حكاية·HIKOYA

عجيبة وعجيبة

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy6 bob34 daqiqa
عجيبة وعجيبة
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.تَمْهِيدُ الْقِصَّةِ
  2. 2.وَصِيُّ الْمَلِكَةِ
  3. 3.صِرَاعُ الْأَسَدِ
  4. 4.مُفَاجَأَةٌ مُذْهِلَةٌ
  5. 5.قِصَّةُ «مُقْبِلِ»
  6. 6.عِقَابُ الْأَثِيمِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُتَمْهِيدُ الْقِصَّةِ

كَانَ الْمَلِكُ «غَالِبٌ» مُولَعًا بِفُنُونِ الرِّيَاضَةِ وَالسِّبَاحَةِ (الْعَوْمِ) ، مَشْغُوفًا بِالصَّيْدِ وَالسِّيَاحَةِ، مُغْرَمًا بِاقْتِنَاءِ كَرَائِمِ الْجِيَادِ الْخَيْلِ) ، مُقْبِلًا عَلَى جَمْعِ النَّخَائِرِ وَالْعَتَادِ (مَا أُعِدَّ مِنْ دَوَابَّ وَسِلَاحٍ، وَأَدَوَاتِ الْحَرْبِ وَالْكِفَاحِ).

وَكَانَ ثَاقِبَ الرَّأْيِ أَلْمَعِيًّا ( يَظُنُّ الظَّنَّ كَأَنَّمَا رَأَى وَسَمِعَ)، كَرِيمَ النَّفْسِ أَحْوَذِيًّا (يَسُوقُ الْأُمُورَ أَحْسَنَ مَسَاقٍ، وَلَا يَعْيَا بِحَلِّ مَا تَعَقَّدَ مِنَ الْمَشَاكِلِ وَالْمُعْضِلَاتِ). كَانَ مِثَالَ الشَّجَاعَةِ وَالْحَزْمِ، وَنَمُوذَجَ الْإِقْدَامِ وَالْعَزْمِ. لَمْ يُقَصِّرْ يَوْمًا فِي إِسْدَاءِ مَعْرُوفٍ، وَلَمْ يَتَوَانَ لَحْظَةً عَنْ إِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ.

شَرُفَتْ خِصَالُهُ، وَمَجْدَتْ خِلَالُهُ، وَتَجَلَّتْ فِيهِ فُتُوَّةُ الشَّبَابِ، وَأَنَاقَةُ الثَّيَابِ، وَجَمَعَ بَيْنَ جَمَالِ الْمَنْظَرِ، وَطَهَارَةِ الْمَخْبَرِ.

وَكَانَ جَوَادُهُ الْبَرْقُ» يَمْتَازُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ مَشْهُورِي الْجِيَادِ، بِالسُّرْعَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَشَاقٌ الْجِهَادِ، فِي مَيَادِينِ الْحَرْبِ وَالْجِلَادِ الْمُضَارَبَةِ بِالسُّيُوفِ). فَاخْتَصَّهُ بِمَزِيدٍ مِنَ الرِّعَايَةِ وَالتَّكْرِيمِ، وَالْإِعْزَازِ وَالتَّعْظِيمِ، وَزَيَّنَ سَرْجَهُ بِالْعَسْجَدِ (الذَّهَبِ)، وَحَلَّاهُ بِنَفَائِسِ الْجُمَانِ وَالزُّمُرُّدِ. وَلَمْ تَقِلَّ عِنَايَتُهُ بِسَيْفِهِ الْقَاطِعِ» عَنْ عِنَايَتِهِ بِجَوَادِهِ الْبَرْقِ»؛ فَتَأَنَّقَ فِي صَقْلِ فِرِنْدِهِ (جَوْهَرِهِ) ، وَتَزْيِينِ غِمْدِهِ (جِرَابِهِ) ، وَحَلَّاهُ بِالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالدُّرَرِ الْيَتِيمَةِ.

وَكَانَ يَحْلُو لَهُ أَنْ يَخْرُجَ - وَحْدَهُ - بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ مُمْتَطِيًا (رَاكِبًا) فَرَسَهُ: «الْبَرْقَ»، مُتَقَلَّدًا سَيْفَهُ: «الْقَاطِعَ» ؛ لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالَ الْعِبَادِ، وَيَرْتَادَ مَا شَاءَ مِنَ الْبِلَادِ.

وَقَدْ خَرَجَ الْمَلِكُ «غَالِبٌ» - فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ - يَحْدُوهُ شُعُورٌ خَفِيٌّ لَا يَعْرِفُ لَهُ مَصْدَرًا، وَيُلْهِبُهُ إِحْسَاسٌ غَامِضٌ لَا يَدْرِي لَهُ سَبَبًا ، وَتَحْفِزُهُ رَغْبَةٌ جَامِحَةٌ لَا يُطِيقُ لَهَا دَفْعًا؛ إِلَى التَّعْجِيلِ بِالْخُرُوجِ وَالْإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ، كَأَنَّمَا يَدْفَعُهُ الْقَدَرُ إِلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ؛ يُحِسُّ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ أَنَّ وَرَاءَهَا مُفَاجَأَةً غَرِيبَةً لَا عَهْدَ لَهُ بِمِثْلِهَا ؛ فَلَا يَفْتَأُ يَحْتَثُ جَوَادَهُ الْبَرْقَ» لِبُلُوغِهَا، حَتَّى لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَسُوقٌ إِلَى إِدْرَاكِ هَدَفٍ (غَايَةٍ ) ، أَوْ مَدْفُوعٌ لِنَجْدَةِ غَرِيقٍ مُشْرِفٍ عَلَى التَّلَفِ.

وَمَا زَالَ يَطْوِي الْفَيَافِيَ وَيَجْتَازُ الْأَوْهَادَ وَالْآكَامَ، حَتَّى غَادَرَ حُدُودَ بِلَادِهِ وَأَصْبَحَ فِي بِلَادِ جَارِهِ الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ». وَكَانَ التَّعَبُ قَدْ حَلَّ بِهِ؛ فَتَرَجَّلَ عَنْ جَوَادِهِ، وَجَلَسَ يَسْتَرِيحُ فِي ظِلَالِ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ وَارِفَةٍ مُمْتَدَّةِ الضَّلَالِ).

وَسُرْعَانَ مَا صَدَقَهُ شُعُورُهُ وَتَحَقَّقَتْ ظُنُونُهُ؛ فَلَمْ يَكَدْ يَسْتَقِرُّ بِهِ الْجُلُوسُ حَتَّى رَأَى فَتَاةً فِي مُقْتَبَلِ شَبَابِهَا - عَلَى قِيدِ ( مَسَافَةِ) خُطُوَاتٍ مِنْهُ - يَبْدُو عَلَى أَسَارِيرِهَا أَنَّهَا لَمْ تَتَجَاوَزِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهَا ؛ وَقَدْ جَلَسَتْ إِلَى جِذْعِ الشَّجَرَةِ التَّالِيَةِ، فِي أَسْمَالِهَا الْبَالِيَةِ، مَحْزُونَةً يَائِسَةً، مُتَجَهَّمَةَ الْوَجْهِ عَابِسَةً ، تَلُوحُ عَلَى مُحَيَّاهَا وَجْهِهَا) دَلَائِلُ الْأَلَمِ وَالنِّيقِ، وَالتَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ. وَقَدْ دَعَمَتْ رَأْسَهَا بِرَاحَتِهَا (كَفَّهَا)؛ مُسْتَسْلِمَةً لِهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا؛ فَلَمْ يَشُلَّ مَنْ رَآهَا فِي أَنَّهَا تُكَابِدُ مِنْ فَادِحَاتِ الْأَهْوَالِ وَخُطُوبِهَا ، مَا أَيْأَسَهَا وَغَلَبَهَا عَلَى أَمْرِهَا، وَأَذْهَلَهَا عَمَّا يَكْتَنِفُهَا أَنْسَاهَا مَا يُحِيطُ بِهَا ؛ فَلَمْ تَفْكُنْ لِقُدُومِ الْمَلِكِ «غَالِبِ» الَّذِي أَدْهَشَهُ مَا رَآهُ مُرْتَسِمًا عَلَى وَجْهِهَا، مِنْ هُمُومِهَا وَآلَامِهَا ، وَحَزَنَهُ مَا تَرْتَدِيهِ (مَا تَلْبَسُهُ) مِنْ أَسْمَالٍ مُخَرَّقَةٍ، وَهَلَاهِيلَ مُمَزَّقَةٍ؛ بِرَغْمِ مَا يَبْدُو عَلَى قَسِمَاتِهَا مِنْ جَمَالٍ رَائِعٍ، وَشَبَابِ يَانِعٍ.

وَنَادَاهَا الْمَلِكُ فَلَمْ تُجِبْ، فَاقْتَرَبَ مِنْهَا مُتَلَطَّفًا، وَحَيَّاهَا مُتَعَطَّفًا؛ فَكَأَنَّمَا أَيْقَظَهَا صَوْتُهُ الرَّفِيقُ مِنْ سُبَاتٍ (نَوْمٍ) عَمِيقٍ.

وَمَا كَادَتِ الْفَتَاةُ تَنْتَبِهُ مِنْ نَوْمِهَا وَتُفِيقُ، حَتَّى أَسْرَعَتْ فَرَدَّتْ تَحِيَّةَ الْقَادِمِ الْكَرِيمِ، بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنْ حَفَاوَةٍ وَتَكْرِيمٍ، وَإِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ.

سَأَلَهَا الْمَلِكُ: «مَنْ تَكُونُ الْفَتَاةُ؟» فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ شَارِدَةَ اللُّبِّ ذَاهِلَةً، وَأَجَابَتْهُ قَائِلَةً: «تَسْأَلْنِي يَا سَيِّدِي مَنْ أَنَا أَنَا أَنَا. كَلَّا بَلْ أَنَا لَسْتُ إِيَّايَ أَنَا أَصْبَحْتُ شَخْصًا سِوَايَ! وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أَمْ كَانَ هُنَالِكَ أَمْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ، فَأَنَا أَجْهَلُ النَّاسِ بِجَوَابِ سُؤَالِكَ! تَحْسَبُنِي هَاذِيَةً أَوْ هَازِلَةً، أَوْ مَسْلُوبَةَ الْعَقْلِ ذَاهِلَةً لَوْ سَأَلْتَنِي قَبْلَ أَيَّامٍ لَأَجَبْتُكَ فِي غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا إِحْجَامٍ. أَمَّا الْآنَ، فَمَا أَدْرِي مَا يُقَالُ، وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُجِيبُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. أَنَا مَلِكَةٌ بِنْتُ مَلِكٍ أَنَا مَلِكَةٌ زَوْجُ مَلِكٍ كُنْتُ مَلِكَةً زَوْجَ مَلِكٍ . أَنَا عَجِيبَةُ». كُنْتُ عَجِيبَةَ». كُنْتُ الْمَلِكَةَ «عَجِيبَةَ». أَلَمْ تَسْمَعْ بِي؟ أَنَا بِنْتُ نَادِرٍ»: الْمَلِكِ نَادِرٍ». أَلَمْ تَسْمَعْ بِأَبِي ؟ أَنَا «عَجِيبَةُ». كُنْتُ «عَجِيبَةَ». كُنْتُ الْمَلِكَةَ «عَجِيبَةَ»: زَوْجَةَ «بِسْطَامٍ»: الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ». كُنْتُ زَوْجَةَ الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ». أَلَمْ تَسْمَعْ بِزَوْجِي؟

كَانَتْ هَذِهِ حَقَائِقَ لَا يَرْقَى إِلَيْهَا الشَّلُّ مُنْذُ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ فِي عِدَادِ الْأَبَاطِيلِ وَالْأَوْهَامِ. كَانَ النَّاسُ يَرَوْنَهَا حَقَائِقَ ثَابِتَاتٍ، فَالْيَوْمَ يَرَوْنَهَا مُفْتَرَيَاتٍ وَخُزَعْبَلَاتٍ (أَكَاذِيبَ تَافِهَاتٍ وَأَخْبَارًا مُضْحِكَاتٍ) . أَلا مَا أَعْجَبَ تَصَارِيفَ الْقَدَرِ، وَمَا تُطَالِعُنَا بِهِ الْأَيَّامُ مِنْ عِظَاتٍ وَعِبَرَ! لَقَدْ كَادَتْ تُشَكِّكْنِي فِي حَقِيقَةِ أَمْرِي، وَتُقْنِعُنِي أَنَّ عَجِيبَةَ» شَخْصٌ غَيْرِي!»

فَدَهِشَ الْمَلِكُ غَالِبٌ» مِمَّا سَمِعَ ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَا تَعْنِيهِ الْفَتَاةُ، وَحَسِبَهَا مَجْنُونَةً تَهْذِي تَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ الْمَعْقُولِ). وَرَأَى أَمَامَهُ فَتَاةً تَاعِسَةً، مُتَبَرِّمَةً بِالْحَيَاةِ يَائِسَةً، جَهَدَهَا التَّعَبُ وَالْإِعْيَاءُ، وَرَنَّحَهَا الْبُؤْسُ وَالشَّقَاءُ، شَارِدَةَ اللُّبِّ ذَاهِلَةً، تَرْتَجِزُ قَائِلَةً:

«الدَّاهِيَةُ الدَّهْوَاءُ السَّاحِرَةُ الرَّقْطَاءُ

فِي بَيْتِي، وَهْيَ غَرِيبَهُ، ظَهَرَتْ فِي شَكْلِ «عَجِيبَهُ»

غَيْرِي أَصْبَحَ إِيَّايَهُ وَأَنَا أَصْبَحْتُ سِوَايَهْ.»

وَهُنَا ارْتَعَشَ صَوْتُهَا وَتَهَدَّجَ، وَاحْتَبَسَ الْكَلَامُ فِي حَلْقِهَا وَحَشْرَجَ، وَأَلَحٌ عَلَيْهَا السُّقْمُ وَالضَّنَى اشْتَدَّ بِهَا الْمَرَضُ) ، وَفَاضَتْ بِهَا اللَّوْعَةُ وَالْأَسَى الْحُزْنُ)؛ فَكَادَتْ نَفْسُهَا تَتَسَاقَطُ أَنْفُسًا كَادَتْ رُوحُهَا تَخْرُجُ نَفَسًا فِي إِثْرِ نَفْسٍ).

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا يُهَدِّئُ مِنْ رُوعِهَا يُطَمْئِنُ قَلْبَهَا وَيُؤَانِسُهَا ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهَا وَيُلَاطِفُهَا؛ حَتَّى إِذَا هَدَأَتْ ثَائِرَتْهَا ، وَرَقَأَتْ دُمُوعُهَا (جَفَّتْ ) ، سَأَلَهَا أَنْ تُفْضِيَ إِلَيْهِ (تُخْبِرَهُ) بِشِكَايَتِهَا، وَوَعَدَهَا أَنَّهُ لَنْ يُقَصِّرَ فِي مُنَاصَرَتِهَا، وَلَنْ يَدَّخِرَ جُهْدًا فِي مُعَاوَنَتِهَا. وَاسْتَشَفَّتِ الْفَتَاةُ مِنْ لَهْجَتِهِ ، وَانْدِفَاعِهِ فِي حَمَاسَتِهِ، صِدْقَ مُرُوعَتِهِ . فَقَالَتْ : شَدَّ مَا أَعْجَزَنِي شُكْرُكَ، وَإِنْ كَانَتْ نَظَرَاتُكَ الْمُسْتَرِيبَةُ (الْمُتَشَكَّكَةُ) تُشْعِرُنِي بِمَا يُضْمِرُهُ قَلْبُكَ مِنْ شَكٍّ وَرِيبَةٍ.

وَلَسْتُ أَلُومُ سَيِّدِي عَلَى مَا تَنْطِقُ بِهِ عَيْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ تُصَرِّحْ شَفَتَاهُ. فَهَلْ يَأْذَنُ لِي سَيِّدِي فِي تَفْسِيرِ مَا أَلْغَزْتُ، وَتَفْصِيلِ مَا أَوْجَزْتُ؟»

فَقَالَ الْمَلِكُ: «مَا أَشْوَقَنِي إِلَى ذَلِكِ!»

الْفَضْلُ الثَّانِيوَصِيُّ الْمَلِكَةِ

«أَنَا عَجِيبَةُ». هَذَا هُوَ اسْمِي. أَنَا وَحِيدَةُ الْمَلِكِ نَادِرٍ» وَهُوَ أَبِي، لَمْ يُنْجِبْ سِوَايَ. فَلَمَّا مَاتَ اجْتَمَعَ سَرَاةُ الدَّوْلَةِ (أَعْيَانُهَا وَمُمَتِّلُو الشَّعْبِ، وَنَادَوْا بِي مَلِكَةً، وَاخْتَارُوا لِي وَصِيًّا يَقُومُ بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ رَيْثَمَا أَبْلُغُ سِنَّ الرُّشْدِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بُدٌ (مَفَرُّ)، فَلَمْ أَكُنْ - حِينَئِذٍ - أَعْدُو (أُجَاوِزُ الرَّابِعَةَ مِنْ عُمْرِي.

وَقَدِ اخْتَارُوا عَلِيًّا وَزِيرَ أَبِي لِلْوِصَايَةِ. وَلَمْ يَمْضِ زَمَنْ قَلِيلٌ حَتَّى تَزَوَّجَ مُرْضِعَتِي. وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالدُّرْبَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَحُسْنِ الْفَهْمِ وَالدِّرَايَةِ، كَمَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالْحَزْمِ وَبُعْدِ الْهِمَّةِ، وَالْعَزْمِ وَطَهَارَةِ الذِّمَّةِ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْعِنَايَةِ بِأَمْرِي، وَلَمْ يَدَّخِرْ وُسْعًا فِي الْإِشْرَافِ بِنَفْسِهِ عَلَى تَرْبِيَتِي وَتَثْقِيفِي وَتَزْوِيدِي - مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ – بِمَا يُؤَخِّلُنِي لِلاضْطِلَاعِ - فِي قَابِلِ أَيَّامِي - بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ. وَمَا زَالَ يُولِينِي صَادِقَ النُّصْحِ، وَيَمْحَضُنِي خَالِصَ الْوُدِّ، حَتَّى بَلَغْتُ سِنَّ الرُّشْدِ، وَأَصْبَحْتُ قَادِرَةً عَلَى الْقِيَامِ بِشُئُونِ الدَّوْلَةِ، وَالنُّهُوضِ بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى ارْتِقَائِي عَرْشِ أَبِي غَيْرُ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ.

وَهُنَا تَنَكَّرَ لِيَ الدَّهْرُ، وَجَانَبَنِي التَّوْفِيقُ، وَخَذَلَنِيَ الْحَظُ، فَانْقَلَبَ السَّعْدُ نَحْسًا، وَتَحَوَّلَ الْهَنَاءُ شَقَاءً.

كَانَ لِي عَمُّ يُدْعَى الْأَمِيرَ مُوَفَّقًا»، قُتِلَ فِي إِحْدَى الْمَعَارِكِ الْحَرْبِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَتَوَلَّى قِيَادَتَهَا، وَلَمْ يَرْتَبْ لَمْ يَشُلَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ فَارَقَ الْحَيَاةَ ، بَعْدَ أَنْ وُلِدْتُ بِعَامَيْنِ. وَمَرَّتْ عَلَى وَفَاتِهِ السِّنُونَ وَالْأَعْوَامُ، ثُمَّ ظَهَرَ فَجْأَةً فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. ظَهَرَ - وَمَا أَدْرِي كَيْفَ ظَهَرَ - بَعْدَ أَنْ قُبِرَ وَانْدَثَرَ!

وَمَا كَادَ أَصْدِقَاؤُهُ وَأَصْفِيَاؤُهُ يَرَوْنَهُ عَائِدًا إِلَى مَمْلَكَتِهِ، بَعْدَ أَنْ قَطَعُوا الْأَمَلَ مِنْ عَوْدَتِهِ، حَتَّى انْحَازُوا إِلَيْهِ وَنَاصَرُوهُ ، وَهَتَفُوا بِهِ مَلِكًا عَلَى عَرْشِ أَبِي.

وَهَكَذَا نَشَبَتِ الثَّوْرَةُ ثَارَتْ وَاشْتَبَكَتْ) بَغْتَةً بِلَا مُقَدِّمَاتٍ.

وَعَبَثًا حَاوَلَ الْوَزِيرُ عَلِيٌّ»: الْوَصِيُّ النَّكِيُّ الْبَارِعُ الْوَفِيُّ، أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ ثَائِرَةِ الْمُفْسِدِينَ، بَعْدَ أَنْ تَعَهَّدَتْهَا دَسَائِسُ الْمُغْرِضِينَ. وَجَانَبَهُ التَّوْفِيقُ؛ فَلَمْ يَسْلُكْ سَبِيلًا لِإِخْمَادِهَا إِلَّا أَلْهَبَهَا وَزَادَ أَوَارَهَا . وَسُرْعَانَ مَا انْخَدَعَ جُمْهُورُ الشَّعْبِ بِوُعُودِ الْأَمِيرِ «مُوَفَّقِ»: فَآزَرُوهُ، وَبَذَلُوا لَهُ الْمَعُونَةَ وَنَاصَرُوهُ؛ حَتَّى ظَفِرَ بِالْمُلْكِ وَاسْتَتَبَّ لَهُ الْأَمْرُ. وَلَمْ يَبْقَ أَمَامَهُ إِلَّا أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنِّي لِيَصْفُوَ لَهُ الْجَقُّ، فَلَا يَشْغَلَ بَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنُشُوبِ ثَوْرَةٍ جَدِيدَةٍ، يُشْعِلُ نَارَهَا مَنْ بَقِيَ لِي مِنَ الْمُوَالِينَ الْمُخْلِصِينَ، مِنْ أَنْصَارِيَ الْقَلِيلِينَ.

وَلَكِنَّ الْوَزِيرَ عَلِيًّا» وَزَوْجَتَهُ - وَهِيَ مُرْضِعَتِي كَمَا أَسْلَفْتُ لَكَ الْقَوْلَ - فَطِنَا إِلَى مَكْرِهِ، وَلَمْ يَفُتْهُمَا مَا دَبَّرَهُ مِنْ فُنُونِ شَرِّهِ. فَحَزَمَا أَمْرَهُمَا ، وَعَقَدَا عَزْمَهُمَا، وَلَمْ يُضَيِّعَا شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِمَا.

وَكَتَبَ اللَّهُ التَّوْفِيقَ لَهُمَا، قَبْلَ أَنْ يَبْطِشَ الْمُعْتَصِبُ بِهِمَا. فَتَسَلَّلَا بِي لَيْلًا مِنْ بَابٍ خَفِيٌّ فِي بَعْضِ سَرَادِيبِ الْقَصْرِ ، وَمَشَيْتُ مَعَهُمَا فِي طَرَائِقَ مُتَشعّبَةٍ مُلْتَوِيَةٍ، وَمَسَالِكَ غَيْرِ مَطْرُوقَةٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمَا ؛ حَتَّى بَلَغْنَا حَاضِرَةَ الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ»، وَاسْتَقَرَّ بِنَا فِي أَرْضِهَا الْمُقَامُ.

وَكَانَ الْوَزِيرُ عَلِيٌّ» مُسْتَخْفِيًا فِي ثِيَابِ مُصَوِّرٍ ؛ لِيُوهِمَ مَنْ يَرَاهُ أَنَّهُ قَدِمَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ لِيَعِيشَ مِنْ فَنِّهِ، مَعَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ، وَهُمَا كُلُّ أُسْرَتِهِ.

كَانَ الْوَزِيرُ عَلِيٌّ» مُنْذُ طُفُولَتِهِ بَارِعًا فِي التَّصْوِيرِ؛ فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ ذَاعَ صِيتُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

وَقَدْ آثَرْنَا حَيَاةَ الْعَمَلِ، بِرَغْمِ مَا كَانَ فِي حَوْزَتِنَا مِنْ نَفَائِسِ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَضْمَنُ لَنَا - لَوْ شِئْنَا - أَرْغَدَ عَيْشٍ وَأَنْعَمَ حَيَاةٍ.

وَمَرَّتْ بِنَا الْأَيَّامُ مُتَعَاقِبَةً مُتَتَابِعَةً فِي حَيَاةٍ هَانِئَةٍ وَادِعَةٍ؛ نُنْفِقُ مِمَّا نَكْسِبُهُ مِنْ مِرْقَمِ الْوَزِيرِ عَلِيٌّ» (وَالْمِرْقَمُ: رِيشَةُ الرَّسَّامِ).

وَظَلِلْنَا آمِنِينَ مِنْ مُفَاجَاتِ الدَّهْرِ وَحَوَادِثِهِ، وَتَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ وَكَوَارِثِهِ، لَا يَشْغَلُ بَالَنَا - فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ - إِلَّا أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَيْنَا مَنْ أَرْصَدَهُمْ مُوَفِّقٌ» مِنْ عُيُونٍ وَأَعْوَانٍ، فِي كُلِّ مَكَانٍ.

وَمَضَى عَلَى هَذِهِ الْأَحْدَاثِ عَامَانِ؛ نَسِيتُ فِي خِلَالِهِمَا عَظَمَةَ الْمُلْكِ وَسَطْوَةَ الْجَاهِ، وَزَهِدْتُ فِيمَا يُحِيطُ بِهِمَا مِنَ الْأُبْهَةِ وَمَفَاتِنِ الْحَيَاةِ. وَكَانَ لِنَصَائِحِ الْوَزِيرِ «عَلِيٌّ» وَآرَائِهِ الْحَكِيمَةِ أَحْمَدُ الْأَثَرِ فِيمَا غَمَرَ قَلْبِي مِنْ سَكِينَةٍ، وَغَمَرَ نَفْسِي مِنْ طُمَأْنِينَةٍ. فَامْتَلَأَتْ نَفْسِي قَنَاعَةً وَزَهَادَةً ، فِيمَا فَقَدْتُهُ مِنْ هَنَاءَةٍ وَرَغَادَةٍ، وَلَمْ أَضِقْ بِمَا انْحَدَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ ذِرْوَةِ الْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ، إِلَى حَضِيضِ الْخُمُولِ وَالتَّعَاسَةِ. وَسُرْعَانَ مَا تَعَوَّدْتُ الْعَيْشَ فِي ظِلَالِ الْفَاقَةِ، كَمَا تَعِيشُ أَيُّ فَتَاةٍ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ.

وَهَكَذَا اطْمَأَنَّتْ بِيَ الْحَالُ، فَلَمْ أَعُدْ أَذْكُرُ الْمُلْكَ الْمَسْلُوبَ، وَالْعَرْشَ الْمَنْهُوبَ. وَازْدَادَتْ أُلْفَتِي لِهَذِهِ الْحَيَاةِ، وَنَفَضْتُ عَنْ نَفْسِي أَوْهَامَ الْجَاهِ؛ فَصِرْتُ كُلَّمَا عَرَضَتْ لِي ذِكْرَاهُ، شَعَرْتُ بِالرَّاحَةِ لِتَخَلُّصِي مِنْ أَعْبَائِهِ الثَّقَالِ، وَمَا يَجُرُّهُ مِنْ مَتَاعِبَ وَأَهْوَالٍ. وَأَحْسَسْتُ السَّعَادَةَ تَمْلَأُ قَلْبِي، بَعْدَ أَنْ وَفَقَنِي اللهُ لِطَرْحِ ذَلِكَ الْعِبْءِ الَّذِي ضَيَّقَ صَدْرِي، وَأَنْقَضَ ظَهْرِي. وَتَمَنَّيْتُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحَقِّقَ رَغْبَتِي، وَيُبَلِّغَنِي أُمْنِيَّتِي؛ فَأَقْضِيَ حَيَاتِي كُلَّهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، رَاضِيَةَ النَّفْسِ هَانِئَةَ الْبَالِ. وَلَكِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ وَحُكْمَهُ غَالِبَانِ ، لَا سَبِيلَ إِلَى رَبِّهِمَا، وَلَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ فِي دَفْعِهِمَا.

الْفَضْلُ الثَّالِثُصِرَاعُ الْأَسَدِ

كَانَ الْمَلِكُ غَالِبٌ» يُتَابِعُ حَدِيثَ الْمَلِكَةِ عَجِيبَةَ» مُرْهِفًا أُذُنَيْهِ لِسَمَاعِ كُلِّ كَلِمَةٍ تَفُوهُ (تَنْطِقُ بِهَا، وَقَدْ سَرَتْ فِي جِسْمِهِ رِعْشَةٌ، وَتَنَازَعَهُ الْحُزْنُ وَالدَّهْشَةُ.

وَمَا بَلَغَتْ عَجِيبَةُ» ذَلِكَ الْمَدَى مِنْ قِصَّتِهَا، حَتَّى جَلْجَلَ فِي الْفَضَاءِ صَوْتٌ يُدَوِّي كَهَزِيمِ الرَّعْدِ، ذُعِرَتْ (خَافَتْ) مِنْهُ أَسْرَابُ الْوَحْشِ وَقُطْعَانُهُ، وَآرَامُ الْغَابِ وَغِزْلَانُهُ، يَحْفِزُهَا حُبُّ الْحَيَاةِ، إِلَى طَلَبِ النَّجَاةِ؛ فَتَجْرِي هَارِبَةً، مُتَدَافِعَةً مُتَوَاثِبَةً.

وَأَدْرَكَ الْمَلِكُ الشُّجَاعُ أَنَّ زَئِيرَ الْأَسَدِ قَدْ أَشَاعَ الرُّعْبَ فِي الْقُلُوبِ؛ فَمَا كَانَ أَسْرَعَهُ إِلَى مُلَاقَاتِهِ. وَرَآهُ يَنْطَلِقُ فِي سَيْرِهِ مُنْصَلِنَا كَالسَّهْمِ نَحْوَ الْفَتَاةِ التَّاعِسَةِ، كَأَنَّ لَهُ ثَأْرًا عِنْدَهَا، وَقَدْ كَادَ يَفْتَرِسُهَا لَوْلَا مَا أُوتِيَهُ الْمَلِكُ غَالِبٌ» مِنْ حُضُورِ بَدِيهَةٍ، وَخِفَّةِ حَرَكَةٍ، وَشَجَاعَةِ قَلْبِ، وَتَمَرُّسٍ بِفُنُونِ الصَّيْدِ وَالْحَرْبِ. وَلَا تَسَلْ عَنْ عَجَبِ الْأَسَدِ وَدَهْشَتِهِ، وَغَيْظِهِ وَغَضْبَتِهِ - وَهُوَ الْفَاتِكُ الْمُدِلُّ بِقُوَّتِهِ - حِينَ رَأَى رَجُلًا يَقِفُ فِي سَبِيلِهِ، وَيَعْتَرِضُهُ دُونَ غَايَتِهِ. وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا زَالَتِ الدَّهْشَةُ وَانْقَضَى الْعَجَبُ، وَحَلَّ الرُّعْبُ مَحَلَّ الْغَيْظِ وَالْغَضَبِ. فَمَا كَادَ يُصَاوِلُهُ وَيُوَائِبُهُ ، وَيُبَاعِدُهُ وَيُقَارِبُهُ، حَتَّى هَالَهُ مَا رَأَى مِنْ بَأْسِهِ وَقُوَّتِهِ، وَثَبَاتِهِ وَصِدْقِ عَزْمَتِهِ، وَرَشَاقَتِهِ فِي وَثْبَتِهِ، وَجُرْأَتِهِ فِي صَوْلَتِهِ. وَلَمْ تَنْقَضِ لَحَظَاتٌ قَلَائِلُ حَتَّى كَرَبَهُ وَأَتْعَبَهُ، وَجَهَدَهُ وَرَعَّبَهُ. وَرَأَى الْأَسَدُ أَمَامَهُ شُجَاعًا لَا كَالشُّجْعَانِ، وَفَارِسًا لَا نَظِيرَ لَهُ بَيْنَ الْفُرْسَانِ: فَارِسًا صَادِقَ الْجَوْلَةِ، مَرْهُوبَ الصَّوْلَةِ، مِنْ طِرَارٍ جَدِيدٍ، عَزْمُهُ أَصْلَبُ مِنَ الْحَدِيدِ ، وَبَأْسُهُ أَقْوَى مِنْ صُمِّ الْجَلَامِيدِ. فَتَبَدَّدَتْ آمَالُهُ، وَتَخَاذَلَتْ أَوْصَالُهُ، وَزَايَلَهُ الْإِقْدَامُ وَالْبَأْسُ (الْقُوَّةُ) ، وَحَلَّ مَكَانَهُمَا التَّرَدُّدُ وَالْيَأْسُ ، وَاشْتَدَّ بِهِ الضَّيْقُ، وَخَانَهُ التَّوْفِيقُ، وَعَزَّ عَلَيْهِ الاصْطِبَارُ ، فَرَكَنَ إِلَى الْفِرَارِ. وَرَأَى عَدُوَّهُ يُلَاحِقُهُ فِي الطَّلَبِ، وَيَسُدُّ عَلَيْهِ مَسَالِكَ الْهَرَبِ؛ فَعَادَ إِلَيْهِ مُنْدَفِعًا فِي ثَوْرَةِ الْيَائِسِ الْحَائِقِ؛ فَتَلَقَّاهُ بِضَرْبَةِ الْمُتَمَكِّنِ الْوَاثِقِ، وَعَاجَلَهُ بِسَيْفِهِ الْقَاطِعِ»، غَيْرَ رَاهِبِ وَلَا جَازِعٍ؛ فَقَسَمَ الْأَسَدَ قِسْمَيْنِ، وَشَطَرَ جِسْمَهُ نِصْفَيْنِ.

وَلَمْ تَسْتَغْرِقِ الْمَعْرَكَةُ غَيْرَ لَحَظَاتٍ، وَإِنْ خَيَّلَتْ أَهْوَالُهَا لِمَنْ يَرَاهَا أَنَّهَا اسْتَغْرَقَتْ سَاعَاتٍ. وَنَهَضَتْ عَجِيبَةٌ» مُرَوَّعَةً، كَأَنَّمَا تُفِيقُ مِنْ رُؤْيَا مُفَزِّعَةٍ؛ فَرَأَتْهُ رَابِطَ الْجَأْشِ ثَابِتَ الْقَلْبِ)؛ كَأَنَّهُ لَمْ يُحَارِبْ أَحَدًا، وَلَمْ يَقْتُلْ أَسَدًا!

فَلَهِجَتْ بِشُكْرِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا شُكْرًا وَلَا ثَنَاءً، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا بَعْدِ نَصْرِهِ الْحَاسِمِ، يُحَيِّيهَا بِوَجْهِ طَلْقٍ وَثَغْرٍ بَاسِمٍ؛ فَضَاعَفَتْ لَهُ الثَّنَاءَ؛ فَاصْطَبَغَ وَجْهُهُ بِالْخَجَلِ وَالْحَيَاءِ، وَقَالَ لَهَا فِي تَوَاضُعٍ وَاسْتِحْيَاءٍ: «مَا أَشْوَقَنِي يَا سَيِّدَتِي عَجِيبَةٌ»، إِلَى سَمَاعِ مَا بَقِيَ مِن قِصَّتِكِ الْغَرِيبَةِ.»

فَقَالَتِ الْفَتَاةُ: كَانَ الْوَزِيرُ عَلِيٌّ» - كَمَا قُلْتُ لَكَ - بَارِعًا فِي التَّصْوِيرِ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ اشْتَهَرَ فَنُّهُ وَذَاعَ صِيتُهُ. وَاجْتَمَعَ رَأْيُ النَّاسِ عَلَى الْإِعْجَابِ بِمَا كَانَ يُبْدِعُهُ مِنْ تَصَاوِيرَ زَيْتِيَّةٍ، وَأَلْوَاحٍ فَنِّيَّةٍ. وَمَا زَالَ يَرْتَقِي فِي مَدَارِجِ الشُّهْرَةِ حَتَّى سَمِعَ بِهِ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ»؛ فَاشْتَاقَ إِلَى زِيَارَةِ مُتْحَفِهِ. وَاشْتَدَّ إِعْجَابُهُ بِالْمُصَوِّرِ وَصُوَرِهِ، حِينَ رَأَى رَوَائِعَ ابْتِكَارِهِ، وَبَدَائِعَ تُحَفِهِ وَآثَارِهِ، وَأَطَالَ إِصْغَاءَهُ إِلَى دَقَائِقِ شَرْحِهِ وَأَخْبَارِهِ. وَدَفَعَنِيَ الْفُضُولُ إِلَى رُؤْيَةِ الزَّائِرِ الْجَلِيلِ؛ فَطَرَقْتُ بَابَ الْحُجْرَةِ مُسْتَأْذِنَةً فِي الدُّخُولِ. فَأَذِنَا لِي وَهُمَا مُسْتَغْرِقَانِ فِي حَدِيثِهِمَا، وَأَنَا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّنِي لَنْ أَظْفَرَ مِنِ انْتِبَاهِ الْمَلِكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَظْفَرُ بِهِ بِنْتُ مُصَوِّرٍ فَقِيرٍ مِنَ السُّوقَةِ عَامَّةِ النَّاسِ) . وَلَكِنْ شَدَّ مَا خَدَعَنِي ظَنِّي؛ فَمَا كَادَ يَنْظُرُ إِلَيَّ حَتَّى ظَفِرْتُ مِنِ انْتِبَاهِهِ بِأَضْعَافِ مَا قَدَّرْتُ ؛ حَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ عَابِرَةٌ أَلْقَاهَا عَلَيَّ خُلْسَةً، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ نَظْرَةً فَاحِصَةً نَفَاذَةً لَمْ يُثَنّهَا، غَادَرْتُ الْحُجْرَةَ عَلَى أَثَرِهَا.

وَتَظَاهَرَ الْمَلِكُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْطُنْ لِمَقْدَمِي، وَلَمْ يَشْعُرْ بِانْصِرَافِي؛ فَوَاصَلَ حَدِيثَهُ عَمَّا رَآهُ مِنْ بَدِيعِ الصُّوَرِ، مُخْفِيًا مَا تَرَكْتُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَمِيدِ الْأَثَرِ.

ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي وَتَوَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ زِيَارَاتُهُ.

وَلَمْ تَنْقَضِ بِضْعَةٌ أَيَّامٍ؛ حَتَّى اسْتَضَافَنَا الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» (أَنْزَلَنَا ضُيُوفًا عِنْدَهُ)، وَأَفْرَدَ لَنَا شِقَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ فِي قَصْرِهِ: إِحْدَاهُمَا لِمُتْحَفِنَا، وَالْأُخْرَى لِمَسْكَنِنَا. وَأَجْرَى عَلَيْنَا وَظِيفَةً كَبِيرَةً نَتَقَاضَاهَا كُلَّ شَهْرٍ مَنَحَنَا مُرَتَّبًا شَهْرِيًّا كَبِيرًا؛ مُتَظَاهِرًا بِرَغْبَتِهِ فِي تَشْجِيعِ «عَلِيٌّ»، تَقْدِيرًا لِفَنِّهِ الْعَبْقَرِيِّ.

وَلَمْ يَغِبْ عَنِ الْوَزِيرِ عَلِيّ» شَيْءٌ مِمَّا يُضْمِرُهُ الْمَلِكُ، مُنْذُ أَسْعَدَنَا بِزِيَارَتِهِ الْأُولَى. فَلَمَّا صَحَّتْ ظُنُونُهُ، وَتَأَكَّدَ لَهُ حَدْسُهُ وَتَخْمِينُهُ، كَاشَفَنِي بِرَأْيِهِ ، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ – يَا مَلِيكَتِيَ الْعَزِيزَةَ - مَا يُضْمِرُهُ لَكِ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» مِنْ تَجِلَّةٍ وَاحْتِرَامٍ. وَتَجَلَّى لَكِ كَيْفَ تَمَلُّكَهُ الْإِعْجَابُ بِمَا حَبَاكِ اللهُ بِهِ مِنْ مَوْفُورٍ فَضْلٍ، وَمَا مَيَّزَكِ بِهِ مِنْ رَجَاحَةِ عَقْلٍ، فَأَفْرَدَ لَنَا فِي قَصْرِهِ الْمُلُوكِيِّ أَرْحَبَ مَكَانٍ، وَلَنْ يَلْبَثَ أَنْ يُكَاشِفَكِ بِرَغْبَتِهِ فِي عَقْدِ الْقِرَانِ (الزَّوَاجِ). وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ إِيذَانٌ بِإِقْبَالِ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ نُضَيِّعَ الْفُرْصَةَ. فَهُوَ مَلِكٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، شَرِيفُ الْمَحْتِدِ كَرِيمُ الْأَصْلِ) ، لَا يَقِلُّ عَنْكِ جَلَالَ أُسْرَةٍ وَكَرَمَ مَوْلِدٍ.»

فَوَعَدْتُ الْوَزِيرَ بِتَلْبِيَةِ طِلْبَتِهِ، وَتَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ.

وَلَمْ يَلْبَثِ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ»، أَنْ كَاشَفَنِي بِرَغْبَتِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَأَسَرَّ إِلَيَّ عَزْمَهُ عَلَى اخْتِيَارِي شَرِيكَةً لَهُ فِي الْحَيَاةِ، وَفِيمَا يَمْلِكُ مِنْ سُلْطَانٍ وَجَاهِ.

فَشَكَرْتُ لَهُ مَا أَوْلَانِيهِ، وَمَا أَغْدَقَهُ عَلَيَّ مِنْ سَابِغِ نِعَمِهِ وَأَيَادِيهِ. وَسَنَحَتْ لِيَ الْفُرْصَةُ فَأَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا وَقَعَ لِي مِنْ فَوَاجِعَ وَمُلِمَّاتٍ، وَكَوَارِثَ فَادِحَاتٍ؛ فَعَظْمَ لِذَلِكَ هَمُّهُ، وَاشْتَدَّ أَلَمُهُ وَغَمُّهُ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ يُؤَسِّينِي يُصَبِّرُنِي وَيُسَلِّينِي)، وَيُسَرِّي عَنِّي وَيُعَزِّينِي.

ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ – كَتَبَ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَقِمَ لَكِ مِنْ غَاصِبٍ مُلْكِكِ، وَأَنَّ الْأَقْدَارَ الَّتِي أَسْعَدَتْنَا بِحُضُورِكِ قَدْ هَيَّأَتْ لَكِ فُرْصَةً لِلْقِصَاصِ مِنْ عَدُوِّكِ عَاجِلَةً، وَأَتَاحَتْ لَكِ هَنَاءَةً شَامِلَةً، وَسَعَادَةً كَامِلَةً. وَسَأُوفِدُ مَنْ يَأْمُرُ الْغَاصِبَ بِرَدِّ مَا اغْتَصَبَهُ مِنْكِ؛ فَإِذَا أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ، أَثَرْتُهَا عَلَيْهِ حَرْبًا لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، وَأَتَيْتُ بِهِ إِلَيْكِ نَادِمًا سَادِمًا ، بَادِيَ الذُّلِّ وَالضَّرَاعَةِ ، يَلْتَمِسُ مِنْكِ الْعَفْوَ وَالشَّفَاعَةَ.» فَضَاعَفْتُ لَهُ الثَّنَاءَ، وَانْطَلَقَ لِسَانِي بِالشُّكْرِ لَهُ وَالدُّعَاءِ. وَاحْتَفَلَتِ الْمَدِينَةُ بِزَوَاجِنَا أَيَّمَا احْتِفَالِ.

وَعَاوَدَتْنِي الطُّمَأْنِينَةٌ وَهُدُوءُ الْبَالِ، وَغَمَرَنِي الْفَرَحُ كَمَا غَمَرَ النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَاسْتَوْلَتِ الْبَهْجَةُ عَلَى نَفْسِي، كَمَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الشَّعْبِ الْوَفِيِّ الْأَمِينِ.

فَلَمَّا جَاءَ الْغَدُ ، أَوْفَدَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ أَحَدَ سُفَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِ فِيلٍ وَكَانَ «مُوَفَّقٌ» ضَعِيفًا بِالْقِيَاسِ إِلَى الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ» وَلَيْسَ لَهُ بِمُقَاوَمَتِهِ قُدْرَةٌ ، وَلَكِنْ تَظَاهَرَ أَمَامَ السَّفِيرِ بِالْبَأْسِ وَالْقُوَّةِ.

وَأَعْلَنَ لَهُ اسْتِنْكَارَهُ، وَاسْتِهَانَتَهُ بِمَنْ أَوْفَدَهُ وَاحْتِقَارَهُ، وَتَهَكُمَهُ بِوَعِيدِهِ، وَازْدِرَاءَهُ لِإِنْذَارِهِ وَتَهْدِيدِهِ.

وَعَادَ السَّفِيرُ إِلَى مَلِيكِهِ يُبْلِغُهُ رَفْضَ الْمُغْتَصِبِ؛ فَلَمْ يَتَرَدَّدِ الْمَلِكُ فِي حَشْدِ جَيْشِ لَجِبٍ (عَظِيمٍ). وَاشْتَدَّ سُخْطُهُ عَلَيْهِ؛ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ صَاغِرًا إِلَيْهِ، وَأَوْصَى قَائِدَ جَيْشِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُقَيَّدًا، مُكَبَّلًا بِالْأَغْلَالِ مُصَفَّدًا.

وَمَا كَادَ الْجَيْشُ يَتَأَهَّبُ لِلرَّحِيلِ، حَتَّى أَقْبَل عَلَيْنَا الرُّسُلُ يَحْمِلُونَ إِلَيْنَا نَبَأَ وَفَاةِ الْمُغْتَصِبِ، عَلَى أَثَرِ مَرَضٌ لَمْ يُمْهِلْهُ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَيُعْلِنُونَ إِلَيْنَا صِدْقَ طَاعَتِهِمْ وَخُنُوعِهِمْ، وَتَفَانِيَهُمْ فِي خُضُوعِهِمْ. فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِتَسْرِيحِ الْجَيْشِ، وَرَأَى أَنْ يُنِيبَ وَزِيرِي عَنِّي فِي إِدَارَةِ شُؤُونِ الْمَمْلَكَةِ بِاسْمِي.

الْفَضْلُ الرَّابِعُمُفَاجَأَةٌ مُذْهِلَةٌ

وَأَعَدَّ الْوَزِيرُ عَلِيٌّ» عُدَّةَ السَّفَرِ لِيَرْحَلَ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي. وَلَكِنَّ مُفَاجَأَةً مُذْهِلَةً لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوَقَّعُهَا حَالَتْ دُونَ سَفَرِهِ : مُفَاجَأَةً أَشْبَهَ بِحُلْمٍ صَاخِبٍ عَنِيفٍ مَا أَحْسَبُنِي أَفَقْتُ مِنْ هَوْلِهِ.

كُنْتُ جَالِسَةً عَلَى إِحْدَى الْأَرَائِكِ فِي حُجْرَتِي، مُسْتَغْرِقَةً فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَأْلُوفِ عَادَتِي. حَتَّى إِذَا رَنَّقَ النَّوْمُ فِي عَيْنِي خَالَطَهَا)، ذَهَبْتُ إِلَى مَخْدَعِ نَوْمِي. فَرَأَيْتُ مَا أَخَافَنِي، وَأَطَارَ الْوَسَنَ مِنْ عَيْنِي وَرَعَبَنِي. رَأَيْتُ، وَيَا لَهَوْلِ مَا رَأَيْتُ، شَبَحًا يَمْثُلُ أَمَامِي ثُمَّ يَسْتَخْفِي وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ.

فَنَدَّتْ مِنِّي صَرْخَةٌ عَالِيَةٌ سَمِعَهَا الْمَلِكُ فَلَمَّا سَأَلَنِي عَنْ سَبَبِ صُرَانِي، سَرَتِ الطَّمَأْنِينَةُ إِلَى قَلْبِي بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ صَوْتَهُ، وَأَنِسْتُ بِقُرْبِهِ. وَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ الشَّبَحَ الَّذِي رَأَيْتُ كَانَ وَهْمًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَأَنَّ ذِهْنِيَ الْمَكْدُودَ الَّذِي أَتْعَبَتْهُ الْقِرَاءَةُ قَدْ مَثَّلَ لِي هَذَا الشَّبَحَ. فَأَفْضَيْتُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَلِكِ، وَرَأَيْتُه يُصْغِي إِلَى حَدِيثِي فِي اهْتِمَامٍ وَقَلَقٍ وَحَيْرَةٍ. وَكُنْتُ أَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَنْ يُزِيلَ فَزَعِي، وَيُهَدِّئَ مِنْ ثَائِرَتِي وَهَلَعِي؛ وَلَكِنْ شَدَّ مَا شَغَلَ بَالِي، وَخَيَّبَ آمَالِي؛ حِينَ رَأَيْتُهُ يَبْتَدِرُنِي فِي انْزِعَاجِ قَائِلًا: «إِنَّ مَا أُكَابِدُهُ مِنَ الْحَيْرَةِ أَضْعَافُ مَا تُكَابِدِينَ، وَلَسْتُ أَدْرِي لِهَذَا اللُّغْزِ تَفْسِيرًا. خَبِرِينِي - قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ - مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَكَيْفَ قَدِمْتِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ إِلَى حُجْرَتِي؟»

فَزَادَ حَدِيثُ الْمَلِكِ فِي ارْتِبَاكِي وَحَيْرَتِي، وَضَاعَفَ مِنْ فَزَعِي وَدَهْشَتِي، فَقُلْتُ لَهُ مَذْعُورَةً، مُخْتَنِقَةَ الْأَنْفَاسِ مَبْهُورَةً: «أَوْضِحْ مَا تَعْنِيهِ يَا سَيِّدِي؛ فَمَا أَرَانِي أَفْهَمُ مِمَّا تَقُولُ شَيْئًا.» فَقَالَ الْمَلِكُ: «لَا حَاجَةَ إِلَى إِيضَاحٍ فَقَدْ جَلَّ الْأَمْرُ عَنِ الْعَبَثِ وَالْمُزَاحِ. تَعَالَيْ فَانْظُرِي، وَفَسِّرِي إِنِ اسْتَطَعْتِ أَنْ تُفَسِّرِي.»

وَحَانَتْ مِنِّيَ الْتِفَاتَةُ إِلَى سَرِيرِي؛ فَرَأَيْتُ - وَيَا لَهَوْلِ مَا رَأَيْتُ – فَتَاةً غَرِيبَةً لَا عَهْدَ لِي بِرُؤْيَتِهَا ، تَنَامُ فِي سَرِيرِي؛ وَقَدْ أَشْبَهَتْنِي أَتَمَّ شَبَهٍ ، أَشْبَهَتْنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ: طُولًا وَعَرْضًا وَهَيْئَةً وَلَوْنًا، وَجِيدًا (رَقَبَةً) وَعَيْنًا. لَا فَرْقَ بَيْنَ إِحْدَانَا وَالْأُخْرَى فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَلَا إِجْمَالٍ وَلَا تَفْصِيلٍ.

فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّنِي أَرَى خَيَالِي فِي الْمِرْآةِ؛ لَوْ لَمْ تُبَادِرْنِي بِالْكَلَامِ. وَنَدَّتْ مِنِّي صَيْحَةُ خَوْفٍ وَهَلَعٍ، كَادَ يَخْنُقُهَا الرُّعْبُ وَالْفَزَعُ، وَغَمْغَمْتُ مُسَائِلَةً: «رُحْمَاكَ يَا رَبَّاهُ أَيُّ حُلْمٍ هَائِلٍ أَرَاهُ؟»

فَقَاطَعَتْنِيَ الْمَرْأَةُ بِصَوْتٍ يُحَاكِي صَوْتِي فِي جَرْسِهِ وَرَنِينِهِ، وَصَخَبِهِ وَلِينِهِ. وَسَمِعْتُهَا تَقُولُ لِي فِي جُرْأَةِ الصُّفَقَاءِ: «يَا لَكِ مِنْ دَعِيَّةٍ خَرْقَاءَ. تُرَى أَيُّ دَاهِيَةٍ قَذَفَتْ بِكِ إِلَيْنَا، وَأَيُّ شَيْطَانٍ سَلَّطَكِ عَلَيْنَا ؟ كَيْفَ تَتَمَثَّلِينَ فِي صُورَتِي؛ لِتُنَغْصِي عَلَيَّ سَعَادَتِي، وَتُكَدِّرِي صَفْوَ هَنَاءَتِي ؟ أَيُّ خُطَّةٍ غَادِرَةٍ ، تُرِيدِينَنِي بِهَا أَيَّتُهَا السَّاحِرَةُ؟ شَدَّ مَا خَابَ فَأُلْكِ، يَا مَاكِرَةُ.

أَتَحْسَبِينَ أَنَّ زَوْجِيَ الْعَظِيمَ يُمْكِنُ أَنْ تَجُوزَ عَلَيْهِ حِيلَتُكِ، وَتَرُوجَ عِنْدَهُ خُدْعَتُكِ؟ إِنَّ أَلْمَعِيَّةَ زَوْجِي لَتَسْتَشِفُ مَا يَرْتَسِمُ عَلَى أَسَارِيرِكِ مِنْ بُهْتَةٍ مُرِيبَةٍ، وَمَا يَتَمَثَّلُ فِي ضَمِيرِكِ مِنْ خِدَاعٍ وَرِيبَةٍ.»

ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى الْمَلِكِ تَقُولُ: «رُحْمَاكَ، يَا زَوْجِيَ الْعَزِيزَ عَجِّلْ بِطَرْدِ هَذِهِ السَّاحِرَةِ. عَجِّلْ بِطَرْدِ هَذِهِ الْمَاكِرَةِ. كَلَّا ، بَلِ اسْتَبْقِهَا، لِتُعَذِّبَهَا وَتُنْكَّلَ بِهَا. أَلْقِهَا فِي غَيَابَةِ السِّجْنِ الْأَسْوَدِ؛ لِنُحَرِّقَهَا فِي صَبَاحِ الْغَدِ وَهَكَذَا انْدَفَعَتِ السَّاحِرَةُ جَرِيئَةً فِي بُهْتَانِهَا وَافْتِرَائِهَا، تَصِفُنِي بِأَوْصَافِهَا، وَتَرْمِينِي بِدَائِهَا.

وَكَانَ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» يُنْصِتُ إِلَى حَدِيثِهَا، وَيُرْهِفُ أُذُنَيْهِ لِسَمَاعٍ أَكَاذِيبِهَا. وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَاسْتَبْهَمَ؛ فَصَمَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ. وَلَمْ تَكُنْ حَيْرَتِي مِمَّا رَأَيْتُ وَسَمِعْتُ، بِأَيْسَرَ مِنْ حَيْرَةِ الْمَلِكِ مِمَّا رَأَى وَسَمِعَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْدِلُ ارْتِبَاكَنَا فِي أَمْرِنَا ، إِلَّا جُرْأَةُ السَّاحِرَةِ وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا ، وَتَمَادِيهَا فِي بُهْتَانِهَا. وَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ أَقُولَ لِزَوْجِي مُتَحَسِّرَةً: «كَانَتْ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي - بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ مَا غَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ عَطْفٍ وَمَوَدَّةٍ - أَنَّ النَّحْسَ قَدْ فَارَقَنِي إِلَى غَيْرِ عَوْدَةٍ. كَانَ قَلْبِي يَفِيضُ ثِقَةً بِحَاضِرِي، وَاطْمِثْنَانًا إِلَى مُسْتَقْبَلِي. كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ حَيَاةَ السَّعَادَةِ قَدْ بَدَأَتْ، وَأَنَّ حَيَاةَ الشَّقَاءِ قَدِ اخْتُتِمَتْ كُنْتُ مَخْدُوعَةً فِي خَيَالِي وَاهِمَةً. سَابِحَةً فِي ضَلَالِي هَائِمَةً، مُسْتَغْرِقَةً فِي آمَالِي حَالِمَةً. ثُمَّ حَلَّتْ بِدَارِنَا الدَّاهِيَةُ الدَّهْوَاءُ، وَالسَّاحِرَةُ الرَّقْطَاءُ ؛ فَتَمَثَّلَتْ عَلَى هَيْئَتِي لِتُخَيِّلَ إِلَيْكَ بِسِحْرِهَا أَنَّهَا أَنَا فَتُكَدِّرَ صَفْوَ عَيْشِنَا. رُحْمَاكَ يَا زَوْجِيَ الْعَزِيزَ رُحْمَاكَ، وَحَاشَاكَ أَنْ تُخْدَعَ فِيهَا حَاشَاكَ. إِنَّ مَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَفَائِكَ لِي. وَحَدَبِكَ عَلَيَّ، وَبِرِّكَ بِي، كَفِيلٌ أَنْ يُلْهِمَكَ الرَّأْيَ الصَّحِيحَ، وَيَهْدِيَ قَلْبَكَ الْحَنُونَ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ الْوَاضِحِ، وَيُنِيرَ سَبِيلَ الرُّشْدِ لِعَقْلِكَ الرَّاجِحِ، وَيَكْشِفَ لِبَصِيرَتِكَ النَّفَّاذَةِ مَا يَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِ السَّاحِرَةِ مِنْ بُهْتَانٍ وَغَدْرٍ ، وَخَدِيعَةٍ وَمَكْرٍ. خَبِرْنِي بِرَبِّكَ: أَيْسَاوِرُكَ الشَّلُّ فِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ دَعِيَّةٌ غَرِيبَةٌ، وَأَنَّنِي أَنَا زَوْجَتُكَ الْحَبِيبَةُ ؟ أَقْسِمُ لَكَ إِنَّنِي زَوْجَتُكَ وَصَفِيَّتُكَ، وَإِنَّ هَذِهِ السَّاحِرَةَ عَدُوَّتِي وَعَدُوَّتُكَ!»

فَنَظَرَتْ إِلَيَّ الْمَرْأَةُ عَابِسَةً مُتَجَهَّمَةً، سَاخِطَةً مُتَبَرِّمَةً ، وَقَالَتْ لِي وَهِيَ تَحْرُقُ الْأَرْمَ تَحُلُّ أَنْيَابَهَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَتَتَلَوَّى مِنَ الْغَيْظِ وَتَتَأَلَّمُ: «أَيُّ سُخْفٍ وَحَمَاقَةٍ، وَتَمَادٍ فِي الصَّفَاقَةِ؟ حَسْبُكِ بُهْتَانًا، وَكَفَاكِ هَذَيَانًا أَتَشْرَكِينَنِي فِي صُوَتِي وَهَيْئَتِي؟ وَتَنْتَحِلِينَ اسْمِي وَتُحَاكِينَ صُورَتِي؟ وَتَبْهَتِينَنِي فِي وَجْهِي، ثُمَّ تُشَكِّكِينَ زَوْجِي فِي أَمْرِي، عَامِدَةً إِلَى أَذِيَّتِي وَضُرِّي؟ أَتَزْعُمِينَ أَنَّكِ عَجِيبَةُ بِنْتُ الْمَلِكِ نَادِرٍ»؟ فَمَنْ أَكُونُ أَنَا إِذَا صَحَّ وَهُمُكِ، وَصَدَقَ زَعْمُكِ ؟ هَا أَنْتِ ذِي تَفْضَحِينَ نَفْسَكِ بِنَفْسِكِ؛ إِذْ تُتْبِعِينَ الْمَيْنَ (الْكَذِبَ) وَالْبُهْتَانَ، بِالْحَلِفِ وَمُحْرِجَاتِ الْأَيْمَانِ، شَأْنَ الْكَاذِبَاتِ الْحَانِثَاتِ الْجَرِيئَاتِ، يُعَزِّزْنَ بِالْقَسَمِ أَكَاذِيبَهُنَّ، وَيَسْتَجْدِينَ الدُّمُوعَ مِنْ مَاقِيهِنَّ أَعْيُنِهِنَّ). وَالدَّمْعُ سِلَاحٌ فَاتِكٌ قَهَّارٌ، طَالَمَا خَدَعَ الْأَبْرَارَ، وَغَرَّرَ بِالْأَطْهَارِ لَوْ نَظَرْتِ فِي الْمِرْآةِ، وَرَأَيْتِ مَا أَرَاهُ؛ لَتَفَزَّعْتِ مِمَّا يَرْتَسِمُ عَلَى سَحْنَتِكِ مِنْ أَلْوَانِ الزُّورِ ، وَفُنُونِ الشُّرُورِ ، وَمَا يَعْلُوهَا مِنْ غَبَرَةٍ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (غُبَارٌ) هَلْمِّي فَانْظُرِي، إِنْ كُنْتِ تَجْرُئِينَ؟»

وَهُنَا اشْتَدَّتْ حَيْرَةُ الْمَلِكِ؛ فَصَاحَ بِنَا قَائِلًا: «كُفَّا عَنِ الْمُلَاحَاةِ وَالْمُهَاتَرَةِ، وَأَقْلِعَا عَنِ الْمُمَارَاةِ النِّزَاعِ وَاللَّجَاجِ وَالْمُكَابَرَةِ. شَدَّ مَا حَيَّرْتُمَانِي فِي أَمْرِي. فَمَا أَدْرِي: كَيْفَ أُصْدِرُ عَلَيْكُمَا حُكْمِي. أَنْتِ «عَجِيبَةٌ»، وَهَذِهِ عَجِيبَةُ». فَأَيَّتُكُمَا الْمُخْلِصَةُ الصَّادِقَةُ، وَأَيَّتُكُمَا الْخَادِعَةُ الْمُمَاذِقَةُ ؟ أَيَّتُكُمَا الْأَصِيلَةُ وَأَيَّتُكُمَا الدَّخِيلَةُ؟ أَيَّتُكُمَا «عَجِيبَةُ» وَأَيَّتُكُمَا الْأَجْنَبِيَّةُ الْغَرِيبَةُ ؟ كِلْتَاكُمَا صُورَةٌ لِصَاحِبَتِهَا وَمِثَالٌ. لَا فَرْقَ بَيْنَكُمَا عَلَى أَيِّ حَالٍ، فِي تَفْصِيلٍ وَلَا إِجْمَالٍ: صَوْتَاكُمَا كَالْجَرْسِ وَصَدَاهُ، وَصُورَتاكُمَا كَالْأَصْلِ وَخَيَالِهِ فِي الْمِرْآةِ.

لَا جَرَمَ (لَا شَكٍّ أَنَّ إِحْدَاكُمَا زَوْجَتِي، وَالْأُخْرَى عَدُوَّتِي.

إِحْدَاكُمَا عَجِيبَةُ»، وَالْأُخْرَى غَرِيبَةٌ، مُضَلَّلَةٌ مُرِيبَةٌ أَنْتُمَا عَجِيبَتَانِ. أَنْتُمَا صِنْوَانِ. أَنْتُمَا شَبِيهَانِ. أَنْتُمَا لِيمَانِ، لَا تَخْتَلِفُ صُورَتَاكُمَا وَلَا تَفْتَرِقَانِ.

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ مُتَحَيّرًا وَقَالَ: «أَنْتِ لِيمُهَا شَبِيهَتُهَا فِي قَدِّهَا وَشَكْلِهَا وَخَلْقِهَا)؛ فَكَيْفَ أُفَرِّقُ بَيْنَكِ وَبَيْنَهَا؟ إِنَّ أَخْشَى مَا أَخْشَاهُ، وَأُحَاذِرُهُ وَأَتَوَقَاهُ، أَنْ أُخْطِئَ فِي الْحُكْمِ؛ فَأَسْتَبْقِيَ الْخَادِعَةَ الْمُسِيئَةَ، وَأُعَاقِبَ الْمُحْسِنَةَ الْبَرِيئَةَ.»

وَهَكَذَا عَجَزَ الْمَلِكُ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاحِرَةِ. فَنَادَى كَبِيرَ الْخَدَمِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَنِي وَإِيَّاهَا فِي حُجْرَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ إِلَى الْيَوْمِ التَّالِي؛ لِيَنْظُرَ فِي حَالِهَا وَحَالِي.

فَلَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ ، أَمَرَ الْمَلِكُ بِاسْتِدْعَاءِ الْوَزِيرِ عَلِيٌّ» وَزَوْجَتِهِ، وَرَوَى لَهُمَا تَفْصِيلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُحَيِّرَةِ؛ فَالْتَمَسَا مِنْهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا بِرُؤْيَتِنَا.

وَلَمْ يَكُنْ يُخَامِرُنِي شَكٍّ فِي قُدْرَتِهِمَا عَلَى الاهْتِدَاءِ إِلَى حَقِيقَتِي، وَالتَّمْيِيزِ بَينِي وَبَيْنَ عَدُوَّتِي. وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا خَابَ ظَنِّي حِينَ رَأَيْتُهُمَا حَائِرَيْنِ مَشْدُوهَيْنِ، بَعْدَ أَنْ أَعْجَزَهُمَا تَطَابُقُ الشَّبَهِ، كَمَا أَعْجَزَ الْمَلِكَ مِنْ قَبْلِهِمَا.

وَأَطَالَتِ الْمُرْضِعَةُ تَفْكِيرَهَا، ثُمَّ قَالَتْ: «إِنَّ لِـ «عَجِيبَةَ» – مُنْذُ وُلِدَتْ – عَلَامَتَيْنِ تُفْرِدَانِهَا عَنْ أَتْرَابِهَا وَتُمَيِّزَانِهَا. فَعَلَى خَدِّهَا خَالٌ عَلَامَةٌ سَوْدَاءُ بَارِزَةٌ)، وَعَلَى رُكْبَتِهَا شَامَةٌ وَهِيَ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ عَلَى سَطْحِ الْجِلْدِ).»

وَلَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْمُرْضِعَةِ حِينَ رَأَتِ الْعَلَامَتَيْنِ كَمَا عَهِدَتْهُمَا فِي جِسْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَّا مِنْ خَدَّيْنَا وَرُكْبَتَيْنَا. فَلَمْ يَدِبَّ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهَا وَقَلْبِ زَوْجِهَا؛ فَانْفَرَدَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَّا يَسْأَلَانِهَا عَنْ دَقَائِقَ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنَ الْغُرَبَاءِ؛ فَلَمْ تَعْجِزْ إِحْدَانَا عَنِ الْإِجَابَةِ عَمَّا يَسْأَلَانِ فِي غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا نِسْيَانٍ. وَلَمَّا رَأَيَا إِحْكَامَ الشَّبَةِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا. تَمَلَّكَتْهُمَا الْحَيْرَةُ فِي أَمْرِي وَأَمْرِهَا. عَلَى أَنَّ مُرَبِّيَتِي قَدِ اسْتَطَاعَتْ وَحْدَها أَنْ تُرَجِّحَ - مِنْ دِقَةِ مَا فَصَّلْتُهُ لَهَا - أَنَّنِي عَجِيبَةُ»، وَأَنَّ الْأُخْرَى دَعِيَّةٌ غَرِيبَةٌ. وَلَكِنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِرَأْيِهَا؛ فَاسْتَدْعَى جَمِيعَ خَاصَّتِهِ وَحَاشِيَتِهِ لِيُبَرِّئَ ضَمِيرَهُ. فَاجْتَمَعَ رَأَيْهُمْ لِسُوءِ بَخْتِي، عَلَى الْعَكْسِ مِمَّا قَرَّرَتْهُ مُرْضِعَتِي. وَانْتَهَى حُكْمُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّيِّدَةَ الَّتِي كَانَتْ رَاقِدَةً فِي سَرِيرِ الْمَلْكِ هِيَ وَحْدَهَا الصَّادِقَةُ، وَالْأُخْرَى خَادِعَةٌ مُمَاذِقَةٌ.

ثُمَّ قَرَّ قَرَارُهُمْ عَلَى أَنْ يَلْتَمِسُوا مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْرَاقِي؛ لِأَكُونَ عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ مِثْلَ هَذَا الْخِدَاعِ مَرَّةً أُخْرَى.

وَلَكِنَّ قَلْبَ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ لَمْ يُطَاوِعُهُ. فَقَدْ خَشِيَ أَنْ يُخْطِئَ فِي حُكْمِهِ، فَتَسُوءَ الْعُقْبَى، وَيَنْتَهِيَ قَضَاؤُهُ بِإِحْرَاقِ زَوْجَتِهِ وَاسْتِبْقَاءِ السَّاحِرَةِ عِنْدَهُ. فَقَصَرَ الْعِقَابَ عَلَى إِبْعَادِي عَنْ قَصْرِهِ.

فَانْتَزَعَ كَبِيرُ الْخَدَمِ ثِيَابِي الْغَالِيَةَ، وَأَلْبَسَنِي هَذِهِ الْأَسْمَالَ الْبَالِيَةَ. ثُمَّ قَذَفَ بي إلى خَارِجِ الْعُمْرَانِ، فَوَاصَلْتُ السَّيْرَ حَتَّى بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ. وَلَوْلَاكَ – يَا سَيِّدِي – لَفَتَكَ بِيَ الْأَسَدُ، وَخَتَمَ حَيَاتِي إِلَى الْأَبَدِ!»

وَلَمَّا انْتَهَتْ عَجِيبَةٌ مِنْ قِصَّتِهَا الْتَفَتَتْ إِلَى مُنْقِذِ حَيَاتِهَا، وَقَالَتْ لَهُ فِي ضَرَاعَةٍ وَخُشُوعٍ، وَعَيْنَاهَا تَغُصَّانِ بِالدُّمُوعِ : هَذِهِ قِصَّةٌ «عَجِيبَةَ» التَّاعِسَةِ، الْمَطْرُودَةِ الْبَائِسَةِ، الَّتِي أَوْهَمَكَ اضْطِرَابُهَا فِي كَلَامِهَا، وَتَخَبُّطُهَا فِي أَقْوَالِهَا، أَنَّهَا مَذْهُولَةٌ، أَوْ مَسْلُوبَةُ الْعَقْلِ مَخْبُولَةٌ. فَهَلْ عَذَرْتَنِي الْآنَ، وَعَرَفْتَ مَا عَنَيْتُ، حِينَ قُلْتُ لَكَ: إِنَّنِي مَلِكَةٌ وَلَسْتُ مَلِكَةً، وَإِنَّنِي زَوْجَةٌ مَلِكٍ وَلَسْتُ زَوْجَةَ مَلِكٍ؟»

كَانَ الْمَلِكُ «غَالِبٌ» يُنْصِتُ إِلَى عَجِيبَةَ فِي دَهْشَةٍ بَالِغَةٍ وَحُزْنٍ شَدِيدٍ. وَقَدْ تَبَيَّنَ صِدْقَهَا وَسَلَامَةَ عَقْلِهَا؛ فَعَقَدَ عَزْمَهُ عَلَى مُنَاصَرَتِهَا، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهَا. وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا يُصَبِّرُهَا، وَيَضْرِبُ لَهَا الْأَمْثَالَ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهَا خَطْبَهَا . ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «لَقَدْ تَلَاحَقَتْ مَصَائِبُكِ، وَعَظْمَتْ مَتَاعِبُكِ. وَقَدْ أَقْنَعَتْنَا التَّجَارِبُ أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، وَأَنَّ الْبُؤْسَ إِذَا تَنَاهَى، وَبَلَغَتِ الشِّدَّةُ مُنْتَهَاهَا؛ كَانَ ذَلِكَ إِيذَانًا بِالْفَرَجِ، وَزَوَالِ الْحَرَجِ وَلَا ثَبَاتَ عَلَى حَالٍ، وَكُلُّ أَمْرٍ مَالُهُ إِلَى زَوَالٍ سِيَّانِ فِي ذَلِكِ بُؤْسٌ وَنَعِيمٌ، وَرَاحَةٌ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ. وَقَدِيمًا قَالُوا: إِنَّ الْبَدْرَ إِذَا تَمَّ بَدَأَ نُقْصَانُهُ، وَإِذَا تَمَّ نَقْصُهُ بَدَأَ رُجْحَانُهُ؛ وَالظُّلْمَةُ الْقَائِمَةُ يَمْحُوهَا النِّيَاءُ، وَالْيَأْسُ يَتْبَعُهُ الرَّجَاءُ، وَالشَّدَّةُ يَعْقُبُهَا الرَّخَاءُ: سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ. هَكَذَا رَتَّبَتِ الْأَقْدَارُ حَيَاةَ النَّاسِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَجْنَاسِ. وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ شِقْوَتَكِ الَّتِي بَلَغَتْ مَدَاهَا قَدْ آذَنَتْ بِالْفَرَجِ ...»

وَمَا إِنْ أَتَمَّ قَوْلَتَهُ حَتَّى رَأَى فَارِسًا مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا وَهُوَ نِصْفُ عَارٍ، أَوْ نِصْفُ مَكْسُفٌ، وَقَدْ أَطْلَقَ لِجَوَادِهِ الْعِنَانَ، فَلَمَّا دَانَاهُمَا صَاحَتْ عَجِيبَةُ لِفَرْطِ دَهْشَتِهَا قَائِلَةً: «رَبَّاهُ ۚ إِنَّهُ زَوْجِي. إِنَّهُ الْمَلِكُ بِسْطَامٌ وَظَلَّتْ تُنَادِيهِ فَلَا يُجِيبُهَا بِحَرْفٍ، وَلَا يُؤْمِيُّ إِلَيْهَا بِطَرْفٍ لَا يُشِيرُ إِلَيْهَا بِعَيْنٍ). وَشَغَلَهُ الْخَوْفُ ، فَرَاحَ يَسْتَحِثُ جَوَادَهُ مُلْتَفِتًا إِلَى الْوَرَاءِ، كَأَنَّمَا يُطَارِدُهُ عَدُوٌّ. وَمَا كَادَ يَبْلُغُ مَرْمَى الْأَبْصَارِ، حَتَّى فُوجِئَتْ عَجِيبَةُ وَغَالِبٌ» بِرُؤْيَةِ فَارِسٍ آخَرَ بَادِيَ الْفُتُوَّةِ، مُلْتَهِبِ الْحَمَاسَةِ شَدِيدِ الْقُوَّةِ ، يَحْتَثُ جَوَادَهُ - فِي عُنْفِ وَقَسْوَةٍ – لِيُدْرِكَ عَدُوَّهُ. وَكَانَ الْفَارِسُ الثَّانِي فِي حُلَّةٍ فَخُمَةٍ، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُصْلَتٌ مُجَرَّدٌ مِنْ عَمْدِهِ) يَقْطُرُ دَمًا. وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا رَأَيَاهُ، أَنَّ كِلَا الْفَارِسَيْنِ الْهَارِبِ وَالطَّالِبِ، عَلَى شَبَةٍ تَامٌ بِصَاحِبِهِ، لَا يَفْتَرِقُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الثَّيَابِ. فَصَرَخَتْ «عَجِيبَةٌ» مَدْهُوشَةً: رُحْمَاكَ يَا رَبِّي مَاذَا أَرَى؟ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا زَوْجِي.»

وَمَرَّ «بِسْطَامٌ» فِي مِثْلِ انْطِلَاقِ السَّهْمِ. وَقَدْ شَغَلَتْهُ مُتَابَعَةُ غَرِيمِهِ عَنْ رُؤْيَةِ أَحَدٍ. وَاسْتَوْلَى الْعَجَبُ عَلَى الْمَلِكِ غَالِبِ» لِغَرَابَةِ الْمُفَاجَأَةِ؛ فَالْتَفَتَ إِلَى عَجِيبَةَ» مُسَائِلًا: «أَلَيْسَ مَا نَرَاهُ الْآنَ أَعْجَبَ مِمَّا قَصَصْتِهِ عَلَيَّ وَأَغْرَبَ ؟» فَأَجَابَتْهُ عَجِيبَةٌ»: «يَا لَهُ مِنْ لُغْزٍ غَامِضٍ لَعَلَّكَ تَبَيَّنْتَ صِدْقَ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ» وَبَيْنَا هُمَا غَارِقَانِ فِي دَهْشَتِهِمَا، مَأْخُونَانِ بِمَا مَرَّ بِهِمَا فِي يَوْمِهِمَا، إِذْ بَدَا لِأَعْيُنِهِمَا فَارِسٌ ثَالِثُ يَحْتَثُ جَوَادَهُ مُسْرِعًا؛ حَتَّى إِذَا قَارَبَهُمَا حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، فَثَنَى عِنَانَ فَرَسِهِ إِلَيْهِمَا، وَتَرَجَّلَ فَحَيَّاهُمَا ، وَهُوَ يَعْجَبُ لِلْمُصَادَفَةِ الَّتِي جَمَعَتْهُ بِهِمَا.

وَأَسْرَعَ إِلَى «عَجِيبَةَ» يَقُولُ: «حَمْدًا لِلَّهِ الَّذِي حَفِظَ لَنَا حَيَاتَكِ الثَّمِينَةَ، وَنَجَّاكِ – يَا مَوْلَاتِي - مِنْ كَيْدِ الْغَادِرَةِ اللَّعِينَةِ. لَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَنْصُرَ الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيُبَدِّدَهُ كَمَا يُبَدِّدُ النُّورُ الضَّلَامَ. لَقَدْ هَلَكَتِ السَّاحِرَةُ مُنْذُ لَحَظَاتٍ، وَمَا زَالَ سَيْفُ مَلِيكِنَا يَقْطُرُ بِدِمَائِهَا الدَّنِسَةِ. وَلَنْ يَلْبَثَ أَنْ يُلْحِقَ بِهَا شَرِيكَهَا الَّذِي تَمَثَّلَ فِي صُورَتِهِ، كَمَا تَمَثَّلَتْ صَاحِبَتُهُ فِي صُورَتِكِ. وَلَوْلَا ضِيقُ الْوَقْتِ لَفَضَّلْتُ لَكِ مَا حَدَثَ مُنْذُ فَارَقْتِ قَصْرَكِ إِلَى الْآنَ. أَلَا مَا أَسْعَدَ الْمَلِكَ بِلُقْيَاكِ، وَمَا أَشْوَقَهُ إِلَى رُؤْيَةِ مُحَيَّاكِ هَلُمِّي يَا مَوْلَاتِي، فَارْكَبِي جَوَادِي لِنَلْحَقَ بِهِ.»

فَقَالَ الْمَلِكُ «غَالِبٌ»: «كَلَّا يَا سَيِّدِي. بَلْ تَبْقَى أَنْتَ إِلَى جِوَارِ مَلِيكَتِكِ، وَأَلْحَقُ أَنَا بِالْمَلِكِ «بِسْطَامٍ»، وَأَعُودُ بِهِ إِلَيْكُمَا هُنَا.»

وَسُرْعَانَ مَا قَفَزَ «غَالِبٌ» إِلَى جَوَادِهِ الْبَرْقِ» فَاعْتَلَاهُ، وَانْطَلَقَ يَجِدُّ فِي اللِّحَاقِ بِأَثَرِ الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ»، دُونَ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى شُكْرِ «عَجِيبَةَ».

وَسَأَلَ الْوَزِيرُ مَلِيكَتَهُ عَنْ هَذَا الْفَتَى الْمُتَحَمِّسِ لِنُصْرَتِهَا؛ فَأَخْبَرَتْهُ بِقِصَّتِهِ، وَكَيْفَ نَجَّاهَا مِنَ الْأَسَدِ.

ثُمَّ سَأَلَتِ الْوَزِيرَ أَنْ يُفَصِّلَ لَهَا مِنْ قِصَّةِ السَّاحِرَةِ مَا أَجْمَلَهُ. فَقَالَ: «لَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْآرَاءُ - كَمَا عَلِمْتِ - عَلَى تَصْدِيقِ السَّاحِرَةِ ، وَاطْمَأَنَّ الْمَلِكُ إِلَى قَرَارِهِمْ. وَمُنْذُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ انْتَقَلَ الْمَلِكُ بِهَا إِلَى قَصْرِهِ الرِّيفِيِّ. وَخَرَجْنَا الْيَوْمَ إِلَى الصَّيْدِ. وَمَا كِدْنَا نَبْتَعِدُ قَلِيلًا حَتَّى أَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ مَعَهُ إِلَى الْقَصْرِ. وَكَانَ قَدْ نَسِيَ فِي مَخْدَعِ نَوْمِهِ شَيْئًا. وَصَعِدَ الْمَلِكُ إِلَى حُجْرَةِ الْمَلِكَةِ مِنْ سُلَّمٍ خَفِيٌّ. وَسُرْعَانَ مَا فُوجِئْتُ بِرَجُلٍ يُشْبِهُهُ أَتَمَّ الشَّبَهِ يَخْرُجُ مِنَ الْقَصْرِ مُسْرِعًا بِلَا عِمَامَةٍ، جِسْمُهُ نِصْفُ عَارٍ، لَا يَسْتُرُهُ إِلَّا لِبْسَةُ الْمُتَفَضّلِ (ثَوْبٌ وَاحِدٌ). فَصِحْتُ بِهِ أُنَادِيهِ وَأَنَا أَحْسَبُهُ الْمَلِكَ؛ فَلَمْ يَحْفَلْ بِنِدَائِي، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ؛ بَلْ أَسْرَعَ إِلَى جَوَادِهِ خَائِفًا مُنْزَعِجًا يَسْتَحِلُّهُ عَلَى الْفِرَارِ. وَسَاوَرَنِي الْقَلَقُ عَلَى مَلِيكِي، وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلَمَّ بِهِ مَكْرُوهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى نَجْدَتِهِ. وَمَا كِدْتُ أَسْتَقِرُّ عَلَى ظَهْرِ جَوَادِي حَتَّى سَمِعْتُ الْمَلِكَ يُنَادِينِي: «قِفْ ، يَا عَلِيٌّ» وَتَلَفَّتُّ فَرَأَيْتُهُ خَارِجًا مِنَ الْقَصْرِ وَسَيْفُهُ مُصْلَتٌ فِي يَدِهِ، وَعَيْنَاهُ تَكَادَانِ تَرْمِيَانِ بِالشَّرَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: «شَدَّ مَا خَذَلَنَا التَّوْفِيقُ طَرَدْنَا الْمَلِكَةَ «عَجِيبَةَ»، وَأَبْقَيْنَا السَّاحِرَةَ الْمُرِيبَةَ. وَا أَسَفَاهُ لَقَدْ ظَهَرَتِ الْحَقِيقَةُ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ الْآنَ قَتَلْتُ السَّاحِرَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ شَرِيكِهَا الَّذِي تَمَثَّلَ فِي صُورَتِي.»

وَسُرْعَانَ مَا خَفَّ الْمَلِكُ إِلَى جَوَادِي وَانْطَلَقَ فِي أَثَرِ غَرِيمِهِ.

كَانَتِ الْمَلِكَةُ «عَجِيبَةُ» تُرْهِفُ أُذْنَيْهَا لِسَمَاءِ مَا يَرْوِيهِ الْوَزِيرُ حِينَمَا كَانَ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» يَسْتَحِثُ جَوَادَهُ لِلْحَاقِ بِعَدُوِّهِ. وَمَا إِنْ أَدْرَكَهُ حَتَّى انْدَفَعَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ. فَقَذَفَ الْجَبَانُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ خَوْفًا مِنَ الْهَلَاكِ. وَتَرَجَّلَ الْمَلِكُ لِيُزْهِقَ رُوحَهُ؛ فَلَمَحَ فِي إِصْبَعِهِ مِثْلَ خَاتَمِ الشَّقِيَّةِ الَّتِي خَضَبَ سَيْفَهُ بِدَمِهَا ؛ فَبَدَا عَلَيْهِ التَّرَدُّدُ. وَرَأَى أَنْ يَسْتَوْضِحَ مِنَ الشَّقِيِّ قِصَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَعْلُوهُ بِسَيْفِهِ. وَأَدْرَكَ الشَّقِيُّ مَا يَجُولُ بِخَاطِرِ الْمَلِكِ مِنْ رَغْبَةٍ فِي الاسْتِطْلَاعِ؛ فَارْتَمَى عَلَى قَدَمِيْهِ مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْقِيَ حَيَاتَهُ ، لِيَسْتَمِعَ إِلَى قِصَّتِهِ، وَيَعْلَمَ مِنْ غَامِضِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَيَتَعَرَّفَ مِنْ أَحْدَاثِهَا مَا دَقَّ عَنْ فَهْمِهِ وَاسْتَبْهَمَ. فَاشْتَدَّ شَوْقُ الْمَلِكِ إِلَى تَعَرُّفِ جَلِيَّةَ الْقِصَّةِ. فَقَالَ لِلشَّقِيِّ: «لَنْ أُعْفِيَكَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَّا إِذَا صَدَقْتَنِيَ الْحَدِيثَ، وَفَسَّرْتَ لِي هَذِهِ الْأَحَاجِيَّ وَالْمُعَمَّيَاتِ.

وَسَيَكُونُ الْهَلَاكُ نَصِيبَكَ إِذَا كَذَبْتَ، أَوْ غَيَّرْتَ الْحَقِيقَةَ وَبَدَّلْتَ.»

الْفَضْلُ الْخَامِسُقِصَّةُ «مُقْبِلِ»

فَقَالَ الشَّقِيُّ: «هَيْهَاتَ أَنْ أُخْفِيَ عَنْكَ شَيْئًا يَا مَوْلَايَ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ رُوحِي فِي قَبْضَتِكَ. أَمَّا هَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي تَرَى فَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنَ الانْتِقَالِ مِنْ صُورَتِي الْقَبِيحَةِ.» ثُمَّ خَلَعَ الْخَاتَمَ مِنْ إِصْبَعِهِ؛ فَعَادَ إِلَى صُورَتِهِ الْأُولَى : مِسْخًا مُشَوَّهَ الْسَّحْنَةِ، طَاعِنَّا فِي السِّنِّ.

فَامْتَزَجَتْ دَهْشَةُ الْمَلِكِ بِتَقَرُّزِهِ وَاشْمِتْزَازِهِ. وَأَطْرَقَ الشَّقِيُّ إِلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «هَا أَنْتَ ذَا يَا مَوْلَاي تَرَانِي فِي شَكْلِيَ الطَّبِيعِيِّ كَمَا خَلَقَنِيَ اللَّهُ. أَمَّا اسْمِي فَهُوَ «مُقْبِلُ». وَكَانَ أَبِي نَسَاجًا مَوْفُورَ الثَّرْوَةِ، وَكَانَ - عَلَى فَرْطِ غِنَاهُ – مُقَتِّرًا عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِهِ فِي الرِّزْقِ. وَقَدْ خَلَّفَ لِي بَعْدَ مَوْتِهِ ثَرْوَةً طَائِلَةً لَمْ أَتْعَبْ فِي اقْتِنَائِهَا، وَلَمْ أَكْدَحْ فِي جَمْعِهَا.

فَمَا إِنْ وَصَلَتْ إِلَى يَدِي حَتَّى رُحْتُ أُنْفِقُ الْمَالَ فِي سَفَهِ وَإِسْرَافٍ، فَتَبَدَّدَتْ فِي زَمَنِ قَلِيلٍ. وَاشْتَدَّتِ الْفَاقَةُ بِي فَعَجَزْتُ عَنْ تَحْصِيلِ الْقُوتِ، وَاضْطُرِرْتُ أَنَا وَزَوْجَتِي إِلَى التَّكَفُّفِ الاسْتِجْدَاءِ) حَتَّى لَا نَهْلِكَ جُوعًا.

وَتَعَاقَبَتِ السِّنُونَ وَكَادَ الْفَقْرُ وَالْهَمُّ يُسْلِمَانِنَا إِلَى الْقَبْرِ ، لَوْ لَمْ تَتَدَارَكْنَا عِنَايَةُ السَّاحِرَةِ «بَدْرَةَ» ، وَكَانَتْ تَسْكُنُ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَّا، وَتَبْدُو لِمَنْ يَرَاهَا فَتَاةً فِي مُقْتَبَلِ شَبَابِهَا، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْمِائَةَ مِنَ الْأَعْوَامِ. فَذَهَبْنَا إِلَيْهَا نَلْتَمِسُ مَعُونَتَهَا، فَرَحَّبَتْ بِنَا وَآوَتْنَا فِي بَيْتِهَا.

وَظَلِلْنَا فِي خِدْمَتِهَا ، حَتَّى إِذَا أَشَرَفَتْ حَيَاتُهَا عَلَى الزَّوَالِ ، نَادَتْنِي وَزَوْجَتِي - وَهِيَ تُحْتَضَرُ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ - وَقَالَتْ: كَمْ تُقَدِّرَانِ سِنِّي أَيُّهَا الْعَزِيزَانِ؟ فَقُلْنَا لَهَا مُتَعَجِّبَيْنِ: «لَقَدْ وُلِدْنَا - مُنْذُ سِتِّينَ عَامًا - وَرَأَيْنَا صُورَتَكِ كَمَا نَرَاهَا الْآنَ، لَا تَكَادِينَ تَتَجَاوَزِينَ الْعِشْرِينَ مِنَ السِّنِينَ فَقَالَتِ الْعَجُوزُ الشَّابَّةُ: «لَمْ يَبْقَ عَلَى حَيَاتِيَ إِلَّا دَقَائِقُ مَعْدُودَاتٌ؛ فَلَا تُقَاطِعَانِي حَتَّى لَا تُفْلِتَ مِنْكُمَا الْفُرْصَةُ. لَقَدْ ذَرَّفْتُ زِدْتُ) عَلَى الْمِائَةِ، وَإِنْ كَانَ مَظْهَرِي يُوهِمُ مَنْ يَرَانِي أَنَّنِي لَمْ أَتَجَاوَزِ الْعِشْرِينَ. وَالسِّرُّ فِي شَبَابِيَ الدَّائِمِ عَائِدٌ إِلَى هَذَا الْخَاتَمِ.» ثُمَّ وَصَفَتْ لِي دُرْجًا خَفِيًّا فِي صِوَانِهَا، فَأَحْضَرْتُ مِنْهُ صُنْدُوقًا صَغِيرًا فِيهِ خَاتَمٌ مِثْلُهُ. وَخَلَعَتِ السَّاحِرَةُ خَاتَمَهَا فَوَضَعَتْهُ فِي إِصْبَعِي، ثُمَّ قَالَتْ لَنَا فِي أَلْفَاظِ مُتَقَطِّعَةٍ: «مَا دُمْتُمَا تَتَخَتَّمَانِ بِهَذَيْنِ الْخَاتَمَيْنِ الْمَسْحُورَيْنِ: خَاتَمِي وَخَاتَمِ الْمَرْحُومِ زَوْجِي، فَأَنْتُمَا قَادِرَانِ عَلَى التَّشَبُّهِ بِشَكْلِ مَنْ تُرِيدَانِ. وَلَيْسَ عَلَيْكُمَا إِلَّا أَنْ تَتَمَنَّيَا الانْتِقَالَ إِلَى أَيِّ صُورَةٍ تَشَاءَانِ؛ فَيَتِمُّ لَكُمَا لِلْحَالِ مَا تَتَمَنَّيَانِ.» ثُمَّ لَفَظَتْ - مَعَ كَلِمَاتِهَا – آخِرَ أَنْفَاسِهَا. وَكَانَ أَوَّلُ هَمِّنَا أَنْ نُجَرِّبَ الْخَاتَمَيْنِ. فَتَمَنَّيْنَا أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى صُورَتَيْ شَخْصَيْنِ نَعْرِفُهُمَا؛ فَإِذَا بِنَا نُطَابِقُهُمَا أَتَمَّ مُطَابَقَةٍ. وَلَمْ تَشَأْ زَوْجَتِي أَنْ تُضِيعَ وَقْتَهَا سُدًى فَتَمَنَّتْ أَنْ تَكُونَ فِي شَكْلِ إِحْدَى الْمُثْرِيَاتِ الْغَنِيَّاتِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ عَلَى سَفَرٍ، فَانْتَهَزَتْ زَوْجَتِي الْفُرْصَةَ لِلانْتِقَالِ إِلَى صُورَتِهَا وَسَرِقَةِ مَا أَوْدَعَتْهُ دَارَهَا مِنْ نَفَائِسِهَا وَحُلِيّهَا. وَاقْتَدَيْتُ بِمَا فَعَلَتْ زَوْجَتِي. فَرُحْتُ أَتَزَيَّا بِزِيِّ مَنْ أَعْرِفُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. مُنْتَهِنَّا فُرْصَةَ خُرُوجِهِمْ أَوْ سَفَرِهِمْ لِسَرِقَةِ نَفَائِسِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ دُونَ أَنْ يَرْتَابَ أَحَدٌ فِي أَمْرِي. وَمَا زِلْنَا نَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى بَلَغْنَا حَاضِرَةَ بِلَادِ النُّورِ، وَعَلِمْنَا قِصَّةَ مَلِكَتِهَا عَجِيبَةَ»، وَوَصِيِّهَا الْوَزِيرِ «عَلِيٌّ» الَّذِي يَحْكُمُ الْبِلَادَ بِاسْمِهَا . وَعَرَفْنَا أَنَّ بَعْضَ الْكُبَرَاءِ يَحْسُدُونَهُ عَلَى مَكَانَتِهِ، وَيَنْتَهِزُونَ الْفُرْصَةَ لِلانْتِقَاضِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَجْرُءُونَ عَلَى إِعْلَانِ سُخْطِهِمْ، لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِمْ.

وَكَانَ زُعَمَاؤُهُمْ يَتَهَامَسُونَ بِاسْمِ الْأَمِيرِ «مُوَفَّقٍ وَيَتَمَنَّوْنَ لَوْ بَقِيَ سَالِمًا لِيُخَلِّصَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْوَزِيرِ «عَلِيٌّ»: أَمَانِيُّ يُرَدِّدُونَهَا سِرًّا وَهُمْ عَلَى يَأْسٍ مِنْ تَحْقِيقِهَا، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْأَمِيرَ «مُوَفَّقًا» قُتِلَ فِي آخِرِ مَعَارِكِهِ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنْ أَخِيهِ وَرَعِيَّتِهِ. وَقَدْ أَرْهَفَتْ زَوْجَتِي سَمْعَهَا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَسَبَحَ بِهَا خَيَالُهَا الْخِصْبُ لِرَسْمِ خُطَّةٍ جَرِيثَةٍ لِبَعْثِ «مُوَفِّقٍ» مِنْ قَبْرِهِ.

فَقَالَتْ لِي مُتَحَمِّسَةً: «يَا لَهَا مِنْ فُرْصَةٍ فَرِيدَةٍ تُتِيحُ لَنَا الظَّفَرَ بِتَاجِ مَمْلَكَةٍ، وَتُهَيِّئُ لَنَا الْوُثُوبَ إِلَى عَرْشِهَا بِلَا عَنَاءٍ فَسَأَلْتُهَا مُتَعَجِّبًا: «أَيُّ حُلْمٍ أَغْرَاكِ بِهَذَا الْكَلَامِ؟» فَأَجَابَتْ فِي لَهْجَةٍ وَاثِقَةٍ: «مَا أَيْسَرَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَمَثَّلَ فِي صُورَةِ مُوَفَّقٍ»، وَمَا أَهْوَنَ الْبَاقِي عَلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ! فَأُعْجِبْتُ بِرَأْيِهَا، وَصَحَّتْ عَزِيمَتِي عَلَى تَنْفِيذِ اقْتِرَاحِهَا؛ فَدَرَسْتُ حَيَاةَ الْأَمِيرِ وَأَنْبَاءَ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا ، وَأَسْمَاءَ قُوَّادِهَا وَغَيْرَهُمْ مِنْ خُلَصَائِهِ. وَلَمَّا أَحْكَمْتُ خُطَّتِي تَمَنَّيْتُ أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى صُورَتِهِ فَتَمَّ لِي ذَلِكَ. وَكَانَتِ الْخُطْوَةُ التَّالِيَةُ أَنْ أَتَّصِلَ بِأَصْفِيَائِهِ وَخُلَصَائِهِ، فَكَانَتْ فَرْحَتُهُمْ بِلِقَائِي لَا تُوصَفُ. وَلَمْ أَكَدْ أُكَاشِفُهُمْ بِمَا اعْتَزَمْتُهُ حَتَّى تَحَمَّسُوا لِمُنَاصَرَتِي. وَسُرْعَانَ مَا نَجَحَتْ دَعْوَتُهُمْ فِي إِلْهَابِ نَارِ الثَّوْرَةِ وَاجْتِذَابِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لِمُشَايَعَتِي وَشَدّ أَزْرِي وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ حُسّادُ الْوَزِيرِ عَلِيٌّ» وَشَانِتُوهُ (مُبْغِضُوهُ). وَلَمْ تَمْضِ أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ دُخُولَ الظَّافِرِ ، وَنُودِيَ بِي مَلِكًا عَلَيْهَا. وَكَانَ أَوَّلُ هَمِّيَ أَنْ أُهْلِكَ الْمَلِكَةَ عَجِيبَةَ»؛ لِأَخْلُصَ مِنْ مُنَافَسَتِهَا، وَيَسْتَتِبَّ لِي الْأَمْرُ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَلَكِنَّ الْوَزِيرَ عَلِيًّا» فَوَّتَ عَلَيَّ هَذَا الْغَرَضَ. ثُمَّ صَفَا لِيَ الْجَمُّ؛ فَلَمْ يَعُدْ لِي مُنَافِسٌ فِي الْمُلْكِ، وَظَفِرْتُ مِنَ التَّوْفِيقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَظْفَرُ بِهِ الْأَمِيرُ مُوَفِّقٌ لَوْ أَنَّهُ عَادَ إِلَى الْحَيَاةِ. وَلَمْ أُقَصِّرْ فِي مُكَافَأَةِ أَنْصَارِي؛ فَعَهِدْتُ إِلَيْهِمْ بِأَكْبَرِ الْمَنَاصِبِ. وَعِشْتُ آمِنًا مَعَ زَوْجَتِي الَّتِي اخْتَارَتْ لِنَفْسِهَا صُورَةَ حَسْنَاءَ فِي نَضْرَةِ الشَّبَابِ. وَمَا زِلْنَا وَادِعَيْنِ حَتَّى وَفَدَ عَلَيَّ سَفِيرُ مَوْلَايَ يُخَيَّرُنِي بَيْنَ الْحَرْبِ وَتَرْكِ الْمُلْكِ؛ وَهُمَا أَمْرَانِ أَحْلَاهُمَا مُرٌّ. فَكَانَ نَبَأَ هَائِلًا انْخَلَعَ لَهُ قَلْبِي وَارْتَعَدَتْ أَوْصَالِي، وَلَكِنَّنِي كَتَمْتُ خَوْفِي، وَأَظْهَرْتُ لِلسَّفِيرِ قِلَّةَ اخْتِرَاثِي. وَرُحْتُ أُفَكِّرُ مَعَ زَوْجَتِي فِي رَسْمِ خُطَّةٍ لِلنَّجَاةِ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ. فَقَدْ كُنَّا مِنَ الضَّعْفِ وَالِاسْتِخْنَاءِ وَالْجَهْلِ بِفُنُونِ الْحَرْبِ بِحَيْثُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَثْبُتَ لَحْظَةً أَمَامَ جَيْشِكَ الْمُدَرَّبِ الْقَوِيِّ. وَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً لِلتَّخَلِّي عَنْ تَاجِ مَمْلَكَةٍ لَا قِبَلَ لَنَا بِصَوْنِهِ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِالدِّفَاعِ عَنْهُ. وَلَيْتَنَا اكْتَفَيْنَا بِذَلِكَ؛ فَقَدْ أَبَى عَلَيْنَا سُوءُ حَظِّنَا إِلَّا أَنْ نُفَكِّرَ فِي الانْتِقَامِ مِنْكَ وَمِنَ الْمَلِكَةِ «عَجِيبَةَ». هَكَذَا وَسْوَسَ لَنَا الشَّيْطَانُ، كَأَنَّمَا أَسْلَفْتُمَا إِلَيْنَا ذَنْبًا أَوِ اغْتَصَبْتُمَا مِنَّا حَقًّا. وَلَمْ نَلْبَتْ أَنْ أَعْدَدْنَا لِلانْتِقَامِ خُطَّتَنَا؛ فَلَجَأْتُ إِلَى خَاتَمِي لِيُظْهِرَنِي بِمَظْهَرِ الْمَرِيضِ الشَّاحِبِ الْمُشْرِفِ عَلَى التَّلَفِ. وَلَمْ تَنْقَضِ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى نَقَلْتُ نَفْسِي إِلَى هَيْئَةِ مَيِّتٍ فَارَقَتْهُ الرُّوحُ. وَاشْتَرَكَ الشَّعْبُ فِي تَشْبِيعِ جُثْمَانِي. وَجَاءَتْنِي زَوْجَتِي بَعْدَ أَنْ عَادَتْ وَعُدْتُ إِلَى صُورَتِنَا الأولى.

فَخَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَمَا زِلْنَا نُوَاصِلُ السَّيْرَ حَتَّى بَلَغْنَا حَاضِرَةَ مُلْكِكَ. فَرَأَيْنَا الْوُفُودَ الَّتِي أَرْسَلَهَا الشَّعْبُ لِيُبْلِّغُوا الْمَلِكَةَ عَجِيبَةَ نَبَأَ وَفَاةِ عَمِّهَا وَاعْتِرَافَهَمْ بِهَا مَلِكَةً عَلَيْهِمْ. وَشَهِدْنَا تَسْرِيحَ جَيْشِكَ اللَّجِبِ (الْعَظِيمِ) الَّذِي أَعْدَدْتَهُ لِغَزُونَا. وَسَنَحَتْ لَنَا الْفُرْصَةُ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي؛ فَدَخَلْنَا قَصْرَكَ، وَقَدْ تَمَثَّلَتِ امْرَأَتِي فِي صُورَةِ إِحْدَى وَصَائِفِ الْمَلِكَةِ، وَتَمَثَّلْتُ أَنَا فِي صُورَةِ كَبِيرِ الْخَدَمِ، بَعْدَ أَنْ تَخَلَّصْنَا مِنْهُمَا.

وَدَخَلْنَا حُجْرَتَكَ، وَلَمْ يَكُنْ دُخُولُنَا إِلَيْهَا عَسِيرًا، فَقَدْ دَبَّرْنَا خُطَّتَنَا وَأَنْتَ مُسْتَغْرِقٌ فِي نَوْمِكَ، وَكَانَتِ الْمَلِكَةُ «عَجِيبَةُ تَقْرَأُ فِي حُجْرَةٍ أُخْرَى، فَاتَّخَذَتْ زَوْجَتِي لِنَفْسِهَا صُورَتَهَا، وَرَقَدَتْ فِي سَرِيرِهَا إِلَى جِوَارِ سَرِيرِكَ.

أَمَّا بَقِيَّةُ الْقِصَّةِ فَمَوْلَايَ أَعْرَفُ بِهَا وَأَخْبَرُ.

لَيْتَنَا وَقَفْنَا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؛ وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ لِزَوْجَتِي بَعْدِ خُرُوجِكَ مِنَ الْقَصْرِ فَزَيَّنَتْ لِي أَنْ أَنْتَقِلَ مِنْ صُورَةِ كَبِيرِ الْخَدَمِ إِلَى صُورَتِكَ. وَمَا كِدْتُ أُنْزِعُ ثِيَابِي حَتَّى فَاجَأْتَنِي فِي الْحُجْرَةِ. وَكَانَتِ الْخُطَّةُ أَنْ نَحْتَالَ لِلاغْتِيَالِكَ لِيَخْلُصَ لَنَا الْمُلْكُ دُونَ أَنْ يَرْتَابَ فِي أَمْرِنَا أَحَدٌ. كَذَلِكَ قَدَّرْنَا. وَلَكِنَّ إِرَادَةَ اللهِ غَالِبَةٌ ؛ فَقَدْ أَبَتْ عَدَالَتُهُ إِلَّا أَنْ تَقْتَصَّ مِنِّي وَتُعَاقِبَنِي عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ إِسَاءَاتٍ.

إِنَّ ذَنْبِي عَظِيمٌ؛ وَلَكِنَّ عَفْوَ مَوْلَايَ أَعْظَمُ.»

الْفَضْلُ السَّادِسُعِقَابُ الْأَثِيمِ

كَانَ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» يَكَادُ يَتَمَيَّزُ ( يَتَقَطَّعُ) مِنَ الْغَيْظِ ، وَهُوَ يُنْصِتُ لِسَمَاعِ مَا ارْتَكَبَهُ الشَّقِيُّ مِنْ شُنَعٍ. فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ قِصَّتِهِ قَالَ لَهُ: «مَا أَجْدَرَكَ أَنْ تَلْحَقَ بِزَوْجَتِكَ لِتَطْهُرَ الْأَرْضُ مِنْ جَرَائِرِكَ وَآثَامِكَ، وَيَخْلُصَ الْعَالَمُ مِنْ شَرِّكَ وَإِجْرَامِكَ. وَلَوْ لَمْ يَسْبِقْ مِنِّي وَعْدٌ لَكَ بِالْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاتِكَ لَمَثَّلْتُ بِكَ وَقَطَّعْتُ جِسْمَكَ إِرْبًا إِرْبًا. عَلَى أَنَّنِي لَنْ أُعْفِيَكَ مِنَ الْعِقَابِ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَسَأَكْتَفِي بِقَطْعِ لِسَانِكَ لِأُرِيحَ الْعَالَمَ مِنْكَ، فَمَا أَجْدَرَ مِثْلَكَ بِأَنْ يَقْضِيَ شَيْخُوخَتَهُ فِي هَمْ وَبَلَاءٍ، وَعَذَابٍ وَشَقَاءٍ.»

وَاسْتَوْلَى الْمَلِكُ عَلَى خَاتَمَهِ الْمَسْحُورِ ، ثُمَّ تَرَكَ الشَّقِيَّ – بَعْدَ أَنْ قَطَعَ لِسَانَهُ – يَتَلَوَّى مِنَ الْأَلَمِ، وَتَكَادُ تَقْتُلُهُ الْحَسْرَةُ وَالنَّدَمُ.

وَهُنَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمَلِكُ غَالِبٌ يَحْمِلُ إِلَيْهِ أَنْبَاءَ الْمَلِكَة «عَجِيبَةَ»، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يَصِيحَ - مِنْ فَرْطِ الدَّهْشَةِ - قَائِلًا: «أَوَاثِقٌ أَنْتَ مِمَّا تَقُولُ؟ أَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَلِكَةُ «عَجِيبَةُ» بَاقِيَةً عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، بَعْدَ مَا حَلَّ بِهَا مِنْ فَظَائِعَ وَكَوَارِثَ؟» ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَلِكِ «غَالِبٍ وَقَالَ: «بِرَبِّكَ خَبِرْنِي قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ : مَنْ تَكُونُ أَنْتَ يَا مَنْ يَحْمِلُ إِلَيَّ أَسْعَدَ الْأَنْبَاءِ وَأَبْهَجَ الْبُشْرَيَاتِ؟ وَأَيَّ مُكَافَأَةٍ تَتَمَنَّى لِأُحَقِّقَهَا لَكَ؟ فَأَجَابَهُ قَائِلًا: «لَسْتُ إِلَّا ضَيْفًا حَلَّ بِبِلَادِكَ، وَأَسْعَدَهُ الْحَظُ بِلِقَائِكَ ، وَسَاقَتْهُ الْمُصَادَفَاتُ إِلَى لِقَاءِ الْمَلِكَةِ «عَجِيبَةَ»؛ فَأَفْضَتْ إِلَيْهِ بِقِصَّتِهَا، وَأَخْبَرَهُ وَزِيرُكَ بِبَقِيَّتِهَا.»

فَلَمْ يُطِقِ الْمَلِكُ «بِسْطَامٌ» صَبْرًا عَلَى الْبَقَاءِ.

وَلَا تَسَلْ عَنْ فَرْحَةِ الْمَلِكَيْنِ بِاللّقَاءِ. وَقَدْ حَاوَلَ «بِسْطَامٌ» أَنْ يَعْتَذِرَ لِـ «عَجِيبَةَ» عَمَّا أَسْلَفَهُ إِلَيْهَا مِنْ إِسَاءَةٍ غَيْرِ مُتَعَمَّدَةٍ. فَقَاطَعَتْهُ قَائِلَةً: «لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِ الْمَاضِي؛ فَإِنَّ السِّحْرَ هُوَ الْمَسْئُولُ وَحْدَهُ عَنْ كُلِّ مَا أَلَمَّ بِنَا مِنْ مَصَائِبَ وَمِحَنٍ.» فَقَالَ «بِسْطَامٌ»: «هَيْهَاتَ أَنْ أَغْفِرَ لِنَفْسِيَ مَا وَقَعْتُ فِيهِ مِنْ تَسَرُّعٍ وَغَفْلَةٍ. مَا كَانَ أَجْدَرَنِي أَنْ أَسْتَلْهِمَ قَلْبِي لِتَعَرُّفِ حَقِيقَتِكِ. وَا حَسْرَتَاهُ لَقَدِ اسْتَسْلَمْتُ لِمَا حَكَمَتْ بِهِ عَيْنَايَ، فَاخْتَلَطَ عَلَيَّ الْمَظْهَرُ. وَلَوْ حَكَمْتُ قَلْبِي لَكَانَ أَصْدَقَ فِي الْحُكْمِ وَأَخْبَرَ؛ فَقَلَّمَا يُخْطِئُ الْقَلْبُ، وَمَا أَكْثَرَ أَنْ تُخْطِئُ الْعَيْنَانِ.» وَطَالَ حِوَارُهُمَا بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْهُمَا السَّعَادَةُ بِلِقَائِهِمَا، فَلَمْ يُقَصِّرَا فِي الشَّكْرِ لِلَّهِ عَلَى خَفِيٌّ أَلْطَافِهِ وَعَظِيمِ آلَائِهِ، وَسَابِغِ أَفْضَالِهِ وَنَعْمَائِهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَجِيبَةُ» عَلَى «بِسْطَامٍ» تَسْأَلُهُ: «كَيْفَ عَرَفْتَ تِلْكَ الشَّيْطَانَةَ؟» فَقَالَ: «كَانَ مِنْ غَرَائِبِ الاتِّفَاقِ أَنْ صَعِدْتُ إِلَى الْقَصْرِ مِنْ سُلَّمٍ خَفِيٌّ يُوصِلُ إِلَى حُجْرَةِ الْمَلِكَةِ. فَلَمَّا فَتَحْتُ الْبَابَ فُوجِئْتُ بِرُؤْيَةِ رَجُلٍ يُشْبِهُنِي - كَمَا أَشْبَهَتْكِ الشَّيْطَانَةُ - أَتَمَّ الشَّبَهِ. رَأَيْتُهُ يَهُمُّ بِارْتِدَاءِ بَعْضِ مَا أَرْتَدِيهِ مِنْ حُلَلٍ، وَسَمِعْتُ الشَّيْطَانَةَ تُشَجِّعُهُ عَلَى ذَلِكِ؛ فَتَمَلَّكَنِيَ الْغَضَبُ وَعَزَمْتُ عَلَى قَتْلِهِمَا. وَمَا إِنْ رَآنِيَ الشَّقِيُّ حَتَّى أَسْرَعَ إِلَى الْهَرَبِ، وَنَجَا بِأَعْجُوبَةٍ. وَبَسَطَتِ الْخَبِيثَةُ ذِرَاعَيْهَا إِلَيَّ تَلْتَمِسُ مِنِّي الْعَفْوَ وَالرَّحْمَةَ، فَقَطَعَ السَّيْفُ يَدَهَا ، وَكَانَ بِهَا الْخَاتَمُ الْمَسْحُورُ. فَلَمَّا هَوَتْ كَفُهَا إِلَى الْأَرْضِ اسْتَخْفَى وَجْهُهَا الزَّائِفُ، وَتَبَدَّتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا عَجُوزًا حَيْزَبُونًا قَبِيحَةً الْوَجْهِ دَمِيمَةَ السَّحْنَةِ. فَاشْتَدَّ عَجَبِي مِمَّا رَأَيْتُ. فَقَالَتْ لِي ضَارِعَةً مُتَحَسِّرَةً: «لَا تَعْجَبْ مِمَّا تَرَى، فَقَدْ قَطَعْتَ يَدِي وَفِيهَا الْخَاتَمُ الْمَسْحُورُ الَّذِي أَكْسَبَنِي الْقُدْرَةَ عَلَى التَّحَوُّلِ إِلَى صُورَةِ الْمَلِكَةِ عَجِيبَةَ». وَسَتَرَى فِي يَمِينِ زَوْجِي الْهَارِبِ خَاتَمًا مِثْلَهُ، أَتَاحَ لَهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِكَ. وَارْتَمَتِ الْخَادِعَةٌ عَلَى قَدَمَيَّ ضَارِعَةً مُسْتَغْفِرَةً، تَتَوَسَّلُ إِلَيَّ أَنْ أُبْقِيَ عَلَى حَيَاتِهَا. فَقُلْتُ لَهَا حَائِقًا: «لَا تُعَلِّلِي نَفْسَكِ بِالْمُحَالِ، وَكَاذِبِ الْآمَالِ، فَقَدْ ضَاقَتْ جَرِيمَتُكِ الشَّنْعَاءُ عَنِ الْعَفْوِ. وَلَوِ اقْتَصَرَتْ إِسَاءَتُكِ عَلَيَّ وَحْدِي لَهَانَ الْأَمْرُ، وَلَكَانَ لِلرَّحْمَةِ مَجَالٌ. وَلَكِنَّكِ دَمَّرْتِ حَيَاةَ سَيِّدَةٍ بَرِيئَةٍ آمِنَةٍ، فَبَدَّلْتِ نَعِيمَهَا جَحِيمًا، وَحَوَّلْتِ سَعَادَتَهَا عَذَابًا أَلِيمًا، وَانْتَهَى كَيْدُكِ بِطَرْدِهَا ذَلِيلَةً مَهِينَةً. وَهَيْهَاتَ أَنْ أَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكِ.» وَلَمْ أُضِعِ الْوَقْتَ، فَأَهْوَيْتُ بِسَيْفِي عَلَى عُنُقِ الشَّرِّيرَةِ الْعَجُونِ، وَانْطَلَقْتُ فِي أَثَرِ زَوْجِهَا.»

ثُمَّ أَفْضَى إِلَى عَجِيبَةَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ مُقْبِلِ» وَمَا أَلْحَقَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِ.

وَكَانَ الْجَمِيعُ يُنْصِتُونَ إِلَى حَدِيثِ الْمَلِكِ «بِسْطَامٍ» وَقَدْ عَقَدَتِ الدَّهْشَةُ أَلْسِنَتَهُمْ، وَبَلَغَ الْعَجَبُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ. فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ كَلَامِهِ الْتَفَتَ إِلَى الْمَلِكِ «غَالِبِ» وَقَالَ لَهُ بَاسِمًا: «وَالْآنَ جَاءَ دَوْرُكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ النَّبِيلُ، وَآنَ لِي أَنْ أُكَافِئَكَ عَلَى مَا أَسْدَيْتَ إِلَيَّ مِنْ جَمِيلٍ، فَتَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ مِنْ أُمْنِيَّاتٍ، فَقَدْ كُنْتَ أَوَّلَ مَنْ حَمَلَ إِلَيَّ أَسْعَدَ الْبُشْرَيَاتِ.»

وَسُرْعَانَ مَا أَفْضَتْ عَجِيبَةُ إِلَى زَوْجِهَا بِحَقِيقَةِ مَنْ يُحَدِّثُهُ، فَأَسْرَعَ بِالاعْتِذَارِ إِلَيْهِ مُلْتَمِسًا مِنْهُ الصَّفْحَ عَنْ تَقْصِيرِهِ فِي الْقِيَامِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنْ حَفَاوَةٍ وَإِعْظَامٍ. وَابْتَهَجَ الْمَلِكَانِ، وَذَهَبَ الْجَمِيعُ إِلَى الْقَصْرِ الْمَلَكِيّ حَيْثُ نَزَلَ الْمَلِكُ «غَالِبٌ» ضَيْفًا عَلَى صَاحِبِهِ «بِسْطَامٍ»، عِدَّةَ أَيَّامٍ فِي إِجْلَالٍ وَإِكْرَامِ. وَتَوَثَّقَتْ أَوَاصِرُ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ الْمَلِكَيْنِ، فَأَصْبَحَا - مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ - أَصْدَقَ جَارَيْنِ، وَأَكْرَمَ أَخَوَيْنِ، وَأَصْفَى خَلِيلَيْنِ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH