الشيخ الهندي


الفصل الأول
وَقَدْ عَاشَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ شَيْخٌ هِنْدِكِيٌّ - مِنْ شُيُوخِ الْهِنْدِ – اسْمُهُ «سادُودانا». وَكَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ الْهَنادِكِ (رِجالِ الْهِنْدِ) بِحِدَّةِ الذَّكَاءِ (قُوَّتِهِ)، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ (عِظَمِهِ واتِّزَانِهِ).
وقدِ اعْتَزَمَ الشَّيْخُ «سادودانا» أَنْ يُسافِرَ إِلَى مَدِينَةِ «بَنَارِسَ» لِزِيارَةِ بَعْضِ أَقَارِبِهِ.
وسار الشَّيْخُ «سادُودانا» في طريقِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى مَسَافَةٍ يَسِيرَةٍ (قَصِيرَةٍ) مِنْها، فَسَمِعَ صَوْتًا عالِيًا، كَأَنَّهُ صَوْتُ الرَّعْدِ، فَأَدْرَكَ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا الْصَّوْتَ الْمُخِيفَ هُوَ صَوْتُ نَمِرٍ مُتَأَلَّمٍ مَحْزُونٍ.
واقْتَرَبَ مِنْ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، فَرَأَى قَفَصًا كَبِيرًا، قُضْبانُهُ مِنَ الْحَدِيدِ. وَرَأَى فِي ذلِكَ الْقَفَصِ الْكَبِيرِ نَمِرًا كَبِيرًا مَسْجُونًا فِيهِ.
فَلَمَّا رَآهُ النَّمِرُ تَوَسَّلَ إِلَيْهِ أَنْ يُنْقِذَهُ مِنْ سِجْنِهِ، وَقَالَ لَهُ مُسْتَغِيثًا: «أَيُّهَا الْشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَشْفِقْ عَلَيَّ، وَامْنُنْ بِتَخْلِيصِي (قَدِّمْ إِلَيَّ مِنَّةً وَجَمِيلًا بِإِنْقَاذِي) مِنْ هذا السِّجْنِ الَّذِي آذَانِي، وَأَضْعَفَ جِسْمِي، وَهَدَّ كِيَانِي!
أَضْرَعُ (أَتَذَلَّلُ وَأَرْجُو) إِلَيْكَ - يا سَيِّدِي - أَنْ تُخْرِجَنِي مِنْ هَذَا الْقَفَصِ، فَقَدْ كَادَ الْعَطَشُ يُهْلِكُنِي، ولكَ عَلَيَّ عَهَدٌ ومِيثَاقٌ أَنْ أَعُودَ إِلَى قَفَصِي فِي الْحَالِ، بَعْدَ أَنْ أَشْرَبَ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ، لأُرْوِيَ بِهِ ظَمَئِي.»
فَقَالَ الشَّيْخُ «سادُودانا»: «كَلَّا - يا «أَبا رَقَاشِ» - كَلَّا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْبَلَ رِجَاءَكَ، يا سَيِّدِي النَّمِرَ؛ لِأَنَّنِي لَوْ أَطْلَقْتُ سَرَاحَكَ (لَوْ أَخْرَجْتُكَ مِنْ مَحْبَسِكَ) لَعَرَّضْتُ نَفْسِي لِلْهَلَاكِ، وكَانَ أَوَّلَ مَا تَفْعَلُهُ مَعِي هُوَ أَن تَأْكُلَنِي فِي الْحَالِ.»
فَقَالَ النَّمِرُ: «اطْمَئِنَّ - يا سَيِّدِي الشَّيْخَ الرَّحِيمَ - فَلَنْ أَضُرَّكَ، وَلَنْ أُفَكِّرَ فِي إِيذائِكَ أَبَدًا، بَلْ أَنا أَشْكُرُ لَكَ صَنِيعَكَ (مَعْرُوفَكَ)، وَلا أَنْسَاهُ لَكَ طُولَ عُمْرِي، فَلا تَتَرَدَّدْ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيَّ - يا أخا الإِنْسِ – فَلَنْ يَضِيعَ جَمِيلُكَ سُدًى (لَنْ يَذْهَبَ بِلا تَقْدِيْرٍ وَلَا عِرْفَانٍ).»
الفصل الثاني
وَلَمَّا سَمِعَ الشَّيْخُ «سادُودانا» كَلامَ النَّمِرِ انْخَدَعَ بِهِ، وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ؛ فَفَتَحَ بِابَ الْقَفَصِ. وَمَا انْفَتَحَ الْبابُ للنَّمِرِ، حَتَّى أَسْرَعَ «أَبُو رَقَاشِ» بِالْخُرُوجِ مِنَ الْقَفَصِ، وَقَدْ فَرِحَ بِخَلاصِهِ مِنْ سِجْنِهِ فَرِحًا شَدِيدًا.
وكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَهُ النَّمِرُ - بَعْدَ انْطِلَاقِهِ مِنْ أَسْرِهِ - أَنِ الْتَفَتَ إِلى «سادُودانا» وَقَالَ لَهُ: «الآنَ أَبْدَأُ بِأَكْلِكَ، ثُمَّ أَشْرَبُ بَعْدَ ذلك.»
وحاوَلَ الشَّيْخُ أَنْ يَثْنِيَهُ (يَرُدَّهُ) عَنْ عَزْمِهِ فَلَمْ يُفْلِحْ.
فلمَّا يَئِسَ مِنْ ذلك قالَ لَهُ مُتَوَسِّلًا: «أَرْجُو أَلَّا تُسْرِعَ بِقَتْلِي - يا «أَبا رَقَاشِ» – قَبْلَ أَنْ تَسْتَشِيرَ فِي أَمْرِي سِتَّةَ مِمَّنْ نَلْقاهُم فِي طَرِيقِنَا مِن الْمَخْلُوقاتِ، فَإِذا حَسَنُوا لَكَ أَنْ تَأْكُلَنِي - بَعْدَ مَا أَسْدَيْتُهُ إِلَيْكَ مِنْ جَمِيلٍ - فَلَنْ تَخْسَرَ شَيْئًا. وَحِينَئِذٍ أَمُوتُ غَيْرَ آسِفٍ عَلَى شَيْءٍ في هذه الدنيا.»
فَقالَ النَّمِرُ: «أَحْسَنْتَ فِيما قُلْتَ، وَقَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى مَا تَطْلُبُ، فَلْنَسْأَلْ أَوَّلَ الْمُسْتَشارِينَ السِّتَّةِ.»
ثُمَّ سارا في طَرِيقِهما، حَتَّى بَلَغَا شَجَرَةً مِنَ أَشْجارِ التِّينِ. فقال لها الْهَنْدِيُّ: «يا «أُمَّ الْبَلَسِ» يا شَجَرَةَ التِّينِ، اسْمَعِي لِمَا أَقُولُ، واحكُمِي بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ.»
فقالَتْ شَجَرَةُ التِّينِ: «ماذا تَطْلُبانِ مِنِّي؟ وَفِي أَيِّ قَضِيَّةٍ حَكَمْتُمانِي (جَعَلْتُمَانِي حَكَمًا وَقَاضِيًا)؟»
فَقَالَ الشَّيخُ الهندي: «يا «أُمَّ الْبَلَسِ»، إِنَّ هذا النَّمِرَ - الَّذِي تَنْظُرِينَ – قَدْ تَوسَّلَ إِلَيَّ أَنْ أُطْلِقَ سَرَاحَهُ مِنْ قَفَصِهِ، لِيَشْرَبَ قِلِيلًا مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى قَفَصِهِ ثَانِيَةً. وَقَدْ وَعَدَنِي أَلَّا يُؤْذِيَنِي، وَلَكِنَّهُ الآنَ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقْتُ سَرَاحَهُ، أَرادَ أَنْ يَأْكُلَنِي، فَهَلْ يُعْجِبُكِ ذلكِ يا «أُمَّ الْبَلَسَ»؟ وَهَلْ تَرْضَيْنَ عَنْ صَنِيعِهِ؟»
فأَجابَتْهُ شَجَرَةُ التِّينِ: «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجِيثُونَ إِلَيَّ، لِيَسْتَظِلُّوا بِأَغْصَانِي؛ فَإِذا اسْتَراحُوا مِنْ تَعَبِهِم، فَماذا يَصْنَعُونَ؟ إِنَّهُمْ يَتَسَلَّقُونَ (يَصْعَدُونَ) أَغْصَانِي، وَيَكْسِرُونَها، وَيَغْتَصِبُونَ وَرَقِي، وَيَنْتَهِبُونَ ثَمَراتِي، وَلا يَتْرُكُونَ بَلَسَةً (تِينَةً) واحِدَةً، جَزَاءَ مَا أَحْسَنْتُ إِلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ بِأَتْرَابِي مِنْ بَناتِ الضَّرِفِ (هكذا يَفْعَلُونَ بِمَنْ وُلِدَ مَعِيَ مِنْ شَجَرٍ التِّينِ). والرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يَأْكُلَكَ النَّمِرُ؛ لِأَنَّ الرِّجالَ - مِنْ أَمْثَالِكَ – جِنْسٌ لَا يُثْمِرُ فِيهِ الْمَعْرُوفُ.»
وَبَعْدَ أَنْ سارا قَلِيلًا قَابَلا جَمَلًا، فَقالَ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ: «يا أَبا أَيُّوبَ»، أَنْصِتْ إِلَى مَا أَقُولُ، وَاحْكُمْ فِي قَضِيَّتِنَا بِمَا تَشَاءُ.»
فَقَالَ الْجَمَلُ: «فِي أَيِّ قَضِيَّةٍ أَحْكُمُ؟»
فَقَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ كلَّ ما حَدَث، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «فَهَلْ يَصِحُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَنِي بَعْدَ ذلِكَ، يَا سَيِّدِي الْجَمَلَ؟»
فَأَجَابَهُ الْجَمَلَ: «حِينَ كُنْتُ فِي شَبابِي وَاكْتِمالِ قُوَّتي، وكُنْتُ أَسْتَطِيعُ حَمْلَ الْأَثْقَالِ، كانَ صَاحِبِي يُحِبُّنِي وَيُكْرِمُنِي، وَلا يَبْخَلُ عَلَيَّ بَأَحْسَنِ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْغِذاءِ. أَمَّا الْآنَ – وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي شَيْخُوخَتِي وَضَعْفِي - فَإِنَّهُ يَضْرِبُنِي بِلا رَحْمَةٍ، وَيُحَمِّلُنِي ما لا أُطِيقُ، وَلا يَذْكُرُ ما أَسْلَفْتُ (ما قَدَّمْتُ) إِلَيْهِ مِنْ جَمِيلٍ. وَالرَّأْيُ عِندي أَن أَتْرُكَ النَّمِرَ يَأْكُلُكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ.»
وَسارَ الشَّيْخُ وَالنَّمِرُ فِي طَرِيقِهِما. وَما زالا سائِرِيْنِ حَتَّى قَابَلا ثَوْرًا رَاقِدًا فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ ذلِكَ الثَّوْرُ يُدْعَى: «أَبا زَرْعَةَ»، فَسَأَلَهُ «سادُودانا» أن يَحْكُمَ فِي قَضِيَّتِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ الثَّوْرُ قِصَّتَهُ قَالَ: «حِينَ كُنْتُ فِي صِباي، كانَ صَاحِبِي يُخْلِصُ لِي، وَيُعْنَى (يَهْتَمُ) بِرَاحَتِي الْعِنايَةَ كُلَّهَا. أَمَّا الآنَ - وَقَدْ بَلَغْتُ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ، وَأَصْبَحْتُ عَاجِزًا عَنِ الْحَرَكَةِ - فَقَدْ نَسِيَ كُلَّ ما قَدَّمْتُهُ لَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَكافَأَنِي عَلَى ذلِكَ بِأَنْ أَهْمَلَنِي، وَتَرَكَنِي أَقْضِي بَقِيَّةَ أَيَّامِي فِي هذا الْمَكانِ الْمُقْفِرِ (الْخَالِي)، حَيْثُ أَمُوتُ سَاخِطًا عَلَيْهِ، وَعَلَى جِنْسِهِ الآدمي كُلِّهِ. وَالرَّأْيُّ عِنْدِي أَنْ يَأْكُلَكَ النَّمِرُ، لِأَنَّكُمْ - مَعْشَرَ النَّاسِ – قُسَاةٌ (غِلاظٌ الْقُلُوبِ) مُتَجَبِّرُونَ، لَا تَرْحَمُونَ.»
وَحِينَئِذٍ وَقَفَ النَّمِرُ، وَقَدْ تَحَلَّبَ لُعابُهُ (جَرَى رِيقُهُ)؛ فَأَدْرَكَ الشَّيْخُ مَا يَدُورُ بِخَاطِرِ النَّمِرُ حِينَ رَآهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَتَلَقَّظُ (يُخْرِجُ لِسانَهُ وَيَمْسَحُ بِهِ شَفَتَيْهِ)، وَأَيْقَنَ الشَّيْخُ بِالْهَلَاكِ حِينَ قالَ لَهُ النَّمْرُ: «لَقَدْ سَمِعْتَ - يا صاحِبِي - كُلَّ ما قالَهُ الْمُسْتَشارُونَ فِي أَمْرِكَ، وَرَأَيْتَ كَيْفَ أَجْمَعُوا (اتَّفَقُوا) عَلَى ذَمِّكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَلِمَةً يَمْتَدِحُكَ بِها. وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَشْفَعُ لَكَ - أيها الْأَنِيسُ - أَوْ يَرْضَى عَنْ جِنْسِكَ الْآدَمِيِّ الْغَادِر.»
فقال «سادودانا»: «لَقَدِ اتَّفَقْنا - يا سَيِّدِي «أَبا رَقاشِ» - عَلَى أَنْ نَسْتَشِيرَ سِتَّةٌ مِمَّنْ نَلْقَاهُمْ، وَلَمْ نَسْأَلْ غَيْرَ ثَلاثَةٍ مِنْهُمْ.»
فقالَ النَّمِرُ: «لَكَ مَا تُرِيدُ يا صاحِبِي.»
ثم سارا فِي طَرِيقِهِما صَامِتَيْنِ (ساكِتَينَ)، وَقَدِ امْتَلأَ قَلْبُ الْهِنْدِي حُزْنًا، وَهُوَ سَائِرٌ بِجِوارِ النَّمِرِ. ثُمَّ رَأيا نَسْرًا يَطِيرُ، فَناداهُ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «تَعَالَ يَا «أَبَا الْهَيْثَمِ»، هَلُمَّ إِلَيْنَا (أَقْبِلْ عَلَيْنَا)، أَيُّهَا النَّسْرُ العظيمُ الطَّائِرُ فِي السَّمَاءِ الْمُحَلِّقُ (الَّذِي يَدُورُ) فِي الْفَضاءِ. اهْبِطْ مِنَ الْجَوِّ إِلَى الأَرْضِ، وَأَسْعِفْ رَجَاءَنَا، وَاحْكُمْ فِي قَضِيَّتِنا.»
فقالَ النَّسْرُ: «فِيمَ أَحْكُمُ؟»
فَأَخْبَرَهُ الشَّيْخُ «سادُودانا» بِقِصَّتِه، ثُمَّ قَالَ: «أَيَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَقْتُلَنِي – يا «أَبَا الْهَيْثَمِ» - بَعْدَ أَنْ رَحِمْتُهُ وَأَشْفَقْت عَلَيْهِ؟»
فقالَ لَهُ النَّسْرُ: «إِنَّ النَّاسَ كُلَّما رَأَوْنِي بَذَلُوا جُهودهم في أَنْ يَصْطادُونِي، بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَسَلَّقُ الْصُّخُورِ لِيَسْرِقَ أَبْنائِي مِن عُشّها. وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنَّ النَّمِرَ جَدِيرٌ (مُسْتَحِقٌ) أَنْ يَأْكُلَكَ - أَيُّهَا الرَّجُلُ - لِأَنَّ الرِّجالَ قُساةٌ، لا تَعْرِفُ الرَّحْمَةُ إِلَى قُلُوبِهِمْ سَبِيلًا.»
ثمَّ الْتَقَيا التِّمْساح في طريقهما خارِجًا مِنَ الْيَمِّ (الْمَاءِ)، فَناداهُ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ، وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ كُلَّها، ثُمَّ خَتَمَها قَائِلًا: «فَكَيْفَ تَرَى - يا «حارس الْيَمِّ» – وَبِمَاذَا تَحْكُمُ؟»
فقالَ التِّمْساحُ: «إِنَّنِي كُلَّما رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى سَطْحِ المَاءِ، أَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيَّ يُطَارِدُونَنِي، ويُحاولُونَ قَتْلِي لِغَيْرِ سَبَبٍ. وَعِنْدِي أَنَّ النَّمِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَكَ - يا رجُلُ - لِأَنَّ الرِّجالَ ما داموا أَحْيَاءً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَنْ نَظْفَرَ بِالرَّاحَةِ أَبَدًا.»
الفصل الثالث
فقالَ الشَّيْخُ فِي نَفْسِهِ: «لَمْ يَبْقَ لِي أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ مِنَ الهَلاكِ – بَعْدَ الْيَوْمِ – وما أَظُنُّ أَحَدًا سَيَقُولُ فِي خَيْرًا.»
عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ، والْتَمَسَ مِنَ النَّمِرِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْقَيَا الْمُسْتَشارَ السَّادِسَ. فَلَم يُمَانِعُ فِي ذلِكَ.
وَلَمَّا سارا خُطُواتٍ قَلِيلَةً وَجَدا - فِي الطَّرِيقِ - ابْنَ أَوَى؛ فَقَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ قِصَّتَهُ معَ النَّمِرِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «فَماذا تَرى، يا سَيِّدِي؟ وَأَيُّنا على حَقٌّ يا «أَبا وائِلٍ»؟»
فقال ابْنُ آوَى: «لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْكُمَ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ قَبْلَ أَنْ أَرَى الْمَكَانَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ حَوادِثُها. لا بُدَّ مِنَ التَّثَبُّتِ والرَّوِية (التَّمَهُّلِ فِي التَّفْكِيرِ) قَبْلَ أَنْ أُصْدِرَ حُكْمِي؛ حَتَّى لا أَظْلِمَ أَحَدًا مِنْكُما.»
فَعادَ النَّمِرُ والشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ إِلَى الْقَفَصِ - وَمَعَهُمَا ابْنُ آوَى - فَلَمَّا بَلَغُوه، قالَ ابْنُ آوی: «الآنَ خَبِّرْنِي - أَيُّهَا الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ - أَوَقَعَتْ هُنا قِصَّتُكُما؟»
فَقَالَ لَهُ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدِي «أَبا وَائِلٍ».»
فقالَ ابْنُ آوَى: «فَأَيْنَ الْمَكانُ الَّذِي كُنْتَ وَاقِفًا فِيهِ بِالضَّبْطِ؟»
فَوَقَفَ الشَّيْخُ أَمامَ الْقَفَصِ، وَقالَ لَهُ: «هُنا يَا سَيِّدِي الْقَاضِي!»
فقالَ ابْنُ آوَى: «فَأَيْنَ كَانَ النَّمِرُ حِينَئِذٍ؟»
فَقَالَ النَّمِرُ: «كُنْتُ فِي الْقَفَصِ.»
فَقَالَ ابْنُ آوَى: «ماذا تَعْنِي (ماذا تَقْصِدُ)؟ كَيفَ كُنْتَ فِي الْقَفَصِ؟ وَإِلَى أَيِّ جِهَةٍ كُنْتَ تَنْظُرُ، يَا «أَبا رَقاش»؟»
فقالَ النَّمِرُ: «كَيْفَ هذا؟ أَلا تَفْهَمُ مَا أَقُولُ؟»
ثُمَّ قَفَزَ إِلَى الْقَفَصَ، وَقَالَ لَهُ: «هَكَذَا كُنْتُ واقفًا، يا «أَبا وائِلِ»؛ رَأْسِي هُنا، وَذَيْلِي هناك!»
فَقالَ ابْنُ آوَى: «شُكْرًا لَكَ يَا سَيِّدِي.»
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الشَّيْخِ «سادُودانا» قائِلًا: «وَلَكِنْ خَبِّرْنِي، أَيُّهَا الْأَنِيسُ: أَكَانَ الْقَفَصُ مَفْتُوحًا أَمْ مُقْفَلًا؟»
فَقالَ الشَّيْخُ: «كَانَ مُقْفَلًا يَا «أَبا وَائِلِ».»
فَقالَ ابْنُ آوَى لِلشَّيْخِ: «إِذَنْ، أَقْفِلِ الْبَابَ، كَمَا كَانَ.»
وَلَمَّا أَغْلَقَ الشَّيْخُ الْهِنْدِيُّ الْقَفَصَ الْتَفَتَ ابْنُ آوَى إِلَى النَّمِرِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الْوَحْشُ اللَّئِيمُ الْجَاحِدُ (الْمُنْكِرُ لِلْجَمِيلِ) الَّذِي لا يَحْفَظُ الْعَهْدَ، وَلا يَشْكُرُ لِلْمَعْرُوْفِ، وَلَا يُثْمِرُ فِيهِ الصَّنِيعُ: ما بالُكَ (ما شَأْنُكَ) تَهُمُّ بِقَتْلِ هذا الشَّيْخِ الْهِنْدِي الطَّيِّبِ، بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَكَ مِنْ سِجْنِكَ؟ أَلَيْسَ لَدَيْكَ غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ جَزاءٍ تَجْزِيهِ بِهِ عَلَى إِحْسَانِهِ؟ فَامْكُثْ فِي سِجْنِكَ بَقِيَّةَ حَياتِكَ، فَلَنْ يُخْرِجَكَ مِنْهُ أَحَدٌ مَرَّةً أُخْرَى.»
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى «سادُودانا» قَائِلًا: «وأَنْتَ أَيُّها الصَّديقُ الْهِنْدِيُّ الْكَرِيمُ: سِرْ فِي طَرِيقِكَ، وَلَا تَصْنَعِ الْمَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ!»
فَشَكَرَ الْهِنْدِيُّ لابْنِ آوَى حِكْمَتَهُ وَذَكَاءَهُ، ثُمَّ وَدَّعَهُ، وَسارَ فِي طَرِيقِهِ مُبْتَهِجًا مَحْبُورًا (فَرْحَانًا مَسْرُورًا)، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ «بَنَارِسَ».
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.