حكاية·HIKOYA

القصر الهندي

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy2 bob23 daqiqa
القصر الهندي
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.ساكِنُ الدَّوحَة
  2. 2.ساكن الصَّخْرَة

الفصل الأولساكِنُ الدَّوحَة

كَانَ لِمَلِكِ «بَنَارِسَ» أُمْنِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِها جاهِدًا (مُجْتَهِدًا)، وَلَا يَهْنَأُ لَهُ بَالٌ أَوْ يَظْفَرَ بِإِدْراكِها، ولا يَرْتاحُ قُلْبُهُ حَتَّى يَفُوزَ بِها. وَقَدْ شَغَلَتْهُ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ الْجَمِيلَةُ زَمَنًا طَوِيلًا؛ فَأَصْبَحَتْ تُؤَرِّقُهُ تُسْهِرُهُ، وَتَقْطَعُ عَلَيْهِ نَوْمَهُ فِي اللَّيْلِ)، وَتَشْغَلُهُ وَتُهِمُّ خَاطِرَهُ تَمْلأُ قَلْبَهُ غَمَّا وَهَمَّا فِي النَّهَارِ).

أَمَّا هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ الْعَزِيزَةُ الْمَنالِ، الَّتِي فَكَرَ فِيها مَلكُ بَنَارِسَ» وَقَدَّرَ، ثُمَّ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَهِيَ أَنْ يُشَيِّدَ (يَبْنِيَ) لِنَفْسِهِ قَصْرًا مُبْتَدَعًا، لَمْ يَسبِقْهُ - إِلَى بِنَاءِ مِثْلِهِ – أَحَدٌ مِن مُلُوكِ الهِنْدِ قَاطِبَةً.

وَكَانَتْ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ - فِي الْحَقِيقَةِ - صَعْبَةَ الْإِدْراكِ، بَعِيدَةَ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ مُلُوكَ الْهِندِ قَد تَفَنَّنُوا فِي بِناء الْقُصُورِ ، وَبَدْلُوا وَأَنْفَقُوا - فِي تَشْبِيدِها - أموالًا كَثِيرَةً لا تُحصَى، وَتَأَنَّقُوا (اسْتَعْمَلُوا الْإِثْقَانَ فِي هَنْدَسَتِها، وَتَفَنَّنُوا فِي زَخْرَفَتِها، ما شاءَ لَهُمُ الْإِبْدَاعُ وَالْفَنُّ، وَلَم يَدَعُوا لِأَحَدٍ - مِن بَعْدِهِم – مَجالًا لِلتَّأَنُّقِ وَالافْتِنَانِ.

وَقَد رَأَى مَلِكُ بَنَارِسَ أَنَّ كُلَّ جُهْدٍ يَبْذُلُه فِي رِفْعَةِ الْبِنَاءِ وَاتِّسَاعِهِ وَتَنْسِيقِهِ، لَنْ يُثْمِرَ، وَلَنْ يُغْنِيَ أَقَلَّ غَنَاء لَن يَأْتِيَ بِأَيِّ فَائِدَةٍ) وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مَهْما يُبْذَلْ مِنْ جُهْدٍ وَمَالٍ، فَلَنْ يَبْلُغَ شَيْئًا مِمَّا يَرُومُ وَيَطْلُبُ، وَلَنْ يُحَقِّقَ بَعْضَ ما تَصْبُو وَتَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ.

ثُمَّ اهْتَدَى - بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ - إِلَى طَرِيقَةٍ فَنَّةٍ وَحيدَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُظْفِرُهُ بِأَمْنِيَّتِهِ، وَتُنِيلُهُ رَغْبَتَهُ، بِأَيْسَرِ نَفَقَةٍ، وَأَقَلَّ مَالٍ.

فَمَثَّلَ (صَوَّرَ) - لهذا الْقَصْرِ - نَمُوذَجًا مُبْتَدَعًا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ قاطِبَةً، وَرَأَى أَن يُشَيِّدَهُ عَلَى عَمُودٍ وَاحِدٍ. وَهذا – كَما تَرَى – مِثَالٌ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ.

وَلستُ أَعْرِفُ: مَا الَّذِي أُوحَى إِلَيْهِ فِكْرَةَ هذا الْقَصْرِ الْعَجِيبِ الَّذِي يُشْبِهُ - فِي شَكْلِهِ وَهَيْئَتِهِ - بُرْجَ الْحَمامِ؟ وَلَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ وُفِّقَ - عَلَى أَيِّ حَالٍ - فِي الاهْتِدَاء إِلَى مِثالٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ كَائِنٌ كَانَ.

ثمَّ نادَى مَلِكُ بَنَارِسَ كَبِيرَ وُزَرَائِهِ، وَقَالَ لَهُ: «أَحْضِرْ إِلَيَّ أَقْدَرَ الْحَطَّابِينَ وَأَبْرَعَهُمْ، مِنْ كُلِّ قاصٍ وَدانِ، وَاجْمَعْهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَقَرِيبٍ. وَمُرْهُمْ أَنْ يُحْضِرُوا إِلَى مَدِينَتِي أَضْخَمَ شَجَرَةٍ أَنْبَتَتْهَا الْغَابَةُ، عَلَى أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ.»

فَلَمْ يُضِعِ الْوَزِيرُ وَقْتَهَ سُدًى، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَمَعَ لَهُ ثَلاثِينَ حَطَّابًا مَعْرُوفِينَ بِالْقُوَّةِ وَالْحِذْقِ، مَوْصُوفِينَ بِالْإِثْقَانِ وَالْبَرَاعَةِ. وَلَمَّا مَثَلُوا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ أَفْضَى إِلَيْهِمْ بِرَغْبَتِهِ؛ أَعْنِي: كَشَفَ لَهُمْ عَمَّا يَحْرِصُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى مَا يَتَمَنَّاهُ وَيَسْعَى إِلَيْهِ.

فَقَالَ الْحَطَّابُونَ لِلْمَلِكِ: «إِنَّ فِي غابَةِ جَلَالَتِكُمْ أَشْجَارًا كَثِيرَةً، مُتَمَاثِلَةً (مُتَشَابِهَةً) فِي الضَّخَامَةِ وَالارْتِفاعِ ، وَالصَّلابَةِ وَالْقُوَّةِ، وَكُلُّها صالِحَةٌ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْفِكْرِةِ. وَلَكِنَّ إِحْضَارَها إِلَى مَدِينَةِ بَنَارِسَ» أَمْرٌ مُحالٌ، لَا سَبِيلَ إِلَى تَدْلِيلِهِ (تَسْهِيلِهِ) ، وَمُطْلَبٌ عَزِيزُ الْمَنَالِ لَا أَمَلَ في إِدْرَاكِهِ وَتَحْصِيلِهِ).»

فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: «أَتَعْجَزُونَ - عَلَى وَفْرَةِ عَدَدِكُمْ، وَقُوَّةِ بَأْسِكُمْ وَشَجَاعَتِكُمْ - أَنَّ تَقْتَلِعُوا مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْجارِ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ مِنَ الضَّحَامِةِ وَالطُّولِ؟»

فَقَالُوا لَهُ: «إِنَّ اقْتِلاعَ هَذِهِ الْأَشْجارِ الْعَظِيمَةِ أَمْرٌ مَيْسُورٌ، لَا يُرْهِقُنَا وَلَا يُتْعِبُنَا، وَلَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْنا تَحْقِيقُهُ، وَلَكِنَّ الصُّعُوبَةَ - الَّتِي لا سَبِيلَ إِلَى تَدْلِيلِها – إِنَّمَا هِيَ فِي جَرِّ مِثْلِ هَذِهِ الأَشْجَارِ وَإِحْضَارِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ وَعْرَةٌ (صَعْبَةٌ) طَوِيلَةٌ، وَالْأَشْجَارِ هائِلَةٌ، وَيَصْعُبُ جَرُّها عَلَى أَقْوَى الْأَقْوِياء.»

فقالَ لَهُمْ مُتَعَجِّبًا: «عَلَيْكُمْ بِالْجِيادِ الْخَيْلِ)؛ فَهِيَ قادِرَةٌ عَلَى جَرِّ هَذِهِ الْأَشْجَارِ.»

فَقالُوا لَهُ: «ما أَعْجَزَ الْجِيادَ - يا مَلِيكَنا الْعَظِيمَ - عَنْ تَحْرِيكِ مِثْلِ هذا الشجَرِ، وَزَحْزَحَتِهِ عَن مَوْضِعِهِ قِيراطًا واحدًا ، مَهُما تَبْلُغَ الْجِيادُ مِنَ الْقُوةِ وَالْبَأْسِ.»

فَقَالَ لَهُمْ: «عَلَيْكُم بِالثَّيران؛ فَهِيَ أَقدَرُ مِنَ الْخَيلِ عَلَى جَرِّها، وَأَصْبَرُ مِنها عَلَى مَشَقَّةِ السَّيرِ، وَوُعُورَةِ الطَّرِيقِ.»

فَأَجَابُوهُ حائِرِينَ: «لَيسَ فِي قُدرَةِ الثَّيرانِ - أَيُّهَا الْمَلِكُ الْجَلِيلُ - أَن تَقْطَعَ فِي هَذِهِ الْغَابَةِ الْمُقْفِرَةِ (الْخَالِيَةِ الْوَاسِعَةِ ، أَميالاً كَثِيرَةً وَالْأَمْيالُ جَمْعُ مِيلٍ، وَالْمِيلُ طُولُهُ: أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ).»

فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: «لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَفْيالُ، وَما أَظُنُّها تَعْجِزُ عَنْ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَةِ، وَلَا أَحْسَبُها تَنُوءُ قُوَّتُها بِالاضْطِلاعِ بِهذا الْمُهِمّ؛ فَهِيَ - فِيمَا أَعْلَمُ – قادِرَةٌ عَلَى الْقِيامِ بِهذا الْأَمْرِ ، بالِغَا مَا بَلَغَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعناء!»

فَقَالُوا لَهُ يَائِسِينَ: «لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ يَا صَاحِبَ الْجَلالَةِ. فَإِنَّ الْأَرْضَ - كَمَا تَعْلَمُونَ - لَيْسَتْ صَخْرِيَّةً صُلْبَةً ؛ بَلْ هِيَ طِينِيَّةٌ رِخْوَةٌ مَمْلُوعَةٌ بِالْوَحَلِ. وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الْأَفْيَالُ أَنْ تَسِيرَ خُطْوَةً وَاحِدَةً، دُونَ أَنْ تَسُوخَ أَقْدَامُها، (تُغْرَزَ أَرْجُلُها).»

فاشْتَدَّ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْغَيْظُ، وَقالَ لَهُمْ مُتَوَعّدًا: «لَقَدْ أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مُخَالَفَتِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ؛ فَافْعَلُوا ما شِئْتُمْ، وَذَلَّلُوا الْعَقَباتِ، وَسَهِّلُوا الصُّعُوبَاتِ وَتَغَلَّبُوا عَلَى الْمُحالِ، وَلا تَرْجِعُوا إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تُحْضِرُوا إِلَى مَدِينَتِي – مِنْ أَيِّ مَكَانٍ شِئْتُمْ إِحْدَى هَذِهِ الْأَشْجار الضَّخْمَةِ الَّتِي حَدَّثْتُمُونِي بِها. وَقَدْ حَتَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْجِزُوا هذا الْعَمَلَ فِي مَدَى أُسْبُوعِ وَاحِدٍ.»

فَرَحَلَ الْحَطَّابُونَ - مِنْ فَوْرِهِمْ - حَتَّى وَصَلُّوا إِلَى دَوْحَةٍ (شَجَرَةٍ) كَبِيرَةٍ ضَخْمَةٍ، فِي قَرْيَةٍ لَا تَبْعُدُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَّا مَسَافَةً يَسِيرَةً. وَكَانَتْ هَذِهِ الدَّوْحَةُ هَائِلَةَ الحَجْمِ، صُلْبَةَ الْعُودِ، أَنِيقَةَ الشَّكْلِ، بَدِيعَةَ الْمَنْظَرِ. وَكَانَ أَهْلُ الْقُرَى يُحِبُّونَها ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَلَكًا – مِنَ الْمَلَائِكِ يَسْكُنُها، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذلِكَ الْمَلَكَ هُوَ الَّذِي أَكْسَبَ الدَّوْحَةَ ذلِكَ الْجَمَالَ النَّادِرَ، وَأَفْرَدَها - مِنْ بَيْنِ الْأَشْجَارِ الْأُخْرَى - بِالْقُوَّةِ وَالْصَّلَابَةِ وَحُسْنِ التَّنْسِيقِ.

وَوَقَفَ الْحَطَّابُونَ أَمَامَ الدَّوْحَةِ مُفَكِّرِينَ، مُطْرِقِي رُءُوسِهِم صَامِتِينَ، وَطالَ تَرَدُّدُهُم في اقتلاعها، وَحَزَنَهُم ذلِكَ، وَمَلَأَ نُفُوسَهُم رَهْبَةً وَفَزَعًا. وَلكِنَّ الْمُضْطَرَّ يَركَبُ الصَّعِبَ مِنَ الْأُمُورِ.

وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌ مِنْ إِطَاعَةِ الْمَلِكِ وَتَلْبِيَةِ أَمْرِهِ، وَلَيْسَ فِي إِمْكَانِهِمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَيْهِ شَجَرَةً أُخْرَى مِنَ الْغَابَةِ الْبَعِيدَةِ!

وَهَكَذَا قَرَّ قَرَارُ الْحَطَّابِينَ - بَعْدَ إِحْجَامٍ تَراجُعٍ وَتَرَدُّدٍ) – عَلَى أَنْ يَقْتَلِعُوا هَذِهِ الدَّوْحَةَ الْعَظِيمَةَ، وَرَأَوْا - بَعْدَ التَّفْكِيرِ وَالرَّوِيَّةِ - أَنْ يَتَرَضُّوا ذلِكَ الْمَلَكَ الْكَرِيمَ الرُّوحَ السَّمَاوِيَّ) الَّذِي يَحُلُّ بِها.

فَجَاءُوا بِطاقاتِ الْأَزْهَارِ، وَنَسَّقُوا مِنْها أَكالِيلَ بَدَيعَةَ الْمَنْظَرِ، ثُمَّ نَثَرُوا الْمَصَابِيحَ فِي أَثْنَائِها. وَلَمْ يَأْلُوا جُهْدًا لَمْ يَتْرُكُوا وَسِيلَةً فِي إِدْخالِ السُّرُورِ عَلَى «مَلَكِ الدَّوْحَةِ»؛ فَصَدَحَتِ الْمُوسِيقَى، وَعَزَفَ الْعازِفُونَ، وَغَنَّى الشَّادُونَ (الْمُغَنُّونَ)؛ لِيُشْعِرُوا مَلَكَ الدَّوْحَةِ بِما قَرَّرَهُ مَلِيكُهُمْ، وَيَحْتِمُوا عَلَيْهِ (يُلْزِمُوهُ) أَنْ يَهْجُرَ الدَّوْحَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْأُسْبُوعُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ اعْتَزَمُوا أَنْ يَقْتَلِعُوها، تَلْبِيَةً لِأَمْرِ : مَلِكِ « بَنَارِسَ».

فَجَاءُوا بِطاقاتِ الْأَزْهَارِ، وَنَسَّقُوا مِنْها أَكالِيلَ بَدَيعَةَ الْمَنْظَرِ، ثُمَّ نَثَرُوا الْمَصَابِيحَ فِي أَثْنَائِها. وَلَمْ يَأْلُوا جُهْدًا لَمْ يَتْرُكُوا وَسِيلَةً) فِي إِدْخالِ السُّرُورِ عَلَى «مَلَكِ الدَّوْحَةِ»؛ فَصَدَحَتِ الْمُوسِيقَى، وَعَزَفَ الْعَازِفُونَ، وَغَنَّى الشَّادُونَ (الْمُغَنُّونَ)؛ لِيُشْعِرُوا مَلَكَ الدَّوْحَةِ» بِما قَرَّرَهُ مَلِيكُهُمْ، وَيَحْتِمُوا عَلَيْهِ (يُلْزِمُوهُ) أَنْ يَهْجُرَ الدَّوْحَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْأُسْبُوعُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ اعْتَزَمُوا أَنْ يَقْتَلِعُوها، تَلْبِيَةً لِأَمْرِ : مَلِكِ بَنَارِسَ».

وَقَدِ افْتَنَّ الْحَطَّابُونَ فِي تَنْسِيقِ الْأَزْهَارِ، وَوَضَعُوا مَصَابِيحَهُمْ حَوْلَ الْدَّوْحَةِ – عَلَى شَكْلِ دَائِرَةٍ - وَعَلَّقُوا أَكالِيلَ اليَاسَمِينِ عَلَى أَغْصَانِها ، وَرَبَطوا – فِي أَوْرَاقِ الدَّوْحَةِ – طاقاتِ الْوَرْدِ وَالرَّياحِينِ ، وَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَصابِعَ يَدَيْهِ بَعْضَها فِي بَعْضٍ، رَهْبَةً وَخُشُوعًا، وَتَفَنَّنَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي تَوْقِيعِ الْأَلْحَانِ عَلَى طَنَابِيرِهِمْ وَعَلَى قِيثَارَتِهِمْ، وَهِيَ: آلاتٌ لِلطَّرَبِ ذَواتُ أَوْتَارٍ، وَغَنَّى آخَرُونَ طَائِفَةً مِنَ الْأَغانِي الْمُعْجِبَةِ.

وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْهَجُوا مَلَكَ الدَّوْحَةِ» (يُفْرِحُوهُ ) ، ثُمَّ يُنْذِرُوهُ بِقَرارِ مَلِيكِهِمْ فِي أَرَقٌ عِبَارَةٍ وَأَجْمَلِ أُسْلُوبٍ.

وَأَخَذَ الْحَطَّابُونَ يُحَبُّونَ ذلِكَ الْمَلَكَ الْكَرِيمَ بِما هُوَ أَهْلُهُ مِنَ التَّحِيَّةِ، وَيُمَجِّدُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ الثَّناءِ، وَيَقُولُونَ لَهُ: «يَا سَيِّدَ الرَّابِيَةِ الأَرْضِ الْمُرْتَفِعَةِ)، ويا رُوحَ الْأَزْهَارِ النَّامِيَةِ النَّاضِرَةِ الْمُتَفَتِّحَةِ الشَّدِيدَةِ الْخُضْرَةِ): حُقَّ لَنا أَنْ نُبَصِّرَكَ وَنُعَرِّفَكَ بِمَا انْتَوَيْناهُ نُخْبَرَكَ بِما فِي نِيَّتِنا أَنْ نَقُومَ بِهِ : هَذِهِ فُئُوسُنا الْمَاضِيَةُ الْحَادَّةُ)، جِئْنَا بِها لِنَقْتَلِعَ دَوْحَتَكَ؛ لِكَيْ تَكُونَ قَاعِدَةً رَاسِخَةً، يَرْسُو (يَسْتَقِرُّ ) عَلَيْها قَصْرُ الْمَلِيكِ الْبَاذِخُ الشَّامِخُ الْمُرْتَفِعُ)، الَّذِي يَسْمُو فِي الْجَوِّ كَأَنَّهُ يَحْرُسُ السَّماءَ؛ فاتْرُكِ الدَّوْحَةَ، وَانْجُ بِنَفْسِكَ.»

ثُمَّ خَتَمَ الْحَطَّابُونَ أَغَانِيَهُمْ، وَأَنَاشِيدَهُمُ الْمُعْجِبَةَ الشَّائِقَةَ الْجَمِيلَةَ الْجَذَّابَةَ بِالنَّشِيدِ التالي:

يا ساكن الدَّوْحَةِ فَوْقَ الرَّابِيَةُ وَحارِسَ الْأَطْيَارِ وَهْيَ شَادِيَةٌ وَمَلَكَ الْأَزْهَارِ وَهْيَ نامِيَة

***

لَقَدْ عَزَفْنَا، فَاسْتَمَعْتَ عَزْفَنا ثُمَّ شَدَوْنا، فَأَجَدْنا شَدْوَنا ثُمَّ رَقَصْنَا، فَأَطَلْنا رَقْصَنا

***

وَالآنَ يَأْتِي جَمْعُنَا لِيُنْذِرَكْ وَحُقَّ لِلنَّاصِحِ أَنْ يُبَصِّرَكْ بما انْتَوَيْنَاهُ، وَأَن يُحَذِّرَكْ

***

يا ساكن الدَّوْحَةِ فَوْقَ الرَّابِيَةُ وَحَارِسَ الْأَطْيَارِ وَهْيَ شَادِيَةٌ: جِئْنَا إِلَيْكَ بِالفُنُّوسِ الْمَاضِيَة

***

شَاءَ الْمَلِيكُ فَاسْتَمِعْ مَشِيئَتَهُ: أَنْ تُصْبِحَ الدَّوْحَةُ – هذِي - دَوْحَتَهُ وَأَنْ تَحُلَّ – فِي غَدٍ - مَدِينَتَهُ

***

لِيَرْسُوَ الْقَصْرُ عَلَيْها راسخا مُبْتَدَعَ الشَّكْلِ أَنِيقًا باذخا يَسْمُو – عَلَى كُلِّ القُصُورِ – شامِخا

***

يا ساكن الدَّوْحَةِ فَوْقَ الرَّابِيَةُ وَحَارِسَ الْأَطْيَارِ وَهْيَ شَادِيَةٌ اهْرُبْ فَإِنَّ فِي الْهُرُوبِ الْعَافِيَةُ

***

شادَ مَلِيكُ الهِنْدِ فِي بَنَارِسا» قَصْرًا - عَلَى جَوِّ السَّمَاءِ – حارسا يُسْلِي الْحَزِينَ وَيَسُرُّ الْعَابِسا

***

فَلا تَلُمْنَا إِذْ نُلَبِّي الْواجِبا وَلَا تَكُنْ – مِنْ أَجْلِ ذَاكَ - عاتبا ولا أخا حِقْدٍ وَلا مُغَاضِبًا

فَلَمَّا سَمِعَ مَلَكُ الدَّوْحَةِ » ذَلِكَ النَّشِيدَ أَدْرَكَ غَايَتَهُمْ، وَعَرَفَ مَقْصِدَهُمْ، وَتَأَكَّدَ لَهُ أَنَّ الْحَطَّابِينَ جَادُّونَ فِي إِنْفَاذِ وَعِيدِهِمْ. فَلَبِثَ هَادِثًا ساكِنًا - لَحَظاتٍ قَلِيلَةً – ثُمَّ اضْطَرَبَتِ الأوراقُ، وَتَمَايَلَتِ الْأَنْصَانُ، وَانْحَنَتِ الْفُرُوعُ ، كَأَنَّما تُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا قَدْ أَدْرَكَتْ مَا يَرْمُونَ إِلَيْهِ، وَلَبَّتْ رَجَاءَهُمْ، وَلَمْ تَعْصِ لَهُمْ أَمْرًا.

ثُمَّ عَادَ الْحَطَّابُون - مِنْ حَيْثُ أَتَوْا - وَقَدِ اقْتَنَعُوا بِنَجَاحِ مَسْعَاهُمْ، وَعَرَفُوا أَنَّ ساكِنَ الدَّوْحَةِ» قَدْ أَنْعَنَ لِمَشِيئَةِ مَلِكِ بَنَارِسَ» وَخَضَعَ لَإِرَادَتِهِ.

وَلَقَدْ مَالَتْ بَعْضُ أَوْرَاقِ الدَّوْحَةِ إِلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تَقُولُ: «لَقَدِ اعْتَزَمَ مَلِيكُ «بَنَارِسَ» أَنْ يُنَفِّذَ قَرَارَهُ، وَلا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ، ولا شَيْءَ يدْفَعُ أَمْرَهُ وَيُرْجِعُهُ. وَلَسْنَا نَخْشَى الْفَناءَ، وَلَا نَرْهَبُ الرَّدَى لا نَخافُ الْمَوْتَ ، وَلَكِنَّنَا نَجْزَعُ وَنَحْزَنُ لِما يَلْقَاهُ ذلِكَ الْمَلَكُ» الَّذِي يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّوْحَةَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى تَرْكِها، وَلا مَأْوَى لَهُ فِي غَيْرِها وَسَيَكُونُ هَلَاكُنا – بِلا شَكٍّ - سَبَبًا فِي شَقَاءِ جَمِيعِ الْأَشْجارِ الْمُحِيطَةِ بِنا، وتَهشِيمِها وَتَكْسِيرِها. وَقَدِ احْتَمَتْ - مُنْذُ نَشَأَتْ – بحِمايَتِنا، وَعَاشَتْ - طُولَ عُمْرِها - فِي كَنَفِنا بَقِيَتْ فِي جَانِبِنا وَحِمايَتِنا). وَمَا هَمَّنا أَنْ نَلْقَى حَتْفَنا وَمَصْرَعَنا ، وَنَسْتَقْبِلَ مَوْتَنَا وَهَلاكَنا، وَإِنَّمَا هَمَّنا وَآلَمَنَا مَصَارِعُ هَذِهِ الْأَطْفالِ الشَّجَرِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَمُوتُ - عَلَى الْفَوْرِ - مَتَى وَقَعَتِ الدَّوْحَةُ الْعَظِيمَةُ عَلَيْهَا. فَمَنْ لَنَا بِمَنْ يُبْلِغُ مَلِكَ «بنارِسَ» أَنَّهُ جَائِرٌ (ظالِمٌ) فِي حُكْمِهِ، وَأَنَّهُ سَيُهْلِكُ الْكَثِيرَ مِنْ أَطْفَالِنَا الْأَعِزَّاءِ فِي سَبِيلِ بِناءِ قَصْرِهِ؟»

أَمَّا «ساكِنُ الدَّوْحَةِ»، فَقَدْ قَالَ فِي نَفْسِهِ: «لا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ مَلِكَ «بِنارِسَ» وَشَأْنَهُ، لِيُنَفِّذَ هذا الْقَرارَ الْجَائِرَ. وَلَا بُدَّ لِي مِنْ زِيَارَتِهِ - فِي عَالَمِ الْأَحْلامِ – لَعَلِّي أَسْتَمِيلُهُ وَأَسْتَعْطِفُهُ، وَأُلَيِّنُ مِنْ قَلْبِهِ الْقَاسِي، فَيَعْدِلُ عَنْ تَحْقِيقِ وَعِيدِهِ.»

وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَاسْتَسْلَمَ مَلِكُ بَنارِسَ» لِلنَّوْمِ، ظَهَرَ أَمَامَهُ «مَلَكُ الدَّوْحَةِ» – فِي عَالَمِ الرُّؤْيا - فِي صُورَةِ شَبَحٍ لامعٍ، بَهِيَّ الطَّلْعَةِ جَمِيلِ الْمَنْظَرِ، مُؤْتَلِقِ الْمُحَيَّا (مُنِيرِ الْوَجْهِ)، يَلُوحُ عَلَيْهِ النُّورُ الشَّعْشَعانِيُّ الْمُنْتَشِرُ الْمُتَوَهّجُ)، وَقَالَ لَهُ - فِي صَوْتٍ أَشْبَهِ شَيْءٍ بِحَفِيفِ الشَّجَرِ: «هِيهِ يَا مَلِكَ بَنارِسَ الْعَظِيمَ! أَلَا تَعْرِفُنِي أَيُّهَا العَزِيزُ الْكَرِيمُ؟ أَنَا مَلَكُ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَمَرْتَ رِجَالَكَ بَاقْتِلاعِها. وَقَدْ عَلِمْتُ – الْيَوْمَ - نَبَأَ هذا الْقَرارِ الْخَطِيرِ، وَلَمْ أَكَدْ أَعْلَمُهُ حَتَّى اعْتَزَمْتُ زِيَارَتَكَ لأَثْنِيَكَ لأَرُدَّكَ) عَنْ عَزْمِكَ، شَفَقَةً بِنا، وَرَحْمَةً بِأَطْفَالِ الدَّوْحَةِ الصَّغَارِ.»

فقال لَهُ مَلِكُ بَنارِسَ»: «لا سَبِيلَ إِلَى الْعُدُولِ عَنْ هذا الْقَرَارِ؛ فَإِنَّ دَوْحَتَكَ وَحْدَها طِلْبَتِي وَقَصْدِي وَغَايَتِي. وَلَسْتُ أَرَى - فِي كُلِّ أَنْحاءِ بِلادِي – شَجَرَةً غَيْرَها تُحَقِّقُ لِي أُمْنِيَّتِي الْعَزِيزَةَ الَّتِي تَصْبُو إِلَيْها نَفْسِي؛ فَهِيَ - فِيمَا أَعْلَمُ - طَوِيلَةٌ بَاسِقَةٌ، صُلْبَةُ الْعُودِ، كَافِيَةٌ لِتَشْبِيدِ الْقَصْرِ فَوْقَهَا، وَقَدْ أَبَنْتُ لكَ عُذْرِي، وَشَرَحْتُ لَكَ مَقْصِدِي، فِي وُضُوحٍ وَصَرَاحَةٍ وَجَلَاء.»

فَقالَ لَهُ مَلَكُ الدَّوْحَةِ»: «تَرَقَّ أَيُّهَا الْمَلِيكُ الْعَظِيمُ (فَكَّرَ عَلَى مَهَلٍ)، وَتَدَبَّرْ مَا تَقُولُ، وَأَمْعِنِ الْفِكْرَ، وَدَقَّقِ النَّظَرَ فِيما أَنْتَ قادِمٌ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ جَلَلٍ خَطِيرٍ عَظِيمٍ). وَاذْكُرْ: أَنَّنِي قَدِ اتَّخَذْتُ هَذِهِ الدَّوْحَةَ لِي مَوْطِنًا مُنْذُ سِتِّينَ أَلْفِ عَامٍ، وَأَنَّ سُكَانَ الْقُرَى جَمِيعًا يُكْرِمُونَ الدَّوْحَةَ مِنْ أَجْلِي، وَأَنَّنِي قَدْ كافَأْتُهُم - عَلَى ذلِكَ – أَحْسَنَ مُكَافَأَةٍ؛ فَأَسْدَيْتُ إِلَيْهِمُ الْجَمِيلَ، وَقَدَّمْتُ لَهُمُ الْخَيْرَ، وَتَعَهَّدْتُ الشَّجَرَ مُوَالِيًا إِيَّاهُ بِعِنايَتِي، وَشَمَلْتُ الْأَطْيَارَ برعايَتِي، وَبَعَثْتُ ظِلالَ الدَّوْحَةِ عَلَى مَسافَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْحَشائِشِ الَّتِي تَكْتِنِفُها (تُحِيطُ بها). وَقَدْ أَنِسَ النَّاسُ بِظِلالِها الوَارِفَةِ (الْمُنْبَسِطَةِ) ، وَارْتاحُوا لِلْجُلُوسِ إِلَى جَانِبِها، لِيَنْسِمُوا الْهَواءَ الْعِلِيلَ (يَسْتَنْشِقُوهُ) . وَلَسْتُ جَدِيرًا مِنْكَ - بَعْدِ مَا أَسْدَيْتُهُ إِلَى شَعْبِكَ مِنْ حَسَناتٍ وَخَيْرَاتٍ - أَنْ تُنْزِلَ بِدَوحَتِي مِثْلَ هذا الْعِقابِ الظَّالِمِ، وَتُقَابِلَ صَنِيعِي هذا بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ، وَتَجْزِيَنِي عَلَى الْإِحْسانِ، بِالعُقُوقِ وَالكُفْرانِ.»

فَقَالَ لَهُ مَلِكُ «بَنارِسَ»: «لَقَدْ أَعْجَبَنِي حُسْنُ حَدِيثِكَ، وَأَقْنَعَتْنِي حُجَجُكَ وَأَدِلَّتُكَ الصَّحِيحَةُ. وَلَكِنَّنِي لا أَسْتَطِيعُ تَلْبِيَةَ مُلْتَمَسِك ، وَإِجَابَةَ مَطْلَبِكَ؛ فَقَدْ أَسْلَفْتُ قَضائِي، وَقَدَّمْتُ حُكْمِي فِي ذلِكَ، وَأَمَرْتُ رِجالِي بِاقْتِلَاعِ هَذِهِ الدَّوْحَةِ، وَلَيْسَ إِلَى تَبْدِيلِ أَمْرِي مِنْ سَبِيل.»

فَحَنَى مَلَكُ الدَّوْحَةِ» رَأْسَهُ إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قال فِي هَمْسٍ وَخُفُوتٍ: «لَمْ يَبْقَ لِي – بَعْدَ أَنْ رَفَضْتَ رَجَائِي، وَأَبَيْتَ تَحْقِيقَ رَغْبَتِي إِلَّا مُلْتَمَسٌ وَاحِدٌ، آمُلُ أَنْ تَعِدَنِي بِإِجَابَتِهِ، وَأَرْجُو أَنْ تُعْطِيَنِي وَعْدًا بِقَبُولِهِ.»

فَقَالَ مَلِكُ بَنارِسَ»: «قُلْ، فَأَنَا أَسْمَعُ.»

فَقَالَ « مَلَكُ الدَّوْحَةِ»: «أَرْجُو أَنْ تَأْمُرَ رِجَالَكَ بِقَطْعِ الدَّوْحَةِ ثَلَاثَ قِطَعِ: الرَّأْسَ – أَوَّلًا - بِمَا يُكَلِّلُهُ مِنْ فُرُوعٍ وَأَوْراقٍ خُضْرٍ مُتَمَوِّجَةٍ، وَالْوَسَطَ - ثَانِيًا – بِمَا عَلَيْهِ مِنْ فُرُوعٍ وَأَغْصَانٍ هِيَ أَذْرُعُ الدَّوْحَةِ، وَعَدَدُها مِائَةُ ذِراعٍ ، فَإِذَا انْتَهَوْا مِنْ ذِلِكَ قَطَعُوا الْجِذْعَ الَّذِي يَحْمِلُ ذلِكَ الطَّوْدَ الشَّامِخَ الْجَبَلَ العَالِيَ الْعَظِيمَ.»

فَقَالَ مَلِكُ بَنارِسَ»: «هَذَا الْتِماسُ عَجِيبٌ، وَمَطْلَبٌ يَدْعُو إِلَى الدَّهْشَةِ، وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِهِ طُولَ عُمْرِي. وَإِنِّي لَيُدْهِشُني أَنْ تَلْتَمِسَ مِنِّي أَنْ أُعَذِّبَكَ، وَأُذِيقَكَ الْمَوْتَ، مَرَّاتٍ ثَلَاثًا أَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَالرَّحْمَةِ بِكَ أَنْ تَحْتَمِلَ آلَامَ الْمَوْتِ مَرَّةً وَاحِدَةً؟»

فَقَالَ « مَلَكُ الدَّوْحَةِ»: «كَلَّا - أَيُّهَا الْمَلِيكُ الْعَظِيمُ - فَلَيْسَ يُزْعِجُنِي أَنْ أَمُوتَ وَأَلْقَى مَصْرَعِي؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ كَائِنِ فِي الوُجُودِ. وَلَكِنَّ مَا يَهُمُّنِي وَيُقْلِقُ بِالِي أَنَّ جَمْهَرَةً (جَمَاعَةً) مِنَ الْأَطْفَالِ الشَّجَرِيَّةِ النَامِيَةِ مِنْ أُسْرَتِي بِجِوَارِ الدَّوْحَةِ خَرَجَتْ مِنْ ثِمَارِي، وَعَاشَتْ فِي كَنَفِي تَحْتَ ظِلِّي ) . فَإِذا سَقَطَتْ دَوْحَتِي عَلَيْها مَرَّةً وَاحِدَةً أَهْلَكَتْ – بِثِقَلِها الْعَظِيم - أَكْثَرَ أَطْفالِي الصِّغَارِ، وَأَسْلَمْتُها إِلَى الْمَوْتِ وَإِنَّ حُبِّي وَشَفَقَتِي وَبِرِّي بِهَذِهِ الْأَبْنَاءِ الصَّغِيرَةِ لَتَدْفَعُنِي إِلَى تَقْطِيعِ أَوْصالِي تَمْزِيقِ أَعْضائِي)، وَتَحمُّل آلامِ الْمَوْتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى تَنْجُوَ أَكْثَرُ الْأَشْجَارِ مِنَ الْهَلاكِ، وَتَسْلَمَ مِنَ الْأَذَى، فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبِي إِلَى هذا الرجاء، وَمُحَقِّقٌ لِي هَذَا الْمُلْتَمَسَ الْعَادِلَ؟»

فَاسْتَوْلَى الْعَجَبُ عَلَى مَلِكِ بَنارِسَ مِمَّا سَمِعَ ، وَتَعَاظَمَتْهُ الدَّهْشَةُ (اشْتَدَّ تَعَجَّبُهُ) مِمَّا نَطَقَ بِهِ مَلَكُ الدَّوْحَةِ.»

فَقَالَ لَهُ: «عَلَيَّ أَنْ أُجِيبَكَ إِلَى هذا الالتماس!»

وَمَا أَتَمَّ مَلِكُ «بَنارِسَ» كَلِمَتَهُ، حَتَّى ثَلَاثَى ذلِكَ الطَّيْفُ: طَيْفُ «مَلَكِ الدَّوْحَةِ»، وَاسْتَخْفَى عَنْهُ.

وَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي نَادَى مَلِكُ بَنارِسَ» وَزَيرَهُ الْحَكِيمَ «نارادا»، وَأَمَرَهُ بِاسْتِدْعَاءِ الْحَطَّابِينَ إِلَيْهِ. وَلا مَثَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ عَدَلْتُ عَنْ رَأْبِي، وَلَا حَاجَة بِي إِلَى اقْتِلَاعِ الدَّوْحَةِ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِإِحْضَارِها إِلَى مَدِينَتِي. وَقَدْ عَنَّ لِي (خَطَرَ بِبَالِي أَنْ أُقِيمَ عَمُودًا - مِنَ الصَّخْرِ الصُّلْبِ - فِي مِثْلِ ارْتِفَاعِ هَذِهِ الدَّوْحَةِ؛ لِأُشَيِّدَ عَلَيْهِ قَصْرِيَ الْجَدِيدَ.»

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ (عاوَدَ) كلامَهُ) قَائِلًا: «لَقَدْ بَهَرَنِي (أَدْهَشَنِي) مَا رَأَيْتُهُ مِنْ جَلِيلِ الصفاتِ، وَنَبِيلِ الْمَزايا، فِي مَلَكِ هَذِهِ الدَّوْحَةِ، وَهَالَني وَمَلَأَ نَفْسِي إِعْجَابًا بِهِ، وَإِكْبَارًا لَهُ: ما أَبْصَرْتُهُ فِيهِ مِنَ الْوَفَاءِ وَالْحُبِّ وَإِنْكَارِ الذَّاتِ، وَالْجُودِ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ إِنْقَاذِ غَيْرِهِ.»

ثُمَّ قَصَّ مَلِكُ «بَنارِسَ» عَلَيْهِمْ قِصَّةَ مَلَكِ الدَّوْحَةِ» وَذَكَرَ لَهُمْ حَدِيثَهُ - مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ – فَدَهِشُوا لهذا الرُّوحِ الْكَرِيمِ، وَأُعْجِبُوا بِما أَبْداهُ مِنْ خُلُقٍ رَائِعٍ قَوِيمٍ، وَوَفَاءٍ نَادِرٍ عَظِيمٍ.

الفصل الثانيساكن الصَّخْرَة

فقال وزِيرُهُ الْحَكِيمُ «نارادا»: «لَقَدْ ذَكَّرَتْنِي هَذِهِ الْقِصَّةُ الْعَجِيبَةُ، بِقِصَّةِ التَّمْثَالِ الصَّخْرِيِّ الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْمَعْبَدِ الكَبِيرِ. فَهِيَ - فِيمَا أَرَى - جَدِيرَةٌ بِأَنْ تُخَلَّدَ فِي بُطُونِ الْأَسْفَارِ الْكُتُبِ)، لما فيها مِنَ الْعِظَةِ وَالاعْتِبَارِ.»

فقالَ لَهُ الْمَلِكُ: «أَتَعْنِي تِمْثَالَ الرَّاجا (الْأَمِيرِ الْهِنْدِي ، وَالتَّمَاثِيلَ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ مِنْ أَفْرَادِ أُسْرَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ؟»

فَقالَ الْوَزِيرُ: نَعَمْ. وَما هِيَ بِتَمَاثِيلَ مَنْحُوتَةٍ – كما يَظُنُّ الْكَثِيرُونَ - بَلْ هِيَ أَنَاسِيُّ (ناس) عاشُوا فِي مَدِينَتِنَا بَنارِسَ» رَدحًا مِنَ الدَّهْرِ (أَقَامُوا فِيهَا زَمَنًا طَوِيلًا)، ثُمَّ مُسِخُوا - بَعْدَ حَياتِهِمْ - صُخُورًا.»

فَقالَ المَلِكُ مَدْهُوشًا: «لَقَدْ طالَما وَقَفْتُ أَمامَ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ الصَّخْرِيَّةِ الْبَارِعَةِ، وَعَجِبْتُ مِنْ إِبْدَاعِها، وَتَأَنُّقِ صانِعِيها فِي تَصْوِيرِها وَنَحْتِها، وَكَيْفَ سَمَا بِهِمُ الْفَنُّ الْأَصِيلُ حَتَّى كَادَ يُنْطِقُهُمْ، وَيُشْعِرُ النَّاظِرَ إِلَيْهِمْ أَنَّ الْحَياةَ سَارِيَةٌ فِيهِمْ، لَا سِيَّما تِمْثَالُ الرَّاجا؛ فما أَذْكُرُ أَنَّني وَقَفْتُ أَمامَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يَزالُ يُفَكِّرُ وَيَسْمَعُ مَا أَقُولُ وَيَفْهَمُهُ، وَحَسِبْتُ أَنَّ فِي جَسَدِهِ الصَّخْريّ نَفْسًا مُسْتَقِرَّةً فِي صَمِيمِهِ؛ فَمَا اسْمُ ذَلِكَ الرَّاجا؟ وَمَا قِصَّتُهُ؟ وَكَيْفَ عَاشَ ؟ وَكَيْفَ مُسِخَ - بَعْدَ حَيَاتِهِ - صَخْرًا؟»

فَقالَ «نارادا»: «كان هذا الرَّاجا - أَوَّلَ أَمْرِهِ - نَاسِكًا مَعْرُوفًا بِالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، وَكَانَ يُدْعَى «ساميتي»، وَقَدْ عَاشَ فِي إِحْدَى القُرَى الصَّغِيرَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى نَهْرِ «الكَنْجِ». وَقَدْ رَفَعَتْهُ فَضائِلُهُ وَزُهْدُهُ إِلى مَرْتَبَةِ الْأَطْهَارِ الْأَخْيَارِ ؛ فَكانَ مَثَلًا مِنْ أَعْلَى أَمْثَلَةِ التَّقْوَى: لا هَمَّ لَهُ إِلَّا الصَّلاةَ وَالنُّسُكَ وَعِبَادَةَ الْخالِقِ ، لا يَشْغَلُهُ عَنْ ذلِكَ شَاغِلٌ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا وَلَدَائِذِ الْحَيَاةِ وَمُتَعِ الْغُرُورِ.

وَقَدْ دَاعَتْ فَضَائِلُهُ وَمَزَايَاهُ في بِلادِ الْهِندِ - قَاصِيَةً وَدَانِيَةً – فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَحَدَبٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، تَمْلَأُ أَبْصارَها مِنْهُ، وَتَلْتَمِسُ دَعَوَاتِهِ وَبَرَكاتِه، وَتَرْجُو الشَّفَاءَ وَالْبُرءَ عَلَى يَدَيْهِ، بَعدَ أَنْ عَرَفُوا أَنَّهُ مُجابُ الدَّعْوَةِ، وَرَأَوا «بِرَهْما» لا يَرُدُّ لَهُ رَجاءً، وَلَا يَرْفُضُ لَهُ شَفَاعَةً.»

وَذا صَبَاحٍ فَكَّرَ النَّاسِكُ مَلِيًّا ( طَوِيلًا) فِيما يَسمَعُهُ مَن ثَناء النَّاسِ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدِهِم فَضَائِلَهُ وَمَزَايَاهُ، فَسَاوَرَهُ الرَّيْبُ، وَمَلَأَ نَفْسَهُ الشَّلُّ فِي أَمرِهِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ مُتَعَجِّبًا: «تُرَى: أَيُّ فَضْلٍ اسْتَحْقَقْتُهُ فَأَظْفَرَنِي بِهِذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي رَفَعُونِي إِلَيها؟

أَتْرَانِي جَدِيرًا بِهَذِهِ الْمَدائِحِ الَّتِي يُثْنُونَ بِها عَلَيَّ؟ وَكَيفَ أَسْتَحِقُها وَأَنا لَم أَبْلُ نَفْسِي لَم أَخْتَبِرْها) مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَم أُعَرِّضُها لِامْتِحَانِ إِرادتِها يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ أَمَامَ بَعْضِ الْمُغْرِيَاتِ الَّتِي تَفْتِنُ الْعَالَمَ؟ فَكَيفَ أحكمُ عَلَى قُوَّةِ عَزِيمَتِها؟ وَأَنَّى لِي أَنْ أَتَعَرَّفَ صِدْقَ مَعْدِنِها وَأَصَالَةَ عُنْصُرِها ، قَبْلَ أَنْ أُلْقِيَ بِها فِي بَوْتَقَةِ الاختِبَارِ؛ حَيْثُ تَصهِرُها نارُ التَّجْرِبَةِ؟ وَأَيُّ فَضْلٍ لِي فِي هذا الصَّلاحِ ما دُمْتُ لا أَرَى حَوْلِي إِلَّا طَائِفَةً مِنْ خِيارِ النَّاسِكِينَ الصَّالِحِينَ ؟ لا مَعدَى لي - إِذَن - عَنِ اخْتِبارِ نَفْسِي وَامْتِحَانِهَا، وَتَعْرِيضِها لِمَفَاتِنِ الْحَياةِ وَمَبَاهِجِها. وَلا بُدَّ مِنَ الرَّحلَةِ إِلَى بَعْضِ حَوَاضِرِ «الْهِنْدِ» الْكَبِيرَةِ، حَيْثُ أَقْضِي زَمَنَ التَّجْرِبَةِ، وَأَختَلِطُ بِالْبِيئاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأُخْرَى، وَأَرَى الْحَيَاةَ الْمَرِحَةَ الْفَاتِنَةَ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَندَمِجُ فِي بَعْضِ مَا تَحْوِيهِ مِنْ أَسْبَابِ التَّرَفِ وَأَفَانِينِ النَّعِيمِ.

أُرِيدُ أَن أَلْتَقِيَ الشَّرَّ وَجْهَا لِوَجهِ، وَأُحارِبَهُ غَيْرَ هَيَّابٍ أُرِيدُ أَنْ أَقْهَرَهُ بِمَا أُوتِيتُهُ (مَلَكْتُهُ) مِنْ عَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ، وَصَوْمٍ دَائِمٍ، وَحِرْمَانٍ قَاطِع لِجَمِيعِ الطَّيِّبَاتِ. وَلَنْ يَتَسَنَّى لَنْ يَتَيَسَّرَ) لِي ذلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَتَذَوَّقَها، وَتَشْتَهِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ أَكُفَّ عَنْهَا، وَيَعْصِمَنِي مِنْ غِشْيَانِهَا زُهْدِي وَنُسُكِي وَتَقْوَايَ، فَتُجَنَّبَنِي إِرَادَتِي الغَلَّابَةُ الْحَازِمَةُ اقْتِرَافَ الْإِثْمِ، وَالانْغِمَاسَ فِي النَّعِيمِ وَالتَّرَفِ.

وَمَتَى نَجَحْتُ فِي هذا الامتحانِ اسْتَحْقَقْتُ أَنْ أَظْفَرَ بِلَقَبِ: «صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ»، عَنْ جَدَارَةٍ وَصِدْقٍ.»

وما لاحَتْ تِلْكَ الرَّغْبَةُ الْعارِضَةُ لَهُ حتَّى أَصْبَحَتْ عَزِيمَةً ثَابِتَةً، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا وَهَنْ، ولا يَلْحَقُ بِها ضَعْفٌ ولا تَرَدُّدٌ. وَما لَبِثَ أَنْ أَعَدَّ لها عُدَّتَهُ؛ فَوَدَّعَ أُسْرَتَهُ، وَأَهْلَهُ وَعَشِيرَتَهُ وسافَرَ - مِنْ فَوْرِهِ (الْحالِ) - إِلى مَدِينَةِ بَنارِسَ»، وَقَدْ سَبَقَتْهُ شُهْرَتُهُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ بِها، وَدَاعَ نَبَأُ مَقْدِمِهِ بَيْنَ أَهْلِهَا.

فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ – عَلَى أَثَرِ وُصُولِهِ - وَجَلَبُوا لَهُ الْكَثِيرَ مِنَ النَّفَائِسِ وَالطَّرَفِ وَالْهَدايا عَلَى اخْتِلافِها. وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَشْرِيفِ دُورِهِمْ. وَحَاوَل كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ وَيُسْكِنَهُ دارَهُ. وَأَحْضَرُوا لَه أَكْدَاسًا مِنْ طَيِّبَاتِ الْفَاكِهَةِ، وَلدَائِذِ الْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ. فَرَفَضَ كلَّ ما عَرَضُوهُ عَلَيْهِ قَائِلًا: «لا حاجَةَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ هذا كُلِّهِ. حَسْبِي - مِنَ الْمَسْكَنِ - رُكْنٌ صَغِيرٌ قَرِيبٌ مِنْ مَعْبَدٍ أَنْزَوِي فِيهِ، وَحَسْبِي – مِنَ الطَّعَامِ - بَلِيلَةٌ مِنَ الذُّرَةِ.»

وَلَكِنَّ الْهَدَايَا لَمْ تَنْقَطِعْ فَلَمْ تَلْبَثْ دَارُهُ أَنِ ازْدَحَمَتْ بِلَدَائِذِ الْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ.

فَرَأَى أمامَهُ أَكْداسًا مِنْ فاكهة الأناناس، ذاتِ الرَّائِحَةِ الْحُلْوَةِ الطَّيِّبَةِ، وَأَكْوامًا كَثِيرَةً مِنْ فاكِهَةِ الْمَنْجُو ذاتِ الطَّعْمِ الْمَرِيء الْمُستساغ ، وَما إِلَى ذلِكَ مِنَ الْمَآكِلِ الْمُنْعِشَةِ، جَاثِمَةً أمامَهُ. فَقالَ فِي نَفْسِهِ: «أَيُّ مَزِيَّةٍ أَسْتَحِقُّ بِها الْفَضْلَ وَالتَّكْرِيمَ حِينَ أَحْرِمُ نَفْسِي هَذِهِ الْمُتَعَ، مَا دُمْتُ لَمْ أَذُقْ لها طَعْمًا؟ إِنَّ الْفَضِيلَةَ الْحَقَّ لا يَنالُها صَاحِبُها إِلَّا إِذا حَرَمَ نَفْسَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي تَشْتَهِيها.

فَلَا بُدَّ – إِذَنْ - مِنْ أَنْ أَتَذَوَّقَ أَوَّلًا واحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْفَاكِهَةِ، وَمَتَى اسْتَمْرَأْتُها، وَاسْتَحْسَنْتُ طَعْمَهَا، كَفَفْتُ نَفْسِي عنها عَلَى حُبِّها ( تركْتُها بِرغْم مَحَبَّتِي إِيَّاهَا، وَتَفَتَّحِ نَفْسِي لِمَرْآها. وَحِينَئِذٍ يُصْبِحُ زُهْدِي فيها، وحِرْمَانُ نَفْسي تَذَوُّقَها، صَنِيعًا مَشْكُورًا، وجهادًا عِنْدَ رَبِّي مَأْجُورًا يُكَافِئُنِي عَلَيْهِ).»

وَثَمَّةَ (حينَئِذٍ أَمْسَكَ بِثَمَرَةٍ مِن طَيِّبَاتِ الْفاكهة ، فَوَجَدَها سَائِغَةً شَهِيَّةً، فَأَكَلَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، فَأُعْجِبَ بِلَذَائِذِ هَذا الثَّمَرِ.

وما لَبِثَ أَن نَزَلَ عَلَى حُكْمِ الشَّرَةِ، وَأَذْعَنَ لِلنَّهَمِ (خَضَعَ لِلْبِطْنَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الطَّعامِ) ، فَلَمْ يُبْقِ مِنْ سِلالِ الْفاكِهَةِ – عَلَى كَثْرَتِها – شَيْئًا.

وَلَمْ يَكُنْ هذا الاخْتِبارُ الْأَوَّلُ آخِرَ امْتِحَانٍ أَخْفَقَ فِيهِ.

وَلا غَرْوَ فِي ذلِكَ لا عَجَبَ؛ فَإِنَّ مَنْ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ طَائِعًا مُختارًا لِمَفَاتِنِ الْحَيَاةِ وَمُغْرِياتِها، وَيَجْرُقُ عَلَى أَنْ يَزُجَّ بِنَفْسِهِ فِي مُوَاجَهَةِ الشَّرِّ – بلا داعٍ – إِنَّمَا يُغَرِّرُ بِها أَشَدَّ تَغْرِيرِ، وَيُعَرِّضُها لِلهَلاكِ الْمُحَقَّقِ.

وهكذا كانَ، وَابْتَدَأَ الطَّمَعُ يُغْرَسُ فِي قَلْبِ هَذا النَّاسِلِ الْوَرِعِ التَّقِيِّ.

ومَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَزادَ طُمُوحُهُ، وَاشْتَدَّتْ رَغْبَتُهُ فِي لَدَائِذِ الْحَيَاةِ، وَارْتَقَى مِنْ رَغْبَةٍ إِلَى رَغْبَةٍ، حَتى تَوَشَّجَ طَمَعُهُ، وَاشْتَبَكَتْ أُصُولُهُ فِي قَلْبِهِ؛ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: «أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ راجا»؛ لِتَكُونَ لِي قُصُورٌ فَاخِرَةٌ، وَحَاشِيَةٌ وَخَدَمٌ، فَاسْتَجِبْ لِدُعَائِي - يا رَبِّ - جَزَاءَ ما عَبَدْتُكَ لَيْلَ نَهارَ، بِدُونِ انْقِطَاعِ، فَلَقَدْ طَالَما تَفَانَيْتُ فِي الْإِخْلاصِ وَالْخُضُوعِ لَكَ، فِي صَلَوَاتِي الَّتِي أَقَمْتُهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

فَامْنَحْنِي خاتَمَ الْمُلْكِ الَّذِي يُظْفِرُ صاحِبَهُ بِكُلِّ مَا تَصْبُو إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَتَرْغَبُ فِيهِ مِنْ لَدَائِذِ الْحَيَاةِ وَطَيِّبَاتِها.»

فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ - حِينَئِذٍ – «برهما:» رَسُولُ الْخَيْرِ ، وَمَلَكُ الرَّحْمَةِ؛ بَلْ ظَهَرَ لَهُ بَدَلًا مِنْهُ رفَانا» رَسُولُ الشَّرِّ ، وَشَيْطانُ الْأَذى، فَقالَ لَهُ: «أتُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ «راجا»؟ فَلْيَكُنْ لَكَ مَا تُرِيدُ، فَقَدْ أَجَبْتُ دُعاءَك، وَإِنِّي مُبَلِّغُكَ مُرَادَكَ، وَمُحَقِّقٌ لَكَ رَغْبَتَكَ، ولكِنْ عَلَى شَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَنْ أَمْنَحَكَ مَا تَطْلُبُ مِنْ مُلْكٍ وَاسِعِ الْغِنَى عَرِيضِ الْجَاهِ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ تُفَوِّضَ لِي الْأَمْرَ فِيمَا تَمْلِكُ مِنْ حَيَوَانِ الأُهْلِكَهُ وَأُزْهِقَ رُوحَهُ بِنَفْسِي؛ لأَنِّي أُحِبُّ الشَّرَّ وَالْأَذَى.»

فَتَرَدَّدَ النَّاسِكُ فِي قَبُولِ هذا الشَّرْطِ لَحْظَةً ، وَلكِنَّ «رَفانا» لَوَّحَ لَهُ بِبَرِيقِ الذَّهَبِ الْخَاطِفِ، وَقَالَ لَهُ: «كُلٌّ هذا مِلْكٌ لَكَ، مَتَى أَظْفَرْتَنِي بِما طَلَبْتُهُ.»

فَصاحَ «ساميتي» قائلا، وَالْأَلَمُ يَحِزُّ فِي نَفْسِهِ: لَكَ مَا أَمْلِكُ مِنْ حَيَوَانٍ، فَاصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ.»

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَتَجَدَّدَتْ مَطامِعُهُ، وَزَادَتْ رَغَبَاتُهُ؛ فَاتَّجَهَ لِرَسُولِ الشَّرِّ «رفانا» قائلا: أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ إِمبراطورًا. أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لِي أَكبَرُ جَيْشِ فِي الدُّنْيَا. أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ. أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ مَلِكَ مُلُوكِ الْهِنْدِ» جَمِيعًا، لَا يُنَازِعُنِي فِي سُلْطَانِي كَائِنْ كَانَ.»

فَأَجَابَهُ «رَفانا»: «فِي قُدْرَتِي أَنْ أَمْنَحَكَ جَمِيعَ ما تَطْلُبُ، وَلكِنْ عَلَى أَنْ تُفَوِّضَ لِي الْأَمْرَ فِي رَعِيَّتِكَ، وَتَهَبَ لِيَ حَيَاةَ شَعْبِكَ وَخَدَمِكَ؛ لِأَعِيَثَ فِي الْبِلادِ فَسَادًا، وَأَشِيعَ فِي جُمْهُورِهِمُ الطَّاعُونَ.»

فَقَالَ «ساميتي» مُتَنَهّدًا مَحْزُونًا: «أَلَيْسَ لِي مَعْدِى وَلَا مَفَرٌ عَنْ بَذْلِ هَذِهِ التَّضْحِياتِ، لِأَفُوزَ بِمَا أُرِيدُ؟»

فَأَجَابَهُ رَفانا»: «لا شَيْءَ يَضْطَرُّكَ إِلَى بَذْلِ الْفِداء؛ فَابْقَ - كما أَنْتَ – أميرًا، وَانْظُرْ إِلَى الْإِمْرَاطُورِ مَلِكِ الْمُلُوكِ) وَما يَكْتَنِفُهُ ما يُحِيطُ بِهِ مِنْ أُنَّهَةٍ وَعَظَمَةٍ وَبَهْجَةٍ، وَلْتَمْتَلِيُّ نَفْسُكَ حَسْرَةً حِينَ تَرَى جِيَادَهُ الْمُسَوَّمَةَ خَيْلَهُ الرَّشِيقَةَ الْفَاخِرَةَ، وَتَشْهَدُ مَوْكِبَهُ الْحَاشِدَ، وَأَفْيَالَهُ الضَّخْمَةَ، وَقَدْ وَطِئَتْكَ وَداسَتْكَ بِأَقْدامِها، أَوْ أَثَارَتْ فِي وَجْهِكَ ذَرَّاتٍ مِنَ الْغُبَارِ وَرَدَادًا مَنَ الطَّيْنِ.»

فَصاحَ «ساميتي»: «گلا، كَلَّا ، لَا أُرِيدُ أَنْ أَقْهَرَ ، وَلا أُحِبُّ أَن أُغْلَبَ أَبَدًا؛ بَلْ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ أَقْوَى إِنْسَانٍ فِي عَصْرِي أَنْ أُصْبِحَ إِمْرَاطُورَ الْهِنْدِ» (مَلِكَ مُلُوكِها).

مَا دُمْتَ مُصِرًّا عَلَى رَأْيِكَ فَاصْنَعْ بِشَعْبِي مَا بَدا لَكَ.»

فابْتَهَجَ رَفانا»: رَسُولُ الشَّرِّ ، وَشَيْطانُ الْأَذَى، وَقَهْقَهَ ضَاحِكًا مَسْرُورًا بِمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ نجاحٍ وَتَوْفِيقِ. وَمَا ارْتَقَى «ساميتي» عَرشَهِ الْإِمبراطورِيَّ، حَتَّى أَشَاعَ «رَفانا» فِي شَعْبِهِ الْوَبَةُ، وَنَشَرَ الطَّاعُونَ بَيْنَهُمْ؛ فَأَهْلَكَ النَّاسَ، وَحَصَدَهُمْ وُحْدانًا وَزَرَافَاتٍ أَفْنَاهُمْ أَفْرَادًا وجماعاتٍ)، دُونَ أَنْ يُبَالِيَ «سامِيتِي» آلامَهُم وَمَصارِعَهُمْ.

وهكذا اعْتَصَمَ «سامِيتِي» (احْتَمَى بِقَصْرِهِ الْإِمْرَاطُورِيِّ الْفَاخِرِ المَنيف (العالي)، الَّذِي يَتَلَأَلأُ بِالذَّهَبِ الْخَالِصِ وَالْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ، وَأَصْبَحَ إِمبراطورًا مُسَيْطِرًا عَلَى الْعِبَادِ، يَهَابُهُ النَّاسُ، وَيُمَجِّدُ قُوَّتَهُ الْجُنُودُ، وَيَهْتِفُونَ لَهُ مِلْءَ حَناجِرِهِمْ. وَاشْتَدَّ عُجْبُهُ وَخُيلاؤُهُ، وَتَضاعَفَ زَهْوُهُ وَكِبْرِياؤُهُ، وَشَغَلَتْهُ لِذَائِذُ الدُّنْيَا، وَأَنْساهُ مَتَاعُ الْغُرُورِ آلَامَ النَّاسِ وَمَصائِبَهُمْ، وَأَغْرَاهُ ضَعْفُهُمْ؛ فَطَغَى وَتَجَبَّرَ، وَتَمادَى فِي ظُلْمِهِ، بَعْدَ أَنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ إِلَهَا وَالنَّاسُ لَهُ عَبِيدٌ.

وَذا صَبَاحٍ فَكَرَ فِي نَفْسِهِ مَلِيًّا تَأَمَّلَ طَوَيلًا ) ، وَقَدْ أَنْساهُ حُبُّ الْحَيَاةِ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَقَالَ مُتَحَسِّرًا: «وَا أَسَفا عَلَيْكَ يا ساميتي»! إِنَّ الْمَوْتَ سَيَخْطَفُكَ كما خَطَفَ غَيْرَكَ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ يُنْقِذَكَ مِنْ عَائِلَتِهِ شَيْءٌ، وَسَتَكُونُ نِهايتُكَ الْفَناء ، وَتَرِدُ حَوْضَ الْمَنِيَّةِ (الْمَوْتِ)، الَّذِي وَرَدَهُ الْأَنَاسِيُّ فِي جَمِيعِ الْعُصُورِ.

فَكَيْفَ تُطِيقُ هذا الْمَصِيرَ؟ كَيْفَ تَرْضَى لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْفَانِينَ الْهَالِكِينَ؟ كَلَّا ، لا يُطِيقُ هَذِهِ الْخَاتِمَةَ الْمُحْزِنَةَ الْفَاجِعَةَ عاقِلٌ، وَلَا يَرْضَاهَا لِنَفْسِهِ رَاشِدٌ.»

ثُمَّ صَرَخَ «سامِيتِي» يَدْعُو «رَفانا» راجِيًا ضارِعًا أَنْ يَهَبَ لَهُ بَقَاءَ التَّأْبِيدِ (يَمْنَحَهُ عَيْشَ الْخُلُودِ). فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَفانا»، وَقَالَ لَهُ وَهُوَ يُقَطِّبُ حَاجِبَهُ: «ماذا تُرِيدُ؟ أَلَمْ تَظْفَرْ مِنَ الْأَمَانِي بِما لَمْ يَظْفَرُ بِهِ أَحَدٌ؟ هَلْ بَقِيَتْ لَكَ رَغْبَةٌ لَمْ تُقْضَ بَعْدُ؟»

فَقَالَ «ساميتي»: «نَعَمْ، أُرِيدُ أَنْ تَهَبَ لِيَ الْخُلُودَ!»

فَأَجَابَهُ: «إِذَنْ تُرِيدُ أَنْ تَشْرَكَ إِلَهَكَ فِي صِفَةِ الْبَقَاءِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِها؟ هذا أَمْرٌ عَزِيزٌ الْمَنَالِ، بَعِيدُ الْإِدْراكَ.

وَلكِنِّي أُحَقِّقُهُ لَكَ، إِذا قَبِلْتَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْ تَرْضَى – فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ – بِهَلَاكِ أَهْلِكَ وَعَشِيرَتِكَ، وَأَنْ تَكُونَ مَصَارِعُهُمْ عَلَى يَدَيْكَ.»

فقال «ساميتي»: «أَمَّا هذا فَلا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنِّي أَبَدًا.»

فَأَجَابَهُ رَفانا» ساخِرًا: «دَعْنِي - إِذَنْ - هَادِثًا ، وَلا تُزْعِجْنِي بِنِدَائِكَ إِيَّايَ مَرَّةً أُخْرَى.»

وَمَرَّتِ السُّنُونَ، وَانْقَضَتِ الْأَعْوَامُ مُتَعَاقِبَةً، وَظَلَّ بَطَلُ قِصَّتِنا «سامِيتِي» يُقاوِمُ ذَلِكَ الْإِغْرَاءَ؛ وَلكِنَّ الشَّيْخُوخَةَ لَمْ تَلْبَتْ أَنْ أَدْرَكَتْهُ، تَسْعَى إِلَيْهِ بِخُطُواتٍ مُسْرِعَةٍ حَثِيثَةٍ. فَلَمَّا شَعَرَ بِدُنُو أَجَلِهِ قُرْبِ مَوْتِهِ ، وَأَحَسَّ أَنَّ شَبَحَ الْمَوْتِ يَقْتَرِبُ مِنْهُ، وَيَجِدُّ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ، أَنْسَتْهُ أَنَانِيَّتُهُ حُبُّهُ ذاتَهُ) كُلَّ شَيْءٍ ؛ فَصاحَ يَدْعُو «رَفانا»، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَمَّا يُرِيدُ.

فَقَالَ لَهُ: «أَهْلِكْ مَنْ شِئْتَ مِنْ عَشِيرَتِي، وَهَيِّئْ لِيَ الْخُلُودَ بَعْدَ ذَلِكَ.»

وَهُنا سَمِعَ «ساميتي» هاتفًا يَهْتِفُ بِهِ مِنَ السَّمَاءِ: «لَقَدْ كَثُرَتْ ذُنُوبُكَ وَآثَامُكَ، وَامْتَلَأَ الْكَيْلُ بِخَطاياكَ، وَاسْتَحْفَقْتَ اللَّعْنَةَ جَزَاءَ ما أَسْرَفْتَ فِي ضَلَالِكَ وَبَغْيِكَ. لَقَدْ كَانَ فِي قُدْرَتِكَ أَنْ تَعِيشَ أَسْعَدَ مَخْلُوقٍ : تَحُفُّكَ الْمَهابَةُ وَالْجَلالُ. وَلكِنَّكَ – وَقَدِ انْزَلَقْتَ مَرَّةً فِي طَرِيقِ الشَّرِّ – لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُقَاوِمَ تَيَّارَهُ الْجَارِفَ؛ فَدَفَعَتْكَ الْخُطْوَةُ الْأُولَى إِلَى مَا بَعْدَها مِنْ خُطُوَاتٍ، انْتَهَتْ بِكَ إِلَى هَذِهِ الْخاتِمَةِ الْمُحْزِنَةِ، فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْوُقُوفَ فِي ذلِكَ الْمُنْحَدَرِ الْهاوِي السَّحِيق. وَأَسْلَمَتْكَ غَيَّتُكَ وَضَلالُكَ إِلَى مَا تَرَاهُ، فَسَوَّلَتْ لَكَ أَنْ تَقْتَرِفَ إِثْمًا بَعْدَ إِثْمٍ؛ فَلَمْ تَتَوَرَّعْ عَنِ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ مَهْمَا عَظْمَتْ.

أَتَصْبُو إِلَى الْخُلُودِ نَفْسُكَ؟ حَسَنًا. سَتَظْفَرُ بِطِلْبَتِكَ هَذِهِ، وَسَتَبْقَى لَكَ وَلِأُسرَتِكَ الْحَيَاةُ أَبَدًا. ما دامَ قَلْبُكَ فِي مِثْلِ صَلابَةِ الصَّخْرَةِ، فَلْيَكُنْ جِسْمُكَ الْآدَمِيُّ صَخْرَةً أَيْضًا، مِثْلَ قَلْبِكَ. أَلَا وَلْتُمْسَخْ مَع جَمِيعِ مَنْ ضَحَّيْتَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِكَ تَمَاثِيلَ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَلِيَنامُوا جَمِيعًا فِي سَلَامٍ وَادِعِينَ، أَمَّا أَنْتَ فَلْتَبْقَ رُوحُكَ خَالِدَةً فِي تِمْثَالِكَ الصَّخْرِيِّ؛ لِتَكُونَ مَثَلًا نافِعًا، وَعِظَةً نَاطِقَةً لِمَنْ يَقْتَفِي آثَارَكَ مِنَ الْباغِينَ الظَّالِمِينَ، وَيَرْتَضِي سُنَّتَكَ (يختارُ طَرِيقَتَكَ مِنَ الْعَادِينَ (الْمُعْتَدِينَ).»

فَقالَ مَلِكُ «بنارِسَ»: «ما أَعْجَبَ ما رَوَيْتَ - أَيُّهَا الْحَكِيمُ الْعَظِيمُ - فَإِنَّ مَا قَصَصْتَهُ عَلَيْنَا مِنْ شَرَهِ «سامِيتِي» وأَنَانِيَّتِهِ، وَتَفَانِيهِ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى لَدَائِذِ الدُّنْيَا الْخَادِعَةِ، وَمَا إِلَى ذلِكَ مِنَ النَّقائِصِ الْمَرْذُولَةِ : لا يَقِلُّ غَرَابَةً عَمَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ مِنْ وَفَاء مَلَكِ الدَّوْحَةِ»، وَإِنْكَارِهِ ذَاتَه وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ، وَما إِلَى هذا مِنَ الْمَزَايَا النَّبِيلَةِ.»

لَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ شَنَاعَةِ سَاكِنِ الصَّخْرَةِ» وَفَعَالِهِ الذَّميمِ، بِقَدْرِ مَا عَرَفْنَا مِنْ نَبالَةِ ساكِنِ الدَّوْحَةِ» وَخُلُقِهِ الْكَرِيمِ.

وَإِنَّ فِي هَاتَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ – عَلَى وَجازَتِهِما بِرَغْمِ اخْتِصارِهما)، وَاخْتِلَافِ قَصْدَيْهما، وَتَبَايُنِ غَايَتَيْهِما – لَدَرْسًا بَلِيعًا نَافِعًا لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَحِكمَةً سَامِيَةً لِمَنْ وَعَى، وَآيَةً نَاطِقَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ.»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH