ذَاتَ يَوْمٍ — وَصَبَرَ عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَ الْمَسَاءُ وَنَامَتْ؛ فَفَتَحَ الْبَابَ مِنْ غَيْرِ عَنَاءٍ. وَكَانَتْ «فَاطِمَةُ» الزَّاهِدَةُ تَنَامُ مُطْمَئِنَّةً، وَلَا تَخْشَى اللُّصُوصَ، لِعِلْمِهَا أَنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا فِي صَوْمَعَتِهَا الْحَقِيرَةِ مَا يُغْرِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ. وَلَمَّا دَخَلَ السَّاحِرُ الْخَبِيثُ، رَآهَا نَائِمَةً عَلَى أَرِيكَةٍ (دِيَّةٍ) حَقِيرَةٍ مِنَ الْخَشَبِ، فِي حُجْرَةٍ مِنْ غَيْرِ سَقْفٍ. وَكَانَ الْقَمَرُ سَاطِعًا فِي تِلْكُمُ اللَّيْلَةِ؛ فَدَنَا مِنْهَا، وَاسْتَلَّ خِنْجَرَهُ (أَخْرَجَ سِكِّينَهُ)، ثُمَّ أَيْقَظَهَا مِنْ رُقَادِهَا. وَمَا انْتَبَهَتْ مِنْ نَوْمِهَا حَتَّى رَأَتْ رَجُلًا شَاهِرًا (رَافِعًا) خِنْجَرَهُ عَلَيْهَا، مُتَحَفِّزًا لِطَعْنِهَا بِهِ فِي قَلْبِهَا. فَامْتَلَأَتْ نَفْسُهَا رُعْبًا. فَقَالَ لَهَا السَّاحِرُ الْخَبِيثُ: «انْهَضِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، وَافْعَلِي كُلَّ مَا امْرُكِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ. وَحَذَارِ (احْذَرِي) أَنْ تَصِيحِي أَوْ تُخَالِفِي لِي أَمْرًا، حَتَّى لَا تُعَرِّضِي نَفْسَكِ لِلْهَلَاكِ الْعَاجِلِ. فَإِذَا أَطَعْتِنِي فِي كُلِّ مَا آمُرُكِ بِهِ، فَلَنْ أَمَسَّكِ بِسُوءٍ.» فَاطْمَأَنَّتْ قَلِيلًا، وَلَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنَ الْإِنْعَانِ (التَّسْلِيمِ وَالْخُضُوعِ) لَهُ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِهِ. ثُمَّ سَأَلَتْهُ: «بِمَاذَا تَأْمُرُنِي، يَا سَيِّدِي؟» فَقَالَ لَهَا: «أَعْطِينِي ثِيَابَكِ لِأَلْبَسَهَا، وَخُذِي ثِيَابِي بَدَلًا مِنْهَا.» فَلَمْ تَتَرَدَّدْ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى طَلَبِهِ. فَقَالَ لَهَا — بَعْدَ أَنْ تَزَيَّا بِزِيِّهَا فَلَبِسَ ثِيَابَهَا، وَصَارَتْ هَيْئَتُهُ كَهَيْئَتِهَا: «أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تَبْذُلِي جُهْدَكِ فِي تَغْيِيرِ مَلَامِحٍ وَجْهِي وَأَسَارِيرَهُ (خُطُوطِ جَبِينِي)، حَتَّى يُشْبِهَ وَجْهَكِ كُلَّ الشَّبَهِ. وَإِنِّي أُقْسِمُ لَكِ: إِنَّنِي لَنْ أَمَسَّكِ بِسُوءٍ إِذَا نَجَحْتِ فِي هَذَا الْمُهِم.» فَأَدْخَلَتْهُ حُجْرَتَهَا، وَأَضَاءَتْ مِصْبَاحَهَا، وَأَحْضَرَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَصْبَاغِ. وَمَا زَالَتْ تَبْذُلُ جُهْدَهَا، حَتَّى أَصْبَحَ السَّاحِرُ يُشْبِهُهَا كُلَّ الشَّبَهِ. ثُمَّ وَضَعَتْ فِي عُنُقِهِ سُبْحَتَهَا الطَّوِيلَةَ، وَأَعْطَتْهُ عَصَاهَا، وَقَدَّمَتْ لَهُ الْمِرْآةَ؛ فَرَأَى فِيهَا صُورَةً مُكَرَّرَةً لـ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةِ. وَقَدْ حَسِبَتْ أَنَّهُ سَيَشْكُرُ لَهَا فِعْلَهَا، وَيَبَرُّ بِقَسَمِهِ لَهَا، وَلَكِنْ خَابَ ظَنُّهَا فِيهِ؛ فَقَدْ أَمْسَكَ رَقَبَتَهَا بِيَدَيْهِ، وَضَغَطَ عُنُقَهَا ضَغْطًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَرْحَمْ ضَعْفَهَا وَشَيْخُوخَتَهَا، وَلَمْ يَتْرُكْهَا إِلَّا جُنَّةً هَامِدَةً، ثُمَّ أَلْقَى بِجُنَّتِهَا فِي الْبِئْرِ، وَقَدْ آثَرَ (اخْتَارَ) السَّاحِرُ أَنْ يَخْنُقَهَا، وَلَمْ يَشَأْ قَتْلَهَا بِخِنْجَرِهِ، حَتَّى لَا يُلَوِّثَ مَلَابِسَهُ بِدَمِهَا. وَلَمَّا انْتَهَى مِنْ جَرِيمَتِهِ الشَّنْعَاءِ، نَامَ — فِي صَوْمَعَتِهَا — نَوْمًا عَمِيقًا إِلَى الصَّبَاحِ. ثُمَّ خَرَجَ السَّاحِرُ الْمَاكِرُ مِنْ صَوْمَعَةِ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةِ، بَعْدَ أَنْ تَزَيَّا بِزِيَّهَا. وَمَا مَشَى فِي الطَّرِيقِ بِضْعَ خُطُوَاتٍ، حَتَّى أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، يَلْثَمُونَ (يُقَبِّلُونَ) يَدَهُ وَأَطْرَافَ ثَوْبِهِ، مُتَبَرِّكِينَ، وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةَ الْمِسْكِينَةَ الَّتِي قَتَلَهَا لَيْلَةَ أَمْسِ. وَمَا وَصَلَ إِلَى قَصْرِ «عَلَاءِ الدِّينِ» حَتَّى اشْتَدَّ رِحَامُ النَّاسِ حَوْلَهُ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ: «بَدْرُ الْبُدُورِ» تُطِلُّ مِنْ نَافِذَةِ قَصْرِهَا؛ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى جَوَارِيهَا، لِتَتَعَرَّفَ سَبَبَ ازْدِحَامِ الْجُمُوعِ الْمُحْتَشِدَةِ. فَلَمَّا عَادَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى سَيِّدَتِهَا، أَخْبَرَتْهَا أَنَّ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةَ هِيَ سَبَبُ الزِّحَamِ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ مُشْتَاقَةً جِدًّا إِلَى رُؤْيَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ؛ فَاسْتَدْعَتْهَا إِلَيْهَا. وَمَا إِنْ رَأَتِ السَّاحِرَ الْخَبِيثَ حَتَّى قَبَّلَتْ يَدَهُ — وَهِيَ تَحْسَبُهُ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةَ — وَطَلَبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهَا اللَّهَ، وَأَنْ يُقِيمَ فِي قَصْرِهَا حَتَّى تَحُلَّ بِهِمْ بَرَكَتُهُ. فَتَظَاهَرَ بِالتَّرَدُّدِ؛ كَأَنَّمَا يَخْشَى أَنْ تَشْغَلَهُ مَظَاهِرُ الدُّنْيَا عَنِ الْعِبَادَةِ. فَلَمَّا أَلَقَّتْ عَلَيْهِ، قَبِلَ رَجَاءَهَا، وَاخْتَارَ لِسُكْنَاهُ أَحْفَرَ حُجْرَةٍ فِي الْقَصْرِ. وَلَمَّا دَعَتْهُ إِلَى طَعَامِ الْغَدَاءِ، أَبَى — خَوْفًا مِنِ افْتِضَاحِ أَمْرِهِ إِذَا رُفِعَ عَنْ وَجْهِهِ النَّقَابُ (الْبَرْقُعُ) — وَقَالَ لَهَا: «إِنَّنِي امْرَأَةٌ زَاهِدَةٌ. وَلَيْسَ مِنْ عَادَتِي أَنْ أَكُلَ مِنْ طَعَامِكُمُ الْفَاخِرِ. وَحَسْبِي قَلِيلٌ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الْفَاكِهَةِ، أَقْتَاتُ بِهِ فِي حُجْرَتِي، مُحْتَجِبَةً عَنِ النَّاسِ.» فَلَمْ تُعَارِضْهُ الْأَمِيرَةُ، وَأَجَابَتْهُ إِلَى كُلِّ مَا أَرَادَ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي دَعَتِ الْأَمِيرَةُ: «بَدْرُ الْبُدُورِ» ضَيْفَهَا إِلَى رُؤْيَةِ حُجْرَتِهَا الْفَاخِرَةِ ذَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ نَافِذَةً. فَلَمَّا رَآهَا السَّاحِرُ أَظْهَرَ إِعْجَابَهُ الشَّدِيدَ بِجَمَالِهَا، وَحُسْنِ هَنْدَسَتِهَا، وَفَخَامَةِ أَثَاثِهَا. ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ يُعْوِزُ جَمَالَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ: إِذَا اسْتَطَعْتِ تَحْقِيقَهُ، أَصْبَحَتْ هَذِهِ الْحُجْرَةُ مِثَالَ الْكَمَالِ.» فَسَأَلَتْهُ الْأَمِيرَةُ مُتَلَهّفَةً: «وَمَاذَا يُعْوِزُهَا، أَيَّتُهَا الْأُمُّ الطَّاهِرَةُ؟» فَقَالَ لَهَا: «يُعْوِزُهَا أَنْ تُعَلِّقِي — فِي وَسَطِهَا — بَيْضَةَ «رُخٌ»؛ لِيَتِمَّ جَمَالُهَا، وَتُصْبِحَ أَبْدَعَ حُجْرَةٍ فِي الدُّنْيَا.» فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ: «سَيَتِمُّ ذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ.» وَمَا رَأَتِ الْأَمِيرَةُ «عَلَاءَ الدِّينِ» حَتَّى طَلَبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ لَهَا بَيْضَةً «رُخٌ»؛ لِيَتِمَّ بِهَا جَمَالُ حُجْرَتِهَا. فَذَهَبَ «عَلَاءُ الدِّينِ» إِلَى حُجْرَةٍ أُخْرَى، وَأَخْرَجَ الْمِصْبَاحَ مِنْ صَدْرِهِ، وَفَرَكَهُ؛ فَحَضَرَ الْجِنِّيُّ. وَمَا إِنْ أَمَرَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِإِحْضَارِ بَيْضَةِ «الرُّخٌ» حَتَّى صَرَخَ الْجِنِّيُّ صَرْخَةً هَائِلَةً، كَادَ يُصْعَقُ «عَلَاءُ الدِّينِ» مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ، وَهُوَ يَكَادُ يَتَمَيَّزُ (يَنْفَطِرُ وَيَنْشَقُّ) مِنَ الْغَيْظِ: «وَيْلٌ (شَرٌّ وَهَلَالٌ) لَكَ – أَيُّهَا الشَّقِيُّ — أَهَذَا جَزَاءُ إِخْلَاصِي؟ أَلَمْ تَقْنَعْ بِكُلِّ مَا قَدَّمْتُهُ لَكَ مِنْ جَمِيلٍ؛ حَتَّى تَأْمُرَنِي بِإِحْضَارِ بَيْضَةِ مَوْلَايَ وَسَيِّدِي «الرُّخٌ»؟ أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الْجِنَّ تَحْتَرِمُهُ، وَتُقَدِّسُهُ، وَتَدِينُ لَهُ بِالطَّاعَةِ؟ أَمَا — وَاللهِ — لَوْ عَرَفْتُ أَنَّكَ صَاحِبُ هَذَا الاقْتِرَاحِ لَقَتَلْتُكَ، وَأَحْرَقْتُ قَصْرَكَ فِي الْحَالِ. وَلَكِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّ شَقِيقَ السَّاحِرِ الْإِفْرِيقِيِّ الْخَبِيثَ هُوَ الَّذِي دَبَّرَ هَذِهِ الْمَكِيدَةَ الَّتِي أَرَادَ بِهَا هَلَاكَكَ.» فَسَأَلَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» مُتَلَطَّفًا: «وَمَنْ هُوَ شَقِيقُ السَّاحِرِ هَذَا؟» فَقَصَّ عَلَيْهِ الْجِنِّيُّ قِصَّتَهُ. فَشَكَرَ لَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ. فَقَبِلَ الْجِنِّيُّ عُذْرَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سَبِيلِهِ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ تَظَاهَرَ «عَلَاءُ الدِّينِ» بِالْمَرَضِ. فَأَرْسَلَتِ الْأَمِيرَةُ: «بَدْرُ الْبُدُورِ» تَسْتَدْعِي «فَاطِمَةَ» الْمُزَيَّفَةَ (الْمُزَوَّرَةَ)؛ لِتَشْفِيَ زَوْجَهَا مِمَّا أَلَمَّ بِهِ مِنَ الْمَرَضِ، وَقَدْ كَانَتْ قَصَّتْ عَلَى زَوْجِهَا مَا عَرَفَتْهُ مِنْ قِصَّتِهَا. وَمَا إِنِ اقْتَرَبَ السَّاحِرُ مِنْ «عَلَاءِ الدِّينِ» وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ مُتَظَاهِرًا بِالدُّعَاءِ لَهُ، حَتَّى لَمَحَهُ «عَلَاءُ الدِّينِ» وَهُوَ يَسْتَلُّ خِنْجَرًا مَاضِيًا (سَرِيعَ الْقَطْعِ) مِنْ حِزَامِهِ. فَاسْتَلَّ «عَلَاءُ الدِّينِ» خِنْجَرَهُ مِنْ حِزَامِهِ تَوًّا (فِي الْحَالِ) بِخِفَّةٍ نَادِرَةٍ، وَنَهَضَ مُسْرِعًا؛ فَأَلْقَى السَّاحِرَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَغْمَدَ الْخِنْجَرَ، (أَدْخَلَ السِّكِّينَ وَدَفَعَهَا) فِي قَلْبِهِ، فَقَتَلَهُ فَوْرًا (فِي الْوَقْتِ وَالسَّاعَةِ). فَصَاحَتِ الْأَمِيرَةُ مُرْتَاعَةً: «يَا لِلَّهِ! كَيْفَ تَقْتُلُ «فَاطِمَةَ» الزَّاهِدَةَ؟» فَابْتَسَمَ لَهَا «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَأَطْلَعَهَا عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ. فَحَمِدَتِ اللهَ عَلَى نَجَاتِهِمَا مِنْ شَرِّ هَذَا الْخَبِيثِ. وَصَفَا الزَّمَنُ لِعَلَاءِ الدِّينِ» بَعْدَ أَنِ انْتَصَرَ عَلَى عَدُوَّيْهِ، وَخَلَصَ مِنْ شُرُورِهِمَا، وَلَمْ يَنْقَضِ عَلَى هَذَا الْحَادِثِ عَامَانِ حَتَّى مَاتَ الْإِمْرَاطُورُ؛ فَوَلِيَ الْأَمْرَ (تَسَلَّمَهُ) — مِنْ بَعْدِهِ — «عَلَاءُ الدِّينِ»، وَزَوْجُهُ: «بَدْرُ الْبُدُورِ»، وَحَكَمَا بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ. وَقَدِ ابْتَسَمَ لَهُمَا الْحَظُّ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمَا الدُّنْيَا، وَأَحَبَّهُمَا النَّاسُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي عَهْدِهِمَا الْبِلَادُ وَارْتَقَتْ، وَاسْتَتَبَّ (اسْتَقَرَّ) فِيهَا الْأَمْنُ، وَعَمَّ الرَّخَاءُ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.