الغراب الطائر


Ochishجدول المحتويات
الْغُرَابُ الطَّائِرُالْغُرَابُ الطَّائِرُ
قالَ أَبُو الْغُصْنِ: عَبْدُ اللَّهِ جُحا»: إِنَّهَا شَائِعَةٌ غَرِيبَةٌ، سَمِعْتُها ذاتَ يَوْمٍ. هَيْهاتَ أَنْ أَنْساهَا، أَوْ أَنْسَى مَغْزاها! لَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِها عَلَى كَثْرَةِ مَا سَمِعْتُ مِنَ الشَّائِعاتِ. كَذَّبْتُ أُذُنَيَّ أَوَّلَ الْأَمْرِ، فَطَلَبْتُ مِنْ مُحَدِّثِي أَنْ يُعِيدَها. أَعادَها عَلَيَّ كَما هِيَ، لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ. خُلاصَةُ الشَّائِعَةِ، كَما رواها مُحَدِّثِي: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَعِيشُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَقَدْ لَبِثَ مَعَها سِنِينَ ينْتَظِرُ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالذُّرِّيَّةِ، حَتَّى كَادَ يَيْأَسُ. تَحَقَّقَ لَهُ ما كَانَ يُرِيدُ: وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ، وَلَكنَّها وَلَدَتْ غُرَابًا! وَجَلَسَ الْغُرَابُ يَتَحَدَّثُ إِلَى أُمِّهِ – بَعْدَ ولادَتِهِ - ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَارَ، وَغَابَ عَنِ الْأَبْصَارِ! شائِعَةٌ لا يَخْتَلِفُ عاقِلانِ فِي أَنَّهَا أُكْذُوبَةٌ مُخْتَلَقَةٌ. سَأَلْتُ مُحَدِّثِي عَمَّنْ أَفْضَى إِلَيْهِ بِالشَّائِعَةِ. قالَ مُحَدِّثِي: «سَمِعْتُها الْبَارِحَةَ مِنْ فُلانٍ!» قُلْتُ لَهُ: «كَيْفَ صَدَّقْتَهُ فِيمَا قَالَ؟» قالَ لِي: «هُوَ عِنْدِي راو أَمِينٌ، لَا شَلَّ فِي صِدْقِهِ.» ذَهَبْتُ إِلَى فُلانٍ هُذا أَسْأَلُهُ: كَيْفَ جازَ فِي فَهْمِكَ أَنْ تَلِدَ امْرَأَةٌ غُرَابًا، وَأَنَّ الْغُرَابَ تَحَدَّثَ - بَعْدَ وِلادَتِهِ - ثُمَّ طَارَ، وَعَابَ عَنِ الْأَنْظَارِ؟! قالَ الرَّجُلُ: «مَنْ أَخْبَرَكَ بِهذا، يا أَبَا الْغُصْنِ؟» قُلْتُ: «أَخْبَرَنِي بِهِ فُلانٌ، وَأَكَّدَهُ لِي كُلَّ التَّأْكِيدِ، بَعْدَ أَنْ زَعَمَ أَنَّكَ أَفْضَيْتَ بِهِ إِلَيْهِ، كَما رَوَاهُ.» قالَ فِي دَهْشَةِ الْمُسْتَنْكِرِ: «كَيْفَ نَقَلَ عَنِّي هذا الْكَلامَ؟! أَنا لَمْ أَرْوِ الْخَبَرَ عَلَى هُذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي تَرْوِيها. ناقِلُ الْخَبَرِ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا فِي نَقْلِ ما سَمِعَهُ مِنِّي. أَبَى نَاقِلُ الْخَبَرِ إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى مَا سَمِعَ وَيَتَزَيَّدَ. أَنا لَمْ أَقُلْ: إِنَّ الْغُرَابَ تَحَدَّثَ – بَعْدَ وِلادَتِهِ – ثُمَّ طَارَ. كُلُّ ما قُلْتُهُ: أَنَّ الزَّوْجَةَ وَلَدَتْ غُرَابًا، وَأَنَّ الْغُرَابَ مَشَى - بَعْدَ وِلادَتِهِ – خُطُواتٍ قَلِيلَةً، ثُمَّ مات.» قُلْتُ لِنَفْسِي: كَيْفَ وَلَدَتِ الزَّوْجَةُ غُرَابًا؟ سَأَلْتُ صَاحِبِي: «مِمَّنِ اسْتَقَيْتَ هُذَا الْخَبَرَ؟» قالَ الرَّجُلُ: «الْحَقَّ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ فُلانٍ.» ذَهَبْتُ إِلَى فُلانٍ الثَّانِي أَسْأَلُهُ: «كَيْفَ جازَ - فِي فَهْمِكَ – أَنْ تَلِدَ آدَمِيَّةٌ غُرَابًا يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ، أَوْ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ؟» قالَ لِي: «عَلَى مَهْلِكَ، يَا أَبَا الْغُصْنِ». لا تَتَعَجَّلْ - يا صاحِبِي – فِي الْحُكْمِ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ما أَكْثَرَ ما يَتَقَوَّلُ النَّاسُ، وَيَتَزَيَّدُونَ فِيمَا يَسْمَعُونَ. كُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ نَاقِلَ الْخَبَرِ كَانَ غَيْرَ صَادِقٍ فِيمَا نَسَبَهُ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثٍ، كَشَأْنِ الْكَثِيرِينَ مِنْ أَمْثَالِهِ. أَنا لَمْ أَرْوِ الْخَبَرَ عَلَى هُذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي قَصَصْتَها لَوْ أَنَّنِي سَمَحْتُ لِنَفْسِي أَنْ أَرْوِيَ الْخَبَرَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، لَحَسِبَنِي النَّاسُ مَعْتُوهَا أَوْ مَخْبُولاً، لا يَعْرِفُ ماذا يَقُولُ. أَبَى صاحِبِي إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى الْخَبَرِ، وَيَتَزَيَّدَ فِيهِ. لَمْ يَكُنْ أَمِينًا فِي نَقْلِ ما سَمِعَهُ مِنِّي عَلَى أَي حال. لَمْ أَقُلْ: إِنَّ الْغُرَابَ مَشَى بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. الْغُرابُ - فيما عَرَفْتُ - وُلِدَ سَاكِنًا لا يَتَحَرَّكُ. الْغُرَابُ لَمْ يَمْشِ خُطْوَةً واحِدَةً، لَمَّا وُلِدَ. الْغُرَابُ لَمْ يَعِشْ. لَقَدْ مَاتَ عَلَى أَثَرِ وِلادَتِهِ. هذا كُلُّ ما قُلْتُهُ لِصاحِبِي، يا أَبَا الْغُصْنِ.» سَأَلْتُ صَاحِبِي: «مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا الْخَبَرِ الْعَجِيبِ؟» قالَ لِي: «الْحَقُّ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَنِي بِهِ فُلانٌ.» حِرْتُ فِي كُلِّ مَا سَمِعْتُ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَدِّقَ مَا يُقالُ. كَيْفَ تَلِدُ إِنْسَانَةٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ غُرَابًا، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الطَّيْرِ. أَصْرَرْتُ عَلَى أَنْ أَتَعَرَّفَ الْحَقِيقَةَ الصَّحِيحَةَ، وَلا أَرْكَنَ إِلَى مَا يُشِيعُهُ النَّاسُ مِنْ أَقَاوِيلَ، وَإِنْ كَانَتْ أَبَاطِيلَ! ذَهَبْتُ إِلَى فُلانٍ الثَّالِثِ أَسْأَلُهُ. أَحالَنِي عَلَى رَابِعٍ. ذَهَبْتُ إِلَى الرَّابِع أَسْأَلُهُ. أَحالَنِي عَلَى خَامِس. هُكَذا: ظَلِلْتُ أَتَقَقَّى الْأُكْذُوبَةَ الشَّائِعَةَ، مِنْ حَامِسٍ إِلَى سادس، ومِنْ سَادِس إِلَى سابع. حَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَتَتَبَّعَ مَصَادِرَ الشَّائِعَةِ؛ لَعَلِّي أَتَبَيَّنُ حَقِيقَةَ مَا حَدَثَ فِي هُذِهِ الْقِصَّةِ، عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ. كانَ عَجَبِي يَشْتَدُّ مِنْ تَضَارُبِ الْأَخْبَارِ، وَتَناقُضِ الرِّواياتِ. واحِدٌ يَزْعُمُ: أَنَّ الْغُرَابَ كَلَّمَ أُمَّهُ حِينَ وَلَدَتْهُ، ثُمَّ طَارَ. وَثَانٍ يَزْعُمُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَلِدْ غُرَابًا، كَما أشاعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ وَلَدَتْ طَائِرًا يُشْبِهُ الْغُرَابَ! وَثَالِثُ يَزْعُمُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَلِدْ فِي الْحَقِّ غُرَابًا، وَلا طَائِرًا يُشْبِهُ الْغُرَابَ؛ bَلْ وَلَدَتْ جِسْمًا لَهُ وَجْهُ غُرَابٍ! وَرَابِعُ يَدَّعِي أَنَّ جِسْمَ الْغُرَابِ صَارَ فِي حَجْمِ إِنْسَانٍ. وَخَامِسٌ يَقُولُ: «بَل وَلَدَتْ طَائِرًا عَجِيبَ الْخِلْقَةِ، لَمْ يَشْهَدِ النَّاسُ مِثْلَهُ، لَهُ وَجْهُ إِنْسَانٍ، وجِسْمُ غُراب!» وسادس وسابِعٌ يَقُولانِ شَيْئًا غَيْرَ مَا قَالَهُ الْآخَرُونَ. ظَلَّتِ الْأُكْذُوبَةُ الشَّائِعَةُ تَنْكَمِشُ وَتَتَضاءَلُ وَتَتَناقَصُ. انْتَهَى بِيَ الْبَحْثُ إِلَى لِقاء والدِ الطِّفْلِ الَّذِي دَارَتْ حَوْلَهُ الشَّائِعَةُ. مِنْ عَجائِبِ الاِتِّفَاقِ؛ أَنَّهُ كَانَ مِنْ صَفْوَةِ أَصْدِقَائِيَ الْقُدامَى. كَانَ يُدْعَى: «أبا الْفَضْلِ». كُنْتُ أَرْتَادُ نَدْوَتَهُ بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ. كَانَ مِثالًا لِلْوَفاء والذَّكاء. كانَتْ فُرْصَةً سَائِحَةً لِشُهُودِ نَدْوَتِهِ. أَسْرَعْتُ إِلَى بَيْتِهِ. رَأَيْتُهُ جَالِسًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. كانُوا يَتَسامَرُونَ فِي دَارِهِ، عَلَى عَادَتِهِمْ فِي لَيالِي الْجُمَعِ. حَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ مِنْ أَبِي الْفَضْلِ» نَفْسِهِ. أَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِمَا زَعَمَتْهُ الشَّائِعَةُ مِنَ الْخَبَرِ الْعَجِيبِ. اشْتَدَّتِ الدَّهْشَةُ مِمَّا قُلْتُ. أَغْرَقَ الرَّجُلُ وَضُيُوفُهُ فِي الضَّحِكِ. لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنْ يَصِلَ الْبَلَهُ وَالْغَباءُ بِبَعْضِ النَّاسِ إِلَى تَناقُلِ أَمْثَالِ هُذِهِ الخرافات. «بِرَبِّكَ أَخْبِرْهُ أَنْتَ بِجَوابِ سُؤَالِهِ!» ابْتَسَمَ الرَّجُلُ. قالَ فِي دَهْشَةٍ واسْتِنْكار: ما أَعْجَبَ ما يَتَمَيَّزُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ بَلاهَةٍ وَسَدَاجَةٍ. إِلَيْكَ قِصَّةَ الْغُرَابِ الطَّائِرِ الَّتِي حَيْرَكَ أَمْرُها. إِلَيْكَ حَقِيقَةَ مَا حَدَثَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ: مُنْذُ أَيَّامٍ، أَخْبَرَنِي «أَبُو الْفَضْلِ» هذا أَنَّ زَوْجَتَهُ وَضَعَتْ مَوْلُودًا ظَرِيفًا، بَعْدَ أَنْ طالَ انْتِظارُهُ لِيَمُنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالْوَلَدِ. سَأَلْتُهُ: «ماذا اختارَ لِوَلِيدِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ؟» قَالَ: «سَمَّيْتُهُ خالِدًا»، آمِلًا أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لِدُعَائِي، وَيُحَقِّقَ فِيهِ رَجَائِي، فَيُطِيلَ عُمْرَهُ.» حَلَا بَيْنَنَا السَّمَرُ. طالَ بِنا السَّهَرُ. قالَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ: سَيَعِيشُ وَلَدُكَ «خالِدٌ» – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – عُمْرًا طَوِيلًا، أَطْوَلَ مِنْ عُمْرِ الْغُرَابِ» قُلْتُ لِـ «أَبِي الْفَضْلِ» أُداعِبُهُ وَأُمَازِحُهُ: «سَيَمُدُّ اللَّهُ فِي عُمْرِ هُذَا الْغُرَابِ، حَتَّى يَكُونَ أَطْوَلَ مِنَ الْغِرْبانِ عُمْرًا!» هذا كُلُّ مَا حَدَثَ، يَا أَبَا الْغُصْنِ». لَمْ أَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ أَنْقُصْ. كانَ هذا الْحِوارُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ. لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَنِ أَكْثَرُ مِنْ أُسْبُوعِ واحِدٍ. مَا أَعْجَبَ مَا يَكْذِبُ النَّاسُ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَيَزِيدُونَ! ضَلَّ مَنْ يُصَدِّقُ الظُّنُونَ. واللَّهِ فِي خَلْقِهِ شُئون!» الْتَفَتَ الرَّجُلُ بَعْدَ قَلِيلٍ، يُسائِلُنِي مُتَعَجِّبًا: «لَسْتُ أَدْرِي – يا «أَبَا الْغُصْنِ» – كَيْفَ شَوَّهَ النَّاسُ هُذِهِ الدُّعابَةَ؟ كَيْفَ حَوَّلُوا فِيها وَغَيَّرُوا، وَبَدَّلُوا وَدَوَّرُوا؟ كَيْفَ تَمَادَوْا فِي خَيالِهِمْ؛ فَأَشَاعُوا عَنِ الْمَوْلُودِ أَنَّهُ غُرَابٌ، وَأَنَّهُ تَحَدَّثَ إِلَى أُمِّهِ – بَعْدَ وِلادَتِهِ – ثُمَّ طَارَ، وَلَمْ يَزَلْ يَطِيرُ حَتَّى غابَ عَنِ الْأَبْصارِ؟ لَسْت أَدْرِي مِمَّنْ أَتَعَجَّبُ: أَمِنَ الَّذِينَ تُسَوِّلُ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ تَلْفِيقَ الْأَكَاذِيبِ، وَصُنْعَ الشَّائِعاتِ وَالْأَعاجِيبِ، أَمْ مِنَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ كُلَّ مَا يُقالُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُحَالِ؟» اسْتَوْلَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى الْحَاضِرِينَ. الْتَفَتَ إِلَيْنَا «أَبُو الْفَضْلِ»، مُتَمَثَّلًا بِقَوْلِ الْقَائِلِ: هُمُ نَقَلُوا - عَنِّي - الَّذِي لَمْ أَفُهُ بِهِ وَمَا آفَةُ الْأَخْبَارِ إِلَّا رُواتُها!
الْعُصْفُورُ النَّاطِقُالْعُصْفُورُ النَّاطِقُ
قالَ أَبُو الْغُصْنِ: عَبْدُ اللَّهِ جُحا»: «عُدْتُ إِلَى بَيْتِ أَبِي الْفَضْلِ بَعْدَ أُسْبُوعِ، فَتَذَاكَرْنَا فِي مَجْلِسِهِ شَأْنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يَحْتَفِظُونَ بِالسِّرِّ، وَشَأْنَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ كُلَّ شَائِعَةٍ، كَأَنَّهُمُ الْبَبْغاواتُ، تُرَدِّدُ كُلَّ ما تَسْمَعُ دُونَ فَهْمٍ.» فَقالَ أَحَدُ الْجُلَسَاءِ: عِنْدِي قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ سَمِعْتُها، وَسَأَقُدُّها عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً وَتَذْكِرَةً. عاشَ فِي مَدِينَةِ «واسط» رَجُلٌ اسْمُهُ الضَّاحِكُ». كَانَ شَدِيدَ الْوُثُوقِ بِصَاحِبِ لَهُ، يُدْعَى: «الصَّامِتَ». كانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ أَوْفَى النَّاسِ وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى الاحْتِفاظِ بِالسِّرِّ. دَبَّ إِلَى قَلْبِهِ الشَّلُّ فِيمَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ. قالَ لِنَفْسِهِ: «ماذا عَلَيَّ إِذا خَبَرْتُ أَخْلاقَ «الصَّامِتِ»، لِأَتَعَرَّفَ مَدَى قُدْرَتِهِ عَلَى الاحتفاظ بالسر؟» رَأَى أَلَّا يُضِيعَ الْفُرْصَةَ. ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ «الصَّامِتِ». طَرَقَ بِابَهُ. زِيارَةٌ مُفاجِئَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الَّليْلِ، لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُها صَاحِبُهُ. اسْتَيْقَظَ «الصَّامِتُ» - مِنْ نَوْمِهِ - مُتَعَجِّبًا. سَأَلَ زَائِرَهُ الصَّدِيقَ عَمَّا أَهَمَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. تَظَاهَرَ الضَّاحِكُ» بِالْجِدِّ والاِهْتِمَامِ بِما حَضَرَ مِنْ أَجْلِهِ. «لَدَيَّ سِرٌّ خَطِيرٌ. أَطْمَعَنِي خُلُقُكَ الْكَرِيمُ - يَا أَخِي - فِي أَنْ أُفْضِيَ بِهِ إِلَيْكَ. أَنا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّكَ لَنْ تُخْبِرَ بِهِ كَائِنًا مَنْ كان.» أَجَابَهُ الصَّامِتُ»: «ما أَجْدَرَنِي بِثِقَتِكَ، يا «ضاحِكُ»! لَيْسَ أَكْتَمَ لِلسِّرِّ مِنِّي، وَلا أَصْوَنَ لَهُ. قُلْ، فَأَنا أَسْمَعُ.» قال «الضاحِكُ»: «لَسْتُ أَرْتابُ فِي وَفائِكَ، وَلا أَشُكٍّ فِي إِخائِكَ. ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ. كُلُّ ما أَخْشَاهُ أَنْ تَدْفَعَكَ غَرَابَةُ ما تَسْمَعُ إِلَى الْإِفْضاءِ بِهِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، مِنْ خُلَصَائِكَ وَأَصْفِيائِكَ. إِذَنْ يَذِيعَ بَيْنَ النَّاسِ الْأَمْرُ، وَيَفْتَضِحَ عَنْدَهُمُ السِّرُّ.» قالَ «الصَّامِتُ»: «لا تَخْشَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لَنْ يَنْتَقِلَ سِرُّكَ مِنْ صَدْرِي إِلَى كَائِنٍ كانَ، مِنَ الْإِنْسِ أَوْ مِنَ الْجانِّ. اِعْتَمِدْ - يا «ضاحِكُ» - عَلَيَّ، وَأَفْضِ بِهِ إِلَيَّ.» قالَ الضَّاحِكُ»: «ما كَانَ أَعْجَبَهَا مُفاجَأَةً! مُنْذُ لَحَظاتٍ: وَضَعَتْ زَوْجَتِي... ماذا أَقُولُ، يا أَخِي؟ أَيُّ دَاهِيَةٍ دَهِمَتْنِي؟ أَيُّ خَيْبَةِ أَمَلٍ أَصَابَتْنِي؟ أَتُراكَ مُصَدِّقِي إِذا قُلْتُ لَكَ: إِنَّ زَوْجَتِي وَلَدَتْ عُصْفُورًا! نَعَمْ. وَلَدَتْ عُصْفُورًا. عُصْفُورًا وَلَدَتْهُ زَوْجَتِي مُنْذُ لَحَظاتٍ! لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ بَلْوانا أَحَدٌ مِمَّنْ يُقِيمُونَ حَوْلَنَا. حَمِدْنَا اللَّهَ عَلَى أَنَّنا لَمْ نَدْعُ قابِلَةً لِتَتَوَلَّى تَوْلِيدَ زَوْجَتِي. بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ، كما يقُولُ الْمَثَلُ. حَرَضْنَا عَلَى أَنْ نَكْتُمَ الْخَبَرَ عَنِ النَّاسِ جَمِيعًا، حَتَّى الْأَقْرِباءُ، لَوْ ذَاعَ النَّبَأُ لَأَصْبَحْنا هَدَفًا لِسُخْرِيَةِ السَّاخِرِينَ، وَشَمَاتَةِ الشَّامِتِينَ. لَا تَسَلْ - يا «صامِت» - عَنْ دَهْشَتِي وَحَيْرَتِي تُجاهَ الْمُفاجَأَةِ. كَادَ يُذْهِلُنِي الْمُصَابُ الْفَادِحُ الَّذِي لا أَعْلَمُ لَهُ مَثِيلًا. تَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي. ضاقَ بِالسِّرِّ الْمُزْعِجِ صَدْرِي. لَمْ أَجِدْ أَحَدًا سِواكَ يُسَرِّي عَنِّي، وَيُفَرِّجُ كُرْبَتِي. أَتُرَانِي أَخْطَأْتُ حِينَ قَرَّرْتُ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِهُذَا السِّرِّ الْخَطِيرِ، لِتُشَارِكَنِي فِي حَمْلِهِ وَالاحْتِفاظِ بِهِ؟» أَقْبَلَ الصَّامِتُ» عَلَى الضَّاحِكِ» يُعَزِّيهِ وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ مُصابَهُ وَيُسَلِّيهِ. لَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى آنَسَ وَحْشَتَهُ، وَفَرَّجَ كُرْبَتَهُ. تَظَاهَرَ الضَّاحِكُ» بِشُكْرِ صَاحِبِهِ عَلَى وَفَائِهِ وَإِخْلاصِهِ. عادَ الضَّاحِكُ» إِلَى بَيْتِهِ، يَتَرَقَّبُ فِي صَباحِ لَيْلَتِهِ، نَتِيجَةَ مُحاوَلَتِهِ. أَتَدْرُونَ ماذا صَنَعَ الصَّامِتُ» بَعْدَ خُرُوجِ صَاحِبِهِ؟ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى فِرَاشِهِ، لِيَنْعَمَ بِالنَّوْمِ. جَلَسَ يَسْتَعِيدُ ما قَالَهُ الضَّاحِكُ»، حَرْفًا حَرْفًا. اشْتَدَّ بِهِ الْعَجَبُ. سَاوَرَهُ الْقَلَقُ مِمَّا سَمِعَ. ضاقَ صَدْرُهُ أَيَّمَا ضِيقٍ بِسِرِّ صَاحِبِهِ الضَّاحِكِ». طارَ النَّوْمُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَطالَ بِهِ الْأَرَقُ وَالْقَلَقُ. ظَلَّ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ، لَا يَقَرُّ لَهُ قَرارٌ. لَمَحَتْ زَوْجَةُ «الصَّامِتِ» دَلائِلَ الْحَيْرَةِ وَالْهَمِّ عَلَى وَجْهِهِ. دَفَعَهَا الْفُضُولُ إِلَى تَعَرُّفِ سِرِّهِ الَّذِي أَقْلَقَهُ وَأَرَّقَهُ. أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ مُتَوَدِّدَةَ، تَسْأَلُهُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَيْها بِما أَهَمَّهُ وَأَضْجَرَهُ، وَشَغَلَ بِالَهُ وَأَسْهَرَهُ. أَبَى «الصَّامِتُ» أَنْ يَنْطِقَ بِحَرْفٍ. لاذَ بِالسُّكَاتِ. زادَ الصَّمْتُ مِنْ فُضُولِ الزَّوْجَةِ الْحَيْرَى. ضَاعَفَ مِنْ شَوْقِهَا إِلَى تَعَرُّفِ السِّرِّ الْكَمِينِ. رَجًا «الصَّامِتُ» زَوْجَتَهُ أَنْ تَتْرُكَهُ، لا تَسْأَلُهُ فِي أَمْرِهِ. زادَ رَجَاؤُهُ لَها مِنْ فُضُولِها؛ ضَاعَفَتْ مِنْ إِلْحَافِها. ضَيَّقَتْ عَلَيْهِ مَسالِكَ الْهَرَبِ مِنْ سُؤَالِهَا الْمُتَوَاصِلِ. ضاقَ «الصَّامِتُ بِإِلْحَاحِها، فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يَقُولُ: «يَا لَهُ مِنْ سِرِّ خَطِيرٍ، اسْتَوْدَعَنِيهِ صَاحِبِي، وَاسْتَأْمَنَنِي عَلَيْهِ! ماذا أنا صانِعٌ؟! كَيْفَ أَخُونُ وُدَّهُ، وَأَنْقُضُ عَهْدَهُ؟ كَلَّا: لا سَبِيلَ إِلَى إِذاعَةِ سِرِّهِ: هَيْهاتَ ذَلِكَ هَيْهاتَ!!» كانَتْ زَوْجَتُهُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ، لَمْ تَفُتْها كَلِمَةٌ مِمَّا كَانَ يُناجِي بِهِ نَفْسَهُ، فَاعْتَزَمَتْ أَنْ تُصَارِحَهُ بِما سَمِعَتْ. أَقْبَلَتْ عَلَى زَوْجِها باسِمَةً. قالَتْ لَهُ مُتَوَدِّدَةً: «مَا أَكْرَمَ نَفْسَكَ، وَأَنْبَلَ خُلُقَكَ، وَأَعْظَمَ وَفَاءَكَ! أَنْتَ عَلَى حَقٌّ فِيمَا تَقُولُ، يا زَوْجِيَ الْعَزِيزَ. ما أَبْعَدَكَ عَنِ الْغَدْرِ! مَا أَجْدَرَكَ بِكِثْمَانِ السِّرِّ! سَمِعْتُ ما تُناجِي بِهِ نَفْسَكَ فِي خَلْوَتِكَ. إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبُوحَ بِسِرِّكَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. إِنَّ وَاجِبَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلِ الْحَازِمِ أَنْ يَحْتَفِظَ بِسِرِّهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَبُوحَ بِهِ إِلَّا لِمَنْ يَخافُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَخافُ عَلَى نَفْسِهِ.» قالَ «الصَّامِتُ»: «لَسْتُ أَفْهَمُ مَا تَقُولِينَ، فَأَفْصِحِي!» قالَتِ الزَّوْجَةُ: «إِنَّ شَرِيكَةَ الرَّجُلِ فِي الْحَيَاةِ، تَرْعَى سِرَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْعاهُ. فَإِنَّ كُلَّ مَضَرَّةٍ تُصِيبُهُ تَعُودُ عَلَيْها شَرًّا. لِلزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا – كَما تَعْلَمُ - شَأْنٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ غَيْرِها. لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْوَفاءِ أَنْ يَحْجُبَ عَنْهَا زَوْجُها سِرًّا، مَهْمَا يَكُنْ فِي ذَلِكَ السِّرِّ مِنْ خَطَرٍ. وَاجِبُ الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجَتِهِ عَلَى ثِقَةٍ وَطْمَأْنِينَةٍ.» تَأَثَّرَ «الصَّامِتُ» بِمَنْطِقِ زَوْجَتِهِ. أَقْبَلَ عَلَيْها قَائِلًا: «ما شَكَكْتُ فِي إِخْلاصِكِ – يا عَزِيزَتِي – لَحْظَةً وَاحِدَةً. أَنْتِ - حَقًّا - مِثالُ الزَّوْجَةِ الْكامِلَةِ، الرَّشِيدَةِ الْعَاقِلَةِ. كُلُّ ما أَخْشَاهُ: أَنْ تَدْفَعَكِ غَرَابَةُ السِّرِّ إِلَى الْإِفْضاءِ بِهِ إِلَى بَعْضِ مَنْ تَثِقِينَ بِعُقُولِهِنَّ، مَنْ صَواحِبِكِ وَجَاراتِكِ. إِذَنْ يَذِيعَ فِيمَنْ حَوْلَنَا الْأَمْرُ، وَيَفْتَضِحَ السِّرُّ.» قالَتِ الزَّوْجَةُ: «هذا وَهُمْ باطِلٌ، لا مَجالَ لِاِفْتِرَاضِهِ. لَيْسَ لَكَ عُذْرٌ – فِي تَرَدُّدِكَ – بَعْدَ أَنْ خَبَرْتَ مَا فِي أَخْلاقِي مُنْذُ عَرَفْتَنِي إِلَى الْيَوْمِ - مِنْ تَمَسُّكِ بِالْوَعْدِ، وَحِفاظ عَلَى الْعَهْدِ. كُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ وَفائِي لَكَ، وَإِخْلاصِي نَحْوَكَ!» فَكَّرَ الصَّامِتُ فِي الْأَمْرِ، وَقالَ لِنَفْسِهِ: «لَيْسَ مِنْ حَقّي أَنْ أَرْتابَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقُولُهُ زَوْجَتِي.» اقْتَنَعَ الصَّامِتُ». لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي الْإِفْضاءِ بِسِرِّهِ إِلَى زَوْجَتِهِ. أَرَاحَ صَدْرَهُ مِمَّا أَثْقَلَهُ مِنْ سِرِّ خَطِيرٍ، فَأَشْرِكَ فِيهِ زَوْجَتَهُ. زالَتْ أَسْبابُ السَّهَرِ وَالْقَلَقِ، بَعْدَ أَنْ فَرَّجَ هَمَّهُ، وَخَلَّصَ نَفْسَهُ. اسْتَسْلَمَ «الصَّامِتُ لِلْمَنامِ، وَهامَ فِي عَالَمِ الْأَحْلامِ. لَمْ تَهْدَأُ زَوْجَةٌ «الصَّامِتِ». حالَفَها السَّهَرُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. جَثَمَ عَلَى صَدْرِها السِّرُّ. ضاقَ صَدْرُها بِحَمْلِهِ، كَما ضاقَ صَدْرُ الصَّامِتِ» مِنْ قَبْلُ. عَبَثًا حاوَلتْ أَنْ تَجِدَ إِلَى النَّوْمِ سَبِيلًا. لَمْ تَرَ بُدًّا مِنْ تَفْرِيجِ كَرْبِها، وَالْإِفْضاءِ لِجَارَتِها بِسِرِّها. لَمْ تُطِقْ أَنْ تَصْبَرَ إِلَى الصَّبَاحِ. أَسْرَعَتْ إِلَى بَيْتِ جَارَتِها. طَرَقَتْ بابها. أَيْقَظَتْها مِنْ لَذِيذ رُقادِها. صَحَتِ الْجَارَةُ مِنْ نَوْمِها مُفَزَّعَةً. سَأَلَتْ زَوْجَةَ الصَّامِتِ»: «ماذَا أَتَى بِكَ فِي هذا الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ مِنَ اللَّيْلِ؟!» دارَ بَيْنَ الْجَارَتَيْنِ حِوارٌ طَوِيلٌ، حَوْلَ السِّرِّ الْخَطِيرِ. أَقْسَمَتِ الْجَارَةُ لَتَكْتُمَنَّ سِرَّ جَارَتِها، وَلَتَحْتَفِظَنَّ بِحِكَايَتِها. اطْمَأَنَّتْ زَوْجَةُ «الصَّامِتِ». أَفْضَتْ إِلَى جَارَتِها بِما سَمِعَتْهُ، بَعْدَ أَنْ زَادَتْ فِيهِ: أَنَّ الضَّاحِكَ سَمَّى وَلَدَهُ: «غَنْدُورًا». رَجَعَتْ زَوْجَةُ «الصَّامِتِ إِلَى بَيْتِهَا، نَاعِمَةَ الْبَالِ. هَدَأَتْ ثَائِرَتُها، بَعْدَ أَنْ أَفْضَتْ بِالسِّرِّ إِلَى جَارَتِها. أَسْرَعَتْ إِلَى فِراشِهَا، وَاسْتَسْلَمتْ لِلنَّوْمِ عَيْناها... لَمْ تَنَمْ جَارَةُ الصَّامِتِ». اِشْتَدَّ بِها الْقَلَقُ. أَثْقَلَ صَدْرَها حَمْلُ السِّرِّ. لَمْ تُطِقْ صَبْرًا إلَى الصَّبَاحِ. أَسْرَعَتْ إِلَى جَارَتِها، تَطْرُقُ بابَها وَتُوقِظُها، وَتُفْضِي إِلَيْهَا بِمَا سَمِعَتْ مِنْ زَوْجَةِ الصَّامِتِ» بَعْدَ أَنِ اسْتَوْثَقَتْ مِنِ احْتِفاظِهَا بِالسِّرِّ. لَمْ تَرْوِ الْخَبَرَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي سَمِعَتْهُ مِنْ جارَتِها الْأُولَى. أَضَافَتْ جَارَةُ «الصَّامِتِ» إِلَى مَا سَمِعَتْهُ مِنْهَا وَتَزَيَّدَتْ. زَعَمَتْ أَنَّ الضَّاحِكَ» أَلْبَسَ وَلِيدَهُ طُرْطُورًا. ذَهَبَتِ الْجَارَةُ الثَّالِثَةُ إِلَى الْجَارَةِ الرَّابِعَةِ. لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُبْقِيَ السِّرَّ فِي صَدْرِهَا كِمِينًا. لَمْ يَخْتَلِفْ شَأْنُها عَنْ شَأْنِ الْجَارَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. أَضافَتِ الثَّالِثَةُ إِلَى مَا سَمِعَتْ. تَزَيَّدَتْ فِيما رَوَتْ. زَعَمَتْ أَنَّهَا رَأَتِ الضَّاحِكَ» يَطُوفُ بِمَوْلُودِهِ وَيَدُورُ. اسْتَيْقَظَ الضَّاحِكُ مِنْ نَوْمِهِ، فِي صَبَاحٍ يَوْمِهِ. خَرَجَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ. أَفْزَعَهُ مَا سَمِعَ مِنْ أَفْوَاهِ جِيرَانِهِ. السِّرُّ يَتَناقَلُهُ رُوَاتُهُ مُتَنادِرِينَ، وَيَتَقَبَّلُهُ سَامِعُوهُ مُصَدِّقِينَ. يَقُولُ مَنْ عَرَفَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ: «أَلَمْ تَسْمَعْ نَبَأَ الضَّاحِكِ؟» يَسْأَلُهُ الْآخَرُ مُتَلَهِّفَا، تَوَّاقًا إِلَى الْخَبَرِ مُتَشَوِّقًا: «ماذَا حَدَثَ لَهُ؟» يُجِيبُهُ الْأَوَّلُ: «أَلَا تَعْرِفُ أَنَّ زَوْجَةَ الضَّاحِكِ وَلَدَتْ عُصْفُورًا، وَسَمَّتْهُ غَنْدُورًا»؟ أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ أَبَاهُ أَلْبَسَهُ طُرْطُورًا؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ أَقامَ لَهُ حَفْلًا مَشْهُورًا؟ أَلَمْ تَرَهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِهِ فِي الطُّرُقاتِ مُبْتَهِجًا مَسْرُورًا؟» الآنَ عَرَفَ الضَّاحِكُ» كَيْفَ عَجَزَ الصَّامِتُ عَنِ الْوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وَالاحْتِفَاظِ بِسِرِّهِ، عَلَى غَيْرِ الْمُنْتَظَرِ مِنْهُ! كَذَلِكَ عَرَفَ الضَّاحِكُ» كَيْفَ انْتَشَرَ الْخَبَرُ، مَعَ اسْتِحَالَةِ وُقُوعِهِ؟ كَيْفَ غَابَ عَنِ «الصَّامِتِ» – كَما غابَ عَنِ الرُّواةِ - أَنَّ الْآدَمِيَّةَ لَا تَلِدُ عُصْفُورًا، وَأَنَّ «الضَّاحِكَ عَزَبٌ، لَمْ يَتَزَوَّجْ بَعْدُ؟
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.